رواية لعبة عاشق الفصول 21-31 الجزء الثاني من (لعبة في يده)




رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الواحد والعشرون

ماذا لو سارت معطيات الحياة حسب ما اتفق هوانا ؟

ماذا لو لم نبذل جهدا مضنيا للحصول على ما هو حقنا بالأساس ؟

لكنا إذ نتحدث عن الجنة وما كان لحديثنا ركنا على أرض الله الواسعة ولكنها حتى الآن شاكرة رغم أنها منذ قليل كانت بمكتب محامية مختصة بالأسرة والنزاع القضائي بشؤونها والتي أخبرتها بوضوح أنه لا مجال لاحتفاظها بسليم في حضانتها فهي ليست أمه ربما من تكون ربت وترعرع الصغير في كنفها إلا أن حقها في الإحتفاظ به معدوم الطفل لأبيه والطفلة لها حتى أجل معلوم وإن شائت تقدمت لها بدعوى ضم لحضانتها ولكنها بذلك تكون قد فرقت طفليها وما ذنبهما ؟


وأمل سخيف يتضاءل داخلها أن يكون جاسر قد تنازل عن الطفلين لها لقد مرت ثلاثة أيام منذ عودتها ليلا بالصغار وتفاجئت صباح يوم أمس بالسائق الخاص به ينتظرها أسفل البناية في تمام السابعة كي يقلها هي والأبناء إلي مدرستهم بناءا على أوامر مرؤوسه الذي أمره أيضا بإصطحابهم منها وأن يكون رهن إشارة منها في أي وقت من ساعات النهار حاملا معه ملابس جديدة لهم وبعض الألعاب الثمينة.


أفاقت من سحابة أفكارها أمام باب المركز ألقت عليها موظفة الإستقبال التحية كان بإنتظارها حالة واحدة لطفلة في السادسة من عمرها ولغرابة الأمر وجدت أن الأب من يصطحبها وعلمت منه سرا بوفاة الأم منذ ثلاث سنوات تأثرت كثيرا لحال الطفلة ورغم ذلك نظرت للأب بشيء من الإجلال ، فبعد فراق زوجته لم يسعی لزواج من أخرى حرصا منه على مشاعر صغيرته فمر بخاطرها ذاك الذي تزوج بأخرى وعلى وشك إنجاب آخر منها يتجرأ ويمنع عنها طفليها ودون أن تدري اشتعلت نار الغضب داخلها بعد انصراف الطفلة وجلست تغلي وتزبد لابد لها أن تواجهه كيف لها أن تترك صغارها في رعاية تلك المتبجحة بحملها في عزاء حماتها وأن تأمن عليهم في غيابه هو عن القصر حتى ساعات الليل المتأخرة بل والأدهی کیف لها أن تخطو بزيارات يومية لأطفالها بعد رحيل صاحبة القصر عنه؟!


وضعت كفيها على وجهها وهي تغرق في بحور اليأس وقلة الحيلة وداخلها مشتعل بحنق غاضب ودت لو تكسر رقبته وبعدها تبكي إلى جوارها وانتبهت بعد قليل لتواجد کریم داخل الغرفة يراقبها بشيء من التسلية فأجفلت وعادت للوراء هاتفة به:

- خضتني على فكرة فاقترب منها ضاحكا:
- إيه نهاية العالم قالو كمان ساعة؟!
زفرت بنفس اليأس:
- ياريت كان زمان الواحد ارتاح عقد حاجبيه وجلس بالمقعد المقابل لها متمتما:
- ياساتر يارب ، طب على كدة بقي نلحق نحتفل رفعت رأسها له دهشة:
- نحتفل بإيه ؟

وضع أمامها كوبان من العصير الطازج وطبق بلاستيكي يحوی قطعة حلوى شهية تقدر بمئات السعرات الحرارية وشوکتان وقال ببساطة:

- بيكي ، ودى حاجة بسيطة تشجعك تكملي طريقك وماتتحججيش تاني بالولاد ضحكت ببلاهة وهي فعليا لا تفهم مغزی کلماته فأردف مفسرا:
- أنت مش حاسة بالإنجاز اللي عملتيه ولا إيه ، مواظبة على الرياضة والحركة والأكل الصحي وخسيتي ولسه عندك طاقة وعزيمة أنت لازم تهني روحك وتكافئيها فضحكت سالي قائلة:
- والله أنت رايق يا دكتور فابتسم لها:
- وأنت لما تشيلي الهم حاجة هتتحل ؟

هزت رأسها مقرة ، نعم فلن يجدي هذا نفعا مع ما تواجهه بل عليها التمتع بطاقة إيجابية كي تقف وتطالب بحقها وحق أطفالها في حياة مستقرة فهز کریم رأسه وشرع في تقاسم قطعة الحلوى وقال بفم ممتلىء متفکها:

- شوفتي معايا حق إزای ؟
دفعت سالي بطبق الحلوى وقالت وهي تبتسم له بخجل:
- أنا هشرب العصير بس ومتشكرة على اللفتة الطيبة دي منك لمعت عينا کریم وترك الحلوى وقال فجأة:
- أول مرة أخد بالي أن عندك غمازة في خدك اليمين بس وضعت يدها لا تلقائيا على خدها الأيمن وقالت هامسة بحرج:
- هيا أصلا مش ملحوظة كانت سالي مدركة أنها تظهر في أوقات وفترات متباعدة وقليل من يلحظها وبعمر زيجتها الكامل لم يلحظها جاسر ولا مرة فهز رأسه رافضا:
- بس دي حاجة مميزة فيكي وكان رنين الهاتف من أنقذها من طوفان دماء الخجل التي تواردت بغير حساب لوجنتيها وبخاصة اليمني فرفع کریم يده لیستأذن بالخروج تاركا لها حرية التحدث حاملا معه مشروبه فقط تناولت سالي الهاتف وعبست فالرقم أمامها غير مسجل وردت وهي تخشى سماع أنباء سيئة عن أطفالها حتى أتاها صوت رجولي معرفا بنفسه:

- آلو مدام سالي ، أنا مجدي المحامي مش عارف إذا كنت تفتكريني ولا لاء ، أنا محامي عائلة سليم يافندم تنفست سالي الصعداء وردت:

- آه ، افتكرت حضرتك ، أهلا وسهلا ، خیر ؟
رد الرجل بلطف:
- كل خیر ياتری حضرتك تقدري تجيلي المكتب النهاردة لو مش في استطاعتك مليني عنوان منزلك وأنا أجيلك في الوقت المناسب تقافزت دقات قلبها بخوف ممزوج بالأمل:
- حضرتك عاوزني بخصوص إيه ؟
تنحنح الرجل بحرج:
- للأسف مش هينفع نتناقش في التليفون فقالت سالي على عجالة:

- أوكية أنا ححود على حضرتك في المكتب الساعة 3 ، مناسب رد الرجل بالإيجاب ، وأنهت سالي المحادثة وداخلها يحدوها بالأمل أن يكون جاسر قد تراجع عن قراره بالإحتفاظ بالصغار بعد رحيل الجدة     منذ يومان والصداع يكاد يفتك برأسه ولايجد سببا له ولا علاج قد يداويه فقرر المرور عليها بالمشفى فهو لم يتحدث معها منذ فترة على إية حال ولم تعاود هي الإتصال به وهو لا يدري أتلك حجته في الوصول إليها تلك المرة بعد إنقطاع؟!

ولماذا هو راغب في إعادة الوصل بالأساس؟!
ولكنه لم يغرق نفسه بالتفكيير ، فهو يعاني من الصداع ، وتلك كانت بالفعل حجته كانت غاضبة ومع ذلك تعاملت معه ببرود منقطع النظير وهي ترفض الكشف عليه قائلة:

- حضرتك محتاج لإختصاص باطنة أو مخ وأعصاب ده مش من إختصاصي فزم شفتيه مستاءا:

- حضرتك؟!
فرفعت أنظارها له وقالت بصوت محتد:
- أومال عاوز أقولك إيه ؟
فقاطعها أو بالأحرى حاول مقاطعتها:
- ريم أنا . .- أنا ماعنديش وقت أضيعه وبصراحة زهقت من لعبة الشد والجذب دي ، أنا فيه في حياتي أكتر من معضلة أولی بیا أتعامل معاها وعادت مرة أخرى لمطالعة المجلة العلمية القابعة بين يدها وأنظارها لا تلتقط أبعد من ألوان صفحاتها فهمس وهو يهم بالقيام منصرفا:
- على فكرة والدتي اتوفت من 3 أيام عشان كده ما اتصلتش بيك من يومها فرفعت رأسها فجأة وقامت وهي تقترب منه معتذرة برجاء:
- أسامة بجد أنا آسفه ماقولتليش ليه قبل كده ؟
رفع عيناه مؤنبا وقال بصدق أحاسيس لم يجرؤ على البوح بها من قبل:

- ماكنتش قادر اتكلم ، ماكنتش قادر حتى أنطقها اتعاملت مع وفاتها زي أي راجل ما بيتعامل ، مابين إجراءات وورق ووصية مش أكتر أنا لسه لحد دلوقت مش مستوعب فراقها . ولكأنما تحول الرجل الفارع الطول ذو الهيبة والمقدرة لطفل وحيد يتيم الأم دون سابق إنذار ، وبعاطفة لم تدر منبعها اقتربت منه وتلقفت رأسه بأحضانها صامتة وأناملها تدور بحركات ضاغطه على جوانب صدغيه حتی همست:


- کده أحسن ؟

رفع حاجبيه وتنهد براحة لم يشعر بمثلها من قبل:
- أحسن كتير ، الصداع راح ابتعد عنها للوراء قليلا حتى تاه في عيناها المتناقضتان فابتسمت له ببساطة وقالت بحزن وكأنما تتحدث عن نفسها هي الأخرى:
- أنت بتداري جواك كتير وده بيضغط عليك وأنت مش حاسس ، مأجل لحظة المواجهة مع كل حاجة والمشكلة أنك ساعة لما تيجي تواجه هيحصل غصب عنك وهتلاقي اللي بتواجهه أكتر بكتير من الحجم اللي أنت فاكره فعبس معترضا:
- قصدك إني بهرب ، لكن أنا بحاول وضعت يدها على فمه فجأة وأردفت:

- الهروب راحة بس هتدفع تمنها بعدين ، صدقني أنا فاهمة أنا بتكلم علي إيه وأنت كمان فاهم عقد حاجبيه وهرب بأعينه بعيدا عن عنها ، فعيناها كأنما تنومه مغناطيسيا إن صح التعبير باستطاعتها سبر أغواره والتحكم بأفكاره والنبش بين ثنايا ماضيه المؤلم هزت رأسها وابتعدت عنه هي الأخرى عائدة لمكتبها وقالت بأمر صریح:

- واجه يا أسامة واختار ، الهروب مش حل   لقد أيقن أن الهرب بحالته مأزق وليس مخرج لذلك غادر وابتعد أعاد ترتيب أولويات حياته والنظر بعين الإعتبار لنواقصه المعنوية أولا ثم المادية نجح بشكل كبير في التغلب على معظم مشاكله والبدء بصفحة جديدة بحياته.

قد يكون كلفه الكثير كلفه فراق لم يدري بعد كيفيه التعامل معه ولكنه ليس متعجلا كما كان في السابق بل هو متقبل لنزعات الفراق وعواقبه ، يشعر بداخله خلقا الإنسان جديد ، إنسان يسعى للتعلم من سوابق أخطاءه ومايقض مضجعه ذاك الهاجس الذي يؤنبه ليلا أن يكون بالفعل فقدها وحتى إن تغير فلن تعود له أمسك الهاتف وللمرة العشرون ربما بعد المائة منذ أن غادر الإسكندرية حاول الإتصال بها ولكن كالعادة لم يستطع إكمال الاتصال وأغلق الهاتف حتى قبل أن تتزايد الأرقام لسبعة وعاد للواقع على صوت صديقه الذي كان يناديه:

- زياد أنا نازل البلد أجيب اللي اتفقنا عليه ، تمام فرفع كفه بهمة مودعا له:

- تمام ماتقلقش وتمتم بعدها بخفوت لنفسه:

- مش هترجع يا زیاد إلا لما تستحقها      وصلت سالي لمكتب المحامي بمنتصف البلد في المعاد المقرر وتفاجئت بوجود نعمات في غرفة الاستقبال فأقبلت عليها الأخير بتحية حارة وهي تحتضنها بشوق لها وللأطفال الذين ما انفك لسانها عن الدعاء لهم بصلاح الحال قاطعتهم مديرة مكتب المحامي قائلة:
- اتفضلوا حضراتكوا أصرت نعمات أن تتقدمها سالي أولا فدخلت غرفة المحامي المخضرم الواسعة وألقت عليه التحية بهدوء واستقبلهم هو بحفاوة ولطف بالغ ودعاهم للجلوس قائلا:

- طبعا أنتو مستغربين إيه لم الشامي على المغربي فهزت سالي رأسها نافية وقالت مؤنبة:

- إزاي حضرتك إحنا عشرة مع بعض فرغم أنها كانت لا تطيق تلك المرأة إلا أنها في الأيام الأخيرة أثبتت لها ولأطفالها إخلاصا منقطع النظير لم يظهره له زوجها الذي عاشت بكنفه لسنوات فربنت نعمات على يدها بتقدير وهي تقول:
- ربنا يعلم بغلاوتك عندي والله تنحنح مجدي حرجا وقال:
- حيث كده نبتدي مدام سوسن الله يرحمها كانت سايبه ليكو أظرف هديهالكو في نهاية الجلسة وليا أنا ظرفين بشأنكم هقراهم عليكو دلوقت ولو تحبوا كل واحدة تعرف محتوى ما يخصها لوحدها ماعنديش مانع فنظرت كلتاهما لبعض بتعجب وقالت سالي:
- أنا ماعنديش مانع ، خير ؟

وفي نفس اللحظة ردت نعمات بأن لا مانع لديها أيضا فوضع المحامي عويناته وشرع في قراءة الوصيتان اللتان تركتهما الراحلة بصوت هادىء وتعالى الذهول ملامحهما حتى انتهى مجدي من قراءة الوصيتان فأغروقت أعين نعمات بالدموع وهي تترحم على مرؤوستها بصوت مرتفع وأردفت بشفاة مرتجفة:

- بس ده كتير بيت ووديعه وأنا بس كنت هسيب شغلي أنا هفضل في خدمة ولادها لحد آخر يوم في عمري هز المحامي رأسه وقال:
- أنت تستاهلي كل خير يا دادة نعمات ، أنا هعتبر دي موافقة منك وهبتدي بكرة بإذن الله في الإجراءات هيا شددت في الوصية أن البيت اشتريهولك في الحتة اللي تعجبك مهما بلغت تكفلته وجاسر بيه أصر أن الوصايا تتنفذ بحاذفيرها فوضعت نعمات يدها على شفتيها المرتعشة فيما كانت سالی محدقة بذهول لم تتخطاه بعد وداخلها رغبة بالرفض تتصاعد أفصحت عنها بقوة:

- أنا ماقدرش أقبل بالمبلغ ده ، مستحيل فالتفتت نعمات لها وكذلك أنظار المحامي الدهشة قائلا:

- ليه بس يا مدام سالي ؟
قامت سالي وهي لا تود تبرير رغبتها ليس لأنها لا تمتلك تبريرا هي تمتلك الآلآف ولكنه هو ونعمات لن يتفهما قط ولذلك آثرت الصمت وعدم الاعتراف بشيء قائلة:
- أرجوك دي رغبتي ومتشكرة جدا وآسفة إني ضيعت وقتك هتف المحامي بها قبل أن تنصرف مسرعة:
- مدام سالي فالتفتت له قائلة:
- أنا فيه حاجة أكيد لازم أمضي عليها عشان أخلي مسئوليتك صح؟!
هز مجدي رأسه بالإيجاب ولكنه نفى:
- ده صحيح لكن مش معناه إني أخدت موافقتك كموقف نهائي ، أنا هسيبلك فرصة أسبوع . . اتنين براحتك ومنتظر ردك بعد ماتكوني فكرتي فهزت رأسها رافضة العرض جملة وتفصيلا قائلة:

- لو سمحت إديني الورق أوقعه دلوقت منغير ما أضيع وقتك أكتر من کده جلس الرجل إلى مقعده وهو يشير لها بالنفي:

- مش هيحصل واجبي ناحية موكلتي الله يرحمها إني أنفذ وصيتها وأمنحك الوقت الكافي للتفكيير فقالت سالي بسام:
- براحتك بس هتفضل مستني كتير لأن رفضي نهائي فقال مجدي بلطف:
- طب إيه رأيك تبلغيني قرارك الجمعة الجاية ، قدامك وقت أهوه تعيدي النظر فهزت رأسها بقبول تحت إلحاح من الرجل والذي انضمت له نعمات أيضا إذ قالت:
- ماتستعجليش يا مدام سالي ، ده حقك مش كفاية . . . . وتوقفت نعمات عن الحديث عندما لمحت طعنات الألم تغتال صفاء أعينها فابتسمت لها سالی رافضة تعاطفها قائلة:

- متشكرة ومبلغ حضرتك قراري النهائي اللي مش هيختلف کتیر لكن طالما أنت مصر ، عن إذنكوا      لو لم تكن سيدة الأعمال الأولى بالشرق الأوسط لكانت مزارعة الورود الأولى هكذا كانت تحدث نفسها وهي تنتقل بخفة فراشة من ركن لآخر مستنشقة عبق الورود اليافع تنتقي زهورا لصديقتها التي وضعت مولودها الأول بالأمس القريب وكان هو يقف يراقبها دون أن تشعر حتى قادتها خطواتها دون أن تشعر لصدام هو من خطط له فرفعت رأسها وجلة فابتسم لها وقال فجأة:


- آسف . . . . آشري ، إيه المفاجأة اللطيفة دي ! فتمتمت بإعتذار هي الأخرى وهي تعود للخلف خطوتان وعند الثالثة اقترب منها ليصبح الفارق فقط خطوة:

- عاصم بيه ، سوری ما أخدتش بالي فعبس ممازحا:
- عاصم بيه ، إحنا لسه محتفظين بالألقاب بينا ولا إيه فهزت رأسها بحرج وأردف بلطف:
- ياترى بتشتري ورد لمين ؟
فابتسمت:
- واحدة صاحبتي ولدت إمبارح وكنت ناوية أزورها فرفع حاجبيه متصنعا الدهشة قائلا:
- ماتقوليش رايحة لعيلة المسلماني ، أنا كمان كنت رايح وكنت جاي اشتری ورد فتعجبت آشري للغاية إذ إنها لم تدري بوجود علاقة تجمعهم بالأساس:
- معقول؟!

فبرر عاصم وهو ينتقي الزهور مثلها بزهو:

- دخلت شريك مؤخرا مع أحمد في مشروع ضخم أوي ، ما سمعتيش خبر الصفقة دي ولا إيه . ده كل مصر بتتكلم عنها هل يظن أنها تتبع أخباره؟!
ياللعجب فقالت نافية وهي تتعجل الرجيل:
- لاء ، سوري أول مرة اعرف ، عموما فرصة سعيدة أني شوفتك فاستوقفها عاصم قائلا:
- طب ماتيجي نروح سوا فهزت آشري رأسها وهي تتعجل الهرب:
- أنا كنت هبعتهم ديلفيري عشان عندي مشوار مهم وأعدي عليها بعدين كان عاصم متفهما لحاجتها للابتعاد عنه كلما اقترب ولكنه في تلك المرة استوقفها قائلا بصوت خافت:

- زياد نقل وكمل حياته بعيد عنك ، أظن أنه آن الأوان تكملي حياتك يا آشري فعقدت حاجبيها غاضبة وقالت بصوت محتد وأصابعها تقسو على الزهور المسكينة بحوزتها:

- أظن أنه نوت يور بیزنس ومش من حقك ولا أي حد يتدخل ويقولي إيه المفروض أعمله فرد مدافعا:
- أنا مش قصدي أتطفل عليكي لكن صعب ليدي جميلة زيك تضيع عمرها في إنتظار شيء مستحيل واحمرت وجنتها بغضب لم يمر بها في حياتها من قبل حتى قالت دون أن تدري:

- إنت إنسان وقح وانصرفت غاضبة من متجر الزهور والدموع تكاد تعمي بصيرتها أهكذا يراها الجميع متعلقة بدرب مستحيل؟!

تضيع لحظات عمرها الثمينة في إنتظار من سيعود وهو ليس بعائد تركها خلفه وشرع في المضي بحياته غير عابئ مضي نحو المستقبل وهي خلفه متعلقة بحبال ماض مهترئ حتى توقفت عن السير لوجهتها الغامضة حتى لها والتفتت حولها تبحث عن سيارتها بذهن شارد تمسح فيض دموعها وداخلها يتوعد الهارب " أبدا لن أسامحك " يزداد شعوره بالخواء الذي أصبح يعشش داخله كلما عاد ليلا للقصر الخاوي دونهم أمه وأطفاله ومن كانت يوما زوجته حياة اختفت وأخرى تبدلت وماعاد يدرك أبسط ملامحها ولكم يرغب بالعودة وبشدة للماض بحادفيره بكل مافيه بكل الآمه وآماله طالعته أنظارها الساخطة واستقبلته بجفاء واضح قائلة:
- أنا عاوزة أعرف لحد امتى هفضل محبوسة ؟

تجاوزها حتى وصل للغرفة ودخلها وهو غير عابیء بخطواتها المتقافزة خلفه وشرع بخلع سترته ببرود دون أن يمنحها ردا ولا حتى نظرة فقالت بإلحاح:

- جاسر أنا بكلمك فرفع أنظاره الساخطة نحوها قائلا:
- عاوزة إيه يا داليا أنا راجع تعبان ومش رايقلك فاقتربت منه وهي ترسم إمارات الحزن ببراعة على ملامح وجهها- أنت هتفضل زعلان مني لحد إمتى؟!
فرفع حاجبيه ساخرا ولم يكلف نفسه عناء كتم ضحكة مريرة:
- مش بقولك أنك بتدي نفسك حجم أكبر منك وأنت مش مصدقة فهزت رأسها ودمعة فرت من عيناها دون قصد منها:
- عاوز تقول أني ولا حاجة بالنسبالك ، أنا عارفة ومتأكدة واستمسكت بصدره وأردفت بشفاة مرتجفة:

- صدقني أنت مابتبذلش أدنى مجهود في أنك تعبر عن ده ، لكن أنا مش هستسلم ، أنا هفضل أحارب لحد ما أوصلك مش هسيبك ولا هتنازل عنك زي اللي قبلي جف حلقه وهي دون أن تدري تشق صدره بصلابة رأس عما يشعر به بالفعل لقد تخلت عنه سابقتها لم تدافع عن حقها به لم تشعره بأهميته تركته خلفها وترکت صغارهما ولم تبال سوی بالابتعاد عنه فقال بصوت متحشرج وهو يبتعد عنها:

- عاوزه تخرجي إخرجي ، براحتك فاقتربت منه وأمسكت بذراعه قائلة:
- أنا عاوزة نسيب هنا . بكل الذكريات اللي فيه ونبتدي في مکان . . . . فهب من أحزانه زاعقا:

- أنا عمري ماهسيب هنا ، ده بيتي وبيت ولادي ، عاوزة تعيشي هنا أهلا وسهلا مش عاوزة بالسلامة فتعلقت به رغم ثورة غضبه الأسود:

- یا جاسر صدقني هنا هيموت كل حاجة بينا فأمسك بذراعيها بحزم ليبعدها عنه ويقطع إلتصاقها به قائلا بصوت كالفحيح:
- أنت مش هتفرضي عليا أعيش فین ، نقطة وآخر السطر ، وآخر مرة تفتحي فيها حوار زي ده تاني لمصلحتك واتجه للحمام ليغتسل تاركا إياها ترتجف بخوف ، تلك المرة الثانية في أقل من يومان تقابل فيها جانب أحلك مايكون من جوانبه المتخفية تخطو بظلامه وظلمه وبعليائه يأمر وعليها الطاعة ظنت أنها بحبها ستنجو ولكن من الواضح أنها تغرق ولا سبيل للنجاة ولا سبيل أيضا للاستسلام     الغرفة الخاوية المظلمة دونها أصبحت ملاذه يجلس بالمقعد المجاور لفراشها البارد يدور بفلك أفكاره كسفينة فقدت ربانها ولا مرسى لها والهواء العليل يضرب صدره بسقيعه يثير إنتباهه ، يمنعه من السقوط بهاوية ظلماته وهاتفه يضيء بعتمة الغرفة بالمكالمة التي انتظرها منذ صباح اليوم ، أتاه صوت مجدي معتذرا:

- أنا آسف انشغلت وحقيقي نسيت أكلمك رد بصوت قاطع:

- رفضت همس مجدي:
- زي ما كنت واثق ، لكني أكدت عليها إني منتظر قرارها النهائي يوم الجمعة ربما تتكاثر المتغيرات من حوله مما يثير حنقه ولكن المعطيات الثابته هي أساس الحياة ابتسمت عيناه في الظلام ولمعت برمادية نيران اشتعلت وأتت على كل شيء فلعبته لم تتغير وكما سيحرص لن تتغير وستعود مجددا خيوطها ساكنة بين أصابعه    الجمعة يوم تقليدي بالبيوت المصرية القديمة يوم تجمع العائلة وغداء دسم يعقب الصلاة والأحفاد يلتمون حول طاولة مستديرة والأحاديث لا تنقطع استيقظت صباحا وغيرت ملابسها سريعا وكذلك أطفالها وهي تعدهم بحلوى إن أحسنوا التصرف لهذا | اليوم وخرجت وألقت تحية الصباح على أمها المشغولة بشؤون المطبخ فقالت سالي عابسة:

- برضة يا ماما قولتلك أنا لما أرجع هعمل الغدا فابتسمت مجيدة لها:

- عبال ماترجعي يكون أختك وجوزها والولاد جم تريحني أنت وتفرشي السفرة فقبلتها سالي مودعة وكذلك الصغار قائلة:
- ماتقلقيش ساعتين بالظبط ونرجع بإذن الله فقالت مجيدة:
- أنا مش عارفة إيه حكاية النادي اللي كل يوم ده ، حتى الجمعة لازم تروحيه ! فاعترضت سلمی:
- أنا عاوزه أروح النادي ضحكت سالي وقالت:

- مش هنتأخر ، مع السلامة وما أن عبرت سالي بأطفالها أسوار النادي حتى تسارعت خطواتهم نحو مجموعة التدريب الملحقين بها فودعتهم سالي بتحية واتجهت بدورها لصالة الألعاب کي تمارس رياضتها المفضلة ولكن مع نسمات الهواء العليلة آثرت التريض بالمضمار العريض حول الفناء الواسع مارست أولا تدريبات الإحماء ثم شرعت بالركض البطيء وأفكارها تسبح بمعزل عن الضوضاء الخفيفة حولها ، هي لم تصارح والدتها بفحوى الوصية التي لم تفهم مغزاها بعد واعترفت لنفسها أنها تخشى أن تؤثر والدتها عليها لتقبل تلك الأموال الطائلة وداخلها لا يدرى لم هي حقا ترفض قبولها هل لكونها منة وعطاءا من ناحية آل سليم ، أم لأنها تشعر أنها بالأصل منحة منه ، فهو الذي يكد بالعمل أولا وأخيرا ولم تكن والدته سوی متحصلة على نصيب بأمر الشرع ولكن في ذات الوقت هي تسعى للتفكير بعقلانية في الأمر تلك الأموال قد تحل كثيرا من مشاكلها المادية التي لا تعانيها حقا ولكن من يدري؟!


وخاطرة جديدة تمر بعقلها هل بإمكانها المساومة تمنحه الخمسة ملايين مقابل الاحتفاظ بسليم وسلمی وعند تلك الخاطرة الحمقاء انفلتت ضحكتها الساخرة فما قيمة الخمسة ملايين بنظره؟!

وأبطأت من سرعتها حتى توقفت لاشيء لاشيء بالمرة فهو لن يتخلى عن أطفالهما أبدا لا لشيء سوى العند القاتل والمتحكم بدمائه تحية الصباح المألوفة لها أخرجتها من دوامة أفكارها البائسة فالتفتت لمصدرها لتطالع وجهه المتبسم الذي قال:
- هوا على طول كده أنت شايلة الهم؟!

فابتسمت دون حيلة وقالت:

- لا والله بس أنت حظك كده معايا فاقترب منها قائلا بزهو:
- بالعكس ده حظك أنت لأني معروف عني إني حلال المشاكل هزت رأسها بتقدير وقالت:
- أنت بالفعل حليت أكبر مشكلة كانت بتواجهني فعقد حاجبيه وقال جادا:
- بجد ؟
إيه هيا ؟
فبسطت كفيها وقالت بخفة:
- اشتغلت فقال بتقدير:

- ده من حسن حظي ، كنت هلاقي زيك دكتورة شاطرة مع الأطفال فين؟!

صمتت وابتعدت بعيناها عنه بخجل فقال ليتجدد الحوار بينهما:
- بس مش من عادتك تيجي النادي الجمعة هزت رأسها نافية:
- الصراحة لاء بس الولاد شجعوني عندهم تمرین إستثنائي النهاردة وأنا محتاجة أغير جو وأردف ليكمل:
- وتفكري فهزت رأسها بالموافقة وكررت خلفه:
- وأفكر فقال بإلحاح:
- في إيه ؟

ودون أن تدري قصت عليه قسما كبيرا مما كانت تفكر به فبطبيعتها الثرثارة التي لا تجد غضاضة في البوح بما يختلج بصدرها بصوت مرتفع استمع لها وقال دهشا:

- إنت إزاي ترفضي ، وأنت تقدري تعملي حاجات كتيره بالمبلغ ده تنفعي بيه نفسك وتنفعي الست دي الله يرحمها فعللت موقفها:
- مقدرش أقبل ، ده مش طبيعتي فتوقف عن السير والتفت ليواجها قائلا بحزم:

- النفع مش شرط يكون مادي يا سالي ، هيا آه فلوس بس أنت تقدري تحوليها لمسار تاني تغير كل حياتك فكري كده إذا أخدتي الفلوس وعملتي بيهم مركز أسنان خيري ، شوفي النفع اللي ساعتها هيعود عليكي وعلى حماتك الله يرحمها . . . وعلى الناس ، طاقة إيجابية هتغير كل حاجة في حياتك وكأنما بعث هو بالطاقة في أوصالها وانتعشت أورتها وأزدادت دقات قلبها بها وقالت بحماس منقطع النظير:

- تصدق معاك حق فابتسم وتحولت بسمته لضحكة مرتفعة ونظر لها بتقدير بالغ:

- أنت طيبة أوي ياسالي مجرد فكرة أنك تاخدي الفلوس ليكي كنتي رفضاها ولما اتقلبت لمصلحة غيرك وافقتي فورا فهزت رأسها وهي تبتعد بعيناها عن نطاق حصاره:

- لاء أنا في دي بتاعة مصلحتي ، يمكن الخير يعود عليا باللي بتمناه فقال مقرا بهدوء:
- لازم ، عموما أنا في الخدمة وقت ما تنوي هتلاقيني معاكي ثم أردف ممازحا:
- وبحذرك ماحدش هيدير المشروع ده غيري دي فكرتي من الأول فضحكت سالي وقالت بلطف:
- بس كده أنا هتعبك معايا فهز رأسه نافيا:

- بالعكس أنت لو تعرفي أنا كان نفسي أد إيه من زمان في عمل خيري زي ده هتعرفي أنك بتعملي فيا معروف


عادت لمنزل والدتها منذ ساعتان وساعدتها بإعداد طاولة الطعام بهمة ونشاط فائقين حتى قالت مجيدة متعجبة:

- وأنا اللي كنت فاكرة هترجعي تعبانة ضحكت سالي وقررت مصارحة والدتها بأمر الوصية والأموال الطائلة التي ستحصل عليها فاصطحبتها لغرفة الصالون الهاديء وعرضت عليها الأمر منذ بدايته حتى قرارها الأخير بالاحتفاظ بالأموال وعلى عكس ماتوقعت سالي كان رد أمها بالرفض معللة- أنا خايفة يابنتي يكون عنيه على الفلوس دي وتدخلي في مشاكل معاه فضحكت سالي لبساطة أمها:

- ماما 5 مليون مش مبلغ عند جاسر ، زائد أن المحامي أكد عليا إصراره بتنفيذ وصية أمه الله يرحمها بحذفيرها فاعترضت مجيدة بإصرار:

- وعليكي من وجع الدماغ ده بایه ما تاخدي الفلوس وتشيليهم في البنك وخلاص فرفضت سالي بإصرار:
- يا ماما أنا فكرت في كلام کریم ، الفلوس دي أنا مسئولة عنها قدام ربنا ولما اقدمها في عمل خیر ، بإذن الله ربنا يجعله في ميزاني وييسرلي حياتي فعبست مجيدة متوجسة:
ومین کریم ده كمان ؟
فابتسمت سالي لأمها بهدوء:

- ده الدكتور صاحب المركز اللي بشتغل فيه ، إنسان محترم أوي فضاقت عينا مجيدة وهي تقول بهدوء حذر:

- یعني هوا مستغني عنك كده يقترح عليكي مشروع أنت ِ تكوني صاحبته فهزت سالي كتفيها بعدم فهم:
- وده هيضره في إيه وبعدين الدكاتره على قفا من يشيل ، غير أنه أصر يشاركني في المشروع ده عشان نفسه هوا کمان في مشروع خيري فتنهدت مجيدة بمكر:
- آه قولتيلي ، هيشاركك . . . طيب فاحمرت وجنتا سالي وهي تراقب نظرات أمها الماكرة المتفحصة لها وقالت بإعتراض وهمت بالانصراف لبقية شؤونها المتأخرة:
- على فكرة الموضوع مش زي ما أنت فاكرة خالص ، وأنا رايحة أشوف الل ورايا قبل ما عصابة سيرين تهجم علينا راقبت أمها خطوات ابنتها الصغيرة الهاربة بقلب راجف وهي تدعو الله أن يسد خطاها وتهمس:

- ربنا يبعد عنك ولاد الحرام يابنتي وقفت أمام الباب لا تصدق ناظريها تطالعه لكأنما كان غائبا عنها عشر سنوات وليس فقط بضعة أيام تحاشت فيهم الاقتراب منه بأي شكل ألقي عليها التحية بصوته الواثق وعيناه تلتهم تفاصيلها القديمة لقد فقدت الكثير من وزنها وعاد جسدها لطبيعته التي ألفها سابقا عادت ضئيلة كما كانت بلمحات أنوثة طاغية اكتسبتها مع مرور السنون ، قصيرة لازالت ترفع ناظريها له فرأسها لا يتجاوز كتفيه فتنحنحت وبصوت مرتجف أدركت أنه أتي لإصطحاب إبنائها وهي التي لم تشبع من صحبتهم فعقدت حاجبيها غاضبة وردت عليه التحية فقال بوجه عابس وصوت لائم:


- إيه يا سالي هنفضل واقفين على الباب كتير؟!

تراجعت للخلف خطوتان لكي تفسح له الطريق وقالت بهمس مكتوم:
- اتفضل وعندما دلف إلى الداخل لاحظ على الفور ظل أختها وأطفالها ومن خلفهم تتسابق خطوات صغاره نحوه فتلقفهم بصوت مرح وقبل رؤوسهم قائلا:
- وحشتوني كده برضه ماتتصلوش تسألو عليا فابتسم الصغيران بخجل وقالت سلمى ببراءة:
- ما أنا ماعرفش نمرة تليفونك فالتفت للساكنة وراءه قائلا بمكر:
- ماما تعرفها ثم رفع جسده مرة أخرى ليستقيم ويلقي التحية على سيرين التي كانت تنظر له شزرا ومن خلفها مجيدة التي خرجت من غرفتها وقابلته بعيون لائمة ورغم ذلك قالت بصوت هادىء يمليه عليها الواجب:

- البقاء لله يا ابني فهز رأسه بحرج وقال بصوت متحشرج:

- البقاء لله وحده فأشارت مجيدة لسالي قائلة:
- أدخلوا أقعدوا في أوضة الصالون مايصحش تخلیه واقف کده فأشارت له سالي بصمت فتقدم بخطوات واسعة حتى وقف بمنتصف الغرفة وهمت سالي بالانصراف لتتركه وحيدا مع أطفالهما فاستوقفها قائلا بحزم:
- استني ياسالي ، أنا عاوز أتكلم معاكي والتفت إلى صغيره قائلا:
- سلیم خد أختك ورحوا اقعدوا مع تيته دلوقت ، عاوز أتكلم مع ماما راقبت انصراف الصغار ودون أن تدري شعرت بالخوف لكونها بمفردها معه بين جدران أربع بالرغم من أنها جدران منزلها قاطع جاسر شرودها بإقتراب قائلا بصوت جاهد ليمحي عنه آثار الغيرة:
- معتصم هنا ؟

فعقدت حاجبيها بتعجب والتفتت له قائلة:

- لاء ، بتسأل ليه ؟
فتنحنح قائلا:
- أبدا ، فضول مش أكتر نكتفت ذراعيها بدفاع قائلة:
- وأديك عرفت الإجابة ، خیر کنت عاوز إيه ؟
فابتسم لها دون حيلة ، عصفورته الصغيرة عادت للمشاكسة ثم قال بصوت رصین:
- مجدي كلمني قالي أنك رفضتي الوصية فأخذت نفسا عميقا ورفعت حاجبيها وقالت بتوتر:
- إحنا اتفقنا إني هبلغه قراري النهائي النهاردة فهز رأسه واقترب منها قائلا بصوت حميم:
- کویس وأنا جاي أأكدلك إن ماعنديش إعتراض ، أنا ماکرهلكيش الخير ياسالي فزمت شفتيها وقالت هازئة بكبرياء:
- وفكرك حتى لو اعترضت أنا هيهمني وعموما أنا قررت أني هاخد الفلوس فعقد حاجبيه وقد تفاجىء لا فقط بذاك القرار الذي سعى للحضور لإقناعها بالموافقة عليه بل ومساعدتها للتصرف بتلك الأموال الطائلة وليظهر هو بمظهر ملائكي بل لتلك النظرة النارية بعيناها فقال:
- وأنا سعيد بقرارك ده وماكنتش ناوي أقف قصادك وأمنعك من حقك فاقتربت منه وقالت بقوة:

- بس أنت فعلا مانعني من حقي هتف مستنكرا:

- أنا هزت رأسها ورددت بإصرار:
- أيوا حقي في أولادي فرفع رأسه بخيلاء سطر له وحده دون البشر قائلا:
- أنت اللي اخترتي فقالت تحمله الذنب:
- ده ماکنش موضع اختیار یا جاسر اقترب منها وداخله يعتمل بغضب:
- أنا الأول خيرتك ووافقتي وتكوني معايا لآخر الطريق وجيتي في النص ورفضتي واخترتي تمشي ، وأنا ما أجبرتكيش على حاجة فاحمرت وجنتها بنفس الغضب وربما الضعف:
- وكنت عاوزني أعمل إيه أشوفك بتتجوز وأكمل معاك وأنا اللي أسميلك مولودك التالت ، ولا كنت أعمل أيه ؟
فقال بهمس بارد جمد الغضب بعروقها حتى شعرت بالقهر:
- ليه أم تسميه كتمت دموعها بصعوبة بالغة وقالت بصوت ينهار ألما:
- ربنا يخليهالك فرفع رأسه بعد وقال:

- أنا أهم حاجة عندي ولادي ، مش هيفارقوا حضني يا سالي فاقتربت منه بتحدي وقالت بعزم باد بقسمات وجهها التي أنارت مرة أخرى:

- ولا هيفارقوني ولمعت عيناها بإنتصار وهي تلمح إهتزاز شفتيه ورفعت صوتها لتنادي صغارهما للجلوس مع والدهما وانصرفت عنه بعيناها وهي تستمع لصوته الذي يحاول التحلي بالهدوء وهو يخبر صغاره أنه سيمر عليهم بعد غد لإصطحابهم مرة أخرى للقصر فأظلم محيا الصغيران فقال جاسر متوجسا:
- ولا أنتوا لسه عاوزين تقعدوا مع ماما ؟
فهتف سليم:

- أيوا بابا با سیبنا هنا حبه كمان فزم شفتيه وقال بصدق:

- بس أنتو بتوحشوني يا سلیم فشعر سليم وأخته بالذنب ناحية والدهما فأقبلت سالي عليهم مرة أخرى لتنفي عنهم ذاك الشعور فهما المذنبان بحقهما وليس العكس قائلة بثقة:

- انتو هترجعوا مع بابا بعد بكرة وأحنا هنرجع لنظامنا القديم ويوم الخميس هتيجوا تباتو معايا     نعم هو لا يحبذ التعاطي مع المتغيرات وما كان يبقيه واثقا ثوابت الحياة ولكن بعد تلك الزيارة القصيرة أدرك إنقلاب موازين الأمور فالمتغير أصبح ثابتا والثابت أضحى ماضيا ولعبته قطعت خيوطها وباتت حرة دونها تتحرك كيفما اتفق هواها وخطواتها لم تعد متعثرة بل هي واثقة بدربها والأدهى أنه درب يجهله.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثاني والعشرون

تتعاقب الفصول والأزمنه وكذلك المشاعر ينقلب السخط إلى رضا ، والحزن إلى فرح ، والتوق إلى زهد وماكان مستحيلا بالأمس القريب يكون واقعا ملموسا بجوانبه تعملت أن تخوض دروب الحياة وتحصد ما تقدمه يديها بلحظة إنهارت حياتها وأطاحت بكل ما هو ثابت لها بيت وزوج وأسرة صغيرة باتت " شبه وحيدة " كما تحب أن تفكر ، وتعلمت أيضا أن تأخذ بالجانب الإيجابي فقط من الأمور كما أخبرها کریم ذات مرة أنهت آخر حالة وودعها الطفل الصغير بإبتسامة عريضة وهو يردد لوالديه " ماحستش بحاجة خالص " فابتسم له کریم بالمقابل ودلف إلي العيادة ليحادثها مازحا:


- خلاص كل الأهالي بقت بتطلبك أنت بالذات للأطفال فابتسمت سالي ومازحته:

- ربنا يبعد عنا بس العين فضحك کریم:
- أنا مش بقر أنا بنق بس ، المهم فاضية النهاردة على ستة كده ؟
فعقدت سالي حاجبيها قائلة:
- يعني ممكن نخليها سبعة ، خير ؟
فقال كريم بجدية:

- السمسار كلمني وبيقول لقى موقع خرافي فابتسمت سالي هازئة:

- على الله يكون صادق المرادي بقاله يجي شهرين ملففنا وراه رفع کریم يده قائلا بحزم:
- لا أنا آخر مرة كلمته جامد وأكد عليا المرادي أنه فيه كل المواصفات فقالت سالي:
- خلاص بس خليها سبعة أكون لحقت أقعد مع الولاد شوية فاقترب منها كريم قائلا بلطف:
- هوا باباهم لسه مش موافق يعيشوا معاك تنهدت سالي بحزن:
- أنا فاهماه کویس ، جاسر طول عمره عنيد ، بس عندي أمل يفوق ويحس ده مأثر إزاي علي نفسية الولاد ، سلیم بالذات فعبس کریم متشككا:
- هيا مراته بتعامل الأولاد إزاي ؟

فضحكت سالي هازئة:

- اللي عرفته أنه محرج عليها تحتك بالولاد وهيا أصلا مالهاش خلق على مراعيتهم فزم کریم شفتيه مستاءا:
- بجد شخصية غريبة أوي ، أنا ممكن أعند في شيء يخصني إنما مصلحة ولادي دي مافهاش عند فهزت سالي كتفيها وقالت هامسة:
- ده جاسر هوا صح إلى أن يثبت العكس وتطلع أنت اللي غلطان برضه فقهقه کریم بصوت مرتفع وهز رأسه غير مصدقا وقال وهو يتأمل ملامح سالي المستاءة:
- وده كنت عايشة معاه إزاي؟!

فسرحت سالي بأبصارها بعيدا عنه ولكأنما تذكرت فكيف لها أن تنسى كيف كانت الحياة إلي جوار هذا الصلد العنيد؟!

فأقرت بحزن هامس:
كنت بسمع الكلام ظل کریم ينظر لها مليا حتى قال:
- بس الجواز مش واحد يتكلم والتاني يسمع ياسالي ، الجواز اتنين يتكلموا ويتفاهموا فهزت كتفها دون حيلة قائلة بسخرية مريرة:
- یعني أنت كنت شوفتني كملت؟!
فاقترب منها هامسا:

- أنا مش بقولك كده عشان كنت تكملي أنا بقولك كده عشان تتأكدي أنك كنت صح " فن التجاهل " عنوان أحد كتب التنمية البشرية التي تكتظ بهم مكتبة کریم والذي اعتادت إستعارة الكتب منه وكان لا يجد أي غضاضة في ذلك ، بل كان سعيدا بتلك الحالة من التفاهم والانسجام بينهما فلقد إكتشف ولعهما المشترك بنفس الأشياء القراءة والتريض ومشاهدة الأفلام الكلاسيكية القديمة ولشدة ولعها بذلك الكتاب منحها كريم إياه مازحا بأنه ارتكب أحد أكبر الحماقات في التاريخ إذ تبرع لها بالكتاب دون مقابل فالكتب بنظره ثروة ، کنز ثمين ، فكيف بصاحبه أن يتخلى عنه؟!


كانت بالماضي تختزن داخلها كل الذكريات والمواقف السيئة ، تعيرها حجما كبيرا وتقتطع منها طاقة هائلة للتعامل مع كم هذا المخزون ولكن بخطوات بسيطة استطاعت تنمية هذا الشعور الرائع بل هو الأروع على الإطلاق " التجاهل " فأصبحت المضايقات المتكررة التي تلاقيها على يد تلك المدعوة داليا تثير سخريتها وليس غضبها تجعلها ترى أي إمرأة مهزوزة ضعيفة هي بل توصلت لحقيقة الأمر إنها أضعف منها هي شخصيا إنها ك " دون کیشوت " تحارب طواحين الهواء تسوق قدماها نحو الماضي لتحارب أشياء ماتت واندثرت وكل هذا في سبيل أن تتوقف سالي عن الحضور اليومي وملاقاة أطفالها والتمتع معهم بوقتها رغم أنها لم تری جاسر سوی مرتان فقط خلال الشهرين المنصرمين وفي المرتين تحاشت الإحتكاك به لا خوفا منه ولا مراعاة لتلك الغيورة بل لخاطر أطفالها وها هي تقف تبتسم لها بسماجة قائلة:


- كويس أنك بتعرفي تيجي المشوار ده كل يوم نظرت لها سالي بطرف عيناها وابتسمت لها ساخرة ثم التفتت لسليم الذي كان يحملق بكتاب الرياضيات غاضبا وقالت:

- سلیم حبيبي ماتدایقش نفسك حل مسألة تانية ، فيه حاجات تأجيل مواجهتها بيكون أفضل مش لأنك مش قادر تحلها أنت بس ذهنك دلوقت مش صافي ، في الآخر ماتضيعش وقتك فاحمر وجه داليا وزمت شفتيها وقالت:

- طيب واضح أنكو مشغولين وأنا الحمل بيخليني أدوخ هروح أرتاح شوية لم تكن سالي لترد على عبارتها التي تظن أنها قد تستفزها بها كيد النسوة الضعيفة ، فلقد مرت هي بحمل وولادة ولديها بالفعل أطفال تراعهم وانتبهت سالي لصوت هاتفها الذي أخذ يعلو بالرنين فابتسمت وأجابت دون أن تدري بوجود تلك المتلصصة من خلف الباب:


- أيوا یا کریم . . . . ثم ضحكت قائلة:

- لا ماتقلقش مش ناسية . . سبعة بالدقيقة نتقابل زي ما اتفقنا ونروح سوا فوضعت داليا يدها على صدرها بفرح بالغ وهي تهمس لنفسها کریم ، أي مصيبة المهم تاخدك وارتاح "    كانت تنظر له غاضبة ، التغيرات التي طرأت على حاله فأصبح نزق المزاج مشتت كثير الانتقاد للمحيطين به ببساطة لكأنما خط فوق جبهته عبارة " سريع الإشتعال " فقالت بعند:
- دي رابع مرة أعيد فيها الشغل فقال زاعقا:

- إن شالله حتى عشرة يادرية فرفعت حاجبها الأيمن بانتقاد قائلة بنبرة خافتة:

- لو سمحت يا جاسر ماتعليش صوتك عليا وتفهمني إيه اللي ناقص المرادي فنفث غاضبا بلهب وهو ينزع ربطة عنقه الذي يشعر كأنها تخنقه قائلا:
- أنا مش لسه هعلمك الشغل بادرية فقامت درية وقالت بحزم:
- كويس أنك عارف ، وأظن أنت كمان عارف دقة شغلي وعشان كده لو سمحت اتفضل وقع على الورق عشان التأخير مش في مصلحة الشغل فهز رأسه وقال بعند أكبر:

- لاء وسيبيه اسامة يراجعه طالما أنت مش عاوزة تعيديه نظرت له وملامحها تعلوها دهشة بالغة وتمتمت:

- ده كأني بتعامل مع أيهم فهدر فيها محذرا:
- درية وضعت عويناتها وابتسمت له ببرود:
- نعم فزم شفتيه وقال:
- علي التكييف واتفضلي على مكتبك نفذت ما أمرها به والتفتت له قائلة بنفس الإبتسامة التي قد تجمد مياه المحيط:
- أي أوامر تانيه؟!
فأقر بما يمر به مرهقا:

- هاتيلي حاجة للصداع ألم يفتك برأسه منذ الصباح فأطفاله على وشك الانتهاء من العام الدراسي وقد بكت له سلمي على مائدة الفطور وصرحت له برغبتها بقضاء فترة الصيف برفقة أمها ، أما سليم فكان ينظر لها غاضبا وهمهم متبرما " بس يا سلمى بابا أصلا مش هيوافق " ولم يمتلك ردا سوى أن يغمغم لهم بأمر مقتضب للانتهاء من فطورهم وداليا لا تنفك عن محاولتها الحثيثة بالاقتراب منه واختراق الأسوار التي يصنعها حول نفسه وفي أوقات يجد نفسه ضیعفا للحد الذي يسمح لها باختراقها بقدر يسير فبالنهاية مالذي يمنع رجلا بتلقي الحب والرعاية من زوجته؟!


ألأنه يرغب بتلقي المثل ولكن من أخرى أصبحت لا تعيره أي إهتمام أيسير بدربها كالمسكين خلفها يرجو منها شفقة ونظرة عطف لحاله وحال أطفالهما؟!

ويلقبونه هو بالعنيد ؟
أيهما العنيد؟!
سارت إلي جواره كطفلة صغيرة سعيدة تتلمس الجدران وبفضول تتجول في غرفه الواسعة بسرعة فائقة والبسمة المرتسمة على شفتيها أخبرته أنها أغرمت به فابتسم هو الآخر سعيدا ليس لأنهما أخير عثروا على مكان يناسب مشروعهما الصغير الذي يسعى حثيثا نحو النور ولكنه لأنه أخيرا حاز على رضا تام منها صاح مبتهجا:
- واضح أنه المسطح عجبك هزت رأسها لتقول بسعادة:

- جداااا فاقترب منها وعقد حاجبيه بمكر قائلا:

- أنت كده هتخليه يعلي السعر علينا فضحكت وزمت شفتيها ورسمت تعبيرا غامضا على وجهها وظهر أمامها السمسار وقال بحفاوة:
- أظن أهوه في الآخر عملت اللي عليا وزيادة فقالت سالي بنبرة متشككة:
- أنت شايف كده ؟
يعني أنا رأيي نبص على المكان التاني اللي قلت عليه بهت الرجل وأدار رأسه نحو کریم الصامت والذي كان يكتم ضحكاته قائلا:
- ماتحضرنا یادکتور ، ده موقع يشرح الروح هوا فيه بعد كده والناس طالبين فيه مبلغ مش بطال فهز کریم رأسه موافقا وقالت سالي:
- لا لا . السعر بالذات لو يعني لو هنتفق هيبقي فيه كلام تاني خاالص فهز الرجل يده دون حيلة وقال:

- صدقيني يا دكتوره استحاله تلاقي حاجة أحسن من كده فتدخل کریم في الحوار جادا:

- طب سيبني ياحاج مع الدكتوره وهنرد عليك فقال الرجل يائسا:
- عموما إحنا ممكن نحرك السعر شويه بس بالكتير ٥ الآلآف مش أكتر وصلا كلاهما لحيث سيارة كريم المرصوفة وودع الرجل بتحية حارة وهو لازال يكتم ضحكاته حتى انفجر قائلا:
- إنت مش ممكن ، ممثلة درجة أولى فعبست بوجهه قائلة:
- مش أنت اللي قولت كده هيعلي علينا فهز كفه نافيا وهو يضحك ممازحا إياها:
- نصابة درجة أولى ده الراجل طول الطريق لعربيته عمال يقنع فيا نقبل وهينزل السعر أكتر فضحكت سالي قائلة:
- من بعض نصائحكم فتح كريم السيارة وقال داعيا إياها للصعود:
- يالا طيب أوصلك في سكتي فاحمرت وجنتا سالي وقالت:

- مافيش لزوم تتعب روحك أنا هاخد تاکسي نظر لها کریم مليا فهي دوما ترفض بشكل مبطن مرافقته لأي مكان بسيارته وهو كان لا يمانع إذ أنه يجد من غير اللائق دفعها للقيام بأمر لاتحبذه فقال عابسا:

طب ماتجيبلك عربية بدال وجع القلب ده همت لتسخر من تلك الفكرة ولكنها تذكرت إمتلاكها لملايين وإمتلاك سيارة لن يؤثر على ميزانتيتها ولكنها مع ذلك قالت:
- ناوية بإذن الله أول ما أحوش مبلغ محترم أدفعه مقدم ففتح لها كريم الباب وبعند قال:
- طب اركبي أوصلك لأقرب مكان حتی وبطريقتي السحرية هقنعك أنه من الطبيعي تستغلي الفلوس في حاجات تانيه بخلاف المشروع الخيري فهزت سالي رأسها دون فهم فكيف إستطاع الولوج لعقلها ومعرفة السر الذي يمنعها من تحقيق رغبتها وبالفعل صعدت السيارته وما أن صعد هو الآخر حتى قالت للدفاع عن نفسها:
- على فكرة الموضوع مش زي ما أنت فاكر وأنا . . قاطعها كریم قائلا:

- من مبادىء الإحسان والخير أنه الواحد يحسن لنفسه الأول یاسالي عشان تقدري تدي لازم تاخدي . ده أمر ضروري عشان ماتهدریش طاقتك عقدت سالي حاجبيها وهي تفكر في مغزی کلماته فتابع هو:

- العربية دي وسيلة تسهل عليك الانتقال من مكان للتاني مهمة ليك وللولاد كمان ، فرضا لاقدر الله أي حاجة حصلت بسرعة هتعرفي تكوني معاهم فظهرت إمارات الإقتناع على وجهها حتى قالت بامتعاض:
- أنت معاك حق بس الحقيقة إني حتى نسيت السواقة وبقالي زمن ماسوقتش عربية فقال كريم ببساطة وبإبتسامة واسعة:
- وأنا رحت فين كعادته مؤخرا طبع قبلة دافئة على جبين صغاره وهم نائمون وقبل أن ينصرف متجها لغرفته ليبدل ملابسه باغتته الصغيرة بعناق متشبث برقبته وغمغمة هامسة محلاة بطعم أحلامها البريئة:

- أنا بحبك يا بابا فتوقف عن الحراك للحظات وضمها لأحضانه مرة أخرى ودثرها جيدا وهو يغمغم لها:

- وأنا بحبك ياقلب بابا ثم اتجه لفراش أخيها مرة أخرى وقبل جبينه مرة أخرى قائلا بهمس:
- بكرة تكبر وتعرف أد إيه أنا بحبكوا خطواته كانت متعبة ، في الواقع مذنبة مهما ابتعد بعناده السافر سيعود لأرض الواقع ليقر بحقيقة لاجدال فيها يفتقدها ويفتقد لذة أمان أحضانها حوله وحول صغاره عنادا بات مرا كالعلقم عندما يستيقظ صباحا ليجد أن من تحوطه بأحضانها أخرى ، يجد نفسه غريبا عنها مهما حاولت هي الاقتراب وجدها تنتظره بغلالة إرجوانية تكشف الستار عن مفاتنها وعطرها النفاذ يستبقها لتستقبله بأحضان حارة وعلى النقيض استقبلها هو ببرود جم قائلا بصوت متجمد كعضلات جسده:

- لسه صاحية ! فابتسمت له بافتنان:

- أنا حتى لما بكون زعلانه منك بعمل نفسي نايمة بس مابقدرش يغمضلي عين وأنت مش في حضني فهز رأسه واتجه بصمته نحو الخزانة ليخلع سترته ليجد أن أناملها امتدت واقتحمت فتحة قميصه لتتولى هي خلعه عنه فغمغم بضيق:
- داليا أنا . . فمدت أصابعها بجرأة بالغه نحو صدره العاري قائلة بهمس مغوي:

- أنت محتاج مساج من بتوع زمان ، فاكر ربما لم يستجيب عقله لتلك الذكرى ولكن جسده لم ينفر منها فهو بحاجة لذلك التلامس الذي يشعره بكونه على قيد الحياة بالفعل ، مرغوبا وتلك الرغبة تزيد من رعونة أفكارة التي دفعته لدسها بين أحضانه وسحقها تحت وطأة ذراعه متجها بها للفراش وعقله مغيب بصورة الأخرى التي تحتل عرش قلبه الذي يصطرخ مبررا بكون مايخوضه لهو في حقيقة الأمر " هروبا مشروعا " " موسم الإمتحانات " عبارة تلخص معاناة كل أسرة أو بالأصح أم مصرية ولم تكن درية مستثناة من تلك القاعدة ليس لأنها تخشى حصول أبنائها على درجات متدنية فهي تؤمن بأن النجاح بالمستقبل يظل بید من يسعي له حتى آخر رمق ولو كان بآخر لحظة ولكنها تخشی توابعه فوقت الفراغ الذي يقضيه أبنائها بعد حصولهم على إجازة العام ، كان دوما أمرا شاقا ينتهي بتدخل والدها الضاري والذي يسعد به الأحفاد أفكار انغمست بها حتى أنها لم تلحظ أنه كان يراقبها لدقائق منصرمة وهي تحيط نفسها بعدة أوراق وملفات وأصابعها تعبث بها بطريقة عشوائية ليست من شیمها وعندما لاحظته أخيرا ارتسمت على وجهها نظرة مؤنبة وقالت:


- خیر یا باشمهندس؟!

فاقترب منها مانحا إياها إحدى نظراته الماكرة دون حساب قائلا ببسمة متواضعة:
- أبدا كنت جاي لجاسر فقالت وكأنما تهذب طفلها المشاكس:
- أظن أنت عارف أنه بقي بيتأخر الصبح شوية هو كان يدرك تلك المعلومة إذ أن أخيه بحالة نفسية سيئة بعد رحيل أمهما فأصبح يستغرق وقتا في الاستيقاظ والتوجه بهمة لعمله ولدافع قوي ليعود لمنزله البارد دونها ودون طيف زوجته السابقة فقال وهو يهز رأسه بهدوء:
- طيب أن هدخل استناه جوه وهاتي البوسطة أمضيها فعبست بتوتر:

- علي أي أساس يعني فغمز بعيناه وقال وهو ينصرف لغرفة جاسر:

- على إعتبار ماسيكون فضمت حاجبيها بغضب وقامت لتتبعه بعند قائلة:
- بس جاسر ما دانیش أوامر بكده فالتفت لها هازئا:
- أصل الحاجات دي بتحصل فجأة يعني زي الخطوبة كده فنکست رأسها وقالت باستسلام:
- أنا ما اتخطبتش يا أسامة فاقترب منها ليقول حانقا:
- ماهو ده بقى اللي عاوز أفهمه ، علي أي أساس كان بيتكلم البأف ده فنهرته بشدة:
- ماتقولش عليه بأف فاستشاط غضبا هو الآخر وزعق بها:
- نعم يا أختي ففغرت فمها بذهول وقالت مؤنبة:

- أسامة ثم انتبهت لزلة لسانها ريثما اقترب منها بل في الواقع اقترب بشدة حتي بات يخترق بأنفاسه حجابها الحاجز وهو يقول بهمس دافئ- يا عيون أسامة وتدافعت قدماها نحو الخلف هارية بخطوات سريعة كتدافع الدم لوجنتها:

- أنا ورايا شغل بذهن مشوش إنصرف من عمله كما أتی صباحا تاركا درية تنظر لإثره بشفقة بالغة عائدا للقصر الذي يدرك أنه في تلك الساعة تكون هي قد غادرته منذ قليل ورسالة نصية من داليا تخبره بوجود عطل ما في شقتها وأنها ستغيب عنه تلك الليلة رغما عنها فاستقبلها براحة تامة فهو بحاجة للاختلاء بنفسه ولكنه لايدرك ألسوء حظه أم لقدره السعيد دلف لغرفة أطفاله ليجدها لازالت برفقتهم فاستقبلته ببرود وقالت هامسة خشية أن توقظ الأبناء وهي تهرب من صحبته نحو الخارج:
- سلیم بكرة عنده إمتحان فضلت قاعدة جمبه لحد مانام فتبع إثرها وأغلق باب الغرفة وقال بهدوء مستفسرا:

- إمتحان إيه ؟

فالتفتت له وارتسم على وجهها رغما عنها ملمحا ساخرا:
- ماث فعقد حاجبيه ليقول بحنق:
- مش معنی أني مش عارف يبقى كده أنا مش مهتم ، هيا الفكرة إني واثق بأنك واخده بالك منهم ، فما كفرتش لما ريحت دماغي من جهة ولا حرام أرتاح من الفكر شوية فزمت شفتيها وقالت بصلابة:
- بإيدك ترتاح من الفكر تماما وتسيبهم معايا فاقترب منها قائلا بعند أكبر:
- عشان لما يكبروا يحسوا أني رميتهم توترت أنفاسها وقالت بحنق:

- ده اللي انت بتفكر فيه شكلك قدامهم؟!

، مابتفكرش أنهم طول النهار هنا في رعاية الدادات ، جدتهم الله يرحمها وأنت بترجع بعد العشا وكلها أسبوع ويخلصوا مدرسة ، مين هيراعيهم طول الوقت؟!
فقال مدافعا عن نفسه وهو يشعر بالغضب يختنق أنفاسه:
- أنت اللي سيبتيهم وجاية دلوقت تقولي مين هيراعيهم ، مافكرتيش في ده قبل كده ليه ؟
شددت قبضتها على حقيبته المعلقة على كتفها وقالت:
- طبعا ماهو الذنب ذنبي لوحدي وحضرتك خالي من أي مسئولية فتهكم منها بضحكة خافتة:

- وأنا لما أسيبهوملك كده أبقى شيلت المسئولية فاقتربت منه دون خوف وأمسكت بذراعه في لحظة أطلقت لغضبها منه العنان:

- أنت بتعمل كل ده عشان حاجتين بس مالهومش تالت ، عندك وإحساسك بالعظمة وأنه مهما كان أنا دوري على الهامش في حياة الولاد فنظر لكفها الرقيق الذي يحيط بذراعه بقبضة واهية وأمسك به فأجفلها وقال بصوت أجش هامس وهو يقربه من شفتيه ولثم باطنه بحرارة تختلج صدره شوقا:

كده يبقوا ۳ حاجات ياسالي والتلاته غلط فارتجفت شفتيها بل ارتجف جسدها كله لكأنما أصيبت بصاعقة كهربائية ، لا قبلة صغيرة دافئة الملمس حطت على كفها الصغير القابع بين أنامله القوية لتفترش ذكرياتها البعيدة والقريبة قلبها لينوح بصراخ يدوي بالشوق إليه رغما عنها ، فسحبت كفها بغتة وكذلك خطواتها لهروب نحو الخارج ودموعها تستبق الرحيل من مکمن جفونها المرتخية بعيدا عن أي شاهد   من كان يظن أنه لا يستطيع التنقل داخل حجرات القصر بحرية ويقبع منتظرا وصول أخيه بغرفة الصالون كأي ضيف لا لأنه ليس على وفاق مؤخرا معه أو لأن والدتهما قد رحلت بل لأن اخيه أصبح متزوجا بتلك الحية الرقطاء التي استقبلته بإبتسامة بارده وعللت عدم قدرتها بالترحيب به كما يجب بسبب حملها المزعج الذي كثيرا مايسبب لها الغثيان وكأنه يأبه لها ولغثيانها تلك اللعينة ! لو كانت سالي مازالت زوجته حتى الساعة لما شعر بحرج أفكار مريرة تناوشه تذكره بما خسره وبما تبقى له وتشعره بالنهاية أنه غاية في الضالة إن كان يشعر بالغربة بمنزل طفولته فكيف يشعر الطفلان ببعدهما القسري عن الحنون أمهما نظر لأعينهما المتسعة البريئة وابتسم لهم إبتسامة صافية من قلبه قائلا:


- هاه أخدتو الأجازة ولا لسه ؟

هزت سلمى رأسها بحماس قائلة بفرح:
- أخدتها بس سليم لسه أخدها النهارده ، كان عنده امتحان ماث فالتفت له زیاد قائلا:
- وعملت إيه في الإمتحان یا سليم رد سليم بفخر:
- حليته كله صح ماما كانت مراجعه معايا كل المسائل فرد زیاد بدهشة:
- هيا ماما بتيجي هنا ؟
ابتسم الطفلان وقالا سويا:

- آه كل يوم فهز زیاد رأسه بتقدير بالغ فيبدو أنه قد بخس سالي حقها إنها أم بالفطرة ولم تكن تلك الحية ولا ذاك الرأس الصلد المتحكم بأفعال أخيه بعائق لها وانتبه لوجه أخيه وهو يحدق به بدهشة فقام وقال بسخريته المريرة:

- أرجو ماکنش بتطفل عبر جاسر باب الغرفة سريعا وقال بضيق:
- وقاعد في الصالون ليه فكرت جالنا ضيف زم زیاد شفتيه وقال:
- ماهو أنا فعلا بقيت ضيف ، أسامة قالي أنك مصمم تشتري نصيبنا فالتفت جاسر لأطفاله وقبلهم وأمرهم باستباقه لغرفة المعيشة وما أن أطاعاه حتى التفت لأخيه قائلا بإصرار متألم لسوء ظن أخيه به- لأن مش من حقي أقعد فيه أنا وعيالي منغير ما أديكم حقكم فيه ، لكن ده هيفضل بيتك بازياد ماتجيش تقعد في صالونه زي الأغراب تنهد زیاد وقال بشبه اعتذار:

- عموما أنا ماكنتش هطول أنا جيت أسلم عليك أنت والولاد وحشوني ، كمان أنا رجعت إسكندرية بشكل دایم فعقد جاسر حاجبيه وقال:

- والكافية ؟
فرفع زیاد حاجبيه دهشة فاستطرد جاسر:
- ناس معارف قالولي أنك شارکت واحد وفتحت کافية في القاهرة فضحك متهكما وقال:
- قصدك جواسيس ، عموما لو كنت استنيت شوية كانوا قالولك إني رجعت عشان أفتح فرع تاني هنا وفي الوقت الحالي بنجهز فرع في شرم فهز جاسر رأسه بتقدير ومد يده ليصافح أخيه الأصغر قائلا بصدق:
- مبروك صافحه زیاد وتابع بنفس النبرة الساخرة:

- عقبال ما أباركلك على المولود قابلت مراتك وبلغتني فتلاشت ملامح الود من على ملامح جاسر سريعا وارتسمت بدلا منها مشاعر الغضب والضيق فتابع زیاد بنبرة متوترة:

- برغم كل اللي بينا يا جاسر أنا فعلا مشفق عليك فرد جاسر بصلابة:
- مافيش حاجة بينا يازياد أنت هتفضل أخويا مهما كان وأنا کویس الحمد لله وفر شفقتك فابتسم له زیاد وقال وهو يدفعه لأحضانه:
- من قلبي بتمنى تكون كويس- والله بقينا مشغولين ومش فاضيين يا ست سالي قالتها مازحة وهي تعبر سياج الحديقة الصغيرة المحيطة بالممشى المستطيل داخل النادي فالتفتت لها سالي وقالت ضاحكة:

- والله يا آشري بجد ماعنديش وقت خالص وبالعافية بلاقي وقت للولاد حتى بقالي أسبوع ما عتبتش النادي فعبست آشري وهي لا تزال تشعر بالحنق من صديقتها:

- ولا حتى تليفون وبعدين ليه كل ده ؟
فمضت سالي تسرد عليها مجريات حياتها مؤخرا وما توصلت له و حتى اليوم فهتفت آشري بحماس:
- الله بجد مرکز خيري ، بریلانت ، جود فور يو أنا مبسوطة عشانك أوي فابتسمت سالي بود وقالت:
- بس ماتتخيلیش الموضوع مرهق أد إيه ولولا كريم أنا كنت ضيعت فالتفتت لها آشري وقالت بنبرة ماكرة:
- کریم ، مین کریم ؟
فاحمرت وجنتا سالي رغما عنها وقالت بتوتر لا تدري سببه:

- ده مدير المركز اللي بشتغل فيه وصاحب الفكرة الحقيقة وصمم إنه يكون المدير المالي ده غير أنه ساهم معايا بمبلغ كده بس هوا شخصية محترمة جدا فضحكت آشري وهي تراقب ردة فعل الأخيرة وقالت:

- سالي وشك أحمر خالص فعقدت سالي حاجبيها غاضبة وقالت:
- ده من الشمس على فكرة وبعدين مافيش اللي في دماغك ده نظرت لها آشري بحنان وقالت بتصميم:
- على فكرة ده من حقك تعيشي حياتك بالشكل اللي تحبيه من غير قيد ولا شرط كفاية جاسر عايش حياته بالطول والعرض جلست سالي على أقرب مقعد وقالت بهدوء:
- أنا مش بفکر کده خالص والموضوع مش رد فعل ولا باي باك ، کریم انسان محترم وأقرب لأخ وقف جمبي كتير زي ما أنت وقفت جمبي مش أكتر فهزت آشري كتفها وارتشفت القليل من قنينة المياه التي تحملها وقالت:

- أنا بتكلم إن جينرال ، مستقبلا ، ماتحسيش بتأنيب ضمير ولا تعقدي الدنيا يا سالي ، موف أون ، الدنيا مابتقفش على حد هزت سالي رأسها وقالت بمرارة الفقد التي تستشعرها دوما:

- حاليا واقفة على ولادي ، نفسي أغمض عين وافتحها الأقيهم في حضني فربتت آشري على كتفها:
- هيرجعهوملك وبكرة تقولي آشري قالت نفضت سالي رأسها وكذلك نفضت الدموع بعيدا عن عيناها ووقفت قائلة:
- أنا أتأخرت يادوب أقضي نص ساعة في الجيم عشان ألحق أطلع على المشروع سارت آشري لجوارها قائلة بمزاحها المرح:
- وأنا هاجي معاكي وأتمنى تقبليني شريكة متواضعة وتقبلي الشيك اللي هيديهولك ، ولا أخلي كلامي مع دکتور کریم فوکزتها سالي بغيظ وسارتا ضاحكتان وكلا منهما تفكر بالشريك الغائب الموصوم بلعنة آل سليم رغما عن كرامتهما الجريحة وما كانت تخشاه بالفعل واقعا متجسدا أمامها فقط بهيئة أكثر إثارة متمثلة في جسد فارع وحلة رياضية ونظارة شمسية تخفي ورائها نظرة ماكرة وأبيها يعلنها واضحة- طارق عرض عليا ياخد الولاد في رالي کررت ورائه ببلاهة وهي تحاول إستيعاب الأمر وكيفيه سوق رفض لائق وقاطع في الوقت ذاته خاصة مع أعين صغارها المشتعلة بحماس- رالي ! ! | استطرد طارق وهو يخلع نظارته وإبتسامة تعلو ثغره:
- رالي ده سباق عربيات قاطعته بحدة:
- أنا عارفة الرالي . . . السؤال فين ؟

اقترب منها مهدئا قائلا بصوته العميق وعيناه تبلعان تفاصيلها البسيطة والمغرية في الوقت ذاته- ماتقلقيش على بعد خمسة كيلو بس من المزرعة وياريت تيجي معانا هتنبسطي أووي وتعالت صيحات ابنها الأوسط مشجعا:

- ياريت يا ماما هتنبسطي جدا صدقيني تبعها تأكيد من الأكبر أن الأمر مشوقا أما الصغير فلم يتسنى لها فعل أي شيء تجاه حماسه المنقطع النظير إذ قفز يتسلق کتف طارق صائحا بابتهاج والتفتت لأبيها ونظرتها المخيبة للآمال استقبلها هو ببراءة تامة قائلا:

- ما هو الولاد أخدو الأجازة ومش معقول هيفضلوا محبوسين في المزرعة وفرصة أنت النهاردة أجازة نعم ، بالفعل الكثرة تغلب الشجاعة بل ما غلبها حقا في تلك اللحظة عيناه الباسمتان وصوته الذي خصها فقط بهمس صادق لم تلتقطه سوى أذنيها- أرجو ما تعتبريهاش تطفل مني لأن في الواقع دي طريقتي للاعتذار انسابت ضحكاتها العذبة تحملها نسمات النسيم ورغم الفراق لم يكن لينساها وزاد إفتقاده لها فسار ببطء نحوها فهو يعلم أنها عندما تراه سوف تخفت تلك الموسيقى وتبهت إبتسامة وجهها ولم تكن تلك رغبته أشارت له صغيرته بتحية من قبضتها الصغيرة وتدافعت خطواتها نحوه والتفتت لتراقب تقدمه الحذر بدهشة فعبست رغما عنها وساورتها الشكوك رفع سلمي في الهواء بقوة ودغدغها تحت أنظارها المحملقة به بغرابة فهيئته كانت غريبة بعض الشيء إذ تخلى عن حلته الرسمية بل وسرواله الكلاسيكي ليستبدله بآخر كاكي قصير وقميصا قطنيا بلون أزرق اقترب أكثر ولاحظت لحيته النبتة واشتاقت رغما عنها لملمسها الخشن ولم يسعها إلا أن تلاحظ أيضا نظرة عيناه الماكرة  تبا له ، يعلم جيدا تأثيره عليها ونبرة صوته تمتع بالعبث إذ قال بابتسامة جانبية:


- إزيك يا سالي ؟

بغضب متصاعد ودت أن تقول " أحسن منك " ولكنها ستكون كاذبة وسترقد في ظلمات الجحيم بكذبتها تلك فتنحنحنت واستجمعت أعصابها المتقافزة قالت بهدوء رصين بعد برهة:
- الحمد لله جذب کرسيا بالمقابل لها وجلس بأريحية متسائلا:
- فين سليم ؟
ردت صغيرته بالنيابة عن أمها:
- لسه ماخلصش تمرین فقامت سالي فجأة وقالت وهي تهرب بدقات قلبها التي فقدت إيقاعها السليم:
- أنا هروح أشوفه ، خليكي هنا مع بابا ياسلمی فقام بدوره وقال ببساطة:

- نيجي معاكي أنا عاوز أشوفه أنا كمان عبرا البوابة المعدنية ليدلفا سويا عبر المكان المخصص لتدريب " الكارتية " وتشاغلت سلمى باللعب مع فتاة أخرى تماثلها عمرا تحت أنظار سالي التي تراقبها صامتة وفي الوقت ذاته تمنح بكفها تحية مشجعة لسليم والذي كان يبلي بلاءا حسنا بتمرینه خاصة بعد أن رأى طيف جاسر يراقبه هو الآخر ويمنحه تشجيعا إضافيا ظلا صامتين وإن كانت عيناه كالصقر لاتخفي عنه شاردة منها حتى قال بصوته الأجش:

- سليم لعبه اتحسن في الكام دقيقة اللي إحنا واقفين فيها سوا أنا وأنت فردت بعند متجاهلة تلميحه المبطن:
- هوا سليم دايما كده بيبتدي التمرين عنده رهبة وبعدين بيكمل کویس فالتفت لها وقد ضاقت عيناه وقال:
- قاوحي يا سالي واعندي وأركبي دماغك زي ما أنت عاوزة وكل ده وأنا صابر عليكي عشان مسيرك ترجعي ليا وللولاد فاحمرت وجنتها بشدة الغيظ واحترق قلبها بألم الغدر وقالت بمرارة النبذ مستنكرة:

- أنا ! أنا اللي بعند . . . وأنت . . . أنت اللي صابر یاجاسر ! ! . . كتر خيرك هقولك إيه غير كده فزم شفتيه وقال مؤكدا:

- هترجعي إمتی یاسالي ؟
، مش كفاية كده أنا كل ده وسايبك بكيفك فنفثت بلهيب الغضب:
- مش هرجع يا جاسر فوضع ساقا فوق الأخرى بعنجيهته الفطرية:
- عند يعني مش أكتر فمضت تراقب أطفالهما لترسل أنظارها بعيدا عنه في محاولة فاشلة للتجاهل قائلة بسخرية:
- آه عند فضحك متهكما فيهدي محاولتها صفعة مدوية إذ بائت بالفشل:

- وهتترهبني من بعدي ياسالي ، خليكي حقانية ، عمرك كله هتقضيه وأنت بتحاولي تنسيني ومش هتقدري ، إستحالة تقدري فعادت أنظارها لتستقر دون تصديق على ملامح وجهه الواثقة والتي أهدتها إبتسامة واسعة ولجم لسانها وفتأت تحاول أن تجد ربما ولو شق كلمة لترد بها على غروره الوقح فتمحي بها آثار إبتسامته الواثقة دون رجعة ا ولكنها بائت بالفشل فاحمر وجهها أكثر وأكثر فأشفق عليها واستحوذ على كفها فجأة وربت عليه برفق ورفعه ليلثمه مرة أخرى في غضون أيام قليلة ويرسل المزيد من الشحنات التي أتت على ما تبقى من تماسكها الضعيف ورغما عنها أغلقت عيناها بقوة لتمنع سقوط مزر لدموع لا تستطيع التحكم بها وقامت فجأة قائلة بقوة:

- أنا هروح أسأل لسلمي عن معاد تمرینها...
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثالث والعشرون

أتراها تنساه يوما ؟

كيف وقلبها معلق بقطعتان تشبهانه راقبت انصرافهما بصحبته بقلب ينوح بعذاب صامت وأعين صغارهما معلقتان بظلها كرهته في تلك اللحظة أيما كراهية هو من يمزقهم بعناده ويدعي بعد كل ذلك الصبر ! فأني لها هي بالعودة والتراجع عن حياتها الجديدة؟!

سارت ببطء دقات قلبها عائدة لمنزل عائلتها مشيا على الأقدام صراعها الداخلي كان أكبر من سعة صدرها والدموع تنهمر من مقلتيها بلا حساب ولا رادع حتى مع نظرات المارة المتعجبة نهرت نفسها مرارا وتكرار ولكن لا فائدة لحسن حظها عندما وصلت للمنزل لم تجد أمها في انتظارها ، فلابد وأنها في زيارة لأختها الكبرى فاتجهت قدميها دون أن تشعر لملاذ والدها الراحل حاولت الاعتناء بزهوره وزروعه ولكنها لم تكن ناجحة بقدره ومع ذلك استطاعت الإبقاء على بعض المزروعات القوية والتي لا تتطلب جهدا في الرعاية.


مرت سريعا وهي تتفقد حالتهم وانشغلت أناملها بحالهم وكذلك عقلها ، لكن القلب كان لا يزال يأن من وقع كلماته القاسية تمتمت لنفسها بحنق جم " صابر . . هه " ثم جلست على الأريكة الخشبية لترتاح قليلا وربما يرتاح عقلها من تكرار كلماته على مسامعه ، ثم أتاها صوت العظيمة كوكب الشرق " لكأنما تواسيها وتشد من أزرها وهي تصدح بأغنيتها الرائعة " فات الميعاد " وتجد نفسها رغما عنها تنساب دموعها من جديد تحت وطأة كلمات أم کلثوم العذبة المعذبة " بيني وبينك هجر وغدر وجرح في قلبي داريتوه آآآه  بيني وبينك ليل وفراق وطريق أنت اللي بيدتوه آآه " وهمست لنفسها وهي تمسح دموعها بقوة " أنت اللي بديت ياجاسر والبادي أظلم      لا تعلم إن كان رد فعل على حوار الأمس أم هو بالفعل الطريق الذي يجب أن تنشد لتتخطاه نحو حياة بلا رجوع موافقتها الفورية أثارت تعجبه ودهشته إذ توقع أن ترفض بحمرة خجل وتحفظ عهده دائما بها فقال مرة أخرى ليتأكد:


- یعني على تلاتة كده نروح سوا بعربيتي؟!

هزت رأسها قائلة:
- خليها تلاتة ونص یا کریم أكون خلصت كل الحالات اللي عندي فهز رأسه ضاحكا:
- خلاص تلاتة ونص نروح نقابل صاحب الشركة وإن شاء الله التوريد خلال أسبوع بالكتير فابتسمت له وهي تعود مرة ثانية للحالة التي تتابعها:
- إن شاء الله خرج من غرفة العيادة منتشيا بسعادة لا يعرف سببها الفعلي ، يعلم بأنه يخطو بخطوات متسرعة على أرض متصدعة ولكن ليس هنالك على الفؤاد سلطان    وبغرفتهما كانت تدلله بتدليك صباحي سريع لكتفه رفضه بضيق أنفاس قائلا:
- أنا اتأخرت یاداليا فعبست بوجهه بدلال وقالت:

- إن كان عليا مش عاوزاك تروح الشغل النهاردة ، فيه مشوار مهم لازم نعمله سوا فقضب حاجبيه متعجبا وقال:

- مشوار إيه ؟
وضعت يدها على كتفيه من جديد وقالت بعيون راجية:
- جاسر ، من أول ما حملت وأنت ماروحتش معايا ولا مرة للدكتور ، إيه مانفسکش تشوف البيبي ؟
فابتسم ساخرا وتمتم:
- وهشوف فيه إيه ده لسه يادوب فعبست بغضب وقالت بدموع تماسیح:
- أنا كان قلبي حاسس أنك مش هتحبه قد حبك ل . . . فقاطعها زاعقا:

- داليا منغير مزایدات كلهم ولادي وحبي ليهم مابيتجزأش ، مش عاوز اسمع الكلام السخيف ده تاني فاقتربت منه سريعا وريتت على وجنته وقالت لتدر عطفه وشفقته- یعني هتيجي معايا النهاردة ، محتجالك أووي ، جاسر دي أول مرة أكون أم أنا . . فقاطعها مرة أخرى بنفاذ صبر:

- خلاص يا داليا الساعة كام معاد الدكتور ؟

فابتسمت له إبتسامتها الساحرة وهي تطبع على وجنته قبلة خفيفة- يعني عدي عليا الساعة تلاتة كده فابتعد عنها وهو يهز رأسه:

- تمام تلاتة بالدقيقة تكوني جاهزة ومستنياني تحت     كانت بطريقها نحو المصعد لتتجه للدور الرابع حيث مكتبها ولكن شيئا ما حث قدماها على التوقف ولا تدري أهو نداء قلبه أم قلبها الذي جعلها تستدير تلقائيا للخلف لتراه يقف على بعد أمتار قليلة بذلة غير رسمية وقد نبتت لحيته ومنحته مظهرا ناضجا فاقترب منها بنظرت عيناه الثاقبة وخطواته الواثقة قائلا:

- إزيك يا آشري؟!

فاستجمعت دقات قلبها الخافقة بسرعة وردت:
- الحمد لله ، إزيك أنت یازیاد ؟
صمت لوهلة وقال:
- أنا الحمد لله أحسن وساد الصمت بينهما لفترة أطول لكأنما فقد الإثنان النطق وكلاهما يخوض صراعا مابين تحذيرات العقل واشتیاق القلب حتى أمسك هو بزمام المبادرة وقال بصوت هادیء:
- أنا كنت جاي أعزمك على حفل افتتاح الكافية بتاعي ارتفع حاجبيها دهشة وقالت:
- فتحت كافية ! فابتسم بود قائلا:

- في الواقع هيا سلسلة . . فرع في القاهرة واسکندرية وحاليا بنجهز أنا وشريكي لفرع في شرم هزت رأسها وقالت بفرح صادق:

- مبرووك یازیاد فاستطرد سریعا برجاء:
- النهاردة الساعة سبعة ورغما عنها انسابت الكلمات منها مؤكدة:
- أول ما أخلص شغلي أكيد هاجي ولم يكن بينهما وداع إذ قفزت قدميها بهروب نحو المصعد وهي تلوم نفسها على موافقتها السريعة بينما وقف هو يراقب انصرافها بدقات قلب مضطربة دقات الساعة نبهته بالإضافة لإتصالها الملح فوضع القلم جانبا ورتب أوراقه وجمعها ورد على إتصالها الملح للمرة الثالثة على التوالي قائلا بتبرم:
- الساعة لسه اتنين یا داليا فقالت بدلالها المصطنع:

- ما أنا بس بتأكد إنك مش ناسي قال بحزم ليقطع الإتصال بعدها:

- تلاته یا داليا هكون عندك وكعادته لا يخلف موعدا قط ، حتى لو كان يشعر بثقل يخدر أوصاله ، جنينا ينمو بأحشاء إمرأة لم يخطط لأن يكون إرتباطه بها أمرا واقعا ومتجسدا لتلك الدرجة خاصة وعقله بل وقلبه مازال معلقا بأخرى نظر في ساعته الثمينة وارتقب بعدها خطواتها المتسارعة نحو سيارته وما أن قفزت بداخلها حتى قالت بعتاب:

- طيب مش كنت تدخل تستناني جوه ! فقال متهكما وهو يقلع بالسيارة:

- هتفرق إيه وبعدين أنا قلتلك تلاتة بالدقيقة فنظرت له بطرف عيناها مستنكرة:
- ياسلااام ولو كنت أتأخرت ياجاسر فقال حازما:
كنت هرجع شغلي يا داليا فعبست وظلت واجمة لفترة حتى قالت:
- جاسر أنت بجد حاسس بأبوتك للطفل ده فتأفف بصوت مرتفع قائلا:

- داليا الأوهام اللي في دماغك دي أنا مش مسئول عنها ، ودلوقت بقى العنوان فين ولا هنفضل ماشيين تايهين کده کتیر فقالت بصوت مستكين:

- خليك ماشي على طول بعد الإشارة على شمالك ادخل ففعل مثلما أرشدته حتى وصلا للإشارة المرورية وتوقف السير بأمر من الضوء الأحمر الذي قد يطول لدقائق عدة ، فهم بالحديث معها مجددا ليمحو أثار شكوكها المثيرة للشفقة بداخلها ولكنه لم يسعه سوى التحديق بقوة للمشهد المتجسد أمامه لزوجته السابقة تقف بصحبه أحدهم يتضاحكان سويا وبالقرب منهما إشارة إعلانية لمركز علاج أسنان شهير فما كان منه سوى أن يترجل من سيارته بخطوات مسرعة غير عابیء للمارة ولا للسيارات التي بدأت في إصدار أصوات معترضة بأبواقها إذ توقف ذلك المجنون فجأة عن الحركة والشارة الضوئية أضحت خضراء ، ولا لصوت داليا الذي ارتفع هاتفا بإسمه مستنكرا فجل ماكان يتملك عقله في تلك اللحظة لم يكن سوی شیطان أسود وخلفه قلب يضج بلهيب عذابه وتملكت أنامله رقبة ذلك الفارع عبر ياقة قميصه حتى كاد يخنقه وتعالت صرخة سالي فزعة قائلة:

- جاسر . . أنت اتجننت أنت بتعمل إيه؟!

 فدفعه ذلك الفارع ونهره:
- فيه إيه يا جدع أنت؟!
أيسأله مالخطب ؟
يقف على قارعة الطريق يتضاحك معها تحت أنظار المارة بل وتحت أنظاره ويسأله ما الخطب ! ! فما كان منه إلا أن لكمه بقبضته القوية فأصاب جانب وجهه الأيسر بعنف حتى كاد خصمه أن يسقط مترنحا لولا قوة جسده زاعقا به:
- دلوقت ، أنا هعرفك في إيه فصرخت سالي بقوة:

- جاسر ! فالتفت لها ولم ينتبه لذلك الذي استعاد توازنه بسرعة مذهلة وعالجه بقبضته القوية التي أسقطته أرضا فصرخت سالي مرة أخرى ولكن تلك المرة بإسم غريمه:

- کریم . . . . أستنی فقام ليمسك بتلابيب ذلك الكريم ليريه وضاعة مكانته بالمقارنة به ، وانخرط الإثنان بعراك دام تدخل المارة لفضه وبالفعل نجح أحد الرجال بعد معاناة لمنع الإثنان من الإقتتال مجددا ، ودفعت سالي بنفسها نحو سيارة كريم وتولت هي مهمة القيادة بصحبة كريم الذي أصاب وجهه تشوها كبيرا لايقل عن التشوه الذي الاقاه الآخر على يديه والذي مضى يراقب انصرافهما بأعين مستعرة ، ثم التفت لينتبه أن أصوات الأبواق قد خفتت وأن سيارته توقفت على الجانب وداخلها داليا التي تولت مقعد القيادة وتحرك بخطوات مسرعة نحوها وما أن اقترب وهم بفتح الباب حتى نظرت له غاضبة وقادت السيارة مبتعدة عنه تاركة إياه يحدق بها بذهول حانق    مرت الدقائق بصمتها الثقيل حتى قطعته هي بهمسها الرقيق:

- کریم أنا آسفة فنظر لها قائلا بإبتسامة حانية:

- بتعتذري على إيه ؟
فتنهدت بحيرة:
- أنا مش عارفة بجد إيه اللي حصل ، جاسر . . . . وصمتت لم تدر بأی حروف تكمل ولا كلمات تتابع حديثها فما فعله بعيدا كل البعد عن إتزانه ورصانة تصرفاته بل وغروره البارد أحيانا فاستبدل کریم حيرتها بعبارة تشجيعية:
- سواقتك اتحسنت عن الأول كتير فضحكت ساخرة بمرارة من نفسها:
- على الرغم إني مش مركزة بالمرة فنظر لها مليا ثم قال بدفء:

- أنا معاكي ومركز وتأوه رغما عنه عندما عمد لتغيير وضعية جلوسه فالتفتت له بسرعة وقالت بقلق:

- نروح عيادة نكشف فطمئنها بسرعة:
- أنا كويس ماتقلقيش ، بس مش هينفع نطلع نقابل حد وأنا مبهدل كدة عندك مانع نأجل معادنا فقالت سریعا بإرتياح جم:
- أنا كنت هطلب منك كده فعلا فأشار لها لتتوقف:
- وقفي هنا بقى نشرب حاجة من عند الراجل بتاع العصير ده وأكيد هيعجبك ففعلت مثلما امرها وهمت بالترجل فاستوقفها قائلا بضيق:
- استني رايحة فين أنا هنزل . . هاه هتشربي إيه ؟

فتنهدت وقالت بإستسلام:

- اللي هتشرب منه عاد بكوبان من عصير الرمان الطازج ليجدها قد اتخذت مقعده ليتولى هو مهمة القيادة فقال مازحا:
- خلاص يعني عشان ماسواقتك اتحسنت هتبخلي علينا فابتسمت منه وهي تتناول كوبها اللذيذ قائلة:
- أبدا والله بس قلت كده أريحلك ، وبعدين أنا هنزل هنا أركب حاجة وأروح فقال متوجسا:
- هتروحي للولاد ؟
طرقت رأسها بضيق وقالت رغم استشعارها الحنين لأطفالها:
- أفضل استنى لبكرة مش عاوزة أحتك بيه وهوا في الحالة دي ارتشف القليل من کوبه ثم قال فجأة:
- غیران فالتفتت له سالي بنظرات متسائلة فأردف:

- أكيد غيران ، مالهاش تفسير غير كده فابتسمت سالي بسخرية وقالت نافية:

- لاء مش غيرة ، هوا بس لسه بيتعامل معايا كجزء من ممتلكاته ، وقال إيه صابر عليا فتمتم کریم بتعجب:
- صابر ! فزمت سالي شفتيها بقنوط وقالت لتوضح:
- أرجع فاقتحم رأسها الذي غاب في حديث الأمس المزعج قائلا:
- وهترجعي يا سالي؟!
فهمست نافية بسرعة:

- مستحيل مضت ساعة كاملة قضى نصفها في محاولة الحصول على وسيلة مواصلات مريحة ليصل لقصره واستقبله الصغار بنظرات حذرة فهو كان يبدو على شفا بركان أوشك على الإنفجار صرخ للمرة الثالثة بنعمات التي كانت تعد للصغار مشروبا منعشا- الساعة كام يا نعمات ؟

أخذت نعمات نفسا عميقا وقررت القيام بمواجهة قد تكلفها عملها ولكنها ماعادت تبالي فهي أصبحت تشعر بالفعل وكأنها خادمة بإمتياز رحيل صاحبة القصر وغياب الزوجة المطيعة لتحل محلها أخرى ماكرة- من نص ساعة سألت حضرتك وكانت يادوب خمسة نظر لها متمعنا وتعالت إشارات الحنق مختلطا بالأسف على وجهه فالمرأة تخطت الستون من عمرها وهي ليست بخصم مکافیء لنوبة غضبه المتحكمة به فتمتم:
- متشکر یا نعمات ، ياريت تحضرلي الغدا هزت رأسها وترددت لبرهة قبل ان تنصرف فاستوقفها قائلا:
- فيه حاجة يا نعمات ؟

ولم تدر بانها أطلقت الشياطين من معقلها بسؤالها:

هي الست سالي مش جاية النهاردة ، الولاد بيسألو عليها؟!
فزعق بها:
- وأنا أعرف منين؟!
فانصرفت نعمات بخطوات مسرعة هاربة منه وظل هو يدور بالغرفة كأسد حبيس ويتمتم لنفسه بغيظ تملکه:
- يظهر أنك مابقتش عارف حاجة يا جاسر خطوة مجنونة أخرى يخطوها دون تفكيير أو حتى إمعان فيما قد يليها فبعد أن هاتفته بالأمس بعد منتصف الليل تدعوه لرحلة سفاري بصحراء سيوة ، قبل دعوتها في الحال ثم أعد حقيبة سفر خفيفة ودلف لفراشه وهاهو بمغيب الشمس يقف على أرض سيوة الشاسعة هدوء لوثه الجمع من حوله ولكنه لازال محتفظا بهيبته داخله نظر لها وهي تتجه نحوه بخيلاء قائلة:
- هاه جاهز؟!

تناول منها كوب الشاي الذي صنعته إحدى البدويات قائلا بتلذذ:

كده بقيت جاهز صعد فوق الدراجة الضخمة وصعدت خلفه بعد أن انتهيا من شرابهما الساخن وانطلقت شارة البدء من قائد المجموعة وانطلقت الدرجات في سباق سريع وتعالت الصرخات المشجعة من خلفه ومضى هو بسرعته الفائقة يناور هذا وذاك مثيرا عاصفة ترابية لاحدود لها حتى صرخت هي بحماس فأفزعته وتوقف فجأة فكادت أن تنقلب الدراجة الضخمة بهما وتطلبت منه جهدا فائقا للسيطرة عليها مرة أخرى حتى توقف عن الحركة تماما والتفت صارخا بها:

- أنت مجنونة؟!

وأتبعه بسؤال مضاد لحالته الحانقة يشوبه نغمة إعتذار:
- أنت كويسة يا نرمين ؟
وكانت إجابتها نظرة دهشة ترافق توضيحا كان لا يجب أن يخطئه بالأساس:
- أنا اسمي ريم على فكرة دعك وجهه بتعب وترجل الدراجة وسار بضعة خطوات هاربا من تساؤلات قد تطيح بما تبقى له من هدوء أعصاب وتركته هي لعزلته لوقت طويل حتى سار مجددا نحوها قائلا فجأة:

- نرمين تبقى مراتي الله يرحمها ، ماتت هيا وبنتي في حادثة عربية كنت أنا اللي سايق ، نمت مش فاكر أد أيه مجرد دقایق أو ثواني صحيت على صرختها وضوء جامد عماني وبعدين . . . . . .


خشيت أن تتكلم فقد كان يبدو أنه غارق بالعالم الآخر ، بعالم موازي يتجسد له فيه آخر ذكرياته مع الذين فقدوا ، مستعيدا اللحظات التي عاشها بقسوتها ومرارة ماخلفته ورائها حتى همس- فقت في المستشفى مالقتهومش جمبي ، كانوا خلاص . . .


وأنا المسئول وأنا اللي عيشت مضت لحظات الصمت ثقيلة لحظات مهيبة لكأنما كانوا بالفعل في حضرة أرواح سكنت الثرى وهمست بدورها:


- بتوحشك؟!

فاختنق بعبراته:
- في كل لحظة . كل ما أدخل البيت واتخيل أنها هتطلع جري من أوضتها تنط عليا وتسألني بابا جيبتلي إيه ؟
فهزت رأسها باسمة بمرارة قائلة:
- كنت بسألك على نرمين ، طبیعي تفتقد بنتك نظر لها مليا وشاعرا بحيرة بالغة ، بماذا يجيبها ثم هز رأسه:
- نرمين كانت إنسانة بسيطة ، مالهاش طلبات في الحياة ، العادي بتاع أي ست بيت وزوج وحياة سهلة من غير تعب . اتجوزتها لأنها كانت . . . . . ثم توقف عن الحديث شاعرا بخجل من ذكراها التي ملكت جوانحه للحظات ماضية فكيف بعد أن تسبب في رحيلها عن الحياة يصفها بلفظ أجوف ، بارد ، عار من المشاعر ولكن من منظور جراحة متمرسة مثلها ، بعض الجراح يجب أن تنكأ حتى تندمل ولا تعود للظهور مرة أخرى وكأن لسانها هو المبضع ، تابعت دون خوف:

- لأنها كانت مناسبة . . . بس على أي أساس ناسبتك؟!

نکس رأسه وأقر بصدق:
- كانت مختلفة ، عکس مرات جاسر الأولانية . . . عکس أمي الله يرحمها فابتعدت بعيناها بعيدا وتركته يغرق مرة أخرى بذكريات ماضيه المضني فهي أيضا غرقت بصراع يدور بداخلها ، فالرجل الذي تعلقت به رغما عنها ليس فقط هارب بضمير مثقل بذنب زوجة راحلة بل ويعاني رهاب تکرار زيجة فاشلة كأخيه الأكبر والمرأة الأعظم بحياته لم تكن بحد ذاتها مثالا يحتذى به وقد رحلت منذ فترة قصيرة وانتشلها هو من الضياع بنتائج هذا الصراع قائلا بصوت حاول أن يضفي عليه المرح:

- بما أننا خسرنا السباق فأيه رأيك نشرب كوباية شاي على الفحم زي اللي شربناها من شوية فابتسمت له موافقة وسارت إلى جواره وعيناها لا تفارق وجهه الوسيم الذي كان يبتعد عنها بأنظاره خشية مواجهة أخرى وتصريحات تصيبه بعدم الراحة     منذ أن عادت مساء الأمس واستمعت لقراراته العنترية التي اتخذها بلحظة غضب أعمى لا يحق له وهي صامتة وداخلها دوامة لا مستقر لها غرقت بها متى تتخلص من شبح الأخرى ؟


كيف استکانت له واستسلمت ؟

أين أضحت بعد كل تنازلاتها ؟
والأهم ما مصيرها ؟
عليها بترتيب أوراق لعبتها من جديد واتباع خطة أخرى فالاستسلام والخنوع لشخص مثل جاسر يجب أن يقترن بحساب دقيق وإلا ضاعت وتلاشت ملامحها وأضحت تابعا لا أكثر برقت عيناها واتجهت نحو خزانة ملابسها وعندما تفشل حواء في إثارة إنتباه آدم تلجأ لخطة لا بديل لها ألا وهي اثارة غيرته جذبت ذاك الرداء الذي اشترته منذ شهور برفقة صديقتها الحميمة إنجي ولكنها آثرت عدم إرتداؤه كما نصحتها صديقتها خشية غضبه وحنقه وماكانت سوى دقائق حتى جلست أمام مرآتها العريضة تضع مساحيق التجميل بأصابع خبيرة وترسم شفتيها بلون الكرز اللامع وصورتها المنعكسة تزداد بهاءا ودلالا وإغراءة ولن تثير فقط غضبا وحنقا بل وغيرة يجب أن تكون في المقام الأول عليها وليس على سابقتها والغضب الوحشي المشتعل بعيناه الآن خير دليل أنها قد أصابت هدفها بدقة صياد محترف وصوته المرتفع بجنون يخبرها بكلمات لا مواربة فيها:

- إيه اللي أنت لابساه ده ورايحه بيه على فين إن شاء الله؟!

! ترجلت الدرجات الرخامية حتى تبقت لها واحدة فقط فظلت تحتلها حتى تكون بإرتفاع يكافئه قائلة ببسمة باردة:
- يهمك أووي ، ليه تكونش بتغير عليا يا جاسر ؟
فرد بنبرة حارقة:
- أنت متجوزة راجل مش کيس جوافة باست هانم هزت رأسها بسخرية والتوت شفتيها بمرارة كلماته:
- مش دي الإجابة اللي كنت مستنياها فوضع يديه في جيوب سرواله خشية أن يفقد إتزان أعصابه وقال بنبرته التي أرسلت بأوصالها رجفة قاسية:
- وكنت مستنية مني إيه يا داليا ؟

فهمست بضعف أنثوي تملكها رغما عنها:

- إهتمامك ، غيرتك عليا ، تهد الدنيا عشاني زي ماهديتها عشان طليقتك ونجحت في إثارة المتبقي من رباطة جأشه فتملك ذراعها بقبضة قاسية قائلا بحدة:
- مايخصكیش پاداليا أنت دخلتي حياتي وأنت عارفة أنه فيه غيرك فاندفعت نحوه وتخلصت من قبضته بعنف قائلة:
- لكن ماعدتش فيه غيري ياجاسر ، فيه أنا والجنين اللي أنا حامل فيه ظل صامتا لفترة ليست بالقصيرة ثم ابتسم لها وبعيناه تلمع بنظرة شيطانية وأخرج لفافة تبغ وبدأ في إشعالها بتلذذ قائلا بنبرة تحمل تهديدا خطيرا:

- أي محامي بتلاته تعريفه على كام شاهد على حفلاتك البايظة والفستان اللي أنت ناويه تخرجي بيه ده وشوفي أنهي قاضي هيسيب حضانة طفل بريء لأم مستهترة زيك ولكن تهديده لم يلقی صدا بداخلها إذ استيقظت شياطين أنثى شعرت ولثاني مرة بتاريخها معه بالدونية وعدم الأهمية فاتجهت نحوه بثبات وسحبت لفافة التبغ من فمه وألقتها أرضا ودعستها بحذائها المدبب قائلة بترفع:

- وماله ، نجرب وسارت في طريقها نحو الخارج دون أن تلتفت نحوه مرة أخرى کابحة دموع لا تغفر ضعفها الذي تمكن منها أمامه لوقت طويل.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الرابع والعشرون

تأجيل المواجهة لن يمنع حدوثها كما أنها اشتاقت وبشدة لأحضان صغارها بذهن مشتت لملمت أشيائها وعزمت على التوجه لهم في الحال والاعتذار عن متابعة بقية الحالات التي قد ترد إليها استوقفها کریم قبیل انصرافها ببضع دقائق أثناء إجرائه مكالمة تليفونية قائلا بحزم:


- لحظة يادكتورة فتوقفت قدماها عن الحركة بتوتر بالغ وانتظرته حتى أنهى إتصاله وباغتته على الفور:

- أنا اعتذرت بقية اليوم وهبقى أعوضه بكرة إن شاء الله كان ينظر لها متعمقا داخل خبايا نفسها وقال بصوت هامس:
- هتروحي للولاد ؟

نظرت له بضيق متعجب ، لقد أصبح مطلعا على تحركاتها بالرغم أنها لا تخبر أحدا بها ، حتى أنها لم تعلم شيئا عن المواجهة التي حدثت منذ يومان فهزت رأسها صامتة ، فتنحنح کریم بإبتسامة مضطربة قائلا:

- آسف ، أنا فعلا بتدخل في اللي ماليش فيه ، بس كنت حابب اتطمن عليكي فهزت رأسها وهي تتحرك بتعجل نحو الباب الرئيسي:
- ولا يهمك ، أنا كويسة فسار لجوارها مشيرا لهاتفه:

- على فكرة ده كان واحد معرفه وهيخلص ورق المرور بإذن الله على بكرة أو بعده أنا بس وقفتك يمكن يعوز مني حاجة  تقوليهالي قبل ماتمشي فالتفتت له بإمتنان عميق وشعور داخلي بالخزي إذ أنها كانت جافة وقاسية بردود أفعالها على مدار اليومين السابقين معه ولكن ذلك لم يمنعه عن التحرك لصالحها فقالت بأسف عمیق:

- أنا متشكرة جدا یا کریم أنا تعباك معايا وأنت على طول متفهم فالتفت إليها وظل صامتا لبضعة ثوان حتى قال:

- أنا مش عايز اسمع الكلام ده منك تاني يا سالي ، أنا مايهمنيش إلا أني أشوفك متطمنة تنهدت وهزت رأسها فأين لها بالطمأنينة والراحة؟!

وأشارت له بحركة من يدها مودعة وبالمقابل تلقت منه إبتسامة مشجعة كانت رفيق لها حتى وصلت القصر وتلقفت بأحضانها صغارها وقبلاتهم المتفرقة أشاعت في نفسها البهجة والسرور وأطفأت نار الاشتياق وبالمقابل أشعلت نار الحسرة والفقد وكأنما استشعر الصغار حاجة أمهم للهدوء والسكينة لم يلقوا إليها بكلمات اللوم والتقريع لغيابها عنهم بل جذبتها سلمى لتريها ما رسمته خلال الأيام الماضية فتلقفتها سالي بأحضانها وأجلست سلیم بالقرب منها وهي تطالع رسوماتها المضحكة قائلة:

- وريني رسمتي إيه ؟

فقالت سلمى بطفوليتها المحببة:
- ده أنا وأنت وسلیم وتیته مجيدة فدغدغدتها سالي قائلة:
- وأنا مالي طويلة أوي كده فضحكت سلمى وقالت:
- لاء ده عشان احنا وتيته قاعدين وأنت بس اللي واقفة فضحكت سالي وقالت:
- آه قولتيلي بقا ولكن سرعان ماغابت ضحكتها عندما أردفت سلمی:

- بصي دي كمان ، دي أنت وبابا على البحر وأنا بعوم مع السمكة فقاطعها سليم ولم ينتبه لغياب بسمة أمه قائلا:

كفاية بقى يا سلمى خلي ماما تشوف عملت إيه بالمكعبات وقفز ليريها ما خبئه بجوار فراشه وعندما طالعته سالي حتى تراسمت معالم الدهشة والفرحة جنبا إلى جنب على وجهها قائلة- برافو ياسليم ، جميل جداا ، عملته کله لوحدك هز سليم رأسه بفخر إذ مضى وقتا طويلا في رص المكعبات ليشكل بها قصرا شبيها بالذي يسكنه وضحكت سالي وهي تقترب منه قائلة بذهول:

- ده أنت حتى الشجر عملته فقال سليم بعفوية:

- دي شجرة بابا ، تیته سوسن قالتلي عليها تهرب من رسمة سلمى التي تحمل ذكري جاسر لتصطدم بمجسم سليم الذي يحمل بصمته وستظل تدور في دوائر لا نهاية لها ولا بداية إلا بجاسر نفضت عن رأسها أفكارها السلبية وقالت:

- ياله غيروا هدومكوا ، عشان أنا عازما کوا على الغدا بره فقفز الصغيران بسعادة وابتسمت سالی ولكن سرعان ما غابت عنها بسمتها إذ قاطعها صوته بحزم قائلا:

- وأنا اللي جاي اتغدا معاكوا ، خلاص نروح نتغدی کلنا بره سوا فالتفتت له شاحبة وهي تطالع ساعة الحائط بضيق لمحه جاسر بسهولة بالغة وقال بنبرة ذات مغزى وقد ضاقت عيناه في إنذار صريح أنه لن يقبل بالرفض- ياريت لو نتكلم خمسه في مكتبي عبال ما الولاد يغيروا.

وبإحدى مميزاته التي لا يختلف عليها إثنان وبشجاعة المواجهة التي لازالت تفتقر إليها باغتها بسؤال حاد المقاطع في اللحظة التي أصبحا بمفردهما في غرفة مكتبه:

- مين ده اللي كنت واقفة معاه أول امبارح ؟
ظلت تنظر له صامتة لوهلة وهي ترقبه بأعين واسعة حتى قالت بضيق بالغ:
- وأنت بأي حق تسأل وبأي حق أصلا تتهجم عليه ؟
فتسارعت خطواته نحو الباب وأغلقه بعنف أفزعها وقال وهو يشير بإبهامه محذرا:
- حذاري يا سالي ، أنا لحد دلوقت متمالك أعصابي معاك فتوترت أوصالها وقالت بعند:
- هتعمل إيه ياجاسر هتضربني أنا كمان ؟

فزعق بها:

- ما تستفزنيش ياسالي عشان ماترجعيش تندمي وردي على السؤال ، مين ده وإزاي توقفي تضحكي معاه في الشارع؟!
اتسعت عيناها بفرط الدهشة وفغر فمها للحظات وهي تطالع نسخته الغاضبة حتى قالت بهدوء جم لا تعلم كيف استحوذت عليه بل وأيضا بإصرار مطلق:
- ماعدتش من حقك أنك تدخل في أي شيء يخصني يا جاسر واقفة مع مين ، بضحك مع مين ، بخرج مع مين حتى ، خلاص ماعدتش من حقك ، زي ما أنت عايش حياتك أنا كمان عايشة حياتي فاقترب منها وبأنفاس مشتعلة كاللهيب قال:

- كل شيء يخصك من حقي يا سالي ولمصلحتك ماتعملش اللي أنا مش راضي عنه ، عشان لحظة ماهترجعي هيكون حسابك عسير عن كل شيء خالفتيني فيه وربما ظنت أنها لن تندهش من شذوذ أفكاره وتقازم تواضعه بعد ماحدث لهما ولكنها لم تتوقع أنه قد يصل به لمستوى أبعد !  فضحكت برقة ولكنها لم تتمالكها كثيرا إذ اتسعت وتصاعدت نغمتها حتى قالت وهي تراقب أنظاره المستعرة بدهشته:


- أنا حقيقي مش فاهمة إزاي متوقع أني أرجعلك وأنت زي ما أنت ماتغيرتش . . لاء وبتهددني كمان ! فرد فورا:

- وعمري ماهتغير فهزت رأسها وهي توافقه الرأي:
- ده صحيح ، أنت زي ما أنت فعلا ، جاسر بشركاته ، بفلوسه ، بمراته الحامل ، بحياته اللي عایشها بالطول والعرض . منغير مايفكر في اللي بيدوس عليه عشان يكمل هوا طريقه واقتربت منه بتحدي أعظم وهي تلكزه بأصبعها فوق صدره:
- لكن أنا اللي اتغيرت ياجاسر ، أنا ماعدتش أقبل بأقل من الحياة اللي دلوقت عيشاها وتسارعت خطواتها للخلف في إشارة واضحة للإنصراف ونهاية الحديث بينهما وهي تقول:

- ومع الأسف أنت غير مرحب بيك في الغدا اللي أنا عازمة ولادي عليه واقترب هو منها بخطوات أسرع:

- قصدك ولادنا اللي أنا بكرم أخلاق مني سامحلك تشوفيهم حتی بعد تصرفاتك فقالت برفض سريع وهي تستدير مرة أخرى لتواجهه بهدوء:

- لاء مش کرم أخلاق منك ، ده شرط وإتفاق بينا أنت ملزم بيه ، كان شرط طلاقنا وراجع الشريط كويس ياجاسر ولو نسيت فأنا فاكرة كل كلمة ومشهد منه وعمرى ماهنساه وخرجت من الغرفة وقد أسدلت بكلماتها الأخيرة ستار نهاية المواجهة وهي تنادي بصوت مرتفع على طفليها لتجتذب كفوفهم الصغيرة نحو الخارج تحت مرأى عيناه التي تبعتهم كالصقر المتحين للإنقضاض على فريسته وهو يوقن بغضب مستعر بأعماقه أنه قد انسلت منه خيوط لعبته في غفلة منه في خضم الحياة وكثرة التفاصيل المحيطة بها قد تنسى أو تتغافل عن أشياء حتى تستطيع المضي قدما ولكنها لم تنسى أرقام هاتفه حتى بعدما مسحتها من ذاكرة الهاتف ظلت تنظر للأرقام التي تضيء شاشته حتى ردت بشجاعة تفتقر إليها في الواقع وجائها صوته مرحبا بتأنيب:


- أنا انتبهت إني مادتكیش عنوان الكافية بس استنيت تتصلي بيا على الأقل تنهدت آشري قائلة:

- سوري با زیاد بجد أنا مش عارفة أقولك إيه فهمس متخوفا:
- قولي اللي يخطر على بالك فورا یا آشري ، أنت طول عمرك بتقولي الصدق تهدل كتفيها وأقرت بصدق:
- کنت هكذب وأقولك أن بابي تعبان وماقدرتش أتصل فرد بسرعة:
- والحقيقة عبثت بأطراف الأوراق التي تقبع أمامها وقالت:
- الحقيقة أننا بنعيد نفس السيناريو منغير ماندي لنفسنا فرصة نصلح أخطائنا فأقر بصدق نادم:

- أنا بدأت یا آشري أصلح كل أخطائي لكن كعادتي محتاجك جمبي تاخدي بإيدي ظلت آشري صامتة لفترة طويلة وهي لا تعلم بم تجيبه حقا ، لقد فقدت القدرة على دفعه وتصحيح أخطائه إذ تبين لها بنهاية الأمر أنها كانت مخطئة تماما في توجهاتها نحوه ، وكأنما لمس حیرتها بيده قال:

- خلينا نتقابل با آشري ، الكلام علي التليفون مش هينفع     كان عازما على تجاهل مكالمتها التليفونية للمرة الرابعة على التوالي ولكن ماحثه على الرد ، تلك الرسالة النصية التي يطالعها والتي تتضمن قرار لسفرا بلا عودة أتاها صوته بتحية مرتجفة ، فقالت:

- یعني كان لازم أبلغك برسالة عشان ترد ؟

فتنهد ضائقا:
- إيه معنى اللى أنت كتباه ده یاریم ؟
هزت رأسها وهي تخط تقريرا طبيا موقعا بإسمها:
- ده قرار کنت مترددة فيه وأنت ساعدتني أخده فغمغم بدهشة:
- تسيبي مصر ؟
فأردفت بنبرة جادة:
- أنا طول عمري برة مصر وحتى لما كنت برجع ماكنتش بلاقي نفسي فقام وسار بضعة خطوات قائلا:
- وأنا اللي طفشتك النهاردة ضحكت برقة وقالت:

- أنت بتدي لنفسك حجم كبير أووي أنا لو صممت أني أقعد كنت قعدت لكن ده القرار الصح فهز رأسه بحيرة قائلا:

- أومال إيه حكاية أني ساعدتك تاخدي القرار ده ، وليه دلوقت تركت الأوراق جانبا وقالت وهي تسرح بفكرها لمساء تلك الرحلة الصادم فزمت شفتيها وقالت بحسم:
- أنا اكتشفت أني أنا كمان کنت بهرب ، بهرب من فكرة أننا مش مناسبين لبعض وأننا بنضيع وقت مش أكتر لذلك قررت أعيد تصحيح مسار حياتي وأركز في الوقت الحالي على شغلي وبس ، ولا أنت شايف غير كده يا أسامة ؟

تاهت منه الأحرف وغربت عن سماء أفقه الكلمات وظل شاردا ولكنه بداخله يعلم أنها محقة هو لن يستطيع التمسك بها وإثنائها عن قرارها والتراجع عنه ، إذ أنه لا يملك أدنى فكرة عما يكون الوضع بعدها بينهما فهو لا يملك نحوها تلك العاطفة الجارفة وأيضا لا يستطيع التخلي عنها بشكل حاسم ونهائي فهي بحقيقة الأمر لم تكن سوى لعبة كان يدور بها من حين الآخر ، يهرب بها من واقع حياته المزرية ووطأة شعوره بالوحدة تنهدت وقالت:


- الرد وصل هتف بسرعة:

- ريم أنا . . . فقاطعته بحزم فوري لكأنما تلقي بأمرا غير قابل للنقاش:
- مستنياك النهاردة الساعة عشرة قدام بوابة المستشفى تسلم عليا . طائرتي الفجر ، سلام       كان ممسكا هاتفه شاردا حتى بعدما نادته للمرة الثالثة فأخذت قرارا بالطرق على سطح مكتبه لعله يجيبها قائلة:
- جاسر فرفع رأسه إليها فزعا قائلا بحدة:
- فيه إيه بادرية؟!
رفعت حاجبيها تعجبا ليس لأنها ولأول مرة في تاريخها الطويل معه نسبيا تراه شاردا بل لأنها تلمح الحيرة بعيناه تصطرخ فقالت مشفقة:
- مالك ؟

عبس وقال بغضب يشبهه كثيرا ذاك الذي تلاقيه من صغيرها أيهم:

- ماليش ، فيه حاجة عندك أنت ؟
طرقت برأسها قائلة وهي تتوقع الرفض الذي سوف تسوقه لأذن أبيها بأسف مبطن بفرحة:
- ممكن آخد بقية اليوم أجازة ؟
ولكنها خيب آمالها قائلا ببساطة:
- براحتك أنا كمان ماشي كمان شوية اتسعت عيناها بدهشة:
- الساعة لسه حداشر فتبسم لها متهكما:

- قولي لنفسك ، عموما أنا دماغي مش رايقة ، عايزة تقعدي براحتك عايزة تمشي استني أما أوصلك في سكتي قضبت جبينها وقالت وهي ترقبه بنظرات حادة:

- لا أنا هتصرف ، هجهز بس شغل بكرة وأحول المكالمات وأمشي خرجت من غرفة مكتبه وهي شاردة هي الأخرى بحالته العجيبة ثم مالبثت أن وبخت نفسها فهي بغني عن الغرق في مشاكل الغير يكفيها ما تمر به وهاهو الهاتف يذكرها بأحدثها فردت بصوت جاهدت أن تجعله هادئا:

- أيوة يابابا ؟

 رد أبيها بسعادة بالغة:
- أنا عند الولاد ولبسوا وكله تمام هنعدي عليكي كمان نص ساعة بالظبط هزت رأسها قائلة:
- ماشي يا بابا ولو أنك كنت ممكن تروح معاهم منغيري عادي ضحك والدها وقال بصدق تام:
- ماتعمليهومش عليا يا درية أنا وأنت فاهمين كويس أصول اللعبة أغلقت عيناها لثوان وقالت بوقاحة دون الإهتمام بإثارة غضب- بصراحة اللعبة بوخت أووي وجائها الرد قاسيا:
- قولي لنفسك ، طارق إنسان مايتعيبش وولادك مرتحانه وأنا مش هلاقيلك أحسن منه ، زي مابتفكري في اللي يريحك فكري في راحة اللي حواليكي السكون ماكان يحتاج إليه حقا ، فالضوضاء برأسه تكاد تذهب بعقله ذات مرة غزل خيوطا ، أهملها لفترة فتشابکت صارت عقدة ، فتقطعت عاد بغروره ليحكمها ، والنتيجة أنها قد تناسلت من يده والإحتمالات كثيرة ، وجميعها مرفوض كاد أن يخرج لفافة تبغ ويحرقها ليخفف من إشتعال رأسه ولكنه تذكر أنها كانت تكره رائحتها نظر لقبرها مليا وغمغم لها مؤنبا:
- لیه کتبتيلها الوصية ؟
كنت بتقربيها مني ولا بتخيرها تبعد عني؟!

أحقا؟!

أهذا ما وصل إليه ؟
 يلوم أمه المتوفية على فساد مسار حياته وفشله في الحصول على الراحة والاستقرار وبالنهاية فذلك لم يكن سوى من صنع يده قبض على كفه متألما موقنا أنه المخطأ وعليه تقع الملامة أفسد بغروره وكبريائه حياته وحياة أطفاله وما يدفع بعقله للجنون حقا ذاك السؤال الذي لا إجابة له متى امتلكت العند والشجاعة ل . . قاطع فكره المتسرسل بنفي لا ، فالسؤال الصحيح من ؟
من يكون ؟
وماذا فعل ليغيرها ؟
وكيف استطاع ؟
وكيف تغافل هو عن أثره بنفسها ولم يدري مبكرا ما طرأ عليها من متغيرات ؟

قام وقد اشتعل الغضب بوجدانه من جديد ورغبة حارقة تتملكه في تلقين ذلك الفارع درسا لن ينساه ألقى السلام على أمه قبل أن يذهب بطريقه ولكن رنين هاتفه جعله يتوقف عن الحركة فأخرجه من جيبه ليطالع رقما غريبا عزم على تجاهله ولكن رنينه الملح الذي قد يوقظ الأموات من قبورهم جعله بضيق مبالغ:

- آلو . مين معايا ؟
فأتاه صوتا مرتجف لإمرأة تقول:
- أستاذ جاسر أنا إنجي صاحبة داليا ، ممكن تيجي بسرعة ، داليا في المستشفى      تخطت باب المركز بسرعة ومنه إلى غرفتها الخاصة ودهشت عندما طالعته يحتل المقعد الرئيسي بها فقالت متعجبة:

- صباح الخير يا كريم فابتسم لها بحبور قائلا:

- حبيت أستناكي هنا عشان أول ماتدخلي أخدك وننزل فورا كانت تهم بوضع حقيبتها جانبا ولكنها سرعان ما تراجعت قائلة بتوجس عابس:
- خير؟!
فضحك لها قائلا:
- أنت على طول قلقانة كده ، كل خير يا سالي يالا بينا سارت خلفه وهي تضحك بتعجب:
- مش هتقولي على فين طيب ؟
أشار لها نافيا بيده وقال باختصار:
- ورايا ترجلا الدرج سویا وسارت برفقته حتى وصلا للشارع الخلفي وطالعت سيارتها الحديثة متوقفة وما أن اقتربا منها حتى استطاعت تميز اللوحات المعدنية المعلقة بها فالتفتت له بسعادة- خلصت الرخصة؟!
هز رأسه وابتسم لسعادتها الواضحة قائلا:

- طارق جبهالي الصبح بس لازم نعدي على المرور نخلص شوية ورق ونستلمها ، هوا موصي علينا ناس معارفه تطلعت له بإمتنان:

- بجد يا كريم أنا مش عارفة أشكرك إزاي أشار للسيارة قائلا:
- أني أكون أول واحد يركبها وأنت اللي تسوقي ، يالا بينا فتسائلت متعجبة وهي تفتح بابها الفضي اللامع:
- على فين ؟
جاورها بخفة وقال:
- الأول نخلص المرور وبعدين نطلع سوا على المركز نخلص شوية حاجات أنهيا خطوتهما الأولى في أقل من ساعة زمنية واتجهت بسيارتها نحو مقر المشروع الخيري الذي يتشاركانه وأمرها قبل أن تطأ أقدامها داخله أن تغمض عيناها فضحكت له قائلة:

- مفاجأة يعني ، خلاص ماشي أطاعته حتى أمرها بفتح عيناها وما أن فعلت حتى صدرت منها ضحكة سعيدة مملؤة بدهشة بالغة تراقص قلبه طربا لها وهي تقول:

- مش مصدقة أنت لحقت تعمل كل ده أمتی؟!
أنا كنت لسه هنا إمبارح سارت بخطوات سريعة تتنقل بين الغرف التي أعدت بالكامل وطالعت الرسومات الكارتونية على حائط غرفة علاج الأطفال وأشار لها کریم لبقعة مجاورة:

- هنا لسه هنحط لعب ، هتبقى بلاي أريا للأطفال عبال مايجي دورهم وأردف مشيرا لبقعة أخرى:

- كان نفسي أجهزة التعقيم تتسلم بدري عن كده لكن للأسف استلمتها الفجر والعمال اللي كانو معايا كانوا خلاص جابوا آخرهم من التعب حدقت به بدهشة بالغة:
- أنت كنت سهران هنا للفجر؟!
فضحك وهو يفرك عنقه قائلا بتوتر:

- أنا لسه ماروحتش من امبارح ، أما الحاج مأنبني بكلمتين عشان مافطرتش معاه تأملته بشفقة بالغة:

- تعبت روحك أوي یاکریم ليه كل ده ، كان ممكن يتأجل رفع أنظاره إليها وقال بعد برهة:
- فيه حاجات كتير أووي كنت مأجلها لحد ماعدتش ليها وقت وبصراحة بقيت أخاف من التأجيل ظلت تنظر له متحيرة وبفضول أنثوي لم تتمالكه مضت تنبش ماضيه دون أن تدري:

- زي إيه ؟

هز رأسه بألم وقال متفکها:
- عندك مثلا أسناني البايظة فضحكت سالي وقالت:
- دي لازم تشوف ليها حل فعلا عيب عليك ولكنه سرعان ماقال مقتنصا لفرصة قد لا تتكرر:
كمان والدتي الله يرحمها كان نفسها تشوف ولادي فهزت سالي رأسها بأسف وقالت:
- الله يرحمها ، أنا كمان بابا ماشفش سلمی بس ماما على سبيل الراحة والوجع في نفس الوقت بتقولي هتبقى تحكيلو عنها عبث بمنتصف رأسه وقد تاه مجددا وشعر أنه لا سبيل لما يرجوه حقا حتى قال:

- ساعات كتير بنأجل قرارات ونرجع نندم على الوقت اللي ضيعناه لمعت عيناها وهي تلتفت حولها مشيرة بيدها:

- الصراحة ماعدتش أفكر في اللي فات كفاية الموجود دلوقت ، كفاية أنك شجعتني على قرارات كتير فعلا أنا سعيدة بيها نظر لها وقد تملکت حواسه بالكامل إذ قال بأنفاس متهدجة:
- بالعكس باسالي أنا اللي اتعلمت منك أني آخد قرار وأنفذه ماستناش حسابات مابتخلصش . يمكن كنت بعرض عليكي أفكار لكنك بشجاعة كنت بتنفذي ضحكت متعجبة وقد احمرت وجنتها:
- بجد ، وأنا اللي بحسب نفسي إما متهورة أو سلبية مابتحركش هز رأسه نافيا وقال:

- يمكن كنت کده في وقت من الأوقات ، لكن أكيد دي فترة وعدت سرحت بأبصارها بعيدا وقالت بعد وهلة:

- فعلا ، فترة وعدت والتفتت له وقد أخرج من جيب سترته علبة مخملية حمراء صغيرة وفتحها تحت أنظارها المتسعة لتطالع دبلة ذهبية غمرتها بالدهشة وحمرة الخجل في آن واحد ونبرة صوته الأبح تخاطب أذنيها إذ تاه عقلها بصدمته:
- أنا مش هستنى منك رد في الوقت الحالي ، لأن ده بالذات قرار ماينفعش أستعجلك فيه بس ليا رجاء ابتلعت ريقها ورفعت أنظارها لتستقر على ملامح وجهه الراجية:
- أيا كانت مخاوفك خلينا نواجهها سوا ، سواء ولادك أو طليقك أو نظرة الناس اللي ماتهمنيش بالمرة ياسالي استجمعت شتات نفسها وقالت برجاء مقابل:
- کریم . . . . فاقترب منها وقد أغلق العلبة ودفع بها لكنها الرقيق قاطعا ترددها وحيرتها:

- لو وافقتي هكون أسعد إنسان في الدنيا ولو لاقدر الله رفضتي هفضل جمبك ومش هسيبك إلا لما توافقي ، عشان كل المخاوف اللي في دماغك واللي أنا عارفها كويس خصوصا بعد خناقة أول إمبارح ماتستاهلش منك تضيعي حياتك وحياتي عشانها ثم تركها لبحور حيرتها وانصرف وكلماته الأخيرة تشد من أزرها وجلست في المركز الخاوي تطالع العلبة الحمراء المغلقة بذهن مشتت والخوف بداخلها يصرخ بالرفض ولا رد سواه والعقل العنيد يدفع بها وما المانع؟!

فيجيبه القلب بل ألف مانع اللعبة قد طالت بالفعل وكلما عمدت للهرب أو التجاهل حاصرها بإصرار قوي واليوم كان سؤالا صريحا ولا تراجع عن إجابة شافية له وبالنهاية رضخ لقواعد اللعبة فقال بعزم واضح:

- أنا هستنا ردك عليا في خلال أسبوع یادرية هزت رأسها وقد سعدت بتلك الفرصة لتهرب من بين حصاره وتعود مرة أخرى لصغارها الذين يستمتعون باللهو بمايه الشاطىء الخاص الذي يحيط بمنزله الصيفي والتفتت لظل أبيها ولجواره زوجته التي تستمع بأشعة الشمس في رغبة للحصول على صبغة برونزية لاتدري بما تعود عليها وهي التي تفوقها عمرا وتماشت خطواتها بوقع خطوات أبيها لجوارها على رمال الشاطىء البيضاء والذي همس لها بحب جارف:

- ماتكرریش غلطتي يابنتي ، بصي وراك هتشوفي فرحة في عيون ولادك محتاجين لأب يحتويهم فصرحت ولأول مرة بما يعتمل في صدرها من مخاوف:
- خايفة مالاقيش عندي حاجة أديهاله ساعتها الولاد هيدفعوا معايا التمن أمسك والدها بكفها بحزم يرافق عطفا:

- بيتهيألك يادرية ، أنت متعودة على العطاء وطارق شخص مش متطلب ثم قال وهو يديرها نحوه بعدما ابتعدا عن أنظار الجميع:

- أنا عاوز اعترفلك بحاجة مهمة فأصغت لما سوف يلقيه على مسامعها فأردف قائلا:
- أنا كنت مصمم أني آخد الولاد بعد ماتتجوزي أنت وطارق ا ولكنه رفض فاتسعت عيناها دهشة وقالت بغضب بالغ:
- تاخد ولادي مني يابابا ، إزاي يعني؟!
فأشار لها مهدئا:

- أنت بتسيبي المهم ، طارق عنده رغبة شديدة جدا إنه يربي الولاد معاكي ، وقالي باللفظ الواحد هكون سعيد أني أبقى أب ليهم فأنطفأت نار غضبها في الحال وشردت بأبصارها نحو أولادها وخوف غریزي يسيطر على حواسها وصدق قلب الأم كما يقولون فعندما عادوا إلي منزلهم بالمساء تلقفت ذراع طارق الصغير النائم بقلق ملتفتا لدرية التي كانت تترجل من السيارة قائلا:


- أظن أن أيهم سخن شوية فاندفعت بسرعة نحوه تتلمس جبهته وقالت بفزع:

- ده مولع فترجل والدها من سيارته بالمقابل قائلا:
- خير في إيه يا درية فتمسك طارق بزمام المبادرة قائلا:
- خير . . ماتقلقيش پادرية ، أنا هاخده معاكي للمستشفى وخلي الولاد يطلعو مع جدهم والتفت لأبيها قائلا:
- ده بعد إذنك طبعا فدفع بها أبيها نحو سيارة طارق من جديد قائلا ليطمئنها:

- أنا هقعد معاهم لحد ماترجعوا وتطمنونا عليه مرت الدقائق ثقيلة عليها بالرغم من تمكن طارق من حجز کشفا سریعا بواسطة نفوذه ورفع الطبيب رأسه إليها قائلا:

- ده فيروس منتشر في الجو ماتقلقيش يامدام ، أنا اديته خافض وفي خلال ربع ساعة الحرارة هتنزل عليكي بكمادات وخافض في البيت وراحة على الأقل اسبوع تنهدت بإطمئنان أخيرا وقالت للطبيب:
- بس ده كل ده ونايم ودي مش من عادته فطمأنها طارق:

- ماتنسيش أن اليوم كان طويل ومرهق ، والسخونية عليها عامل و برضة هزت رأسها وهي تتجه لتحمله رافضة عرضه بحمله بدلا منها وخرجا سويا وانتظرته حتى يتمم إجراءات الانصراف وعزمت على شكره ورد أمواله إليه لاحقا ، ولكن ما لجم لسانها وذهب بلون وجهها وترك آثار شحوبه عليه واضحة ذاك المشهد خلف الأبواب الزجاجية لأسامة والقابعة بأحضانه والأخير يهمس بأذنها بكلمات لم تصل إليها ولا حتی کلمات طارق الذي كان يخاطبها فدقات قلبها المحتقن بألمه كانت الأعلى صوتا وعقلها يترجم الأحداث لمعادلة رياضية بسيطة كما اعتادت دوما فالعمليات الحسابية جزء لا يتجزأ من أحداث حياتها اليومية رجل لجوارها يشد من أزرها ويتلقف أطفالها بالعناية والرعاية والآخر أمامها يتلقف أخرى بأحضان حميمة فالتفتت له فجأة وقالت:


- أنا موافقة فدهشت ملامح وجهه وارتسمت ابتسامة سعيدة أعلاه وفتحت عينا أيهم الصغير أخيرا وقال متعجبا:

- موافقة على إيه يا ماما ؟
فضحك له طارق بسعادته البالغة:
- بكرة تعرف يابطل وانصرفا سويا تاركين ورائهم مشهد الوداع خاصة المتعانقين حتى تلك اللحظات المشحونة
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الخامس والعشرون

هل يمكنك حقا أن تفقد ما لم يكن لك بالأساس ؟

أفكار تدور بها منذ أن دلفت للمشفى صباح اليوم إثر نزيف حاد تعرضت له ووحش الخوف يسيطر على أوصالها بفقدان جنينها الرابط الأوحد الذي يجمعها به وبخسرانه تكون قد خسرته ولكن مرة ثانية يتكرر السؤال البغيض بداخلها هل يمكنك حقا أن تفقد ما لم يكن لك بالأساس؟!

هي ليست بغبية متغافلة واقعيا قد تغافلت عن حقائق عدة ومضت في دربها بعزم للحصول عليه وبنهاية الدرب قد تصل إلى قلبه لا هي وصلت ولا عادت تدرك ملامح دربها وبالنهاية أضحت بفراشها وحيدة دون حتى جنينها وعبارات المواساة التي تتلقاها من صديقتها المقربة لم تكن سوی طعنات متكررة لقلبها المتألم لفقدانه فصرخت بها لتتوقف:


كفاية يا أنجي ، كفاية شحب وجه الصديقة وظهرت ملامح الضيق والتوتر جليا على وجهها وفرت دمعة أخرى حبيسة مقلتيها وقالت هامسة:

- کلمتیه ؟
هزت إنجي رأسها وقالت:
- من ساعة مسحت داليا دمعتها الوحيدة وإن كان بالقلب الالاف ينوء بحملها وقالت معتذرة:
- روحي يا إنجي أنا تعبتك معايا ربتت إنجي على كفها وهي ترحب بتلك الفرصة للتخلص من عبأ لا تطيقه وقالت:
- هتبقى كويسة ؟
رفعت داليا رأسها وقالت:

- ماتقلقيش ، ماعدتش فيه حاجة ممكن أخسرها أعظم من اللي خسرته بخطوات حانقة طرق الممر المؤدي لحجرتها بالمشفى رمادية عيناه أضحت سوداوية بدخان أنفاسه المشتعلة ، دفع بیده الباب وكاد أن يصطدم باللتي أوشكت على الرحيل وما أن رأت وجهه المكفهر حتى أضحى رحيلها الهادىء ، فرارا ملامحه لم تلن للشاحبة أمامه ولم ترق بل زعق بها:


- نفذتي اللي في دماغك وفي الآخر ضيعتيه ، لأنك واحدة مستهترة وعلى الرغم من شحوب وجهها إلا أن لمعة عيناها الوحشية تولت الدفاع والهجوم في آن واحد:

- كان يهمك أووي؟!
رد بكلمة باترة لشكوكها الهزيلة:
- صلبي اهتزت نبرتها ببكاء مكتوم:
- مع أنه كان بيربطك بيا اقترب منها بغضبه الأعمى:
- مافيش حاجة تقدر تربطني وأنت دلوقت مسئولة قدامي عنه ، الدكتور قال أنك أجهضتي بسبب المجهود الزيادة ، سفر وتنطيط ومارينا . . صرخت به حانقة:
- أنت سيبتني أخرج

- وأنت مش هتلوي دراعي زعقته بها هزت بدنها حتى وضعت كفيها أعلى أذنيها وهي ترجوه:

- كفاية أرجوك كفاية أنت مش حاسس باللي فيا أخذ نفسا عميقا ليهدأ قليلا وأشاح بوجهه بل وبجسده بعيدا عنها واتجه للنافذة المغلقة وسرح بأفكاره في الأفق الأزرق فوقه أعليه تقع مسئولية فقدانها لجنينهما أيضا؟!

لا بل هي المسئولة بالكامل هي من عصته ومن ستدفع ثمن عصيانها همستها به قطعت حبل أفكاره:

- خلينا واقعیین یاجاسر أنت من الأول لا كنت عاوزني ولا عاوز طفل مني التفت لها وقال بعد فترة طويلة من الصمت المشتعل:
- جایز ، لكن حصل وحملتي وبالتالي بقا واقع وبقا ليا حق فيه وأنا ما بضيعش حقي وحتتحاسبي على إهمالك هزأت به:
- حساب الملكين فاشتعلت عيناه وقال مهددا:
- ويمكن أكتر وسقطت دمعة أخرى وبهمسة حارقة:
- وحقي أنا فين ؟

بدا وكأنه غافلا عما تقول ، فتابعت:

كنت بحلم بيك ، بطفل منك ، بحياة بينا ولقيتني على أرفع هامش عندك ، كل ما أقرب کنت بتبعد وأضحك على نفسي وأقول بكرة يمكن . . . وبكرة عمره ماهيجي بتر حديثها ودون شفقة:
- جوازنا كان صفقة بشروطك يا داليا ، لو كنت شرطتي الحب كنت رفضتها ودمعة ثالثة ورابعة وحتى العاشرة تابعت السقوط ومابعد العاشرة توالی دون صمود وهي تهمس به:
- طلقني

عقد حاجبيه واهتزت نبرته:

- فکري کویس یا داليا غيرك طلبتها وماتنتهاش وبنفس الأعين المغرقة بدموعها رفعتها له قائلة:
- الصفقة خسرانة يا جاسر أخذ نفسا عميقا وقال بصوت جامد وقلب متحجر:
- أنا هخلص إجراءات الخروج وأوصلك بيتك وورقتك وبقية حقوقك هتوصلك لحد عندك قهوة الصباح التي أصبحت تحرص على تناولها مؤخرا في مكان أبيها الراحل المفضل كانت علامة بينة على أن ابنتها تمر بمنعطف جديد بحياتها ورغم تاكل مفاصل ركبتيها إلا أنها حملت كوب الشاي خاصتها وصعدت للأعلى لتنضم لإبنتها السارحة بملكوت الله انتبهت لطرقات عصا والدتها فرفعت رأسها دهشة وقالت:

- خير يا ماما فيه حاجة ؟

ابتسمت لها أمها بمكر وقالت وهي تتجه لتجلس جوراها:
- أنا برضه فعقدت سالي حاجبيها وقالت:
- قصدك إيه يا ماما ؟
حدقت بها أمها بنظرات فولاذية وبنبرة أشد صلابة قالت:
- ماروحتيش شغلك بقالك يومين ليه يا سالي وحتى النادي وولادك يادوب بتنزليلهم الصبح تاخديهم تفسحيهم جمب البيت وترجعيهم قبل المغرب تنهدت سالي بتوتر وقالت:

- عادي يا ماما واخدة أجازة وبعدين هوا لازم أروح النادي كل يوم ، الولاد كمان بيزهقوا ظلت مجيدة تنظر لإبنتها صامتة حتى قالت:

- مخبية عني إيه يابنت محسن ؟
فابتسمت سالي وترقرقت دمعة بعينها لذكرى والدها الحبيب وقالت بصراحة مطلقة:
- بصراحة أنا هربانة فرفعت مجيدة حاجبيها بتعجب وقالت بشيء من الحسرة:
- رجعت تهربي تاني ، عملك إيه المرادي؟!
وكأن ماينقصها أن تقتحم ذكراه حديثهما فقالت بضيق:
- مش جاسر يا ماما فأمسكت مجيدة بكف صغيرتها وقالت برجاء:
- إحكيلي وريحيني فردت سالي بسرعة لكأنما تتخلص من عبأ أثقل كاهليها:
- کریم اتقدملي فارتسمت إمارات الفرح مخلوطة بحيرة على ملامح مجيدة التي قالت:
- وأنتي هربانة ليه ، الإجابة با آه یا لاء فردت سالي بحزن:

- ما أنا مش عارفة أجيبهالو إزاي فهزت مجيدة رأسها وقالت:

- طب وقررتي ترفضي على أنهي أساس ايه اللي خلي تفكيرك يقولك لاء فاعترضت سالي بسرعة:
- ياماما أنا مافكرتش ، أفكر في إيه بس ؟
والولاد و . . . وضعت مجيده الكوب بحدة وقالت حانقة:
- جاسر ! عاوزة ترجعيله عشان ولادك يبقى تتصلي بيه وتتفاهموا إنما تقعدي حاطه إيدك على خدك تستني ياخد خطوة يبقى بتحلمي يا سالي فردت سالي بغضب لكأنما تصبه فوق رأس أمها دون أن تدري:
- ومين قالك إني عاوزة أرجعله ولا أني هقبل أني أنا اللي أطلبها وليه بحلم ، ليه على طول معاه أنا اللي بتذل؟!
وتقبلت أمها ثورتها الغاضبة بصدر رحب وقالت بهدوء:
- يبقى بترفضي الجدع ليه ؟

فتاهت سالي مجددا في بحور حيرتها حتى قالت:

- أنا مش جاهزة إني اربط نفسي من تاني ولا أخوض تجربة من جديد فأمسكت مجيدة بكف ابنتها وقالت:
- فاكرة أما أبوكي الله يرحمه اشتری عجله حمرا ليكي وزرقا لسيرين ، سيرين بسرعة اتعلمت وركبتها وأنت كل اليوم الصبح کنت تطلعى هنا تاخدي العجلة في أيدك وتلفي بيها منغير ماتركبيها لحد ما العجلة صدت والبارومة أكلتها وزعلتي ، سيرين و أختك إديتك بتاعتها وساعتها ركبتيها نظرت لها سالي وهي لا تدرك المغزى من وراء تلك الحكاية التي تعود لأوائل عهد طفولتها فتابعت والدتها بلطف:
- ماتضيعيش الفرصة من إيدك يا سالي ، جربي يمكن تكوني جاهزة وخوفك بس اللي مانعك فهمست سالي بها:
- یعني أنت موافقة ياماما ؟

تنهدت مجيدة وقالت بحكمة بالغة:

- خلينا واقعيين ياسالي ، جاسر واتجوز ومراته حامل وأنت عشان تتطلقي سيبتيله بنتك ، في الأول ماكنتش موافقة بس بعد كل اللي حصل أنت اتصرفتي صح وعشان مصلحة الولاد مايبعدوش عن بعض وأنا وهيجيلي يوم وأفارق الحياة ، وعاوزة اتطمن عليك بدال ماتعيشي لوحدك فتنهدت سالي بحزن:
- بعد الشر عليك ، بس الولاد . . قاطعتها مجيدة:

- بنتك ياسالي ، سليم ابن جاسر . . وبكرة الاتنين يكبروا ويفهموا ومن مصلحتهم يعيشوا الاتنين سوا في عز أبوهم ، ومهما جاسر يعمل ساعة ماهيكبروا هيختاروا الجمب الحنين عليهم مش مرات أبوهم فرت دموع سالي رغما عنها فربتت مجيدة على كفها بحنا ودفنتها في أحضانها:

- الحياة مش سهلة يابنتي ، ماتوجيهاش لوحدك ، إنت محتاجة السند ، خدي فرصتك ياسالي ، ماتفرطيش فيها      وكأن ماينقصه تلك الأحرف نظر لها متوعدا وقال:
- أقدر أفهم بتقدمي إستقالتك ليه دلوقتي ، عملتلك إيه أنت كمان فابتسمت درية بمرارة وقالت هازئة:
- من ناحية عمايلك ، فعمايلك يامه ، لكن المرادي مش أنت السبب فنهرها بإصبعه مهددا:

- درية جلست وهي تقول بسخرية تشربتها منه بحكم " العشرة ":

- أصلي هتجوز ، عقبال عندك ولو أنها تبقى رابع مرة لكن مش خسارة في طيبة قلبك فاحمرت نواجذه وقال متجاهلا تعليقها لاذعا إياها بسؤال أشد سخرية:
- فجأة كده ، ومين عريس الغفلة ؟
فرفعت حاجبها وقالت بنبرة تحمل تهديدا:
- عقيد سابق في الجيش فتراجع للخلف وقال بشبه إبتسامة مريرة:
- آآه ده اكيد من طرف الوالد ، بس ياترى إيه اللي غير رأيك ؟
فنظرت للأفق خارج نافذته العريضة وقالت:

- کلنا لازم يجي علينا وقت ونتغير يا جاسر ، زي النخيل اللي بره دي لو ماكنتش تتغير وتنحني للريح . . .


هتتكسر ومش هتقوملها قومة خرجت وتركت أنظاره معلقة لجذع النخلة الذي كان يتمايل مع رياح الربيع القوية على غير العادة الناس من حوله تتغير حتى الأقوياء منهم ، ك " درية " علي سبيل المثال وليس الحصر تغيرت أيضا ربما كانت القوة في القدرة على التغير والتكيف مع الجديد من الأمور فالتغير في نهاية الأمر ليس بهزيمة نكراء وخذلان عزيمة لربما كان العزيمة ذاتها فالصفعات التي يتلقاها كبريائه على نحو دائم مؤخرا آلمته وهو يتمسك بكونه لن يتغير أبدا كنوع من الدفاع المضاد ولكن ذاك التمسك الأعمى كلفه الكثير ، كلفه زوجة مطيعة وبيت هادیء وحياة مستقرة ومؤخرا فقد جنينا لكأنما شعر أنه سيكون معذبا في الأرض كأخوته إن حمل کنیته ورغما عنه يشعر بمرارة خذلان ومسئولية تجاه تلك التي سعت إليه فبالنهاية عقد الزواج كان يحمل توقيع إسمه إلى جوارها نظر للأوراق أمامه وتعلقت نظراته التائهة بطلب درية للإستقالة فحملها بصمت وخرج من غرفته حاملا سترته أيضا وكنوع من التغيير الذي كان ينبذه لم يعلم إلى أين !


لربما كان في الماضي صاحب الخطوة الأولى حتى تولت هي زمام الأمور بحكم العادة ولكنه عاد ليصحح مسار حياتهما معا ويكون هو القائد دون و منازع ترجل من سيارته الحديثة أمام مقر شركتها وصعد حاملا زهور ابتاعها خصيصا لها سار بثقة آل سليم نحو المصعد حتى وصل إلى حيث مكتبها واقتحمه تحت أنظار مديرة أعمالها المنشغلة بمكالمة هاتفية أخرتها عن اللحاق به حتى توقف تماما في منتصف الغرفة تحت أنظار آشري المندهشة وحمرة الخجل تعلو وجنتيها رغما عنها لأول مرة منذ وقت بعيد والسبب ليس فقط معنيا بباقة الزهور الرقيقة التي كان يحملها ولا أيضا بهيئته المثيرة ببذلته الكلاسيكية دون ربطة عنق ولكن نظرة عيناه الجريئة المعلقة بها وحدها كانت الدافع الأقوى شکرت آشري مديرة أعمالها بصوت أبح وتابعت بأنفاس متلاحقة:


- ویاتری لازمته إيه الورد ؟

فأجاب بصوته الواثق المرح:
- عيد الربيع فضحكت رغما عنها وقالت بعبس زائف:
- لسه زي ما أنت ماتغيرتش فاقترب بقوة حتى أصبح على بعد سنتيمترات قليلة وقال بأنفاس ساخنة:
- فيه حاجات إستحالة تتغير فيا يا آشري واعترفي أنها من مميزاتي هزت رأسها بإذعان لطالما كان بارعا في فنون الغزل والتقرب من المرأة بشكل عام ، وحمقاء من ترفض غزل رجل جذاب مثله وأكثر حماقة من ترفض باقة زهور مدت يدها وتناولتها منه برفق ووضعتها برقة فوق سطح مكتبها وقالت بعيون لامعة:
- بس مش كفاية يا زياد فاقترب مرة ثانية ولكن منحها مساحة أوسع قائلا برجاء:

- فعلا ، لأنه حتی ده قليل عليك ، بس أنت إديني فرصة أعوضك على اللي فات نظرت له والألم يعود ليقتات من فرحتها:

- مش هستحمل وجع تاني یا زیاد فاقترب أكثر وبنبرة أكثر دفئا وحنانا قال:
- إستحالة ، الوجع كله من نصيب قلبي وأنا بعيد عنك وشعرت لكأنما اختطف دقات من قلبها على حين غرة فهربت بعيناها من محاصرته فقال برجاء مرح:
- ممكن تيجي معايا رفعت له رأسها بأنفاس متهدجة:
- على فين ؟
فابتسم وهو يقول:

- يعني ماجتيش حفلة الإفتتاح قلت أعملك حفلة على الضيق أنا وأنت ، نتغدی سوا وتشوفي المكان وكيف بإمكانها الرفض وعيناه تبتسم له وملامح وجهه تنطق بالفخر لكأنما طفل صغير أنجز واجبه على أكمل وجه " خايفة أكون بظلمك " رسالة مكونة من ثلاث كلمات لم تحمل وعدا ولا ردا بنعم كما يحلم ولكنها رسمت إبتسامة واسعة على فمه ومضى بأنامل ثابتة يخط عبارته التي تحمل صدق قلبه ومشاعره " الظلم بعينه أنك تبعديني عنك " ولم تلقي رسالته سوی بمزيدا من الخوف بداخلها فتنهدت بتعب حتى أتاها رنين الهاتف ليزيد من أرق مضجعها فردت بصوت مرتجف ولم يمنحها حتى فرصة إلقاء التحية عليه وقال:


- أنا جاي بكرة الساعة ثمانية ومعايا الحاج فاعترضت:

- کریم ، أنت بتستعجل أوي فرد قاطعا شكوكها:
- ما أنت بتهربي ياسالي ، خلينا نجرب سوا ، قوليلي إيه اللي هنخسره وبعدين دي مجرد خطوبة هوا أنا بقولك هجيب المأذون وآجي وظلت صامتة لوقت طويل حتى قالت:
- طب خليها آخر الأسبوع أكون حتى اتكلمت مع الولاد فابتسم بسعادة وقال بنبرة لا تخلو منها:
- هاتيهم بكرة النادي يا هربانة ونتعرف على بعض يكون أفضل فابتسمت رغما عنها وقالت:

- ماشي بس ما تكلمهومش في حاجة هز رأسه وقال مطمئنا:

- ماتقلقيش ، مش عاوزك تشيلي هم حاجة وأنا جمبك      عاد لمكتبه بعد إنقطاع عن العمل دام أياما متتالية ليس هربا ولكنه كان تائها بالفعل فبعد أن ودعها عاد لمنزله وغرق بألبوم صور وذكريات تقبع به وهاهو معلقا بين ماض وحاضر مشتت حتى نفض عنه الكسل صباح اليوم وتناول فطورا سريعا وهاهو يمارس مهام عمله الروتيني بشيء من الملل يصارع رغبة ساقيه في المضي نحو الطابق الأخير وريثما كان غارقا بدوامته الغير مستقرة دلفت تلك الفتاة التي لايدرك من معالمها سوى شعرها الفقير بشقرته وهي تضع بنعومة فائقة أوراقا مكتبيه تتطلب توقيعه وقالت بصوتها الرفيع وهي تحمل مغلفا أصفر اللون:
- مستر جاسر طلب مني أسلمك الظرف ده بالذات يدا بيد فتناوله منها عابسا وقال:

- هوا مجاش النهاردة ؟

هزت رأسها نافية:
- لاء ومضت مرة أخرى نحو الخارج حتى توقفت لتقول بمكر:
- ولا الأستاذة درية رفع لها عيناه بحيرة ولكن الورقة التي كانت بداخل المظروف تحمل تفسيرا منطقيا مما جعل الغضب يشتعل برأسه ، فكيف يقبل جاسر بإستقالتها دون الرجوع إليه ؟
ومالذي حدث ليدفعها لترك العمل؟!
قام وحمل سترته واتجه للباب وكاد أن يصطدم بجسد أخيه الضخم فهتف به حانقا:
- هوا أنا آخر من يعلم في الشركة دي ولا إيه ؟
فابتسم له جاسر بسماجة وقال ليزيد من غيظه:
- طبيعي ، هوا أنت بتيجي فزعق به غير مباليا:

- وحتى لو مجتش في أمور المفروض ترجعلي فيها فرفع جاسر حاجبيه بتهكم وقال ساخرا:

- المفروض إني أرجعلك بخصوص سكرتيرة مكتبي ، جديدة دي ماتيجي تنقيلي ألبس إيه بالمرة أغلق أسامة الباب وقال بحدة وهو يرخي ربطة عنقه بضيق قائلا- جاسر أنا مش ناقصك ، درية استقالت ليه ؟
ظل جاسر صامتا يراقب أخيه الذي يغلي ويزيد من فرط انفعاله حتى جلس بهدوء ودون أن يرفع أنظاره إليه قال ببرود:
- أصلها هتتجوز فهتف أسامة بحنق مختنق:
- نعم وضاقت عينا جاسر وهو يتابع ثورة أخيه:
- عقيد متقاعد في الجيش فهتف أسامة بغيظ:
- برضه ، البأف ده إياه فتبسم جاسر رغما عنه وقال:

- ماشفتوش الصراحة لكن ده طالما رأيك فيه يبقى أكيد راجل محترم فنظر له أسامة بعيون محترقة:

نعم يا أخويا أنت معايا ولا معاه فضحك جاسر رغما عنه وقال وهو يدعي البراءة:
- معاك طبعا بس على مين ؟
توترت أوصال أخيه ومضى يذرع الغرفة بأنفاس متقطعة وقال ضائقا:

- عامل فيه حكیم روحاني حضرتك . . يا شيخ أتنيل ، قال حالك أحسن من حالي هز جاسر رأسه مذعنا وقال معترفا:

- في دي معاك حق وقام لينصرف وقبل أن يختفي من طريق أخيه ألقي قنبلته الثانية- داليا أجهضت واتطلقنا تاركا إياه يحدق في إثره متعجبا متأملا في تدابير القدر شباكا تنسج من حولنا لا ندري أتحركنا أن نحن من نقودها ونصنع المزيد منها وهل الحرية سبیلنا خارجها أم بداخلها ؟
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل السادس والعشرون

في الوقت الذي تبدأ فيه بإستعادة أنفاسك وتعديل مسار حياتك في مضمار جدید تظن أنه قد يحمل لحياتك السلام أخيرا تفاجئك الحياة بأنه قد فات الآوان.


اصطدمت عربة التسوق خاصتها بأخرى لم تنتبه لها إذ كانت منشغلة بتفحص مكونات علبة حبوب للإفطار طلبها أيهم خصيصا وغمغمت وهي تلقي نظرة سريعة لصاحب العربة المقابلة بكلمة إعتذار ماكانت سوى ثوان حتی تلاشت حروفها وحلت محلها نظرة دهشة متوترة قابلتها عيون شديدة السواد بغضبها فهتفت بتعجب:


- أسامة ! ثم مالبثت أن استعادت رباطة جأشها وهي تسترجع مشهد العناق الحميم خاصته وقطبت جبينها وقالت بضيق:

- أنت بتعمل إيه هنا ؟
اندفع نحو الرف وألقي بعربته بعضا من المنتجات دون اكتراث قائلا:
- إيه بشتري حاجات أنا كمان ولا السوبر ماركت معمول مخصوص عشان طلبات سعادتك انزوت شفتيها بإبتسامة ساخرة مريرة وقالت:
- لاء طبعا ، اتفضل . . عن إذنك حرکت عربتها لتبتعد عن طريقه فزعق بها بإنزعاج تام:

- ياسلام واخد أنا المشوار من بيتي لحد السوبر ماركت اللي جمب بيتك عشان اتبضع فالتفتت له ببرود غير عابئة بنظرات البائع المتطفلة وقالت:

- والله مايهمنيش ثم أنا سألتك بتعمل إيه هنا نفث محاولا التريث والهدوء وقال:
- أقدر أعرف غيرتي رأيك ليه ؟
أنت مش قولت أنها مش خطوبة هزت رأسها وقالت بنفس التماسك:
- وقتها ماكنتش خطوبة فقال غاضبا:
- وإيه اللي اتغير ؟
هزت رأسها وهي تمنع الألم من التسلسل لنبرة صوتها المتماسكة ظاهريا قائلة:
- شيء مايخصكش ، حياتي الشخصية ملكي أنا لوحدي وبعدين أنت على أي أساس جاي تحاسبني فاقترب منها بسرعة قائلا بهمس خطر:
- الأساس أنت عارفاه کویس بادرية فابتسمت وقالت بتهكم مرير والمشهد حاضرا ومتجسدا بقوة أنفاسه:

- آه بأمارة الأحضان على أبواب المستشفيات تراجع للخلف خطوة باهتا وتابعت هي بجدية تلك المرة لتضع خط النهاية ومن بعدها لا عودة:

- من الأساس ماكنش فيه أساس يا أسامة ومن فضلك أنا مش عاوزة أشوفك تاني ولا حابة الشو ده يتكرر في مكان عام وخصوصا لما يكون قرب بيتي وولادي ، عن إذنك تابع انصرافها المتعجل والثابت نحو منصة دفع الحساب صامتا وهو يشعر بنيران تشتعل في أوصاله لم يكن يدري أن عبثه الغير مجد مع غيرها قد يحرمه فعليا منها بل لم يكن يدري حتى تلك اللحظة أنها بالفعل من أراد ومرارة الخسران تخنق حلقه للمرة الثانية بحياته غير أنه يشعر تلك المرة بأن خسارته أكبر إذ فقد الفرصة للعيش مرة أخرى وتذوق الحياة من جديد في تلك اللحظات القليلة التي تسبق انفصالها عن صغارها تغرقهم فيها بالأحضان والقبلات ووعود لمقابلة قريبة فوق السحاب في دنيا الأحلام توقفت بسيارتها الحديثة أمام البوابة المعدنية الضخمة لقصر آل سليم وهي تبحث عن كلمات مناسبة تبدأ فيها حوارا متأخرا للغاية إذ أنها سويعات ويحضر کریم ووالده لمنزلها لطلب يدها قالت بأنفاس متهدجة:

- إيه رأيكم في عمو کریم ياولاد؟!

عبس سليم وهو يبحث بعقله عن مغزی لسؤال والدته وظل صامتا فيما قالت سلمى ببراءة:
- دمه خفيف أووي هتجيبه المرة الجاية يتفسح معانا يا ماما ؟
فابتسمت سالي وقالت:
- آه إيه رأيكم ؟
كانت عيناها متعلقة بنسخة جاسر الغامضة وتسائلت داخلها كيف يمكن أن يكون الشبه بينهما ليس فقط بملامح جذابة بل وأيضا بخبايا نفس معتدة بكرامة والابن كأبيه بالفعل ظل صامتا يترقب توتر شفتيها بكلمات تائهة وسؤال لا معنى له:
- إيه رأيك يا سليم؟!
زم سليم شفتيه وقال:

- دمه تقيل لكن طبعا براحتك يا ماما انزعجت سالي وقالت متسائلة:

- ليه ياسليم بتقول عليه كده ؟
فرد بصراحته المطلقة:
- مش بستریح لحد يحاول يتصاحب عليا في أول مرة نشوف بعض فيها فضحكت سلمى وهي ترفع كفيها للأعلى قائلة بطفولية محببة:
- ياساتر يارب عليك يا أخي تجاهلها سليم وقال بجدية:
- يعني لو لازم يجي المرة الجاية ياريت مايتكلمش كتير ظلت سالي صامتة وهي لاتدري كيف التصرف ، لقد تملكتها نوبة من الجرأة الفجائية منذ قليل وقررت مصارحة الطفلين بأمر الزيارة القريبة ولكن مع تأفف سليم الواضح من شخص کریم أصبحت تشعر بالخوف وكأنما قرأ الصغير أفكارها فقال:
- لكن أنت بتسألي ليه ياماما هوا أحنا هنشوفه كتير بعد كده ؟
رفعت سالي أنظارها له وهي تقول دون أن تشعر:

- أنا وعمو کریم هنتجوز وتراجع الإثنان سويا لمقعدهما بالخلف ونظرة مبهمة قد علت ملامحهما فأسرعت سالي تقول:

- يمكن ، يمكن نتجوز وكنت عاوزة أعرف رأيكم . . . فيه  تبادل الإثنان النظرات وقالت سلمى بأنفاس متهدجة بصوت قطعت أنفاس سالي حسرة وغضبا في الوقت ذاته:
- یعني أنت خلاص مش هترجعي أبدا تعيشي معانا في البيت ! هزت سالي رأسها وقبل أن تهرب بأنظارها بعيدا ألقت نظرة متخوفة على وجه الصغير الذي التزم الصمت وعلا ملامحه الجمود ثم قالت بهمس:
- ماعدتش ينفع ياسلمی ومدت يدها وقبضت على كفوفهم وقالت بحب عارم:
- لكن لازم تعرفوا أنتوا أغلى حاجة في حياتي وإنهم لو خيروني بينكم وبين أي حد تاني أنا لا يمكن أبعد عنكم وأسيبكم فهتف سليم يإتهام قاس يتجاوز سنين عمره:
- أومال هتتجوزي أنت كمان ليه ؟
نکست سالي رأسها قليلا وقالت:

- عشان ماحدش يقدر يعيش لوحده ياسليم فتح سليم باب السيارة وقال وهو يهبط منها رافضا تلك الحجة الواهية من فمها:

- عمو أسامة عايش لوحده فترجلت سالي بسرعة وأمسكت بسلمی وبه قبل أن يصعدا الدرجات نحو الداخل وقالت وهي تحتضنهم:
- المهم عندي أنكوا تعرفوا مهما يحصل هنفضل سوا دايما ، أنا ماما وتمالكت دمعها بشق الأنفس وهي تبحر بعينا الصغير العنيد:
- وهفضل ماما ياسليم قفز سليم من أحضانها وصعد الدرجات للأعلى وتوقف قليلا أمام الباب وهو ينظر لها نظرة لائمة فيما اندفعت سلمی نحو أحضان أمها وقالت:
- ماتزعليش منه يا ماما ربتت سالي على كتف صغيرتها وقبلتها وقالت:
- أنا عمري ما أزعل منكو ياقلب ماما نظرات أختها الغير راضية لم تمحيها عبارتها الجافة- مبروك ياسالي ظلت سالي صامتة وتركت والدتها وأختها واتجهت نحو غرفتها مسرعة مما أثار ريبة أمها والتي التفتت لأختها وقالت منزعجة:
- ايه لزمته التقطيم بتاعك ده ياسيرين؟!
فهتفت سیرین:

- أنا يا ماما ولا هيا اللي داخله مش مدياني وش ، ولو أني بتمنالها الخير تنهدت مجيدة وهي فعليا مدركة أن شيئا ما يجول بفكر ابنتها الصغرى حتى قالت:

- أنا هدخل أشوف مالها فتمسکت سیرین بكف أمها قائلة:
- استني يا ماما لو سمحتي ، قبل ماتدخلي تميلي دماغها بكلمتين سيبيها تهدي وتفكر شوية جلست مجيدة وقالت بغضب:
- إيه الكلام الفارغ ده ، یعني إيه أميل دماغها یا بنت ؟
ضاقت عينا سيرين وقالت بصراحة:
- ماهو أنا عديت حكاية أنها تطلق من جاسر عشان حقها فعلا بعد ما اتجوز عليها قدمها ، لكن تتجوز غيره ، لا ده كتير . سالي بتحبه وبتعشق ولادها ، إزاي تتجوز غيره وإزاي حضرتك تشجعيها بدال ماتعقليها؟!
فابتسمت مجيدة بمكر وتراجعت للخلف بأريحية وقالت:
- قال يعني أنا مش عارفة أن اختك بتحبه وعمرها ماهتنساه اتسعت عينا سيرين وقالت بدهشة:
- طب لما هوا كده ، الراجل اللي جاي يتقدم ده لازمته إيه؟!
رفعت مجيدة كفيها وقالت هامسة:

- لجل ما البعيد يتلحلح فهمست سیرین بالمقابل- قصدك جاسر؟!

ابتعدت مجيدة بأنظارها عنها وتعلقت بصورة زوجها الراحل وقالت بهدوء متوعد:
- من يوم ما أختك عرفته وهوا بيعرف يجيبها لحد عنده وكان برضيا للأسف ، أنا بقى المرادي اللي هخليه يجليها وراسه فوق رقبته ونشرط ونتشرط عليه كمان ويعرف قيمتها كويس ظلت سیرین صامتة تحاول استيعاب ماتخطط له أمها حتى قالت بضمير يقظ:
- طب والتاني ذنبه إيه ؟
ليه يتعشم وتخلي بيه؟!
تنفست مجيدة بضيق وقالت بأنانية أم لا هم لها سوى سعادة إبنتها:
- ماحدش ضربه على إيده وأختك مصارحاه بكل حاجة وهوا راجل كبير وعارف وبعدين يا عالم التاني يكدب ظني ويزيد في العند والكبر اللي مالكه ، أهو على الأقل أكون اتطمنت عليها مع واحد ابن حلال ثم ربتت علی کف سیرین وقالت:

- قومي شوفي أختك مالها وهديها الناس على وصول      منذ قليل دلفت للحجرة المظلمة الساكنة وفقط أوقدت مصباحها الصغير لجوار فراشها تعلقت عيناها برقعة الشطرنج التي كانت تعلو مكتبها وسؤال سخيف يطرحه ذهنها المتعب لم هي بتلك الترتيب ؟

بيادق تراصت فوق الرقعة ذات اللونين الأبيض والأسود ولكن لم يستبق صف الجنود الملك والوزير وأتباعهم في الماضي كان بيدق " الفيل " المفضل لديها غير أن " الحصان " متميز بحركته المعقدة وذاك الملك الذي لا طائل لوجوده سوی أنه يثير الرعب بعبارة " كش ملك " لا يتحرك سوى خطوة واحدة فقط خطوة فارقة ، خطوة فاصلة خطوتها هي التالية . . ليست سوى کش ملك تهديد صريح ونزع لمستقريات الأمور وانقلاب الحرب وإعلان بالفوز أو الخسارة ولكن لمن ومن سيدفع ثمن أوزارها؟!
هي فقط أم صغارها أم ذاك الذي اقتحم رقعتها مؤخرا ويتبقى ذلك الذي طردها من رقعته يشغل حيزا من تفكيرها لا يستهان به أتسعى بزواجها للانتقام منه دون أن تشعر؟!

أو هي بالفعل تشعر ، بل تتلذذ أم تتوجس کونه حتى لن يهتم ! وكيف لن يهتم إذ ثار جنونه لاقتراب أحدهم بعرفه غير مشروع ولا مباح أمسكت بيدق الملك ورفعته بخطوتها تلك تحي الملك أم تدفنه بأعماقها للأبد؟!

- إيه ياعروسة مالك ؟
هتاف أختها المرح أخرجها من دوامة أفكارها اللامتناهية واستقبلت أذنيها عبارة أختها بشيء من الغرابة حتى قالت متهكمة وهي تعيد الملك لمكانه مرة أخرى:

- فعلا عروسة ، إيد تشيلني وإيد تحطني جلست سيرين على طرف الفراش وهي تقابل وجه أختها الحزين وقالت بهدوء رزین:

- كلنا عرايس ، كلنا في الهوا سوا . بس أنت على الأقل بتجاهدي عشان حريتك فردت سالي بحزن عميق:
- ولازمتها إيه حريتي وأنا يوم وره التاني ببعد أكتر عن ولادي فهمست لها سيرين وكأنها تتحدث عن واقعها:
- مش أحسن ماتكوني في نظرهم أم باهتة ، صورة نيجاتيف مش أصل ثم أمسكت سيرين بكف أختها بقوة وقالت:
- على الأقل تعيشي مع واحد کیان مش ظل ، فاقد الشيء لا يعطيه ياسالي حدقت بها سالي متعجبة وقالت:
- ده أنت بالذات كنت رافضة موضوع طلاقي تورات سيرين بعيناها بعيدا عنها حتى قالت بصدق:
- أقولك الحق ، کنت غيرانه منك ، قدرتي تاخدي الخطوة اللي طول عمري كنت خايفة منها رفعت سالي يدها وأخفضتهم للأسفل مرة أخرى بغير حيلة قائلة- یعني شوفتيني أرتحت ياسيرين؟!

هزت سیرین رأسها وقالت:

- على الأقل مش هتقضي بقية عمرك زيي تسألي روحك " ياتری لو كنت اتطلقت مش كان حالي هيبقى أحسن ؟
" تعمقت نظرة سالي وقالت بواقعية:
- فعلا ، يمكن اللي مقويني كل اللي حصل بعد طلاقي أكدلي أني أخدت قرار صح وابتسمت لها سيرين وقالت بواقعية:
- ودلوقتي دماغك عماله تودي وتجيب باتری جوازك من جديد قرار صح هزت سالي رأسها بقنوط:
- أنا مش عارفة إيه اللي خلاني أوافق ، ومش عارفة اتصرف أزاي وكريم وباباه كلها نص ساعة ويجوا هزت سیرین رأسها وقامت وهي تجذب يد أختها قائلة:
- هتقومي تغيري هدومك وتستقبلي الناس بأحلى إبتسامة وسيبي الأيام توريلك الصح فين فابتسمت سالي متهكمة:
- زي العرايس فضحكت سیرین هازئة:

- ماقولتك كلنا عرايس- بعد كل اللي عملتيه معايا حسيت أني فعلا ما استاهلكیش یا آشري قالها ورأسه منکس ثم رفع رأسه مرة أخرى وأردف:

- وصممت يوم ما أرجع أكون واحد جديد يستاهلك وأنك مش خسارة فيا ابتعدت آشري بأنظارها ثم قالت بصدق:
- زیاد موضوع الولاد ماکنش عمره سبب قاطعها:
- أنا عارف ، أنا عیوبی کانت أخطر من كده بكتير ، بس يمكن الموضوع ده بالذات كان زي القشة قسمت ظهر البعير حملقت به آشري وقالت بغير فهم:
- بعير يعني إيه ؟
فضحك زیاد وقال:

- أهي دي أكتر حاجة فيكي بحبها ونفسي أبدا ماتتغيرش فاحمر وجهها وقالت بنزق:

- إني مابفهمش كلامك لما تتكلم عربي جامد فتعالت ضحكات زیاد وقال بعبث:
- والله مافيش أجمد منك فخفضت أنظارها بخجل وقالت بإبتسامة صافية وهي تعترف بالمقابل:
- أنا كمان ساعات كنت بتعمد أدايقك ، يمكن تحس باللي فيا وأرجع ألوم نفسي بس كنت بكابر هز رأسه وقال متنهدا:
- الحال من بعضه ، ساعات كتير بكون عارف إني غلطان وكنت بقاوح فهزت آشري رأسها وقالت بضيق:
- طب والعمل ، هنرجع ندایق بعض تاني هز رأسه نافيا وقال:

- وليه نمشي في سكة واحنا عارفين نهايتها ، ده حتى يبقى اسمه غباء فتمتمت بخوف:

- وايه اللي يضمن هز رأسه قائلا:
- أن المرادي عاوز ننجح ونجاح أي اتنين هيكون بسببهم هما الأتنين قضبت جبينها وقالت بإنجليزية صحيحة:
- مش فاهمة فقال بإبتسامة واسعة:
كنت متوقع ، بصي ياستي أنا الراجل وأنت الست حدقت فيه بترقب واجم فأردف:
- یعني أنا أشيل مسئولية حياتنا وبيتنا وأنت تحتويني وسوا نتشارك قرارتنا ماحدش يمشي في طريق ويقول للتاني هوا كده أخبط راسك في الحيط فابتسمت آشري بسعادة:
- بجد یازیاد ، هتعمل كده فعلا ؟

هز رأسه بجدية تلك المرة وقال:

- لأني عاوز ننجح يا آشري ولأني مش قادر فعلا أعيش منغيرك وأنا على فكرة بدأت علاج فأمسكت آشري بكفه قائلة:
- وأنا هفضل جمبك فهز رأسه رافضا:
- الموضوع ده بالذات لازم أكون فيه لوحدي ، أنا كمان يومين مسافر فرنسا الدكتور قالي أنه في عملية تنفع لحالتي فهتفت بغیر تصدیق:
- هتسافر لوحدك؟!
فرد قائلا:
- مش كده وبس ، مافيش حد غيرك يعرف بموضوع العملية ده كمان أنا ماقولتش حاجة لأخواتي فردت بحزن مضاعف:
- زياد أنا لازم أكون جمبك فحدق بها لوهلة وقال متألما:

- كفاية إني شايل ذنبك وحاسس أني لسه أناني زي ما أنا ، ماصبرتش لحد ما أعمل العملية وأشوف نتيجتها بس عندي أمل أنها تنجح فردت بعزم:

- أيا كانت النتيجة ، مش هتأثر علي قراري يازياد المهم عندي أنا وأنت والعلاقة مابينا ، ناس كتير عندهم أطفال وكل واحد فيهم في واد ، هنروح بعيد ليه أخوك مخلف من اتنين والتالت . . . . . . نکس زیاد رأسه بخزي وقال:
- أنا آسف بجد على موضوع داليا ده ، أنا عارف أد إيه أنا جرحتك بسببه واتسببت في مشكل كتير لسالي كمان وهيا غلبانه فردت آشري هازئة:
- سالي مش غلبانة وبعدين أخوك هوا اللي اختار وإن كان عليا أنا نسيت الموضوع ده خلاص مش عاوزة نتكلم فيه تاني نظر لها بتقدير بالغ ورفع كفها لشفتيه وطبع عليه قبلة دافئة قائلا بغزل عابث:

- تحت أمرك ياجامد فاستهلت من جديد قولها وهي تسحب كفها من بين قبضته بغضب کاذب:

- یعني إيه بقا بعير فقال بتهكم شدید:
- كائن مايفرقش عني أنا وجاسر کتیر     اختتموا جميعا قراءة سورة الفاتحة بقولهم " " أأأ آمین " فيما تعلقت أنظار کریم کالمسحور بوجه سالي ومعتصم يرمقه بنظرات ضيقة حتى قال والد کریم الحاج " مصطفى ":
- ألف مبروك يا ابني ، ألف مبروك يابنتي ربت کریم علی کف والده بإمتنان وسعادة قائلا:
- ويباركلنا في عمرك ياحاج ابتسم والده وأخرج من سترته علبة مخملية صغيرة ومد يده نحو سالي التي كانت تراقب الموقف بصمت مهيب وهو يقول:
- اتفضلي يابنتي دي حاجة بسيطة تناولت منه سالي العلبة بتوجس وقالت بخجل مضاعف:
- ماکنش ليه لزوم حضرتك تكلف روحك فقال الأب بسعادة مفرطة:

- لا ده ندر على الحاجة أم كريم الله يرحمها ووصتني هيا عليه كانت نادرة تلبسها لعروسته بإيديها ، اعذريني بقا راجل عجوز ومكحكح مش هعرف ألبسهالك بإيدي فقال كريم ضاحكا:

- طب مش كنت تقولي أنا أعرف ألبسهالها ضحك الجميع وتوردت وجنتا سالي بحمرة الخجل وفتحت العلبة لتطالع سلسالا ذهبيا رفيعا وتتدلى منه حلية خطت بخط عثماني " ماشاء الله " محلاة بفصوص رقيقة ورغم بساطة الهدية بالمقارنة بالمجوهرات الباهظة التي كان يهديها لها جاسر في الماضي إلا أنها لمست داخل قلبها وترا حساسا جعلت ضميرها يأن وجعا إذ أنها في أعمق لحظاتها مع کریم تفکر بسواه وتعقد لا إراديا مقارنة بين ماحمله لها والده البسيط وما كان يحمله لها جاسر في الماضي زجرت نفسها إذ أنها لم تكن طامعة يوما بمال ونفوذ ويكفيها المشاعر الصادقة التي تحملها تلك الهدية فوضعتها بسعادة وقالت:
- أنا متشكرة لحضرتك أوي وعلى الرغم من مراسم الاحتفال والسعادة المرتسمة على ملامح علی کریم ووالده بوضوح إلا أن مجيدة بدأت تستشعر أن ظلال الذنب تقتات على راحة قلبها خاصة وهي تراقب تشتت وضياع ابنتها وقلبها يحدثها أنها في تلك اللحظة بالتحديد لا تفكر إلا بسواه ، فقالت:

- مبروك يا كريم يابني مبروك ياسالي ، والله ياحاج مصطفی إحنا اتشرفنا بكم أووى وكفاية كرم أخلاقكم فضحك الحاج مصطفى قائلا:

- أنا الفرحة مش سيعاني أول ماكريم قالي يا بابا أنا نويت أخطب وأنا جريت أحضر البدلة وأرتب أموري وقولتله على بركة الله ، دي أكيد بنت حلال مصفي اللي عرفت تقنعك بعش الزوجية المحترم فضحك معتصم ساخرا:
- یعني حضرتك یادکتور کنت مضرب عن الجواز فالتفت له کریم وقال:

- مش بالظبط إضراب ، لكني كنت شايف أنه مشروع العمر ولازم الواحد يتمهل فيه وعندها منح معتصم سالي نظرة ماكرة وقال متساءلا:

- ومايهمكش في نفس الوقت ظروف سالي الإجتماعية إيه ، اعذرني لكن سالي زي أختي بالظبط وأحب إني اتطمن عليها رمقته مجيدة بنظرة مشتعلة فابتسم کریم وتولي الحاج مصطفی الرد بالنيابة عنه ضاحكا:
- نفس ظروفي أنا والحاجة الله يرحمها كانت أول نصيبي وكان سبقلها الزواج والحمد لله مانجحتش عيشت معاها أسعد أيام حياتي واللي مصبرني على فراقها كريم ابني حته منها وتابع کریم وعيناه مرتكزة على الصامتة والتائهة في بحورها الخاصة:

- أظن يا أستاذ معتصم من الناحية دي بالذات لازم تكون متطمن وبعدين أنا برتبط بإنسانه مش کشف هيئة ولا خانة في بطاقة فقالت سیرین بلطف:

- ماشاء الله يا دكتور ياريت كل الناس بعقلية متفتحة زي حضرتك   فتح الباب قليلا ليطالع صغاره النيام في تلك الساعة المتأخرة من الليل ولكن ما اجتذب أنظاره فراش سليم الخاوي فقفز قلبه هلعا واتجه للفراش ليقطع الشك باليقين ، يقين أخبره أنه ابنه ليس بفراشه ولكن أين عساه أن يكون؟!
خرج من الغرفة بهدوء على قدر المستطاع وسرعان ما هدأت دقات قلبه الملتاعة إذ لمح ضوءا يتسلل من خلف الباب الموصد لحجرة والدته رحمها الله فاتجه نحوها وفتح الباب بقوة ليجد ابنه منزوي بركنها الأقصى ، يبكي في صمت فهتف بقلب يرتجف وقدماه تستبق الرقعات الرخامية لتصل إليه وجثا على ركبتيه وتلقفه بأحضانه:
- مالك ياسليم ؟

سايب أوضتك وقاعد هنا ليه وبتعيط فأبعده الصغير بقوة وانزوى بأحضان جسده الضئيل بعيدا عنه وهو يقول بخشونة تناسب غضبه الطفولي:

- أنا كويس ومش بيعيط . . الراجل مش بيعيط وما تعريف الهزيمة أهي بكاء الرجال أم عجز أب إحتواء صغيره والتقرب منه ؟
تنهد جاسر متعبا ودعك خلايا وجهه المتغضنة وقال راجيا:
- طب قولي مالك ، يمكن أقدر أساعدك؟!

ونظرة الصغير المشبعة بالإتهام الصريح والقسوة المتعاظمة بأضلعه حرقته قبل أن تشعل كلماته المزيد من النيران في صدره:

- ماما هتتجوز ، ومش هترجع زي ماكنت بتقولنا هل أهتزت الأرض من تحته أم أنه فقد إتزانه فقط بوقع تلك الكلمات التي أشعلت الرماد بعيناه فصارت حريقا لا يمكن السيطرة عليه رغم نبرة صوته الجامدة:
- أنت جيبت الكلام ده منين ؟
قام الصغير وأشرف على جسد والده الضخم قائلا بثقة من يلقي الذنب عن عاتقه ويحمله له کاملا:
- قالتلنا النهاردة أنها هتتجوز عمو کریم قام جاسد بفوران مشاعره الفياضة وقال على أمل أن ينفي الصغير شكوكه ويمحو مخاوفه:
- مین عمو کریم ؟

سار سليم للخارج وكأنه لم يستمع له واستدار قبل أن يغيب عن ناظریه:

- الدكتور صاحب المركز اللي بتشتغل فيه وتسارعت الصور أمام عيناه والمصدر ذاكرته القريبة واللعنة على كل شيء خرج من غرفة والدته واتجه بسرعة البرق نحو مكتبه فتح شاشة الحاسوب ومضى يدق بسرعة على أزرار البحث عن مركز الأسنان بالعنوان الذي يحفظه عن ظهر قلب حتى ظهر له نتيجة بحثه " مركز الدكتور كريم مصطفی لعلاج الأسنان وإلى جواره صورة باسمة لذلك الأرعن الذي جرؤ على إقتحام رقعة ممتلكاته والاقتران بأم أطفاله والويل كل الويل لها والهلاك كل الهلاك لكل قطعة زجاجية أو خشبية صادفت لحظها التعس خروجه كالإعصار من غرفة مكتبه وصولا لغرفته غير عابئا بأنه قد أوقظ نصف ساكني القصر وصفعة الحياة غاية في القوة عندما تخبرك أنه بالفعل قد فات الأوان ولكنه لعناده يتشبث دوما بالنفي الأعمى.

النوم قد يكون راحة لكل مبتلي بألم جسدي ولكن للمبتلي بالآم النفس لا يجد فيه راحة والخوف أحد تلك الآلام التي قضت مضجعها في ساعات الفجر الأولى عندما سمعت صوت تحطم قوي لعدة أشياء لاتدرك کینونتها وخطواتها المرتجفة خارج غرفتها أكدت لها مرور إعصار أو زلزال بالقصر أو على وجه التحديد أحد أركانه التي كانت تصل مابين غرفتي السيد عادت لفراشها وبصعوبة استطاعت الحصول على قسط هاديء من النوم مالبث أن قطع لدى سماعها لتحطم قطعة فخارية على مايبدو بالحديقة التي تطل عليها نافذة غرفتها الوحيدة فقامت لتطالع سیدها وهو يسير هائما ينفث دخان تبغه المحترق بأنفاس غاضبة وأقدام مشعثة الخطى خرجت من غرفتها بعد أن توضأت وأدت فريضة الصباح وفي طريقها للمطبخ لاحظت جلوسه الشارد في حجرة المعيشة الواسعة فاقتربت نحوه بحسم وهي تذكر نفسها بأنها ليست مخطئة بشيء ليطال الخوف همتها قائلة بصوت ودود وهي تطالع عشرات من أعقاب السجائر المدماة في المرمدة الكريستالية جواره:


- صباح الخير يا جاسر بيه ، أحضر لحضرتك الفطار ؟

لم يتجه بأنظاره إليها وتجاهل أيضا سؤالها الودود رفع سماعة الهاتف الأنيقة ومدها نحوها بغطرسته الفائقة قائلا بصوت ثابت لا يحتمل الرد أو النقاش:
- کلمي سالي ، قوليلها أنه سليم كان سایب سريره وقاعد يعيط بالليل في أوضة جدته الله يرحمها وشكله زعلان من حاجة وخليها تيجي دلوقتِ حالا بهت وجهها وارتجفت شفتيها وكذلك أناملها ومع ذلك انصاعت لأمره حرفيا واستمعت لسؤال سالي القلق بذهن غائب وأعين متعلقة بالسيد الذي كان يرمقها بصرامة وهو يستمع لحديثهما بفضل السماعة المكبرة:

- مش عارفة والله يا سالي هانم بس هوا كان بيعيط بالليل في الضلمة . . و . . .


وأنا قلقانه عليه ، ينوبك ثواب تعالي بصي عليه قبل ماتروحي شغلك تنهدت سالي وهي تشعر بالذنب والدموع تقفز لعيناها كما اقتحمت عيون صغيرها بالأمس القريب قائلة:

- مش جاسر بيفطر معاهم یا نعمات ؟
أشار لنعمات بسرعة وحسم نافيا فقالت بأنفاس متوترة:
- لاء ، جاسر بيه مشي . . . مشي من شوية راح الشغل بدري تنهدت سالي بإرتياح وقالت:
- طيب يانعمات أنا مسافة السكة وأجي وضعت نعمات سماعة الهاتف وضغط جاسر على زر المكبر ليطفئه فيما قابلته نعمات بأنظار لائمة وقالت:
- بقي على آخر الزمن وأنا في السن ده تخليني أكدب یاجاسر بيه رمقها جاسر بنظرة قاسية وقد استوحشت معالم وجهه:
- ما كنتِ بتكدبي قبل كده يا نعمات ولا نسيتي ، عموما ياستي ماتزعليش دی کدبة بيضا وكله عشان خاطر سليم ولا إيه ؟
فتراجعت نعمات للخلف خطوة وهي تسأله بقلق:

- هوا كان فعلا بيعيط في أوضة المرحومة ؟

هز جاسر رأسه مسترجعا هيئة صغيرة بألم وقال بهدوء:
- رجعت بالليل مالقتهوش في سريره ، كان قاعد على الأرض في أوضتها وبيعيط منح تبريره بعض السلوی لنعمات العجوز وقالت وهي تنصرف بصوت خافت:
- ربنا يصلح الحال من عنده وقبل أن تختفي عن ناظریه قال:
- اعمليلي فنجان قهوة لو سمحت وهاتيه مكتبي     دلفت من الباب المعدني الضخم بخطوات متسارعة سرعان ما اصطدمت بظله الضخم المستوحش بنظراته ولا إراديا ارتجفت وضمت قبضتها اليمنى لجنبها وتوقفت عن الحركة وقالت بجمود:
- نعمات كلمتني . . . قاطعها وهو يقترب منها بخطوتين:

- عارف . . . ورايا عشان الولاد مايحسوش بحاجة ترکها ودلف لغرفة مكتبه وتطلعت سالي حولها حتى رأت وجه نعمات المنکس بإعتذار هامس وهي تقترب منها:

- والله ياست سالي هوا اللي قالي . . . وصوت زعيقه جعل أوصالها ترتعد إذ صرخ بإسمها محذرا بالتمادي في الحديث ولكنه في الوقت ذاته جعل سالي تعقد حاجبيها بتصميم وتزم شفتيها وهي تتجه نحو غرفته غاضبة قائلة بقوة:
- مش من حقك تجيبني هنا بلعبة رخيصة زي دي يا جاسر التفت إليها وعلى عكس المتوقع قال بهدوء بالغ:
- إقعدي ياسالي رفضت بعد أن تذعن لأمره وقالت:
- أقدر أعرف سبب المقابلة الغير مرغوب فيها دي إيه ! تركزت أنظارها على كفها الأيمن ولمعة خاتم الآخر ببنصرها أعمت أبصاره فتقدم نحوها بسرعه يحتبس كفها بين قبضته قائلا- وده جایه بیه متوقعة مني كلمة مبروك سحبت كفها من قبضته بقوة وقالت:
- أنا مش مستنيه منك لا مبروك ولا غيرها ولا يخصك أصلا فشد كفها من جديد وبقوة أكبر تلك المرة وقال وهو ينفث الحروف من بين شفتيه المزمومتين:
- لاء يخصني يا سالي وللمرة المليون بقولهالك ، أنت كلك على بعضك تخصيني حاولت تحریر کفها من قبضته ولكنه كان كالمجنون متشبثا بها بقوة آلمتها فقالت بفرط غضب يطال نبرتها المتهدجة:

- أنا مش ملكك یا جاسر طلقتني وخلاص انتهينا تركها لتتحرر أخيرا ولكنها لازالت ضمن نطاق مساحة ضيقة يمنحها لها بفضل جسده الفارع قائلا ببرود لكأنما يسرد عليها نبأ صباحي معتاد بنشرة مذياع عن أحوال الطقس:

- لاء ما أنتهيناش ، أنا طلقت داليا والمأذون جاي دلوقت في السكة وهنكتب كتابنا وهترجعي ونرجع لحياتنا مع ولادنا اتسعت حدقتا عيناها بذهول وهي تطالع عنجهيته المفرطة وتوترت شفتيها بغضبها وكبريائها الذليل بحضوره:
- يااااه بالبساطة دي ! ظل ينظر لها صامتا ثم قال بكبريائه المسيطر على أوداجه منذ نعومة أظافره:
- مستنية مني إيه أركع على رجلي واترجاكي عشان ننهي المسلسل السخيف ده ناظرته بتحدي قائلة بقوة:
- وليه لاء ، ولا أنا للدرجادي رخيصة عندك . . . غيرك فضل يحفي ورايا شهور وجاب أهله وجاني لحد عندي ودبلته أهي في صباعي ، إيه ما استاهلش كتم أنفاسه الهادرة بشق الأنفس إذ أنها تتعمد تذكيره بطوق يلتف حول إصبعها يعلن أنها أصبحت بملكية آخر سواه فابتعد عنها بأنظاره ولكن لازال جسده متوجها لها بالكامل كما مشاعره الثائرة:

- خلاص ، أجيلك النهاردة وأردف متهكما للفكرة إذ أنه ماعاد شابا غرا صغيرا:

- وأجيب بقية أهلي معايا ونكتب الكتاب وترجعي معايا البيت وخلصنا على كده ظلت تنظر له بهدوء وهي تعد له كلمات تراصت كصفعة أفاقته:
- لاء ماخلصناش یاجاسر . زي ما أنت اتجوزت أنا كمان هتجوز واقتربت منه على غير خوف بل بتحدي كامل وبكلمات تتراص تلك المرة لتكون صفعة مدمرة:
- وزي ما مراتك حملت منك أنا كمان . . . قاطعها بوضع كفه بعنف فوق شفتيها صارخا بها:
- أخرسي ، ده أنا كنت أشرب من دمك احمرت وجنتها بل ووجها كله من شدة إنفعالها وغضبها أشتعل بجسدها وقالت:

- أنا مش تحت أمرك ولا أنا عروسة تحركها بملك إرادتك والمأذون اللي جاي في السكة ده تكتب بيه حتى على أربعة غيري وافضل بدل وغير مابينهم لكن عمري ما هرجعلك وهمت بالانصراف فقد كانت تلك المواجهة حقا فوق إحتمالها وأضعاف ماتتحمله من طاقة ولكنه مالبث أن استوقفها بجبروته الذي لا ينضب:

- والولاد ياسالي هتستحملي ماتشوفيهومش ، تضحي بولادك عشان راجل تاني غيري وانقطعت أنفاسها وكذلك دقات قلبها وتوقفت جميع أوصالها وتجمدت والتفتت له والخوف يزين مقلتيها ولكنها مالبثت أن دحرته بقوة- اعملها یاجاسر ، طلق أمهم وأتجوز غيرها وأحرمهم بعد كده منها وبص لنفسك كل يوم في المرايه وهما بيكبروا وأسأل روحك بعدها واقتربت منه مرة أخيرة وهي تهمس له قبل أن تختفي من أمام ناظريه:

- ياترى ملامحك اتغيرت بفعل الزمن ولا بفعل کرههم والهزيمة ليست ببكاء الرجال بل بفقدان أب قدرته على إحتواء صغاره وبفقدان عزيمته على الوقوف وتزلزل الأرض من تحته حتى استدرك للخلف عائدا لأقرب مقعد والمشهد في خياله لهو أشد عذاب.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل السابع والعشرون

الأوهام ظلال الحقيقة اقتربت حتى انصهرت فابتعدت حتى تماسكت بقايا وتلملمت للمرة الثانية في تاريخهما المشحون بكل العواطف الرائعة والمؤذية أيضا يستجلبها هو بفرض قوة ذكورية بحتة بالكذب كان أو بالخداع ويفرض عليها قيدا وشرطا دون اعتبار لأنوثتها المتداعية بفضله ولا لكبريائها المنحور على يده ، فليس ذلك بشيء يذكر جوار كبريائه الأبقي والأعلى شأنا غضب يتأجج وحزن يوجع القلب بتراكماته وكأنها لم تكن شيئا مذکورا وقرار رغم أنه مجحف بحق الآخر وحق أطفالها إلا أنها باتت تراه صحيحا والتضحيات غالبا ما يرافقها ألم ألم ستعتاده وستضيفه للائحة آلامها السابقة فلا تراجع ولا عودة وستعتاد الحاضر حتى تنسی.


" معك يولد الرجل بالمصادفة ويموت بالمصادفة " رسائله النصية التي باتت روتینا ثابتا صباح كل يوم أضحت حمل ثقيل يضاف لبقية ما تتحمله قد تكون في حاجة لإشباع وغريزة فطرية بكل أنثى ولكنه ببساطه ليس هو والأكثر أنها تكاد تكون واثقة أنه مدعي فلا هو شاعرا بالفطرة وحالما كزوجها الراحل ولا هو رجل صارم ، صعب المعشر كأبيها تحين لحظات ضعف تصيبه جراء تقلبات الحياة فيتحول لمراهق غر تراه کنمر يختار موقع قدميه بعناية دقيقة حتى يصيب فريسته وهي تمقت دور الغزالة المتحذلقة التي تثق بسرعتها وخفة قدها حتى تقع رقبتها بين براثنه وإتصال هاتفي تلك المرة في الواقع أحصت الدقائق فوجدتها عشرون ككل مرة فردت ببرودها المعتاد و جائها صوته المتردد يحيها قاطعته قبل أن يسترسل:


- كنت لسه هكلمك مش هينفع نتغدا سوا النهاردة ، أيهم طول الليل مانمش من وجع ضرسه وكأنما قدمت له الحل على طبق من ذهب وليس فضة براقة- صاحبي عنده مركز أسنان في وسط البلد ودكاترة شطرين جدا ، هعدي عليكِ في خلال نص ساعة ده كله إلا أيهم تنهدت وهي تفتأ تبحث عن سبب قوي لترفض عرضه فهي لم تعتاد بعد تلك الفكرة المخزية بترك مقاليد الأمور ليتسلمها هو بحكم ضعف أنثوي لن تعيشه في كنفه راضية ولكنها رغم ذلك تراجعت فما عيب الضعف وما المانع لو أنها تركت ذلك المنصب الذي تقلدته إجباريا لتضع أحمالها ولو قليلا علها تلتقط فقط بعض الأنفاس وإلا مافائدة تلك الزيجة بالمقام الأول فهي ليست بإمرأة صرعها الهوى ولا أرملة أجحفها العوز وضعت الهاتف وتلقت الصغير بين أحضانها الدافئة:


- لسه واجعك ؟

هز الصغير رأسه بضعف وهو يريح خده المتورم برفق على صدرها فربتت على كتفه في انتظار ظهور المنقذ الذي لم يتأخر والذي لم يكذب أيضا فما أن خطت قدميها داخل مركز الأسنان حتى لاحظت الإهتمام الشديد بحالة صغيرها دون الإعتبار لكون العقيد صديقا مقربا لمالك المركز والذي استقبلهما بحفاوة بالغة وما تلا ذلك كان الصدمة والمفاجأة بالنسبة إليهم جميعا فالطبيبة الماهرة التي عالجت أيهم الصغير ، في الواقع هي سالي التي تعرفت على درية واستقبلتها بأحضان دافئة وصاحب المركز ذلك الطبيب خفيف الظل كما استشعرته درية لم يكن سوی خطيبها !

وقع المفاجأة على درية حينما علمت بذلك الخبر كان متشابها لحد بعيد عندما علمت سالی أن درية حطمت أسوار حصنها المنيع ودعت رجلا لاقتحامه والسيطرة عليه وأخيرا الرجلان اللذان لم ينتبها لملامح المرأتين وتضحكا سويا بشأن " الخطوبة السرية " كما أطلق عليها كريم والذي أصر على أن يتناولا طعام الغذاء سويا ، ولكن درية قابلت عرضه برفض قاطع إذ أن الصغير في حاجة للراحة وربما يستطيعان تلبية الدعوة في وقت لاحق انصرفت درية وهي تحمل صغيرها رغم إصراره أنه يستطيع المشي وحده وعيناها معلقة بوجه سالي الذي كان يعلوه تعبير غریبا غريب جدا ، بل غريبة الحياة برمتها.


الفوضى ربما تكون وصفا دقيقا حالة الشركة مع غياب الشقيقان وهذا ما لاحظته عيناه بمجرد مرور بضعة دقائق عليه داخل مكتب أخيه الأكبر الغائب وزأر بأحقية فردا من آل سليم بعدة أوامر نفذها الموظفون بكل دقة وحرفية قد يكون الأصغر وربما يكون قد انسحب من الشركة منذ زمن ولكنه لازال فردا لا يستهان به بتلك العائلة الذي ما أن أنهي عملا هاما أنقذ عدة أوضاع كانت على المحك اتجه لبيت الأوسط الذي كان غارقا في بؤسه بين أورقة ذكرياته البعيدة وخسارته القريبة استقبله أسامة بعينان زائغتين فرمقه زیاد بالمقابل بنظرة خائبة الآمال قائلا:


- إيه اللي رجعك للقرف ده تاني أشاح أسامة برأسه بعيدا مغمغما باعتراف مخجل:

- مش عاوز أفكر في حاجة ولكن زیاد لم يستسلم وتابع حديثه بعند:
- درية سابت الشغل وأنت وأخوك ماعتبتوش الشركة بقالكو كتير والموظفين بياكلو في قته محلولة ، إيه اللي بيحصل؟!
فعقد أسامة حاجبيه وقال:
- وجاسر مابيروحش ليه ؟
فدهش زیاد:
- أنت بتسألني أنا؟!
. . أومال أنت قاعد معاه بتعمل إيه ؟

ضحك أسامة ساخرا:

- أحنا كل واحد فينا في وادي لوحده أنت ولا هوا ولا أنا هز زیاد رأسه وقال:
- معاك حق وأنا السبب والتفت لأسامة وهو يرمقه بشفقة قائلا:
- أسامة أنت محتاج تروح تتابع مع دكتور نفسي ، الهروب مش حل ولا أنت مرتاح هز أسامة رأسه موافقا فتابع زیاد برفق راجيا:
- أما أرجع من السفر نروح سوا؟!
فتسائلت عينا أخيه قبل لسانه:
- مسافر فين ؟
رد زیاد ببساطة:

- فرنسا ، هبقا أحكيلك لما أرجع ظن أسامة أن أخيه يشعر بضيق حال جعله يغادر البلاد فقال بسرعة:

- على فكرة جاسر أداني عقد بيع منه ليك بشركتك يازیاد ، بس وصاني ما أجيبش سيرة إلا لما أحس أنك رسیت کده و عقلت ، والصراحة أنا كنت قلقان لا بنت الزهري ترجع تلف عليك تاني من بعد ما سابت أخوك فرفع زیاد حاجبيه دهشة:
- وهما اتطلقوا . . . . طب والبيبي ؟
هز أسامة رأسه نافيا فقال زیاد مستفهما:
- عشان كده جاسر سایب الشركة هز أسامه کفه معارضا وقال بإستخفاف:
- مش أخوك اللي يزعل على الموضوع ده ، وكده أفضل . ناقص بس يرجع المايه لمجاريها مع سالي وصمت الاثنان إذ أدركا أن ذلك قد يكون سبب غياب أخيهما المفاجيء وعندها قال أسامة بإدراك:

- يمكن يكون ده السبب فعلا ، والصراحة ماحدش يقدر يلومها ولكن بعكس ملامح أسامة المستسلمة لمعت عينا زياد وهو يقول بإصرار:

- لكن لازم ترجع هم زیاد بالرحيل وقال آمرا:
- خلي العقد معاك يا أسامة مش محتاجه دلوقت وتعالي المهم نروح لأخوك ونتطمن عليه     ثلاثة أيام مرت ثلاثة أيام من الصمت المفعم بحرارة براكين الغضب المتفجرة داخله وشعور حارق بالخيانة يقتات منه وعودة لذكريات مقيتة أقسم على دفنها بأعمق الأعماق سهيلة فضلت رجلا آخر فتخلص منها ومن قيود زيجة منتهاة ولكن سالي . . . هي لم ترتكب جرما فادحا بالمعنى الحرفي إذ أنها لم تعد زوجته ولكن كيف تفضل سواه ؟

الفرحة التي استقبل بها الصغيران عمیهما كانت لا تقدر بثمن وساهمت بإخراجه من دوامة أفكاره الملتهبة مستعيدا بريق عيناه الذي خمد قليلا وبمظهره الوحشي بذقنه الخشنة وعيناه التي ضاقت عندما لمح نظرة أخيه الأصغر متشبثة بكل حركاته ولفتاته تقدم منه ودفعه لأحضانه بود استقبله زیاد بسرور قائلا:

- قلقنا عليك أنا وأسامة دعاه جاسر للجلوس قائلا بمكر:
- أنت ممكن لكن أكيد الباشا التاني ولا كان حاسس بحد وضع أسامة سلمى المتشبثة بعنقه والتفت لأخيه الساخر وقال:
- قال يعني تفرق معاك فهز جاسر رأسه نافيا:

- لاء تفرق يا أسامة ،لمتنا أهم حاجة عندي كان سليم يتابع حديث الكبار بأعين متسعة يحاول إدراك ما يجري حوله بسنوات عمره القليلة فجذبه زیاد بقوة وتعلق به وقال:

- أبوك ماله یا سليم أحكلنا أنت بقا نظر سليم لأبيه الذي سارع بإشعال تبغه بأنامل متوترة قائلا بخشونة:
- خلي سليم بره یا زیاد فاعترض سليم بجين العند المتوراث بعروق آل سليم:
- بس هوا سألني أنا نظر جاسر لصغيره نظرة تقدير بالغة وقال بإذعان:
- خلاص اتفضل يا سلیم جاوب نظر سليم لزياد وقال بحروف لا تمت لعالم طفل بعمره بصلة:
- أظن أنه بابا قاعد قدام حضرتك تقدر تسأله بنفسك انفجر الجميع ضاحكون حتى سلمى التي لم تكن تفقه الحديث الجاري من حولها فجذب زیاد رأس سلیم مشاكسا وقال:

- ابن الوز عوام ، خد أختك ورحوا طيب وسيبونا لوحدنا . عشان أقدر أسأله براحتي وكأن سليم بحاجة لذلك الأمر منه ، مد يده صامتا لأخته التي تعلقت بذراعها وسحبها نحو الخارج تارکین عالم الكبار المشحون بالأفكار والأقوال التي تخفي ما داخل الصدور وحديث قاد دفته و تمرکز فقط حول العمل ولا شيء سواه متجاهلا نظرات أخويه الفضولية بشأنه حتى قاطعه زیاد قائلا بحسم:

- مهما تحاول تهرب یا جاسر بالشغل وكأن مافيش حاجة حصلت هيفضل واقع أنك أنت وولادك قاعدين هنا لوحدكم منغير أمهم وساد الصمت لفترة ليست بالهينة فلقد تعلم زیاد الصغير المواجهة وأساليب الطرق على الحديد وهو ساخن كما يقولون وتابع بإصرار:

- ولا أنا غلطان یا جاسر؟!

هز جاسر کتفیه یازدارء قائلا بتكبره المتعمد:
- وده يفرق في إيه ؟
قام زیاد وقال:
- ماهو مافيش أهم من لمتنا یا جاسر يبقى من باب أولى لمتك أنت ومراتك وولادك تدخل أسامة ليلطف قليلا من الأجواء المشحونة بينهما وقال:
- جاسر أنا ممكن أكلمها وسالي طيبة وبتحبك قاطعه زیاد باعتراض قوي:

- لاء طبعا لا أنا ولا أنت هنتدخل ، هوا اللي لازم ينزل شوية من عليائه ويترجاها ترجعله ، هوا غلط فيها ولازم يصالحها ويحسسها بأهميتها عنده ، ولا سالي مش مهمة ياجاسر والتفت لجاسر الذي احمرت نواجذه غيظا إذ لم يعتاد أن يتقلد موقع الصغير الذي يتلقى الأوامر من أحد وتابع زیاد بنفس الإصرار:

- اعترف على الأقل بينك وبين نفسك أنك غلطت في حقها ، وأنها استحملت كتير منك وأنه من حقها تحس بغلاوتها عندك وعادت كلماتها تطرق رأسه وشعور بالذنب يطوقه نحوها فاقترب زیاد منه هامسا:

- على الأقل عشان مصلحة الولاد هز أسامة رأسه موافقا وقال وهو يسحب زیاد نحو الخارج بواقعية الأمه مؤخرا:

- كفاية كبر وتضيع وقت أكتر من كده یاجاسر ، بدال ماتصحى في يوم تلاقيها خلاص راحت لغيرك والألم الذي تجسد بناظريه تعاظم حتى شعر بأنفاسه تختنق وحال دون أن يودع أخويه وداعا لائقا فجلس في مكانه ولم يبرحه حتى بعد مرور ساعات على إنصرافهما وعاد مجددا لدوامة أفكاره فهو كان يظن أنها رفضت الاستمرار ورحلت ثأرا لكرامتها وعلى عكس کلام أخيه الذي يتهمه بالغرور وعدم استشعار قیمتها بحياته فهو ظل ينتظر هدوء تلك المشاعر السلبية من جهتها التي عصفت بحياتهما وتعود مرة أخرى لأحضانه وأحضان صغارهما كما اعتاد دوما منها ولكن أن يقتحم آخر رقعتهما الخاصة ويزيحه تماما وتفضل هي الاستمرار بحياتها معه هذا لم يكن بالحسبان أمازال ثأرها لكرامتها يتعاظم أم هي بالفعل نبذته وخانت عهدهما ؟

ولا سبيل لمعرفة الحقيقة سوى خطوة أخيرة يقوم بها فلا سبيل لإضاعة المزيد من الوقت كما قال أسامة هو لم يكن يوما رجلا بارعا في الصبر ولكنه كان دوما بارعا في الصيد وليس هناك أسهل من اصطياد إمرأة يعرف نقاط ضعفها وقوتها ويحفظ عن ظهر قلب عاداتها.


خرج في الصباح في ميعاده ليس لأنه متشوقا للعودة للعمل ولكنه كان متأكدا بأن نعمات ستقوم بواجبها على أكمل وجه وماهي إلا ساعتان من الزمن حتى رن هاتفه وكان المتصل حارس القصر الذي أخبره بتواجد " الهانم " في تلك اللحظات برفقة الصغار فترك الحديثة بالعمل تعيث فسادا في ملفات درية المنظمة بدقة ولم يهتم وعاد لقصره وهو يحمل خطته المتقنة كانت سالي في تلك اللحظات تجلس بانتظار العفو نعم هي مذنبة خطبت لآخر وستتزوج في غضون أشهر قليلة وماهي أيام بعد إعلانها لذلك الخبر المشؤوم حتى غابت عن صغارها وتركتهم قالت بأنفاس متهدجة وهي تنظر بتضرع لصغيرها سليم الذي کتف ذراعيه بحزم كأبيه تماما:


- یعني یا سليم يرضيك تسيبنا نخرج أنا وسلمى لوحدنا ؟

فرد سليم دون أن يمنحها حتى نظرة:
- وإيه الفرق ما أنت بقالك كتير ما بتجيش وسيبتينا لوحدنا حاولت سالي التملص من ذنبها الذي لايغتفر قائلة:
- ما أنا سيباكم مع بابا فالتفت لها سليم:
- وأنا هفضل قاعد هنا مستني بابا ولو سلمى عاوزة تخرج معاكي براحتها فاقتربت منه سالي وهي تربت على ذراعه:
- طب أنا اللي عاوزة أخرج معاك النهاردة فهز سلیم رأسه بألمه الذي لا يطيقه صدره الصغير:

- عشان بكرة ولابعده تسيبني وتخرجي لوحدك ولا مع عمو کریم وأفضل أنا مستنيكي لحد ماتيجي اتسعت عينا سالي بذعر فائق فما يود الصغير قوله حقا أنه لن ينتظر منها نظرة عطف ولا شفقة ويفضل أن يتخلى هو عنها بمليء إرادته قبل أن تتركه مي فهزت رأسها نافية والدموع تقتحم مقلتيها واحتضنته بقوة هو وأخته قائلة:

- أنا لا عمو کریم ولا غيره يقدروا يبعدوني عنكم ، فاهمين وقاطع هو تلك اللحظات المفعمة بالألم وهو يشعر بأنه يتحمل ذنب صغيريه بالكامل وليس سالي وحدها فقال:

- إيه رأيكم لو نخرج كلنا سوا ؟

ترك الصغار حضنها الدافيء والتفتا إلى أبيهما الذي ركع واستقبلهما بقبلات مفعمة بالحب ودفعهما نحو الأعلى مع أمر بالإسراع في تبديل ملابسهما وإلا تراجع عن قراره وما أن اختفا الصغيران حتى اتجه نحوها وهي الواقفة صامته وداخلها يعج بالأفكار السيئة نحو نيته المبيته وقليلا من الغضب إذ أن ذلك هو أسلوبه للتعامل معها ولن يغيره فقال بلطف:
- الولاد محتاجين مننا أننا نتفاهم ياسالي ده حقهم علينا فالتفتت له بهجوم شرس:
- وأنا حاولت أتفاهم كتير معاك قبل كده یا جاسر أنت اللي . . قاطعها مهدئا بإبتسامة رقيقة أذابت أوصالها:
- اهدي بس . . مالهاش لازمة العصبية دي كلها اختلجت دقات قلبها وتوترت شفتيها وهي تقول بعند:
- أنا هادية هز جاسر رأسه وقال:

- كويس جدا ، خلينا نتفق الولاد هيباتوا معاكي سبت وحد واتنين والتلات بعد الغدا هعدي أخدهم من عندك يقعدوا معايا تلات واربع وخميس والجمعة تعدي تاخديهم مني في النادي اتسعت عينا سالي وهي لا تصدق عرضه الذي ألقاه على مسامعها بكل بساطة وقالت لتتأكد:

- یعني هتسيبهم معايا نص الأسبوع؟!
هز جاسر رأسه ولكن ضاقت عيناه وهو يؤكد لها:
- مع شرط فكتفت سالي ذراعيها وقالت ساخرة:
- آه طبعا ما أنا قلت الموضوع لازم يكون فيه إن ، اتفضل أشرط یا جاسر تجاهل جاسر سخريتها وقال بهدوء:
- مش عاوز ولادي يكون ليهم أي علاقة باللي اسمه کریم ، لا يشوفهم ولا يخرج معاهم اتسعت عينا سالي قائلة برفض:
- ولما نتجوز إن شاء الله . . قاطعها مزمجرا:

- ولادي هيباتو معاكي في بيت جدهم یا سالي مش في بيت جوز أمهم هزت سالي رأسها وهي تقول بإدراك:

- يبقا الغرض من الإتفاق ده أني أفسخ خطوبتي وما اتجوزش کریم ، ده اللي أنت عاوز توصله هز جاسر رأسه وقال نافيا وكأن أمر زواجها من آخر لا يعنيه:
- أنت حرة ياسالي دي حياتك وأنت حرة فيها ، وده اللي عندي واللي أقدر أقدمه ، اعقليها وشوفي هتتصرفي إزاي ، الولاد ليهم حق علينا ومن حقي أن ولادي مايباتوش في بيت راجل غريب ولا يكون ليه أي علاقة بيهم وأظن إنه ده الطبيعي هبط الصغيران الدرج بمرح يتسابقان وارتسمت على ملامحهم البهجة فأبيهما وأمهما سيصطحبانهما للخارج في نزهة عائلية خاصة بهما وهذا ما صرحت به سلمي بكلماتها الطفولية:

- أخيرا هنخرج سوا كلنا مع بعض فهمس جاسر بالقرب من أذن سالي:

- لو عاوزاني أقولها أنه جالي شغل وتخرجي أنت معاهم لوحدكم براحتك بس أنا صعبان عليا أكسر فرحتها فهزت سالي رأسها نافية ومدت ذراعها لسلمي وقالت:
- مين هيركب معايا ومين هيركب مع بابا فقال سليم معترضا:

- مانركب كلنا سوا مع بابا شعرت سالي لكأنما تساق بمليء إراتها نحو فخ منسوج بعناية وتحت رعاية مباشرة وبتصميم موقع بلمسة من جاسر وأطفالهما ومع ذلك لم تستطيع الهرب والتملص فهي المذنبة ، هي من يعرض عليها رعاية وحضانة مشتركة بينهما وهي من تدفع بآخر في معادلة بقائهما لتصبح مستحيلة.


ويبدو أن المعادلات المستحيلة أصبحت تسيطر على مزيدا من العلاقات فما سمعته منذ قليل بالصدفة البحتة جعل بقائها مرتبطة بتلك الزيجة لهو أمر من رابع المستحيلات بحق فالنمر يخطو خطواته المدروسة بالفعل إذ سمعته يخطط مع أبيها تفرقة الأبناء أبنائها الصغير برعاية الجد إذ أنه شديد التعلق بأمه والتعامل معه ومع متطلبات سنه الصغير أمر فائق الصعوبة والأوسط والأكبر سنا معهما إذ يستطيع التفاهم والسيطرة على طباعهما الهادئة ومتطلباتهما البسيطة بحكم سن المراهقة هكذا ، بمنتهى البساطة معادلة تشملها هي وإثنان فقط من الأبناء والأخير الصغير منبوذ معادلة مستحيلة وببساطة طرحه لتلك المعادلة على مسامع الجد وموافقة الأخير عليها بالمقابل لم تجد حرجا ولا مانعا هي الأخرى بقذفه بأحط الصفات وأقذع الشتائم وهي تلقي بطوقه الذهبي بوجهه وتطرده خارج المنزل رغم أنه منزل أبيها بالأساس وبعد انصراف العقيد بأذيال الخيبة وزعقة أبيها وعلى غير العادة تصفيقا حارا من زوجة أبيها وتحية لها على موقفها الجريء منبعه الحقيقي أنها لم تكن لترحب برعاية صغير في عمره ولكن الظاهر أنه هذا ما تقوم به أم شجاعة بعمرها حملت صغيرها ودثرته جيدا وعادت لمنزلها الصغير الهاديء وفكرها يتقد بمعادلة أخرى لا زوج ولا عائل ولا وظيفة ولا سبيل للعودة وأيضا لا سبيل لطلب مساعدة من الأب معادلة أكثر تعقيدا والمزيد من التعقيد واجهته صباحا إذ استيقظت فزعة على صراخ الصغير بآلآم ضرسه مجددا فحملته بعدما تناول طعام الفطور بمشقة بالغة نحو المركز الطبي الذي قصده آنفا وانتظرت دورها طالعتها سالي بإبتسامة مرحبة والصغير اقتحم الغرفة وجلس سريعا على المقعد المخصص له قائلا:


- آآه الحقيني وشوفي ضرسي يا طنط أبوس إيدك لم تتمالكا الاثنتان نفسيهما وانفجرتا ضاحكتان واقتربت منه سالي وبحنان قالت وهي تداعبه تماما مثل سليم الصغير:

- وريني كده ، آآه رجعت تزود في الحلويات وماغسلتش سنانك أشار لها الصغير برأسه مذعنا وهو يتألم:
- خلاص حرمت آآآخر مرة شرعت سالي في أداء عملها وهي تقول:

- مادخلتوش على طول ليه ، يعني حتى لو کریم مش موجود دلوقت ، حالة أيهم حالة طارئة وبعدين يعني إحنا عيش وملح يامدام درية اقتربت منها درية:

- على أساس يعني هناديكي مدام سالي ده إذا كان جاسر وبقوله.... بترت درية عبارتها بحرج بالغ وعندها رفعت سالي رأسها لها وقالت لترفع عنها الحرج:
- ولا يهمك . الغلطة عندي أنا يا درية انتهت سالي من عملها بعد قليل وهي تملي على أيهم بضعة أوامر لعله يستجيب لها والتفتت لدرية وقالت:
- شدي عليه شوية ، لو كل حلويات لازم يغسل سنانه في ساعتها وأشوفه كمان أسبوع نكمل شغلنا هزت درية رأسها وقالت:
- سمعت يا أيهم ، أظن أنك حرمت بعد الوجع ده کله اصطحبتهما سالي نحو الخارج والتفتت لها درية وقالت:

- أنا مش عارفة أشكرك إزاي فابتسمت لها سالي متعجبة:

- على إيه ده شغلي وبعدين أنتوا بقيتوا وصاية جامدة دفعت درية صغيرها للعب في المنطقة المخصصة للأطفال والتفتت مرة أخرى لسالي قائلة بحرج شديد:
- ياريت مافيش داعي أنه دكتور كريم يعرف بزيارتنا ، أنا وطارق فسخنا الخطوبة اتسعت عينا سالي وهتفت دون أن تشعر:
- معقول ، ليه ؟
ضحكت درية وهزت رأسها بتهكم بالغ وقالت:
- عشان ولادي مش محل خیار یاسالي ماينفعش أختار بينهم وبين جوازي ، دول هما عندي بالدنيا وما فيها تاهت أبصار سالي وهزت رأسها بإذعان وقالت بصوت متحشرج وتشبعت تفاصيل وجهها بالألم الدفين بأعماقها:

- فعلا معاك حق ، إستحالة يكونوا إختيار ، هما الواقع ، الحقيقة الثابتة اللي لا يمكن تتغير ربتت درية على ذراعها وقالت دون حرج:

- يمكن جاسر مایستهالش منك فرصة تانية ، لكن ولادك ياسالي أكيد يستاهلوا ، راجعي نفسك مش تبقي وأبوهم عليهم دول أغلب من الغلب فرت دمعة من عيون سالي دون إرادة ودون أن تشعر فجذبتها درية لأحضانها وقالت:
- ربنا ينور بصيرتك

على السادة المسافرين على متن الطائرة رقم ( . . . ) التوجه لصالة القيام رقم ( . . . ) قام من جلسته التي طالت بعد تأخر إقلاع الطائرة لساعتين کاملتين كان غير منتبها بالمرة لتلك التي تراقبه بأعين لامعة تحت قدميها على التحرك نحوه وعقلها يأمرها بالانصراف فلقد اطمأنت عليه وكأنما شعر بتذبذب خطواتها والتقط إشارات قلبها المتعلق به فهتف بها سعيدا:

- آشري أنت هنا ؟
كانت قد استدارت وتابعت سيرها خوفا ولكن مع لمحة السعادة التي لونت صوته دق قلبها بشدة والتفتت نحوه مجبرة وبخطوات خجولة اقتربت منه وقالت دون أن ترفع أبصارها:
- جيت عشان اتطمن عليك ابتسم زیاد واقترب منها وقلبه يتراقص طربا:
- عرفت منين إني حاجز المعاد ده ؟
هزت رأسها واعترفت:

- دي الطيارة الوحيدة بالنهار والتانية بالليل متأخر وأنت كنت قايلي على يوم السفر ، عملت اتصالاتي وعرفت إنك هتركب دي جذبها زياد نحوه ومسح بظهر كفه وجنتها بحنان بالغ وعيناه متعلقة بقسمات وجهها الجميلة كإسمها تماما وقال:

- لو تعرفي أنا كنت محتاج أشوفك أد إيه فأدمعت عيناها وقالت لائمة:
- طب وليه مش عاوزني أسافر معاك ؟
تنهد زیاد وقال بندم وأسف بالغ:

- عشان الخطوة دي بالذات لازم أعملها لوحدي زي ما سيبتك أيام وليالي لوحدك بتحاولي تصلحي حاجة مالكيش يد فيها تصاعد الصوت منبها للمرة الأخيرة بضرورة سرعة التحرك مقاطعا لحظتهما المشحونة فربت زیاد على كف آشري وقبله بدفء:

- إدعيلي وأنا هبقى أكلمك من هناك هزت آشري رأسها وهي تشير له مودعة:
- أوكيه مستنية منك تليفون وبعدما ابتعد عنها بخطوات هتف بها مرة أخرى بصوت مرتفع غير عابیء بالمتابعة الفضولية التي حصدها الاثنان جراء سؤاله العجيب:
- آشري . . . أبيض ولا أوف وايت ؟
التفتت له آشري متعجبة وقالت:


- إيه ؟

هو إيه ؟
فهتف ثانية متجاهلا سؤالها:
- أبيض ولا أوف وايت ؟
اتسعت إبتسامتها وتراقص قلبها طربا وقالت بعد تردد:
- أوف وايت فغمزها زیاد وقال مشاكسا:
- هجيبه أبيض فأدمعت عيناها وضحكت وأومأت له بموافقة واستقبلت قبلته التي أرسلها لها في الهواء ووضعت كفها على فمها بخجل شديد جراء نظرات الناس الموجهة لهما وتسارعت خطواتها نحو الخارج بعد أن غاب عن أنظارها.

حالة السعادة المحلقة بها منذ الظهيرة جعلتها شبه غائبة عما يجري حولها وغير واعية لحديث سالي الذي امتد لنصف ساعة من الوقت بمكتبها وهي تخبرها بخطوبتها لكريم وترددها الشديد في مشروعها للزواج منه حتى هتفت بها سالي:

- أنت مش معايا خالص یا آشري فارتفع حاجبي آشري وقالت مغمغمة باعتذار:
- سوري يا سالي بجد ، كنت بتقولي إيه ؟
فرفعت لها سالي كفها الأيمن ليلمع خاتم الخطبة بخنصرها في وجه آشري التي أمسكت بقوة بكف سالي قائلة بسرور بالغ:
- رجعتي لجاسر ؟

! مبرووك ياسالي جذبت سالي كفها وقالت بغضب حانق:

- کریم مش جاسر اتسعت عينا آشري وقالت بغباء لم تصب بمثله يوما به:
کریم مین ؟
؟
. . . . ومع نظرة سالي المشتعلة وضعت آشري كفها على فمها ثم هتفت- آآه کریم ، عرفته مش ده الدكتور صاحب المركز هزت سالي رأسها صامتة فتابعت آشري تساؤلاتها:
- طب ليه ؟
بتحبيه ؟
انزعجت سالي بشدة من ذلك السؤال وهتفت حانقة:

- لاء طبعا فتعجبت آشري بشدة وقالت مستنكرة:

- طب طالما مش بتحبيه هتجوزيه ليه ياسالي ؟
وضعت سالي رأسها بين كفيها بتعب وقالت بصدق دون أن تستطيع رفع رأسها ومواجهة اشري باعترافها الذي تعلنه بصوت عالي ربما للمرة الأولى:
- هوا طلب وأنا . . أنا مجروحة وقتها كان لسه جاسر متجوز اللي اسمها داليا دي لكن دلوقت اتطلقوا واللي فهمته من نعمات أنها أجهضت هزت آشري رأسها بعدم فهم وقالت بواقعیتها:

- إنت بتخلطي الأمور ببعضها ليه ياسالي ؟

تنهدت سالي بتعب وقالت:
- مش عارفة ، أهو اللي حصل تغضنت ملامح آشري وارتسم عليها الضيق الشديد وقالت معنفة صديقتها التائهة:
- تاني ياسالي ، تاني بتحطي نفسك في إيد اللي حواليكي ، فين قرارك أنت ، أنت صاحبة القرار ياسالي مش حد تاني ، دي حياتك أنت مش حياتهم فقالت سالي بشعور حارق بالذنب:
- کریم صعبان عليا ، کریم بیحبني بجد ، صعب أجرحه ارتشفت آشري القليل من قهوتها المرة وقالت بتصميم قاس:
- دي مشكلته هوا مع مشاعره مش مشكلتك ، والجرح الأصعب هيكون ساعة ماتتجوزيه وأنت بتفكري لسه في غيره انكرت سالي قولها رغم أنها تعلم بمدى صدق حديثها:

- أنا بفكر في ولادي وبس نظرت لها آشري وهزت رأسها نافية:

- لاء بتفكري فيه وإلا ماكونتیش جیبتي سيرته ، وعلى فكره لا هو عيب ولا حرام ، أنتوا ليكم تاريخ مع بعض فوضعت سالي كفها على جبهتها بتعب وقالت:
- طب أنت رأيك إيه ؟
هزت آشري رأسها رافضة أن تقودها نحو إختيار أو قرار:
- ماليش حق أن أكون صاحبة رأي باسالي وأنت عارفة كويس الصح فين

ماهو القرار الصحيح ؟

ليست بحاجة لمزيد من التفكير خاصة وهي تتسلل من المركز قبل ظهور کریم لتذهب للقصر لاصطحاب أطفالها في نزهة كما وعدتهم ومنذ بداية الأسبوع القادم سیمکثون معها لنصفه كما اتفقت مع جاسر ولكن ما لم تحسب حسبانه أن تجد الصغار برفقة أبيهم بحجرة المعيشة يلهون سويا بصخب وصوت ضحكاتهم قد دفع بالبسمة اللإرادية لثغرها صرخت سلمی مرحبة بأمها وتدافعت ساقيها نحوها وقالت مؤنبة- إتأخرت على فكرة يعني فحملتها سالي وقالت ضاحكة:
- یابكاشة قال يعني عارفة الوقت هزت سلمى رأسها معترفة:

- سلیم هوا اللي قال أنك جاية الساعة تلاتة وسألت بابا قال دلوقت بقت خمسة حث جاسر سليم لتوجه نحو أمه التي تلقفته بأحضانها مغمغمة باعتذار:

- معلش والله يا سليم كان عندي حالات كتير عشان كده أتأخرت فقال جاسر بمكر:
- ماتزعلش بقا ياسولم وبعدين أنا مش مكفيك يا أخي؟!
هز سلیم رأسه واندفع مجددا لأحضان أبيه فهو أصبح يستشعر الأمان بينهما أكثر من ظل أمه الغائب وداخله يعد نفسه لمزيد من الأعذار والغياب وتلاهي بآخر سواهما تلك المشاعر المعتملة بصدره أصبحت سالي تراها لكأنما كائن حي، وحش قبيح الشكل والهيئة يخبرها كم أضحت أما قاسية ينهش هناء ليلها ويؤرق مضجعها واقتحمت نعمات حديث القلوب وقالت بصوتها الجهوري:

- الغدا جاهز ياجاسر بیه فارتسمت على ملامح وجه سالي التوتر وقالت لسلمی:

- أنتوا ما اتغديتوش لحد دلوقت ؟
رد جاسر وهو يقترب منها حاملا سليم على كتفه:
- قلنا نستناكي ناكل سوا عزمت سالي الرفض ولكن مع تعلق أنظار أطفالها بها تحركت خطواتها مذعنة خلف جاسر الذي تحرك نحو الشرفة حيث أعدت نعمات طعام الغذاء وجلست للطاولة المستديرة والتي أعدت لها أربع مقاعد فقط فأصبحت على مقربة من جسده الفارع وأطفالهما أمامها قد شرعا بإلتهام الطعام من فرط جوعهما وبالمثل تناولت سالي معلقتها وشرعت بالأكل ليدخلا مسابقة الأسرع أكلا كما اعتادوا وفجأة قام جاسر تاركا طعامه الذي لم يقربه وتحرك نحو مشغل الإسطوانات لتنبعث منه تلك الموسيقى المميزة جدا لأسماعهما ومرة أخرى وربما كانت تنبعث من بين طيات الذكرى صوت فيروز الحالم بأغنيتها المتسائلة المتوحة لقلوب الجرحى " سألتك حبيبي لوين رايحين ؟

" فتركت سالي معلقتها ووضعتها وتوقفت عن الأكل كما توقفت الأرض عن الدوران وعادت بها لأرض الأقصر وذكرى تلك الفتاة المتخبطة بين أورقة العشق له عادت لتتلبسها فأخفضت رأسها وهي متشعبة بذكرياتها البعيدة تارة تشعر بالسعادة وأخرى بالخزي والألم وتراقصت الدموع بعيناها وتركت الطاولة هاربة نحو الداخل تحت أنظار الأطفال المتعجبة لحال أمهما الغريب وأتبعها جاسر نحو الداخل بعد أن أمرهم بلطف للانتهاء من طعامهما وقفت مكتفة الأيدي تدير له ظهرها تحاول إستجماع شتات نفسها وقالت عندما شعرت به يتقدم داخل حجرة المعيشة:


- هبقا أخدهم يوم السبت زي ما اتفقنا فقال بلطف:

- الجمعة هجيبهم لحد عندك فحملت حقيبتها واستعدت للرحيل واصطدمت قدميها بألبوم صور ملقى على الأرض فالتقطه واقترب منها وقال:
- کنا بنفر في الصور ، فيه صور نسيت أمتي أخدناها حتى فتحت سالي الألبوم وتناقلت بحنين نحو صفحاته وتطلعت لصورة سلمى وهي برفقة سليم في أحد الصناديق المخصصة لجمع الألعاب فضحكت رغما عنها وقالت:
- كانت غاوية تستخبى هنا وسليم كل مرة كان يقفشها فضحك جاسر متفكها وقال:

- ولما لقيته كل مرة يمسكها بقت تروح ورا الستارة في مكتبي تستخبى مننا ، ورجليها وساعات كلها كان بيبقا باين من وراها وتناقلت بين الصور جوعا للمزيد حتى توقفت عند صورة بملابس صيفيه بيتيه لها بلون كريمي تكشف الكثير من مفاتنها وهي تحمل سلمى التي لم يكن تجاوز عمرها أشهرا قليلة فمدت أناملها بسرعة لتسحبها بخجل وتوتر واضح وعزمت على تمزيقها فوزنها كان قد بدأ في الإزدياد ، كما أن وجود مثل الصورة الفاضحة لها بحوزته أمرا باعثا على الحرج والضيق لكن أنامله كانت الأسبق إذ منعها برقة بالغة وهو يقول وعيناه لا تحيد عن وجهها المتورد:


- ولو مافيش صورة ، فيه حاجات استحالة تنمحي من خيالي یاسالي واقترب منها وبصوته الأبح قال بحميمية بالغة:

- ذكريتنا وحياتنا سوا ، يمكن ننسى من التلاهي بالحياة بس سهل جدا لما نستدعيها ترجع تاني كأننا بنعيشها لأول مرة فرفعت عيناها له وكانت تلك أعظم أخطائها إذ اشتعل جسدها برمادية عيناه التي لم تنضب ، وتخضب وجهها باللون الفاضح واهتزت أوصالها وحبال صوتها إذ قالت هاربة:
- أنا هسلم على الولاد قبل ما أمشي      عيناها المتورمة ببكاء لايبدو له نهاية كانت أول ما استدعى إنتباهه بعد نبرة صوتها المرتجفة بالهاتف منذ قليل اتصل بها يبلغها بأمر ضروري يخص أجهزة التعقيم بالمركز وطلب منها الحضور إن كان باستطاعتها قال بلطف وهو يطالعها:
- مالك ياسالي ؟

هزت رأسها وهي تمنحه ضحكة كاذبة:

- ماليش أنا كويسة جدا ، موضوع الكهربا ده هياخد وقت؟!
هز کریم رأسه وقال وهو يوليها ظهره مشيرا الأسلاك الكهرباء المعلقة بالأعلى:
- هیأجل الإفتتاح يومين تلاته لأنه هنغير شبكة الكهربا كلها أحسن بدال مانقابل مشاكل قدام مع الأجهزة اللي طلع فولتها عالي دي هزت رأسها وهي حرفيا لاتفقه شيئا وقالت:
- أعمل اللي تشوفه صح یاجاسر ولو استدار لم تكن لترى نظرة عيناه فحسب بل ملامح وجهه التي تغضنت بألمه القاس ومع ذلك تجاهل ماسمعته أذنيه وما مر على قلبه کسکین دام وقال:
- كمان الكهربائي هيغير شبكة التليفون فتسائلت بتعجب:

- والتليفون ماله ؟

نظر لها مليا وقد أدرك أنها لم تنتبه قط لزلة لسانها وقال:
- العامل خلط فيش الكهربا بالتليفون فاتحرقت سارت للخلف وهي تطالع المكان بإحباط شديد وهي تقول:
- هيا مالها قفلت من كل ناحية كده؟!
هز رأسه وقال وأنظاره مرتكزة على حركاتها التائهة:
- عادي بتحصل ، مشاكل سطحية هتروح فهزت كتفيها وهي تستعد للرحيل متعبة:
- أوكيه يا جاسر حاجة تانية ؟
استوقفها بصوته الجريح:
- فيه أن أنا کریم مش جاسر ونبرة صوته کانت کالصفعة التي أعادتها مرة أخرى للحياة ولأرض الواقع وليس لأرض الذكريات التي تمتصها كعلقة شرهة فتوقفت عن الحركة بل تصلبت وارتجفت شفتيها وقالت وهي تلتفت لتقابله:

- أنا قلت جاسر؟!

فابتسم بسخرية مريرة واقترب منها قائلا:
- یعني لحد دلوقت بالظبط 3 مرات أو عشان أكون دقيق أكتر . . ماقولتيش اسمي ولا مرة فأخفضت رأسها وتساقطت دموعها رغما عنها وقالت دون أن تستطيع السيطرة على رجفة جسدها:
- أنا آسفة ، آسفة بجد یاکریم فزم شفتيه وقضب جبينه قائلا:

- آسفه عشان غلطتي في اسمي ولا آسفه عشان خطوبتنا ککل یا سالي فرفعت عيناها الباكية وظلت صامتة حتى قالت بصوتها المتهدج- آسفة ، أنت أكيد تستاهل أحسن مني وأنا زفت فهز رأسه نافيا وقال وهو يخلع دبلته الفضية ويضعها أمامها على الطاولة التي تفصل بينهما:

- ماتقوليش على نفسك كده ، كل شيء نصيب ظلت تنظر له وعيناها لم تتوقف عن البكاء وشعور حارق بالذنب يخنق أنفاسها فخلعت الدبلة الذهبية هي الأخرى وهمت بخلع السلسلة هدية والده عن أمه الراحلة فمنعها قائلا بإبتسامة مبتورة:
- هتفضلي أنت العروسة اللي أتمنتها وهتفضل دائما من حقك.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثامن والعشرون

الحب ماهو تعريف الحب ؟

ذاك السؤال الذي تسابق لأجله الفلاسفة والكتاب والشعراء بل وحتى العامة لتعريف ماهية الحب والحب في نظر البعض میزان بين الاجتياح والاحتياج وإذا ما أختل الميزان كان الحب ضعف والأنثى ضعيفة باحتياجه والذكر ضعیف باجتياحه ولا عزاء وقتها للكرامة غير أن الدرس الأقسى الذي تعلمته أنه لا غنى عنها حتى مع الضعف المباح بإسم الحب ومع ذلك هي باكية تعلن ضعفها وتلعنه بعبرات تهطل حتى انتصف الليل دلفت أمها لحجرتها وهي تمتم بجزع:

- بسم الله الرحمن الرحيم ، مالك يابنتي يا حبيبتي ؟

والسؤال بحاجة لإجابة شافية غير أنه الإجابة حاضرة مع غياب لمعة خاتم الخطبة فأمسكت أمها بكفها وعلت الشفقة نظرة عيناها فالتفتت لها سالي:
- مش عشان كده ، ده الصح ، من الأول كان الغلط عليا إني وافقت تنهدت أمها وربتت على كفها:
- وبتعيطي ليه طيب ؟- عشان ما ابتعلمش قالتها هامسة وأردفت بغضب وهي تسترجع الأحداث القريبة لتلك الليلة:
- غبية وضعيفة ومهما أعمل هيفضل ماسكني من إيدي اللي بتوجعني تأملتها أمها مليا حتى قالت:
- وهتعملي إيه ، هيا الدنيا كده ، والطلاق عمره ماكان حل سهل وأديکي جربتي ظلت صامتة لفترة ليست بالقصيرة ثم مسحت دموعها بقوة ونفضت عنها رداء الخزي ، خزي المشاعر الإجبارية ، خزي الأفكار والذكريات الجارحة ونظرت لأمها وقالت بهدوء:

- جربت لكن هو لسه ، ومش هرجع بالسهولة دي غير لما يجرب ويعرف ويدوق الوجع اللي اتوجعته عشان يحرم يوجعني تاني لا تعلم كيف انقضت ليلتها ولا تعلم كيف قامت من فراشها الأشعث وبدلت ملابسها وتناولت فطورها بشهية غائبة ولكنها تعلم جيدا خطوات طريقها الذي أتخذته نحو المركز الهادیء في تلك الساعة المبكرة من النهار لملمت أشيائها القليلة وودعت طاقم التمريض ووقفت لبضعة ثوان أمام مكتبه حتى أخبرتها إحداهن أنه لم يظهر بعد فدلفت للحجرة الهادئة وهي تحمل خيبة أمل عظمي فهو كان يستحق وداعا لائقا بكل ماقدمه لها من مساعدة خطت بضعة كلمات لا تغني ولا تداوي غير أنها عرفان بالجميل ستحمله معها حتى آخر العمر وتركتها مغلفة بمظروف أبيض على سطح مكتبه المرتب وبعدها أتجهت للمركز الخيري وتفاجئت عندما أبصرته يقف مع أحد العمال يملي عليه بعض الأوامر فاحمرت وجنتيها بحرج بالغ وتقدم هو منها بطلة هادئة وقال بلطفه المميز:


- أنا جيت أخلص شوية حاجات بسيطة وسيبت على المكتب جوه کشف بأسامي الدكاترة المتطوعين وفلاشة عليها كل الملاحظات وكشوفات الحساب فهزت رأسها ومنعت دموعها من السقوط أمامه قائلة بصوت متحشرج:

- وأنا روحتلك المركز من شوية مالقتكش سيبتلك جواب ممکن تقطعه حتى قبل ماتقراه لأنه عمره ماهيوفي جمايلك عليا رفع رأسه متحاشيا النظر إليها ثم قال بعد برهة:
- أنا كنت عارف وكنت مستني النهاية دي ، جزء متغابي جوايا كان بینکرها ، مفيش داعي تحملي نفسك الذنب كله لوحدك نظرت له ثم قالت:
- أنت اسم على مسمی فعلا فمد يده ليصافحها قبل أن ينصرف:

- أتمنى أسمع عنك كل خير    لقد تخطى الأمر مجرد حادث مرور غير متعمدة بمتجر البقالة القريب وإن كانت كاذبة أوانتظار داخل سيارته أمام البناية التي تسكنها فهو الآن واقفا ببابها يستأذن للدخول بشحمه ولحمه بعد أن أمضي عدة أيام سرا يراقبها حتى اطمأن لاختفاء العقيد من حياتها دون رجعة عقدت حاجبيها وهي تتأرجح بين الرفض والقبول وكانت توشك بالفعل على غلق الباب والرفض القاطع إلا أن صيحة صغيرها المرحبة به فور أن رآه وتعرف عليه:


- عمو أسامة جعلتها تتراجع خطوتين للخلف وتسمح له بالعبور لمملكتها المقدسة ظلت صامتة تراقبه وهو يداعب الصغير وقد حمل له بعض الحلوى وأحيانا يسترق الأنظار لوجهها الخالي من أي تعبير فهو كان تحت المراقبة حتى أمرت صغیرها بهدوء بالانصراف إلى غرفته فرفع أنظاره إليها وهز رأسه وانصرف شاكرا لهدية العم الطيبة ولا تدري هي بأي سابقة استحق بها لقب العم والتفتت له وهي عاقدة الحاجبين كصقر ينتظر الانقضاض على فريسته:


- خیر ، جاي ليه ؟

فابتسم لها مشاكسا:
- طب على الأقل مش هتعزميني على فنجان قهوة ؟
لم تبتسم ولم تلن معالم وجهها قيد أنملة وقالت بصلابة:
- أدخل في الموضوع على طول یا باشمهندس لو سمحت أنا لولا أيهم ، ماكنتش دخلتك بيتي وأظن أنك تعرف في الأصول کویس ارتسم الضيق على ملامحه وزم شفتيه ثم قال:
- أنا عارف أني غلطت في حقك قبل كده بس محتاجك تسمعيني وأشرحلك . . . قاطعته:
- مش عاوزة أسمع حاجة ، ولو ده سبب الزيارة فتقدر تتفضل دلوقت لأني ماعنديش وقت أضيعه في لعبة القط والفار دي إحمر وجهه بحنقه البالغ وقال وهو ينفث غضبه:

- ماهو مش طريقة كلام دي یادرية أنا جاي لحد عندك أعتذرلك ضحكت بتهكم:

- ليه كنت دوست على رجلي لاسمح الله؟!
ظل صامتا لوهلة حتى تنهد قائلا:
- أنت مصممة تصعبي عليا الطريق ، حقك . عموما هختصر عشان ماضيعش وقتك أنا جاي النهاردة أطلب منك . . . . وصمت مترددا يحاول إيجاد صيغة أفضل لطلبه وهي تراقبه بعيون ضيقة وأوصال بدأت في التململ حتى قال هامسا:
- درية أنا محتاجلك ، وأنا آسف على الوقت اللي ضيعته قبل ما أعترف لنفسي الأول أني فعلا محتاجلك وأخرج من جيبة علبة مخملية تحمل خاتما للزواج وفتحها وهو يقول راجيا:

- من النهاردة مافيش لعبة قط وفار ، من النهاردة بكل الوضوح اللي في الدنيا بطلب منك ، تقبلي تتجوزيني ؟

لم تعلو وجهها ملامح الدهشة كما كان يتوقع أو الفرح كما كان يأمل بل تلك التقطيبة اللعينة التي تزين حاجبيها کناظرة مدرسة ابتدائي في الخمسينات من عمرها ترمق طالبا مشاكسا أخطأ مرات عديدة حتى قالت بصوت قاطع مختصر:
- لاء وتابعت رغم ملامح خيبة الأمل المعلنة على صفحة وجهه:
- أنت محتاج تلاقي نفسك الأول ، وفي الأصل أنا مش محتجالك ولا محتاجة لأي راجل في حياتي ماعنديش إستعداد ولا حتى الطاقة اللي أشيل بيها مسئولية حد غير نفسي وولادي فهتف سريعا مؤكدا:
- أنا مش عاوزك تشيلي مسئوليتي أنا مش عيل صغير ، بالعكس أنا عاوز أكون جمبك ونعيش حياتنا سوا أغمضت عيناها وارتسمت مرة أخرى ابتسامتها الساخرة على جوانب ثغرها وقالت وهي تهز رأسها رافضة:

- الجواز في الأول والآخر شركة ، اتنين بيشيلو بعض وأنا مكتفية بنفسي وبولادي وقامت وأردفت لتنهي تلك الزيارة الغير متوقعة:

- حياتي يا أسامة مالكش فيها مكان أخفض عيناه بخزي واضح وأغلق العلبة ووضعها مجددا في جيبه وقال:
- ولا تقصدي ما استحقش فيها مكان ابتعدت بأنظارها عنه وقالت هامسة:
بإختصار ماينفعش أيا كانت الأسباب والأفضل أن كل واحد منا يمشي في طريقه یا هنفضل خطين متوازيين عمرنا ما هنتقابل أو يمكن تتلاقی خطوطنا فقام وظل ينظر لها وداخله محمل بكل المشاعر التي تصطرخ مستجدية التلاقي ومع ذلك وضع على وجهه قناعا باردا يليق بأحد أفراد آل سليم وقال:
- أشوف وشك بخیر يادرية . 

من كان يظن أن قالب الشيكولاتة التي حملها أسامة في الصباح تكون في اليوم التالي وظيفة بأجر ثابت بل ومشروع مستقبلي يعد بالنجاح اللامحدود ، استيقظت صباحا على صراخ أيهم من ألم ضرسه مجددا فحملته وهي تلعن الحلويات بكافة أنواعها وطيف أسامة الذي رافقها ساعات الليل كاملة لتبلغ اللعنات مداها عندما علمت بترك سالي لعملها بالمركز منذ أيام قلائل ورفض أيهم للكشف عند طبيب آخر حتى أرشدتها إحدى الممرضات لطوق النجاة ، عنوان المركز الخيري الذي تمتلكه سالي وما كانت سوی ساعة زمنية حتى تخلص أيهم من آلآمه بالمعدات البسيطة وبيد سالي الماهرة وقالت وهي تبتسم لدرية:


- أول حالة نستفتح بيها ، فامعلش بقا أعذرينا لو المكان مش متظبط أوي زي المركز الافتتاح لسه كمان أسبوعين تقريبا فابتسمت لها درية:

- بالعكس أنت نجدتيني أيهم كان مش قابل بدكتور تاني غيرك ، بس طالما عندك مرکز ملكك ليه كنت بتشتغلي مع دکتور کریم خلعت سالي قفازها الطبي وقالت:
- أنا الأول كنت بشتغل عنده لحد ما زي ما أنت عارفة حكاية الورث دي ففكرت أعمل بيها مشروع خيري بإسم المرحومة والصراحة دکتور کریم کان بيساعدني وماسك كل الحسابات لكن دلوقت . . . توقفت سالي عن السرد عندما لاحظت إمارات عدم الفهم جلية على وجه درية فقالت بإختصار:
- إحنا فسخنا وماعدتش ينفع يعني نكمل سوا في المشروع فهزت درية رأسها وقالت بهدوء:
- المهم تكوني مرتاحة لقرارك أخذت سالي نفسا عميقا وهزت رأسها:
- جدا ، وما أنكرش فضلك عليا في القرار ده اتسعت عينا درية وهتفت:

- أنا؟!

فابتسمت لها سالي:
- یعني ، أنت ربنا بعتك ليا عشان تشجعيني رغم أني ماكنتش صاحبة القرار ۱۰۰ % ، بس ده الصح فهزت درية رأسها وقالت:
- ولو أني مش فاهمة حاجة من ساعة ما اتكلمتي عن الورث لكن وماله ، متشكرة جدا والظاهر أننا خلاص هنكون زبون دایم طالما الأستاذ أيهم مش عاوز يرحم نفسه فضحكت سالي وقالت:

- كل الأطفال كده ولا يهمك وعموما هنا فيه قسم للعلاج بالمجان فامتشليش هم فهزت درية رأسها رافضة عرضها السخي وقالت:

- لا المجان للحالات اللي تستاهله إنما إحنا هندفع فضحكت سالي ساخرة:
- طب خلاص بس الأول تشوفيلي حد يمسك الحسابات وأنا آخد منك ساعتها الفزيتا فلمعت عينا درية وقالت مقتنصة الفرصة:
- أنا أمسكها فهتفت سالي غير مصدقة:
- بجد ، وجاسر؟!
فقالت درية:
- أنا سيبت الشركة من حوالي شهر وحاليا زي ما بيقولوا عواطليه فعقدت سالي حاجبيها وقالت:
- لكن أنت لو طلبتي ترجعي جاسر عمره ما هيرفض أنا أصلا مستغربة أنه وافق تسيبي الشغل أخفضت درية عيناها وقالت هامسة:
- عارفة ، بس أنا كده مرتاحة أكتر ، الشغل مع جاسر متطلب جدا والولاد بيحتاجو مني رعاية أكتر والمرتب اللي هتقولي عليه أنا راضية بيه فمدت لها سالي يدها تصافحها وقالت:

- وأنا أكيد مش هلاقي حد أحسن منك يادرية والعكس بقا المرتب اللي هتقولي عليه أنا اللي راضية بيه ياستي فهتف أيهم الذي كان يتابع الحديث يإهتمام:

- هتاخد خمسميت ألف ومية جنيه فاتسعت عينا المرأتين وتعالت ضحكاتهما وبعثرت أمه خصلات شعره بحب:
- أما أنك مفتري صحيح      في كل صباح تنتظر رسائله النصية حتى تستطيع المضي قدما في عملها ولكن مع غياب رنة الهاتف المميزة تبعثرت أفكارها وتشتت حتى أنها لاتفقه شيئا مما تقوله مساعدتها على الرغم من أنها أعادت صياغة حديثها لمرتين متتابعتين فقالت بنبرة اعتذار خالصة:

- سوري بجد مش مركزة في ولا كلمة من اللي بتقوليه ممكن تسيبني شوية لوحدي تركتها المساعدة الخبيرة بمفردها وهي ترمقها بإشفاق إذ بلغ بها التشتت مبلغه ، حتى أنها وضعت رأسها على سطح المكتب الترتاح قليلا فعادت لتنقر فوق أزرار الهاتف لتتصل به تلك المرة بإصرار لأن تحصل على رد ولكن ما من مجيب وماهي إلا بضعة دقائق حتى طرقت مساعدتها الباب مرة أخرى فعلت وجهها نظرة غاضبة وقبل أن تسترسل بحديث غاضب قالت المساعدة:


- الطرد ده وصل حالا عقدت حاجبيها بتعجب فهي كانت حمل صندوق مستطيل عریض بلون أبيض يزينه شريط نبيتي من الستان فقامت لتوقع بالاستلام ثم فتحته بلهفة لتطالع ورقة صغيرة خط عليها بخطه الأنيق " ماقدرتش أجيبه أبيض وأنت عاوزاه أوف وايت ، یارب يعجبك " فضحكت وهي ترتعش من شدة فرحتها ونفضت الأوراق التي تغلفه برقة حتى طالعت قماش فستان زفاف مطرز رائع الجمال ورفعت أنظارها لمساعدتها التي كانت تصقف بكفيها بجزل واحتضنتها بقوة وهي تقبلها قائلة:


- مبرووووك یا بوس وقطع لحظتهما المشحونة بالمشاعر المختلطة دخوله حاملا باقة زهور حمراء يشاكسها قائلا:

- طب هيا وبس جابتلك الطرد لحد عندك وبوستيها وحضنتيها أنا بقا اللي اشتريته وغلفته بنفسي وجيت بيه هنا بلحمي وشحمي ليا إيه ؟
فضحكت وترقرقت عيناها بدموع الفرحة واحمرت وجنتها وتنحنحت مساعدتها لتنصرف بخطوات مسرعة إلى الخارج فاقترب منها وهمس لها وهو يقبض على كفيها:
- اعملي حسابك الفرح كمان أسبوعين فهتفت غير مصدقة:

- فرح ! هز رأسه مؤكدا:

- ولا ألف ليلة وليلة ، إحنا بنفتح سوا صفحة جديدة فضاقت عيناها:
- یعني هتروح تطلبني من بابا فهتف بها ضاحكا:
- واطلب أبوكي نفسه فضحكت وقالت تمازحه:
- بس أنا عاوزاه بالنهار فهز رأسه مذعنا وهو يمسك بكتفيها:
- ولو حتى فوق المريخ ، أنت تشاوري بس وأنا عليا التنفيذ.

لم تنتبه لمرور الوقت سریعا برفقة درية بالعمل فالافتتاح منتصف الأسبوع المقبل وعرضت عليها توصيلها لمنزلها بسيارتها وبالتالي تخطت الساعة السابعة عندما توقفت بسيارتها أمام بوابة القصر رفعت هاتفها لتصل بنعمات لتطلب منها مرافقة الصغار للبوابة فاليوم هو الجمعة وكما اتفقت سابقا معه فهذا اليوم المخصص لها لبداية منتصف الأسبوع وهي بالفعل تتحاشى لقاءه ولسوء حظها هاتف نعمات كان مغلقا فترجلت من سيارتها وعبرت البوابة نحو القصر وقفت أمام الباب المعدني الضخم دون أن تطرقة وكأنما هبت عليها نسمة من نسمات ذكرياتها المؤلمة لتذكرها بلحظات قوتها وضعفها في آن واحد.


فمنذ بضعة أشهر فقط كانت تقف متزينة برداء خطبتها ومزدانة ببضعة كيلوجرامات زائدة تنظر له الألم يخترق أضلعها ويفتت مفاصلها من ثم يسحق عظام صدرها وهو يصطحب عروسه الفاتنة ويسير نحوها غير عابیء بشظايا قلبها التي تناثرت مع حبات الملح فوق رأسيهما ، ومع ذلك تماسكت بقوة تحسدها عليها الكثيرات ممن قد يوقعهن حظهن العثر بنفس موقعها فلم هي الآن خائفة ترتجف ، تهرب من نظرة ونبرة حميمة مسكونة خلف أغنية قديمة وبضعة صور لم تشفع لها عنده برحمة أو بشفقة زفرت الهواء المحتبس داخل صدرها إن كان هو يعمد لذكريات أعوام مضت فهي تعاني من فقدان ذاكرة للأحداث بعيدة الأمد وما تذكره فقط لن يتعدى الأشهر القلائل الماضية طرقت الباب بحزم حتى فتحت لها نعمات واستقبلتها بابتسامة بشوش فخاطبتها لائمة:


- بكلمك تليفونك مغلق فردت نعمات بحسرة:

- وقع اتكسر ماعدتش أشوف زي الأول فربنت سالي على كتفها مؤازرة:
- ربنا يديكي الصحة و الولاد جاهزين تنهدت نعمات:
- من بدري ولما أتأخرتي راحو يلعبوا في الجنينة اللي وره مع باباهم أشارت لها نعمات التقدم فرفضت قائلة:

- هستناهم في العربية ياريت تبلغيهم همت نعمات بالاعتراض ولكنها مالبثت أن هزت رأسها طائعة وانصرفت تاركة سالي تعود أدراجها نحو سيارتها خطت سلمى الباب المعدني جريا نحوما يتبعها سليم برفقة جاسر ودون تفكير أدارت سالي خاتمها الذهبي في إصبعها ليبدو وكأنها لازالت تحمل خاتم خطبتها دفنت سلمى بأحضانها ثم اتجهت نحو سليم الذي كان يحمل حقيبته رافضا أي ملمح من ملامح التقارب الجسدي معها فعلت وجهها خيبة الأمل حتى أنها رفعت أبصارها غاضبة نحو جاسر الذي كان يبدو ملاحظا للتغيرات التي طرأت على صغيره ومع ذلك ظل صامتا وداخلها شعورا بأنه يعزز مشاعر الطفل السلبية نحوها فقالت مرحبة بالصغيران:

- ياله عشان ما نتأخرش أنا عازماكو على العشا فرد جاسر متبسما بلطف- هما اتعشوا خلاص ، أصلك أتأخرتي أووي تجاهلت النظر نحوه وقالت لسليم وهي تحاول أن تبرر له سبب تأخيرها:

- معلش مش هتكرر تاني إن شاء الله الافتتاح خلاص الأسبوع الجاي فردد جاسر مستفهما:

- افتتاح؟!
فرفعت له سالي وجهها وقالت بهدوء:
- مرکز خيري لعلاج أسنان الأطفال فضاقت عيناه وهو يقول:
- وياترى أنا معزوم ولا غير مرحب بيا ؟
فردت بهدوء:
- أكيد ومش أنت لوحدك كمان أسامة وزياد معزومين ، المركز بإسم والدتك الله يرحمها ، ولولا الفلوس اللي سابتها في الوصية ماکنش هيبقاله وجود ارتسمت الدهشة على ملامحه فأردفت لتثير حنقه:
- ومن ناحية ثانية الفضل کمان يرجع لكريم ، كانت فكرته أصلا وساعدني كتير وكان دايما واقف معايا في كل حاجة وبالفعل نجحت وأصابت هدفها بدقة بالغة إذ عض على شفتيه وقال حانقا:

- أصلا . . هه . . وأنا اللي كنت فاكر أنه زمن معرفتكم قصير فقالت بإبتسامة حالمة قبل أن تصعد لسيارتها:

- العبرة مش بالوقت ولا أد إيه بقالنا نعرف بعض ، العبرة بالتغيير الممتاز اللي عمله في حياتي وأحكمت وثاق حزام الأمان ثم انطلقت بسيارتها مسرعة غير عابئة به ولا بغضبه الذي بلغ عنان السماء حتى أنه ركل كل قطعة حصى مهما بلغت صغرها في طريق عودته للقصر ومع ذلك فهذا الفعل لم يمنحه أدنى قدر من الهدوء وعندما حل موعد النوم احتضنتهم سالي بفراشها وجذبت رأس سليم الذي كان هادئا للغاية إليها وقالت لهما:

- أنا عاوزة أقولكم على حاجة بس تفضل سر مابينا استرعت تلك الكلمات انتباه الصغير فبرقت عيناه ونظرت لها سلمي ضاحكة فقالت سالي:

- آه يا خوفي منك أنت یا رویتر لو على سليم فأنا عارفة إنه عمره ماهيقول حاجة فشجعتها سلمى لتخبرهم بسرها فقالت بنبرتها الطفولية وهي تجذب يدها بإصرار:
- لاء قولي قولي مش هقول مش هقول نظرت سالي لسليم وقالت:
- هيفضل سر یا سليم فهز رأسه مؤكدا لها صامتا وكذلك فعلت سلمى فأردفت سالي:
- أنا خلاص مش هتجوز عمو کریم فاتسعت عينا سليم واشرقت السعادة على وجهه:
ونظر لها غير مصدقا قائلا:

- بجد؟!

فيما نظرت لها سلمى وعيناها معلقة بها بغير فهم فقالت سالي بحنانها الفطري:
- أنتوا عندي أهم من أي حد في الدنيا وداعبت سلیم بصدمة خفيفة لجبهته برأسها قائلة:
- خلاص مش زعلان مني فاحمر وجه سلیم خجلا وقال بصوت خافت:
- أنا بس ماكنتش عاوزك تسيبيني فجذبتهما سالي لأحضانها قائلة بدفء:
- ولا يوم أقدر ثم قالت بنبرة أكثر حزما:
- بس زي ما أتفقنا ده سر مابينا ماحدش يجيب سيرة لبابا عليه فابتسم سليم وكذلك سلمى ظنا منها أن تلك لعبة يلعباها سويا مع أبيهما ظلت تستمع لصحيات آشري المبتهجة وهي تناقش معها تفاصيل حفل زفافها القادم عبر الهاتف حتى قالت بهدوء:

- مبروك يا آشري بجد فرحتلكوا أوي فاعترضت آشري قائلة:

- مبروك حاف ماتنفعش أنا محتجاك جمبي ولا سي کریم خلاص أخدك مني ترکت سالي القلم الذي كانت تعبث به عشوائيا فوق ورقة بيضاء وقالت:
- لااا ماخلاص ، إحنا فسخنا الخطوبة اتسعت عينا آشري وقالت:
- وماقولتليش يعني اعتذرت لها سالي:
- بجد كنت مشغولة الفترة اللي فاتت أعمل حسابك حيث أنك أحد المساهمين الإفتتاح بعد بكرة تجيبي الأستاذ زياد وتيجوا في الآخر المركز باسم طنط سوسن الله يرحمها و قالت آشري بسرعة:
- شوور . أكيد ده هيفرح جدا ، بجد لفتة طيبة منك ياسالي فابتسمت سالي:
- المهم تيجوا بكرة عشان أعرف اباركلكوا بجد ، وأنا هبعت دعاوي على الشركة لأسامة و . . بس بالنسبة لدعوة زياد فهتوصلك النهاردة أنت وهوا على شكركتك في ظرف ساعة كده ضاقت عينا آشري وقالت بمكر:

- أسامة وجاسر فتنهدت سالي وقالت:

- أنا أصلي اتسحبت من لساني وقولتله على حكاية المشروع وكده ولا كده مايصحش كلهم يجوا إلا هوا فقالت آشري بأريحيه:
- عادي يا سالي بس أنا استغربت إنك مش عاوزة تقولي اسمه تنهدت سالي وقالت بشیء من الحزن:
- مش هكدب عليك لو قولتلك أني بحس بنغزة في قلبي لما تيجي سيرته فمابالك لما أنا أتكلم عنه أغمضت آشري عيناها متفهمة وقالت هامسة:
- حاسة بيك ، كل خيبة أملك بتتجسد ساعتها بس في حروف الأسم ثم طرقت سطح مكتبها بقوة وقالت:
- مش هنقلبها نكد ، بكرة أشوفك على خير ، باي.

متأنقا ببذلة رمادية أنيقه تناسب طوله وشحوب جسده مؤخرا وحيدا دلف إلى غرفة الإستقبال الواسعة مظاهر الاحتفال بافتتاح المركز مبهجة للغاية . ولكن ذلك لم يمنحه تسرية مناسبة لما يمر به ولكنه مع ذلك رسم إبتسامة ودودة على وجهه غير متصنعة فهو بالفعل يشعر بالفخر وبالسعادة أيضا لقد تلقي دعوة لحضور حفل افتتاح مركز الأسنان الخيري والذي يحمل اسم والدته الراحلة واتسعت ابتسامته عندما رأى سلمى صغيرته تقفز فرحا بظهوره وتندفع نحوه بصخبها الطفولي حملها وقبلها بشدة افتقاده لها ورفع يده بتحية نحو أخويه واشري المتبطأة ذراع زیاد والتي كانت مفاجأة أكثر من سارة له ثم لمحها تسير بخفة بين مدعويها وسليم متشبث بها كظلها والذي استبقها لتحية أبيه بحرارة هو الآخر تأمل هيئتها لبرهة ، ترتدي زيا مكونا من قطعتين بلون أزرق رقيق مطعم بفصوص براقة على أطرافه ووشاحها الفضى يزين رأسها ليمنحها هالة مضيئة تخطف الأبصار ببساطة هي هادئة ، واثقة ، جميلة لم يستطع خفض أبصاره بل واقترب مال وقبل رأس ابنه ورفع رأسه مرة أخرى ليقول:

- مبروك ياسالي ردت عليه بهدوء:

- الله يبارك فيك وهمت بانصراف أو بالأحرى هروب ولكنه استوقفها قائلا:

- سلمى روحي مع سليم أقفِ مع عمو أسامة ، عاوز ماما في موضوع توقفت عن الحراك وعقدت ذراعيها بوضع متشابك غير منتبهة أن يدها اليمنى عرضة لأبصاره التي لم تنتبه بعد لخلو إصبعها من خاتم الخطبة وقال:
- الصراحة أنا فخور باللي عملتيه بالفلوس ابتسمت ساخرة وقالت:
- إيه كنت متوقع اشتری بيهم فيلا وأسافر اتفسح؟!
هز رأسه نافيا:

- لاء ، ماقولتش كده بس مانکرش کنت متخيل أنك مش متصرفي الفلوس كلها على المشروع الخيري فقالت وهي تصحح له معلوماته:

- في الحقيقة هو مش بالكامل خيري ، لأن أي عمل تطوعي لازمله ميزانية إنفاق عليه ، وعشان كده کریم اقترح عليا نعمل فيه فرع علاج بالأجر وبالفعل ده اللي تم قبض على أصابعه فذكر ذاك الكريم لا إدريا يبعث في قبضته الرغبة بلكمه فقال هازئا:
- وياترى الدكتور العظيم فين مش باين في يوم أكيد مهم عندك احمرت وجنتها وقالت حانقة:

- والله عنده شغل وأكید زمانه جاي ، ماتشغلش نفسك بيه أوي وانصرفت عنه وهي مصممة ألا تجعله ينال من أعصابها مرة أخرى وتلوم نفسها ألف مرة على توجيه دعوة له ليحضر حفلها البسيط فيما بقي هو يراقب تحركاتها وعيناه في الوقت ذاته متعلقة بالباب المفتوح على مصراعية ومرت ساعة ولم يظهر هذا البغيض ، أيكون شجارا ظهر في الأفق بين المحبين ، فلذلك هجرها في هذا اليوم الخاص أم أنه بالفعل منشغل بأمر هام وسيظهر في أي وقت وتقدمت منه درية تحييه ببساطتها المعقدة:


- إزيك يا جاسر؟!

التفت لها مندهشا ضاحكا:
- أنت بتعمل إيه هنا ؟
فأطرقت درية رأسها وقالت بهدوء متزن:
- أنا بقيت بشتغل هنا مع سالي ، المدير التنفيذي للمشروع وماسكة الحسابات فعقد جاسر حاجبيه مستنكرا:
- ولما أنت رجعت للشغل تاني ما جيتيش الشركة ليه . وبعدين مش کریم ده اللي ماسك المشروع مع سالي؟!
كانت درية تريد اقتناص الفرصة لرفع الحرج عن سالي إذ علم جاسر بأمر عملهما سويا ولكن يبدو أنها أساءت التقدير فقالت بنبرة إعتذار:
- الصراحة أنا اترددت أرجع الشركة لأسباب كتيرة تخصني أكيد ، وشغلي مع سالي موفرلي مساحة أقدر أهتم بيها أكتر بالولاد . . . ولادي أقصد فهز جاسر رأسه متفهما وقال:

- براحتك يادرية لكن أكيد أنت عارفة مكتبك في أي وقت مستنيك والشركة دي بيتك مش مجرد مكان عمل فابتسمت درية بحرج وقالت:

- أرجو ماتكونش اتدايقت فهز رأسه مستنكرا وقال:
- في بيتها يادرية هنا ولا في الشركة ، إنما ماقولتليش مش کریم ده اللي ماسك المشروع ؟
حاولت درية التملص من استجوابه ومع عين الصقر التي كانت تحاصرها بالطبع لم تستطع فقالت:
- اللي أعرفه إنه ساب المشروع من فترة أي تفاصيل تقدر تسأل فيها سالي فابتسم بمكر وارتشف قليلا من مشروبه وهو يبحث بعيناه عنها حتى لمحها تتجه للشرفة بمفردها فقال وقدماه تتحرك صوبها کفهد يستعد للانقضاض على فريسته هامسا:

- أكيد خرج للشرفة المظلمة ليحصل على رفقتها مرة أخرى ولكنها تلك المرة توليه ظهره ترتجف بانفعال مر زمن منذ أن رآها بتلك الحالة فهمس بإسمها برجاء مصطنع:

- سالی أنت كويسة ؟
التفتت له وقد فزعت وقالت وهي تضع يدها اليمنى على صدرها قائلة بلوم غاضب:
- خضتني ، عاوز إيه ياجاسر ؟
عندما تكون أمام لوحة مكتملة الجوانب لا يسعك إلا أن تلحظ ماهو منقوص ، وما كان ينقص تلك اللوحة رائعة الجمال بنظره سوی لمعة الخاتم الذهبي الذي كان يعلن أنها أصبحت تنتمي الرجل سواه فاقترب منها بسرعة وأمسك بكفها فجأة قائلا:

- فين دبلتك ؟

جذبت كفها من بين أسر أصابعه المجنونة بالسيطرة كصاحبها وقالت وهي تدفع نفسها بعيدا عنه بتوتر:
- شيء مايخصكش فقال بتصميم:
- اتخانقتوا؟!
فغر فاهها ، فهي لم تجهز بعد خطة دفاعية فقالت بعند:
- لاء وبعدين للمرة الأخيرة بقولك مش من حقك تدخل في حياتي الشخصية يا جاسر فقال بمكر وكله رجاء أن يكون ما يحلم به قد أصبح واقعا:
- أومال يعني مش باين كل ده؟!
 فقالت بصوت مضطرب وبصبر نافذ:
- قولتلك عنده شغل فقال وهو يرسم دور الملاك البرئ:

- ایوا برضه مايسبكيش في يوم زي ده فقالت هازئة:

- عادي زي ما أنت كنت بيكون عندك شغل وبتسيب الدنيا تولع ، مستغرب أووي كده ليه ؟
فانحسرت شفتيه ببسمة حزينة:
- واكتشفت إني خسرت كتير أوي بسبب اللي كنت بعمله هربت بأعينها بعيدا وقررت أن تقود قدميها للداخل هربا منه ولكنه استوقفها بقبضة يده على كفها الخالي مستكملا حديثه:

- خسرتك ياسالي وكانت أعظم خسارة في حياتي تنهدت وكادت أن تفر الدموع من عيناها فهمست بصوت أجش- ممكن تسيب إيدي نکس رأسه قائلا بمرارة تقتحم حلقه:

- أنت بس أمريني وأنا أنفذ على طول فهزت رأسها ساخرة وترات لها ذكرى طلاقهما وقالت متفكهة:
- ما أنا بالفعل متعودة منك على كدة بس هيا علي حسب نوعية الأوامر إذا كانت على هواك ولا لاء ظلا ينظران لبعضهما فترة من الزمن ودقات قلبيهما تتبادلان الحديث حتى فرت دموعها رغما عنها فأسرعت أنامله تمسح فيض عيناها وبهمس معذب قال:
- مابستحملش دموعك ، كنت غبي . . بعترف فاندفعت بغيظ تجيبه:

- ولازالت ، لو مفكر إني هرجعلك بالسهولة دي فابتسم برفق وقال:

- صعبيها عليا زي ما أنت عاوزة . . . . . حقك كادت أن ترق لحاله ولكنها دفعت بذكرياتها السوداء لتجسد لها كمشاهد حية تنبض فهزت رأسها بعند:
- مش هرجع یا جاسر فأمسك كفها مرة أخرى وبتملك أعظم وقال متوعدا:
- وأنا مش هیأس بس افتكري كل شيء مباح في الحرب ثم رفع كفها نحو شفتيه وقبله برقة وقال هامسا:
- والحب.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل التاسع والعشرون

تخطو خطواتها بالحياة بدقة مدروسة أحيانا تستجيب لانفعالات لحظية وأحيانا كثيرة تتمهل فلا مجال للخطأ ويصعب جبر کل مکسور وبتلك الليالي تعيش حالة من الأرق وسؤال ملح ثقيل بلا معالم واضحة وبلا إجابة يطرح نفسه باستمرار ماذا لو ؟


ويأتيها صوته في صباح اليوم التالي ليمحي شكوك عقلها ويطمأنها أنهما معا على الدرب الصحيح وباقي على موعد الزفاف يومان فقط لاغير تدور کنحلة طنانة تنهي أعمالا ضرورية ، حتى يتسنى لها التفرغ التام لشهر عسل كما أخبرها ، ثلاثون يوما بالتمام والكمال ولن يقبل حتى بكسر أيام أو أعذار أما الأخرى التعيسة على النقيض تعيش مع نفس السؤال ولازال ضميرها يؤنبها باستغلال حقير لشخص کریم وماذنبه وهي الضائعة بلا مرسی ؟


تمضي أيامها بجمود مجنون ، لا تحصل منها على الراحة ولا حتى بالاطمئنان وتشعر دوما بالتعب حتى لاحظت درية أحوالها المتقلبة فبادرتها بسؤال ودود اعتادته بصفتها أم دون منازع:

- مالك باسالي ؟
فيك إيه ؟
رفعت لها سالي عيون فارغة وكذلك لسان لا ينطق وعقل لايستجيب حتى قالت بعد برهة بمرارة صادقة:
- حاسة إني تايهة وضعت درية أوراقها على سطح المكتب وجلست تقابلها وبعيون تنبش في خبايا صدرها:
- أكيد مش عشان الشغل ولا المركز ، ، تايهة ليه بقا ؟
أغمضت عيناها وهزت رأسها ولاتزال غصتها تجرح حلقها وهي تتساءل:

- هفضل كدة لحد إمتی ؟

بالأمس تعطلت سيارتها واستقلت سيارة أجرة للعمل كانت نجاة تشدو بأغنيتها الحالمة " فاكرة " ولأول مرة لم تستمتع بصوت نجاة قدر استمتاعها بحل أحجية تلك الكلمات أنا فاكرة وناسية حبه بقا ماضي وذكری . . . خلينا في بكرة . . . هو أحلى ما في الدنيا ! بالله عليكم ماذا تريد نجاة؟!
بل السؤال ماذا تريد هي ؟
ابتسمت بسخرية مرارة وأردفت موضحة:

- عارفة أغنية نجاة " فاكرة " ، عمري مافهمتها ولا فهمت هيا عاوزة تقول إيه ، بس في الوقت الحالي حاسة أنها بتعبر عني بكل كلمة أنا مش فاهمها ابتسمت درية وتراجعت للخلف قليلا وهي تسترجع حالة الشتات التي كانت تعيشها من قبل بعد وفاة زوجها شعرت بالأسف والحزن لرحيله وأحيانا كانت تباغتها نوبات بكاء تنفضها بعقل يخبرها بأنه ليس حبا ولكنه قلقا على مستقبل الأولاد والقلب يأن لأنها بتلك القسوة عاشت سنون عمرها مع رجل لاتستشعر حقا الحزن الدفين لرحيله شعرت بأنها مجرمة وأحيانا أخرى بأنها محقه حتى وصلت بعد معاناة لمرحلة من السلام النفسي وأنه حقا لا بأس بقدر يسير من الأنانية والقسوة كي تتمكن من مواصلة حياتها وتأدية واجباتها تجاه أطفالها ، ولا تعارض بين الوفاء وبين حب الحياة وابتسمت وهي تدندن ذاك اللحن الأثير مستدعية ذكريات الماضي ، فقد كان زوجها على النقيض منها حالم على الدوام متذوقا لأبيات الشعر ، مقدسا لأحرفه ، مستمع جيد للموسيقى بأنواعها وهائم بألحان طوال الوقت تأملتها سالي بتعجب فهي ولأول مرة تتخلى عن وجهتها الباردة بل وتتنازل عن تقطيبة وجهها العابسة ويعلو صوتها بغناء حتى قالت بتزق:


- یااه للدرجادي؟!

فهزت درية رأسها بسرعة نافية وقالت مبررة:
- أصلك بتفكريني بنفسي اتسعت عينا سالي بغیر تصدیق وقالت:
- إزاي ؟
أشاحت لها درية بكفها وقالت:
- مش مهم إزاي لكن الخلاصة ، ماتستعجليش ، تبات نار تصبح رماد وهتلاقي نفسك في الآخر ، هتكون حاجة جديدة عليكي عمرك ما اتعودتي عليها بس صدقيني هترتاحي معاها أوي ومش هتقبلي بحد يغيرهالك كانت سالي تستمع لكلماتها بلهفة لهفة الغريق الذي يبحث عن قشة يتعلق بها ليقف في وجه الأمواج التي تصارعه على حياته لهفة التائه الذي يبحث عن موطأ قدم يشبه مثيله في الماضي ليعود لوطنه وأومأت برأسها وهي تصدق قولها رغم أنها لا تملك أدنى فكرة عما تكون البداية وكيف تكون النهاية هي فقط تصدقها بحدس الأنثي وبحدس الأم الذي تمتلکه استقبلت مكالمته بانزعاج بعد مرور ساعة قبیل انصرافها لمنزلها وهي تقول:
- إزاي يعني ، ما أنا لسه سيباهم مع نعمات وسلمی کانت زي الفل ؟

رد بصوته الهاديء وهو يخبرها:

- مش عارف والله ياسالي دخلت دلوقت اتطمن عليهم لقيتها سخنة وفكرت أبعت أجيب الدكتور بس قلت يمكن أنت اديتيها حاجة وانه دور برد عادي فاتصلت أسألك لململت أشيائها وهي تحدثه بقلق:
- لا ماتجيبش الدكتور وماتديهاش حاجة لحد ما أجي ، أنا مسافة السكة. وعندما وصلت كان الوقت تعدى العاشرة مساءا وأخلدت نعمات للنوم ولم تستطع سؤالها عن حال طفلتها وصعدت الدرجات سريعا نحو غرفة صغيرتها ووقف هو ينتظرها بالخارج وعيناه تلمعان بمكر في الظلام وضعت سالي كفها على وجه صغيرتها ورقبتها واستشعرت حرارتها ثم التفت له قائلة بغيظ هامس:
- حراراتها كويسة جدا ارتفع حاجبيه بدهشة مصطنعة واقترب منها ليضع كفه قائلا بتوجس:
- أكيد؟!

حاسس أنها دافية تهدل كتفيها بتعب ونفثت بضيق وقالت وهي تحاول الانسحاب للخارج فهو يحتبسها بين فراش صغيرتها والحائط المجاور لها:

- زي الفل وأصلا النهاردة كانت بتلعب ومبسوطة ماقعدتش لحظه استيقظت الصغيرة على همس والديها وابتسمت بفرح بعيون لازالت ناعسة وقالت مغمغمة:
- ماما هتبانی معانا في الأوضة ؟
ربنت سالي عليها بحنان وقبلتها وهي تقول:
- أنا قاعدة معاكِ لحد ماترجعي تنامي فردت سلمى بإصرار:

- أحكيلي حدوتة فتنهدت سالي ونظرت بغيظ لجاسر الذي رفع كتفيه وهو يتقمص دور العاجز وانسحب بهدوء ليزيد من حالة الغيظ والغضب التي تكتنفها أضعافا مضاعفة ، ومضت بعدها تسرد لها قصة كما طلبت لعلها تستعيد جفونها الناعسة مرة أخرى وبعد مرور الدقائق الطويلة خرجت سالي من غرفة صغارها بعدما وضعت قبلة دافئة على جبينهما بخطوات حذرة واصطدمت به فجأة وقبل أن تشعر كانت بين ذراعيه العاريان بل نصف جسده العاري واحمرت وجنتها بشدة وتراجعت للخلف وقال بمكر يستحوذ عليه:


- فكرتك لسه جوه ، قلت أخد شاور وأوصلك للبيت بدال ماتروحي لوحدك فغمغمت بضيق وهي تبتعد عنه ولكن إلى أين فهو وللعنة يجيد حصارها فبالخلف الحائط وأمامها هو يقف والماء يقطر من جسده- معايا عربيتي ، ولو سمحت عديني أنا أتأخرت أوي وماما زمانها قلقانة نغمغم بصوت ثقيل الهمس متثاقل:

- وتقلق ليه ؟

أنت هنا مع ولادنا . . . ومعايا وكأنها بحاجة لتتذكر أنها برفقته وبمفردهما في قصر مظلم أفراده بالكامل نائمون حتى لمعت عيناها بغضب والذكرى تعيد فرض نفسها والأجواء متشابهة لحد بعيد لحد مغيظ يشعل الغضب بجوانحها- صح معاك ولوحدنا الاختلاف بس أنه هنا في القصر مش أوضة في فندق ومروة واقفالنا على الباب اتسعت عيناه بدهشة والغضب تشكل تلك المرة بحنايا وجهه وهو لايصدق أنه كان بهذا الغباء عندما استدرجها تلك الليلة فهو أراد أن يشعرها بالذنب قليلا وأن يتلاعب على أوتار الحنين والرغبة بالأنثي داخلها أن يرسم لها ملامح ماضي كانت فيه تستقر بالجوار القريب جدا من أطفالهما حد الاطمئنان عليهما كل دقيقة إن رغبت لا أن يرسم لها خطة مثيلة دنيئة خطط لها عقله الملتو بلحظة غرور وأنانية لم يمر بها من قبل أو من بعد فرفع يده ليهدئها وهي تجتازه قائلة بغضبها الأعمى غير عابئة بصوتها الذي كان يعلو:


- يمكن فعلا في كل مرة بتقدر تجيبني لحد عندك واتحط أنا في موقف أضطر فيه أني أرضخ وأنخ وأرضى في النهاية ، لكن مش المرادي يا جاسر ، سالي القديمة ماتت وأنت اللي دفنتها أراد اللحاق بها أن يبرر وربما يعتذر ولكنه وقف کتمثال من الرخام جامدا والذي يتحرك بداخله هو بركان من الغضب الخالص وهو يطالع انصرافها وداخله يقسم أنه سيستعيدها حتى وإن أبت وسيوقظ تلك التي توارت تحت الثرى لتعود القديمة أو الجديدة هو لا يبالي هي فقط يجب أن تعود وعادت هي للمنزل الهادیء وداخلها لايزال يضج بأنين الذكريات المتواردة على ذهنها تحي غضبها ألف مرة وتميته بالكاد مرة كل شيء مباح في الحرب والحب- هه حب !


همست لنفسها ساخرة كلمة مستهلكة حتى صارت كالرقعة البالية التي تنظف مساویء أفعاله وجنون كبرياؤه وحمقاء هي إن انساقت خلفها وخلف ما تمنيه نفسها من وراء آمالها بشأنه.


واستيقظت العروس والصباح أبيض مشرق کفستانها الذي يلمع بفصوصه تحت أشعة شروق الشمس البراقة وهي مجرد ساعات ودقائق وتعود لأحضان حبيبها حبيبها المجنون الذي أصر على زفاف في العاشرة صباحا على ضفاف نهر أسوان الرقراق وتكبد تكاليف تذاكر سفر للمقربين فضلا عن تكاليف استئجار حديقة الفندق الأشهر ليقيم الزفاف في الهواء الطلق حرية ونسيم منعش وورودا تتفتح وبراعم نخیل تزهر يعدها بأن تكون تلك حياتهما القادمة ولولا صلة الصداقة التي تجمعهما وأنها لاتنكر فضلها عليها بالماضي لما حضرت اليوم فهي لا تتحشاه هي فقط لا تطيق التواجد بالقرب منه حتى وإن جمعهما الأطفال رغما عنها وصلت بالأمس بعد السادسة واستقبلها صغارها ببهو الفندق بصراخ وتهليل يعبر عن سعادتهما واطمأن هو أنهما برفقتها وانسحب دون حتى أن يلقي السلام عليها فهو رأى بنفسه حركات جسدها المتشنجة بوجوده والنفور من مجرد الاقتراب فرفض بالمقابل دفع مزيدا من الخطوات تجاهها بغرور ذكروري بحت واختفى ومكث الطفلان بصحبتها بل وأخلدا للنوم بفراشها ليلا بعدما أحضرت إحدى العاملات منامات نظيفة وملابس الحفل القريب دون حتى أن تطلب فخمنت أنه من قام باستدعائها وهاهي تمشط شعر صغيرتها الناعم بعدما ألبستها ثوبها الأبيض ذو الشريط العريض القرمزي والتفتت للآخر العنيد الذي أصر على إرتداء حلته في الحمام ثم خرج بكامل هيئته وبهائه وشعره مصفف بعناية وقفت تراقب حركاته المتأنية كأنما تشاهد أبيه بسنوات عمره الأولى لا فارق بينهما عدا أن عيناه الرمادية تشعان بالدفء لها عندما رفع رأسه ليجدها تراقبه واحمرت وجنتاه بخجل طفولي يمتلکه قسرا:


- مالك يا ماما بتبوصيلي كده ليه ؟

فابتسمت له بحنانها الفطري:
- زي البدر المنور ربي يحرسك فهتفت سلمى بغيظ:
- وأنا إيه مش حلوة زيه ؟
فقرصتها سالي من خدها الناعم برفق قائلة:

- هوا البدر وأنت الشمس يا لمضة أتمت وضع اللمسات النهائية على زينتها البسيطة وخرجت من الغرفة وهي تتهادى بثوبها الأزرق الرقيق والمزدان بورود بيضاء وفصوص لؤلؤية متناهية الصغر برفقة صغارها وما لم تحسب حسبانه أن يكون هو بانتظارهما أمام المصعد بربطة عنق زرقاء وسترة كحلية اللون تعلو قميصا ناصع البياض فابتسم بمكر لها وهو يتقدم منها حاملا صغيرته التي وضعت قبلة طويلة على وجنته و ربت هو على كتف صغيره بحنان بالغ وبعد قليل خرجا من المصعد بمفردهما كأسرة سعيدة لم تفترق يوما الأب يحمل الصغيرة الشقية والأم تسير برفقة الصغير الأكبر الذي حظي برعايتها منذ أيامه الأولى حتى اليوم واستقبلهما المقربون بنظرات دهشة وعيون متسعة حتى تعالی صوت إحدى النسوة بالتهنئة والمباركة وتوالت العشرات عليهما واستقبلتها سالي بجبين منعقد وهي لاتدري سر تلك الحرارة في التهنئة التي يتقبلها جاسر بكل هذا الود والألفة فاليوم زفاف زیاد وآشري ولكنها كانت ترجح أنه يستقبل التهاني بزفاف أخيه ولا غضاضة في ذلك حتى سمعته يبرر لأحداهن تغمزهما بضحكة هيسترية بعض الشيء قائلا:


- يعني النهاردة أصلها فرحة زياد وعندها توقفت عن الظن الساذج التي تزينه طيبتها المبالغة واحمرت وجنتيها بغضب فسرته المرأة بخجل عروس لا مبرر له وقالت وهي تقبض على كفها هامسة بنشوة:


- أيوا کده جدعة ماسيبتهوش للتانية تلهفه منك ومن ولادك والتفتت له وحدقت به بغضبها المحترق وبسمته الواسعة تزین وجهه كزوج راض سعيد بعودتهما لأحضان عشهما الدافيء وسارت مبتعدة عنه ولكن إلى أين فلقد لحق بها وكذلك صغارهما وتوقفت هي عند الطاولة التي تحمل مشروبات منعشة وتجرعت نصف الكأس دفعة واحدة حتى أنهته واتبعته بآخر علها تطفيء النيران المستعرة بجوانحها هكذا هو ودون حتى أن يبذل جهدا أيا كان مقداره يجيد حياكة الخطط وربط الخيوط وإحكامها حولها ليصنع بها فخا يقبع بأعماقه آخر وآخر والسلسلة لا متناهية ولا منتهية وهي كالعروس الضعيفة مصنوعة من ورقة هشة تغدو بها الرياح وتعدو لتعود مرة بعد الأخرى خلف أسوار حصنه المنيع وتحت شعار ملكية لن تزول والاسم ل جاسر سليم عدا أنها تلك المرة في نظر البعض إن لم يكن معظمهم ، ناجحة ومسيطرة فهي استعادته من قبضة الأخرى السارقة ورقة اليناصيب الثمينة وهي الفائزة ، الجائزة التي يجب أن تتبارى عليها النساء هي من تخلت وهي من سعت للعودة ، ويالها من محظوظة إذ حازت عليه أخيرا ومن يدري ومن يعلم ومن حقا يعرف أنه كاليم الغادر بصفحته الهادئة الخادعة وأمواجه كاسحة في لحظة أو نارا لن تنطفىء نار الشك والغيرة والسيطرة التي كانت ولا زالت تحرقها وراحة لم تنالها بقربه ولا ببعده وسرابا دوما.


كان يمنيها ببحيرة لا تظمأ بعدها أبدا وهي الظمأی حتى وإن كانت على مجرى نهر عاذب ووقف هو يراقب انفعالات جسدها الذي كان ينتفض بغضبه والتفتت له بعيون دامعة أثارت ضيقه وحيرته ووجهها يحمل معان غامضة ، وقف عاجزا أمامها لم يستطع فهمها وصوت تنفسها يعلو كصدرها الذي لا يهدیء واستشعر الصغار غضب أمهم بحدسهم البريء فاقتربوا منها يشدون كفيها ووقف هو كمن ينتظر إما حكما بالإعدام أو العفو حتى اقتربت منه وقالت بهمس لم يسمعه سواه تدندن بلحن حميم قريب وعيناها تتحاشان الاقتراب من مرصده:


- فاكرة أنا ناسية وفاكرة حتى استطاعت رفع عيناها نحوه ولكنها ولسوء حظه محملة بقسوة لم يبصرها بهما من قبل:

- بس أنا الحقيقة فاكرة وكويس أوري وعاملة نفسي ناسية والتفتت حولها وعقلها لا إراديا يعقد تلك المقارنة العادلة والمجحفة بالوقت ذاته جمهور مختلف تلك المرة والمشهد بمنتصف النهار بأرض قريبة للغاية والنتيجة عودة لزواج جبرية بحكم الظنون والحكمة الأثيرة تتردد في عقلها " إن خدعتني مرة عار عليك ، وإن خدعتني الثانية عار علي " وتلك المرة لن تنساق خلف الظنون ولن تجبرها للعودة تحت رايته وسار هو لجوارها صامتا ولكن وجهه لازال يحمل علامات التساؤل وعقله غائب في احتمالات بعيدة كل البعد عن مرسی أفكارها بشأنهما فما الذي تحاول تناسيه ذكرياتهما سويا ، ماكانت يوما حياتهما ؟

هل تحاول بالفعل تناسي الماضي ولكنها لن تستطيع؟!

أسئلة طحنت الباقية المتبقية من صبره فأمسك ذراعها بحزم ليوقفها هو بحاجة لإجابة شافية حتى لو لم تكن على هواه وصوته ينفث الغضب والقلق والحيرة:
- ولحد إمتى الحيرة دي يا سالي ، أنت أمتی تنسي وتسامحي ؟
بتلك البساطة الحياة في نظر جاسر سليم كل مايريد وجل مايريد يكمن بإشارة من إصبعه تمحو ماضيا تطفىء غضبا تمر بذكريات مريرة مرور الكرام ولا يجب أن تستوقفها تلك المرارة ولا أن تنغص عليه هو الباقية من عمره هي بئره الذي يجب أن يبتلع كل شحنات غضبه ورعونة كبريائه وصلفه وغروره والبئر سحيق لا قرار له والحيرة المشتعلة بعيناه ووجهه الذي يبدو كأنما ينتظر حكما بالإعدام نجحا في تهدئتها ، فاكتفت ببسمة ودودة للجمع حولهما الذين انشغلو عن مراسم الزفاف السعيد ليراقبا الاثنان الغارقان في دوامة مشاعر لانهاية لها وجسديهما ينضحان بالتوتر ونسمات الهواء هي بالفعل مشتعلة من حولهما ولوحت لاشري بتلك الابتسامة الرقيقة وسارت نحوها تاركة إياه خلفها وصغارهما يلهوان سويا دون أن ينتبها للحرب المشتعلة بدواخلهم وضعت قبلة باردة على وجنة اشري المشتعلة بخجلها وتمنت لها السعادة وتركت الحفل وبقي هو يراقب تحركاتها بقلق مضاعف ولأول مرة بحياته يشعر فعليا بالخوف لقد فقدها حقا ولن يكون هناك سبيلا لاستعادتها إذ تمسك برعونة غروره وكبريائه العقيم لقد نفذ مخزونه من الخطط المدروسة وعليه الآن الإذعان التام وإعلان الخسارة.

ومر الزفاف كنسيم الصباح مفعما بمشاعر الدفء والحب التي تزین وجه العروسين والعريس السعيد لم يتمهل إذ اختطف عروسه على متن قارب كان يرقد على ضفاف النيل لمكان غير معلوم كذلك كان الأوسط يخطو بخطواته نحو مستقبله إذ لمح وجها أنثويا مألوفا للغاية كانت تأشيرة دخوله في اليوم التالي لغرفة واسعة من جدران أربعة والرفقة كانت المجموعة من نساء ورجال والمسميات عديدة علاج جماعي ، حلقات علاج نفسية أو تریاق ، تریاق روحه للتخلص من آلآم وأشباح الماضي ترأسها هي الطبيبة النفسية الشهيرة ومرة أخرى ترتكز بأبصارها عليه وهي لا تنفك عن المحاولة الدؤوب فهو عازم على التواري خلف قناع المسمتع الذي لا يمل لا ينبت بحرف ولا يصرح عما يدور بخلده ومع ذلك لا يفوت حلقة ولا ميعادا واحدا للقاء اليومي إلى الآن وصوتها تلك المرة حازما ولن يقبل بالهروب إذ قالت بتهدید صریح:

- ماهو ماينفعش الكل يتعرى من أوجاعه وأنت تفضل متمسك بيها وتيجي كل يوم وماتشاركناش رفع عيون حذرة وقال بهدوء:

- أنا بس ، حاسس إني اللي هقوله تافه بالمقارنة بيهم ، نيفين مثلا مريضة سرطان وجوزها أتخلى عنها بعد ما صرفت كل اللي فلوسها على مشروعه وأمجد . . قاطعته بنفاذ صبر محترف:

- نيفين وأمجد والباقية هنا جايين يتشاركوا ، أنت يا أسامة عندك إيه النهاردة تشاركنا بيه ؟
وضعت نيفين تلك الرقيقة رغم المرض الذي يتاكلها كفها فوق کفه وقالت مشجعة له:
- أنا عاوزة أسمعك ، كلنا . . ده حقك علينا عبس بحاجبيه ودمعت عيناه رغما عنه وقال بصوت مبحوح وأقرها وللمرة الأولى بصوت مرتفع وشعر بعدها أنه تحرر ولو لوقت ضئيل:

- أنا قتلت مراتي وبنتي ودون أن يدري تخلص بالمرارة العالقة بحنجرته رغم مرور الشهور وأخيرا زالت غصته وبات قادرا على التنفس بشكل يسير ومضى يسرد اعترافه لآخره الذي لا يتمنی بعده عفوا     في اليوم التالي لزفاف آشري وزياد وجدت بمكتبها أو إن صح القول من بداية الممر المؤدي لمكتبها بالمركز الخيري وصولا لغرفتها زهور الجوري الأبيض وكلمة بسيطة خطت بيده فوق ورقة صغيرة " آسف " ونظرة ماكرة من عيون درية لم تخفيها عويناتها السميكة وهمس خصته لأذنيها:

- وأنا اللي عمري ما فكرت أنه ممكن ينطقها حتى فهزت سالي رأسها بسخرية مريرة وألقت بالوريقة بعيدا دون اهتمام قائلة:

- ده العادي بتاع جاسر مستعد يعمل أي حاجة عشان يوصل للي عاوزه وبعد أسبوعان من مراسلات يومية بزهوره التي لم تنقص يوما والتي لم تتوان هي عن إرسالها يوما بعد يوم لملجيء لكبار السن قريب ، وجدته بمكتبها بشحمه ولحمه ويبدو أنه لن يتراجع غير أن نبرة الهدنة بصوته جعلتها تستمع له بعد أن كانت على وشك طرده دون هواده والعرض كان المبلغ مالي هائل للتبرع فارتسمت ابتسامتها الساخرة بركن فمها المتنزوي لأعلى وقالت:

- یعني مكلف نفسك وجاي لحد هنا والتبرع كان ممكن يتم عن طريق البنك أو مندوب مثلا و هز رأسه ولأول مرة بحياته ربما يقر:
- أنا جيت أعتذرلك عن يوم الفرح ، الشيك ده كان من فترة معايا حتى شوفي التاريخ اللي عليه مرت بسرعة على الشيك المخطوط من أسبوع ماض وقالت دون إهتمام:
- تعتذر عن إيه ؟

فقال بخجل:

- عن سوء الفهم اللي حصل قاطعته هازئة:
- قال يعني ماكنش قصدك فاقترب منها وعيناه تحيطها:
- لاء كان قصدي ، بس كان سوء تصرف مني بعتذر عنه هي لم تعهده صریحا إلا لغرض فقالت بنفاذ صبر غاضب فهی لن تتحمل تبدل أدوارهما فهو كالحمل الوديع وهي المستذئب بليل أسود:
- ادخل في الموضوع على طول یا جاسر ، جاي عاوز إيه ؟
فابتسم وقال بهدوء:
- ممكن أشرب الشاي عندكوا النهاردة فهزت كتفيها هازئة:

- ليه ماعندكوش في القصر ظل يرمقها بتلك النظرة التي كانت دوما تثير حنقها نظرة الأب الصبور والخائب أمله بطفلته العنيدة التي أساءت كعادتها التصرف فقام وأحكم غلق سترته وقال دون أن ينتظر إجابة:

- الساعة سبعه النهاردة هكون عندكوا     القدر بالفعل له طرقه ونحن من نصنعها ونلوم عليه نتيجة المسار غير أنها في تلك اللحظة لن تلوم سوى نفسها إن عادت لعهدها القديم معه الأطفال بغرفتهم بمنزل والدها والساعة السابعة كما هو الموعد وهاهو يقف بباب بيتهم المتواضع وأمها تستقبله بابتسامة متجمدة فابنتها كمن تخوض حربا وليس مشروع زواج وعودة لأحضان بيتها كما تأمل وتتمني وهي كأي أم القلق والخوف حق مشروع لها حتى آخر أنفاسها وعندما جلسوا في صالون المنزل كانت نبرتها العاجزة تخبرانه:

- وإيه اللي يضمنلي تحافظ عليها تاني يا جاسر ؟

نظر للتي تلبست الصمت فصار ردائها وقال مطمئنا بصدق ، فالكبرياء والعند لن ينقذانه:
- عشان أنا أول حد اتجرح يوم ما فرطت فيها وجرحت ولادي معايا وعندما شعرت أمها بالراحة أخيرا انتفضت هي وقالت بعنف لا مبرر له:
- ماما لو سمحتي سيبينا لوحدنا شوية هزت مجيدة رأسها بإذعان وقالت:
- هسيبكم براحتكم وربنا يهدي سركم وقف جاسر احتراما لها وكانت هي متجمدة بمكانها وعيناها كالصقر فوق رأسه فابتسم لها وقال:
- حاسس زي ماكون تلميذ مستني العقاب ولم تنال البسمة من شفتيها ولا حتى بملمح ساخر كما كان يأمل على أقل تقدير ولكنها هزت رأسها وقالت مقرة:
- فعلا ، أنت ليك عقاب ولسه ما أخدتوش ، أوعى تكون افتكرت أنه اتضحك عليا بالكلمتين الحلوين اللي طمنوا قلب مجيدة ، أنا اللي عاشرتك وأنا اللي عارفاك أكثر من أي حد تاني فتنحنح قائلا:

- بس أنا اتغيرت يا سالي هزت رأسها وقالت بنفي قاطع:

- لاء ما اتغيرتش ، ده اللي انت بتحاول توهم نفسك بيه وبالتالي ماليش حجة فتنهد قائلا:
- تفتكري لو ماكنتش اتغيرت كنت جيت لحد عندك واعترفت قدام والدتك بغلطتي فابتسمت وتلك المرة بملامح سخرية خالصة:
- ده مجرد تنازل وقتي عن غرور متأصل فيك زي الشجرة اللي جدرها ضارب السابع أرض فتغضنت ملامح وجهه بالألم:
- يا اه للدرجادي أنا كده أقرت بهدوء قاس حاسم:
- وأكتر . أنت بس مستني أرجع وهترجع أنت كمان- جاسر العنيد اللي مافيش حاجة ترضيه غير دماغه الناشفة واللي عشانها يعمل أي حاجة في أي حد والمبررات موجودة ومقنعة لیه هوا لوحده وده لوحده كفاية فقال معترضا:
- وولادنا وأخواتي وأنت؟!
رفعت له سبابتها وقالت:

- صح ، کده الترتيب تمام مظبوط بالحرف وأنا اللي في الآخر ثم ابتسمت بل وضحكت وقالت هازئة:

- وتقولي اتغيرت ! فهز رأسه نافيا وتقدم نحوها بجسده وجلس في المقعد المجاور لها وقال بصوت خفيض وهو يعلنها لأول مرة بوضوح:
- لأن دول تكويني وأنت جزء لا يتجزأ من تكويني اللي مالهوش أي ترتيب مجرد ضلع بنقص . . . . . . . وهز رأسه بتيه استشعره لمجرد الفكرة بخاطره وقال بعدها هامسا بصوت متحشرج:

- . . . . . . يعني ضياع لين اجتاح ملامح وجهها واستطاعت السيطرة عليه في غضون ثوان بقسوة رسمتها بوضوح على معالمه وقالت بغتة:

- الشرط الأول رجوعنا صوري ، على ورق مالكش عندي أي حقوق زوجية ولم تبالي بمعالم الألم المندهش لقسوة كلماتها التي تخبره أنها ماعادت تطيق قربه ولا حتى لمسته وتابعت بنفس النبرة الجامدة- الشرط التاني هفضل اشتغل ومش هسيب شغلي تحت أي ضغط مهما كان وصمتت وهي تراقب ردة فعله ولكن وجهه تحلى بقناع مظلم متماسك كلماتها فقال ببرود متسائلا:

- والشرط التالت؟!

 تعالت دقات قلبها وهي تسرده عليه وعقلها لمجرد فقط الخيالات التي تغتاله جعل من التنفس أمرا مستحيلا:
- هرجع أعيش معاك في القصر بشرط العفش كله يتغير لم تشعر يوما بضرورة تلك الأمور التافهة بأنظارها فهي مجرد جمادات خشبية لاروح فيها ولا حياة ولكنها الآن باتت تحمل لمسات أخرى تنقلت بين جنباتها ووضعت معظمها بغرفة نومها وعلى جسده الذي أصبحت لا تطيق الاقتراب منه حتى حملت بأحشائها جنينا لاذنب له سوى أنه كان نتيجة لتقارب حميمي يشعل النيران بوجدانها كلما يمر واقعه بطيف خيالها كان ينظر لها أو بالأصح يراقبها وسادت فترة صمت طويل بينهما حتی قطعه قائلا:
- خلصتي شروطك ؟

فهزت رأسها بإذعان وهي لا تقوى على الحديث عندها قال:

- أنا هنفذلك كل شروطك ياسالي بس عاوز أعرف ليه موافقه ترجعي وأنت حتی کارهه لمستي؟!
وترقرت الدموع بعيناها حتى قالت بصوت منکسر:
- لأنك ماكرهتش لمسة غيري فهز رأسه متفهما وقال بعد برهة:
- وده عقابي مش كده فهمست بغل مشتعل بقلبها رغما عنها:
- ویاریته كان كافي وعندها هم بالانصراف وعدل من سترته قبل أن يختفي وقبل أن تعالجه هي بضربة أخرى لم يحسب حسبانها:
- معتصم هيكون وكيلي فالتفت لها وقال مغتاظا:

- أظن كده كفيتي ووفيتي يابنت محسن الطيب فابتسمت ساخرة منه:

- ماقولتلك ماتت وأنت اللي دفنتها فهز رأسه نافيا:
- مهما أعمل ، هتفضل كل ذكرى حلوة جواكي سيبهالك هيا اللي تسيطر عليك لآخر وقت وعاد والدها لحياتها مقتحما فهو لن يترك وحيدته في مهب رياح الحياة بمفردها وإن رفضت الاقتران بآخر فلا بأس فسيظل هو يحاوطها وصغارها بالرعاية رغما عن رأسها العنيد وتلك المرة استجابت لتدخله بغير اعتراض بل أطاعته عندما أخبرها بضرورة ترك الكبير يخوض دراسته فيما وراء البحار كما يشاء فهي لن تستطيع حبسه البقية المتبقية من عمره حتى وإن بذلت في سبيل ذلك كل الطرق وأن قلقها لن يتلاشي ولن يندثر حتى وإن كبر في أحضانها فالأفضل أن تدعه يشق مستقبله كما يشاء وهمس لها باعتذار متأخر:

- ماتكرریش نفس غلطاتي معاكي يادرية ، سيبي الولد يشوف مستقبله وأقلعت الطائرة نحو الأراضي الألمانية ليدرس كبيرها الهندسة التي وقع بغرامها كأبيه ومضت هي بخطوات متثاقلة برفقة أبيها وصغيرها والأوسط نحو الخارج وارتطمت أبصارها بالعائد لتوه من شهر العسل برفقة عروسه الفاتنة التي تتبطأ ذراعه وهتف بها غير مصدقا:

- مدام درية ! فاقتربت منه مهنئة رغم الدموع المحتبسة بعيناها لفراق ابنها:
- أزيك يا زياد . . ألف مبروك مد يده ليصافحها والتفت لأشري وقال:
- مدام درية كانت مديرة مكتب جاسر فهزت آشري رأسها وابتسمت لها:
- أخيرا اتشرفت بيك سالي مالهاش سيرة غير عنك فعقد زیاد حاجبيه وقال بإندهاش:
- سالي؟!

تنحنحت درية وهي تلتفت لأبيها الذي ينتظرها على مقربة منها وقالت:

- أنا أصلي سيبت الشغل من فترة مع جاسر وحاليا بساعد سالي في المركز الخيري فالتفت لآشري قائلا:
- آه ، واضح أنه في تفاصيل كتير فاتتني وأنا مسافر ورفع يده ليحي أسامة الذي كان ينتظره ليقله هو وعروسه لبيتهما والذي تفاجيء بوجود درية بصحبتهما فاقترب منهم بخطوات حذرة مخافة أن يثير ضيقها قائلا بصوته الرخيم العذب:

- حمدالله على السلامة فتوترت خجلاتها إذ تبعثرت النسمات حولها بذبذبات صوته الذي لم تنساه يوما والتفتت رغما عنها وعيناها تبحثان عن أبيها الذي قرر ولسوء حظها التقدم والتعرف على صحبة ابنته الغامضة كم من الوقت مر یا ترى ؟


سؤال لم تجد له إجابة شافية وهي ساكنة في سيارة والدها والذي كان يثرثر لوقت مع حفيديه مسترجعة لحظات اللقاء المشحون الذي عاشته منذ قليل ربما تحدث الجميع وبالأخص والدها الذي اندفع لتهنئة العروسين بعد أن علم الصلة التي تجمعهما بابنته ولكنها هي وهو أيضا كانا ساكنين وبعتاب عيناه تاهت وهي العنيدة المتشبثة برأيها وقراراها أيا ما كان حتى لو كن خاطئا وهي تعلم علم اليقين أنها مخطئة والسيء أنه أيضا يعلم والأسوء بنظرها أنه لن يتحرك ليثنيها عن رأيها وكم تمنت لو فقط تحرك تلك هي الأنثى أحيانا تغضب حينما لا تؤخذ على محمل الجد وتغضب بحق إن أخذت.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثلاثون والأخير

عادت لايهم كيف عادت الأهم أنها عادت ولم تعد وهو للآن يحاول التحلي بالصبر حتى تعود حقا ، لكنها يبدو أنها مصرة على استنفاذ قوته ومخزونه من الصبر بل وابتلاعه كله والدليل عيناه المتسعة ببؤتهما المتقدة بغضبه والذي تعجز الأحرف عن وصفه نقص الشعر الطويل من المحرمات التي يجب أن يعاقب عليها القانون المحلي والدولي غير أنه لا توجد على الأرض تلك القاعدة سوى برأسه العنيد الذي اشتعل بغضب لم تختبره من قبل إذ صدح صوته الهادر يهز جنبات الغرفة وهو يراقب خصلاتها التي تقاصرت حتى بالكاد وصلت لحدود كتفيها:


- إنت إزاي تقصي شعرك منغير إذني ؟

لوهلة شعرت بالرعب وارتعدت مفاصلها ولكنها تشبثت بالغضب وذكرياتها المؤلمة لترد بعند وبجرأة أصبح يمقتها:
- ده اسمه شعري أنا ، يعني ببساطة يخصني أنا فاقترب منها والرماد اشتعل وماعاد رمادا بل عيون محمرة بأنفاس متسارعة ولهيبها يتصاعد إذ قبض على ذراعها بقوة ونبرة صوته تهددها بعدم التمادي:

- في دي بالذات ترجعيلي ومن هنا ورايح مافيش حاجة اسمها يخصك ومش يخصك ، أنا هنا اللي أقول وأنت تنفذي وسقط أول بيدق في معركتها معه والخاسر هو إذ ربحت الرهان هو جاسر وإن تلبسته هيئة سبعة حملان والتمع بذهنها سؤال ساخر لماذا لم تسميه أمه آمر بدلا من جاسر؟!

جذبت ذراعها منه بقوة وقالت بهدوء:
- ما أنا بنفذ فعلا ياجاسر أنت اللي شكلك نسيت ، نسیت اتفاقنا وقالتها بحدة لا تقبل النقاش:
- رجوعنا صوري نقطة ومن أول السطر فهتف حانقا وقال بنفس الاشتعال وربما أكثر قليلا فعبارتها المستفزة لم تساهم بدرء ولو القليل من غضبه:
- لكن ده مایعنیش إني بقيت طرطور يا هانم عقدت ذراعيها في إشارة جسديه بالغة الوضوح أنها رغما عنها تشدو الحماية من سيل غضبه العارم وقالت بأنفاس متوترة:
- أنا على عكسك ملتزمة بإتفاقنا فهتف زاعقا:

- مش ده اللي اتفقت معاكي عليه فصرخت فيه بغضبها الدفين هي الأخرى:

- مجرد بیزنس ياسالي وفي الآخر حملت من الهوا مش كده ، مش ده كان اتفاق برضه وخلفته ارتسمت الحيرة على ملاح وجهه حتى قال ضائقا:
- أيه اللي دخل ده في ده دلوقت؟!
تماسكت أو بمعنى أدق حاولت وابتعدت وأشاحت بوجهها بعيدا عنه:

- أنا ملتزمة باتفاقي معاك وأنا حره في اللي يخصني اخترق بأنامله شعر رأسه الكثيف وتدلی كتفيه بتعب وقال هامسا- ليه بتعملي كده ؟

ليه كل ما أحاول اقرب منك وأعمل أي حاجة بتبعدي وتحسسيني أنها منقوصة وتجيبي اللي فات يوجعك ويوجعني وانفجرت أنهار الدمع بعيناها وباتت جفونها غير قادرة على السيطرة فتركتها تنهمر على صفحة وجهها وقالت والرجفة تتملك جسدها:

- لأن كل حاجة منقوصة ، اعتذارك منقوص ، ندمك منقوص ، إحساسك بغلطك في حقي وجرحي منقوص فاقترب بها وأمسك بذراعيها وقال دون أن يفكر:

- ليه مش عاوزة تفهمي ، أنا واحد صحیح بيكي منغيرك أنا كلي منقوص هزت رأسها رافضة ذاك التقرب وذاك الإعلان الصادق والنابع من أعماق قلبه رغما عنه بلحظة ضعف اغتالت تماسكه وقالت:

- مش هاسمحلك توجعني ولا تكسرني تاني ومع مرور الوقت هترجع جاسر القديم ، كلها أيام وترجع أنا عارفة     المكر لم يكن يوما من صفاتها ولكنها تغيرت ولو لشيء يسير إذ اكتشفت ميزاته العديدة فمنذ أيام أشعلت النيران بعقله دون أن تدري ، إذ ردت التحية على عاصم ذاك المعجب الولهان بعفوية مطلقة أثناء تناولهما العشاء بإحدى المطاعم ولاحظ هو نظرات ذاك الأخير والتي كادت أن تلتهما رغم أن طبقه محملا بأشهى المأكولات عادا بعدها لبيتهما وصوته تغتاله تلك الغيرة الحانقة واسترضته بدلالها ولم يرضى حتى طلوع الشمس والمكر عند النساء كخلطة سرية وإحدى وصفاته " الجمل العرضية والتي تبدو في هيئتها بريئة تماما- فيه أخبار عن أسامة؟!


والحديث تتابع بعدها حتى اجتمع الاسمان في جملة عرضية " أسامة ومدام درية " الاحتفاظ باللقب الرسمي من متممات الوصفة- ماتيجي نعزمهم ونعزم جاسر وسالي ، مايصحش احنا رجعنا من السفر بقالنا مدة ومن قال أن المكر وليد عقل الأنثى دون الذكر أيضا فتمتم لها مشاكسا:

- شكلك فاهم يانصة هي كانت بزيارة قريبة للمركز الخيري وبالطبع شخصية فريدة كشخصية درية لفتت أنظارها کمرأة محنكة لها باع في تقدير أشخاص مثلها حتى أنها عرضت عليها شراكة عمل " مکتب محاسبة لكبرى الشركات " تديره درية ببراعتها المعهودة وكبراعتها في اكتشاف مواهب فذة كذلك براعتها في نبش خبايا الأفكار والقلوب خاصة مع اختلاج نظرات درية وحركات جسدها المتوترة عندما مر ذكر أسامة العرضي بحديث لها مع سالي ضحكت واعترفت ببرائتها التي يدمنها:
- نفسي الكل يعيش نفس حالتنا فاحتضن كتفها وهمس بعشق جوار أذنها وهوي طبع قبلة على جیدها:

- صعب حالتنا تتكرر . . . حبنا غير وكعادتها كما هي دوما قطبت جبينها دون فهم:

- یعني إيه . . كمل . . . غير إيه ؟
فرفع أنظاره للأعلى دون حيلة وقال:
- فصيلة .

والجمع كان بمنزل العائلة الصيفي بوقت الظهيرة ولولا تعالي ضحكات الصغار وسعادة سليم التي لا تقارن إذ وجد صحبة أيهم مسلية للغاية لظنت آشري أن فكرتها كانت لجمع عزاء وليس لصحبة سعيدة وحفل شواء استرقت الأنظار لدرية التي التصقت بسالي عندما علمت بتواجد أسامة وداخلها يلعن ألف مرة رغبتها الرعناء من التهرب من أبيها ودعوته لها بصحبته هو وزوجته متعللة له بتلك الدعوة التي لم تكن تنوي حقا قبولها ولكنه هو من دفعها لقبولها بإصراره فإما الذهاب معه أو مع رئيستها خاصة مع غياب الأوسط بمعسكر رياضي والصغير يكاد يجن من الوحدة وعدم ممارسة أي نشاط ترفيهي يكاد يودي به وبها أيضا للجنون همست آشري لزياد حانقة:


- هو جاسر ماله ، من ساعة ماجه . . سجاير كتير وقاعد مع أسامة وسايب سالي تولی زیاد تسوية اللحم قائلا بنزق:

- أنت كده هتحرقي الأكل على فكرة ترکت آشري موقعها قائلة بحنق:
- شوف أنت فين وأنا فين فلم يتماسك نفسه إذ قال ضاحكا:
- اسمها شوف أنت في إيه وأنا في إيه وعندما لمح تصاعد لهيب خديها بغضب رفع كفه مستسلما بضحك:
- خلاص ، خلاص أنا هتصرف ترکها واتجه نحو أخويه قائلا بضيق:
- هيا غلطتي فعلا ، عريس راجع من شهر العسل اعزم شلة المتنکدین دي ليه فابتسم أسامة قائلا:
- عايش الدور بجد فهز كتفه مستنكرا:

- طبعا أومال افضل منكد على نفسي زيك أنت وأخوك ألقى جاسر بسيجاره قائلا بترفع:

- ومين قالك أني متنكد أنا الحمد لله كويس جدا فرفع زیاد نظارته الشمسية وقال وهو يرتكز بأنظاره علي سالي التي كانت تجلس بصحبة درية في الجهة المقابلة:
- وعشان كده أنت ومراتك كل واحد فيكو في ناحية ، ماشي أنا هاخد أسامة وننزل الماية وبراحتك أنت بقا فاعترض أسامة قائلا:
- ومين قالك أني هنزل ؟
فجذبه من كتفه وسار به قائلا بمكر هامس:
- هتنزل یا أسامة وهتاخد بالك من ابن درية وأنا هاخد بالي من ولاد أخوك فابتسم أسامة رغما عنه وألقي نظرة على جمع الصغار الخائفين من خوض المياة تحت نظرات المنع شديدة الوطأة من أمهاتهم المحذرات بدورهن ، فشعر بقلبه يلين خاصة مع نظرات أيهم الماكرة إذ يحاول الفرار من ذلك الحصار بشتى الطرق تارة بالتعلل بمليء الدلو بالماء وتارة أخرى بغسله- هاه فكرتي وقررتي ولا لسه ابتسمت لها درية وقالت لسالي التي عقدت حاجبيها دون فهم إزاء کلمات آشري المقتحمة لحديثهما:
- آشري عرضت عليا ندخل شركة في مكتب محاسبة فالتفتت آشري لسالي قائلة:

- ده بعد إذنك يعني فرفعت سالي يدها باستسلام:

- صراحة مجهودك تشكري عليه يادرية وأنا أتمنالك كل خير وكالصقر عندما يقتنص فريسته قالت آشري بنصر:
- أظن كده مالكيش حجة فأقرت درية بإبتسامة:
- لأ ماليش فصافحتها آشري بجدية قائلة:
deal- ثم ابتعدت بأنظارها عنها وأردفت بمكر:
- وكده مالكيش حجه عند أيهم ، أسامة وزياد هياخدوا الولاد وينزلوهم البحر كانت مدركة لحرارة خديها التي أخذت في الارتفاع ولكنها بكبرياء سارت نحوه غير عابئة بهيئته المثيرة ببزة السباحة وصوتها يعلو لأيهم بالتوقف فاقترب منها هو مبتسما بهدوء:
- حرام يفضل قاعد يلعب على الرمله وبس فتشبثت بعندها:

- هو جاي وعارف أنه هيقعد على الرمله فردد هو:

- ده طفل ! طبيعي يضعف ويرجع في كلامه فقالت بإصرار:
- أنا بربي راجل فقال هامسا:
- حتى الراجل بيضعف وبيرجع في كلامه وباستهانتها للفكرة قالت:
- مايبقاش راجل ساعتها فقال غاضبا:
- ولو كان غلطان ورجع في كلامه واعتذر ، مايبقاش راجل برضه؟!
وترجعوا تلوموا على الراجل أذيته وأنت اللي بتربيه على الكبر والعند ارتفع حاجبيها وقالت بنزق:
- أنا مش فاهمة أنت إزاي وصلت الكلام لكدة ؟
فهز رأسه نافيا وقال لها وهو ينصرف نحو أيهم المتعلقة أنظاره به بأمل یائس:
- لاء فاهمة بادرية ثم جذب كف أيهم وقال لها:

- أطلب من ماما السماح المرادي عشان أنت اتفقت معاها أنك مش هتنزل البحر وكيف باستطاعتها خذلان تلك العيون المتسعة برائتها وشعورها بالذنب لكونها تنتمي لطفل صغير يرغب في حقه باللهو واللعب فقالت قبل أن يتهدج صوت الصغير برجائه وأسفه:

- أنا آسفة إني طلبت منك حاجه مش هتقدر عليها لكن ده من خوفي عليك فابتسم أيهم بدروه وقال:
- وأنا آسف إني وعدتك بحاجة وكنت عارف إني مش هقدر أعملها كان يراقب حديثهما منبهرا وشعر أنه ينتمي بشكل ما لتلك الرابطة التي تجمعهما فخص أذنيها بهمس دون غيرها:

- في يوم هنوصل أنا وأنت لنفس درجة التفاهم دي فهزت كتفيها دون اكتراث وداخلها يرقص طربا:

- كل شيء وارد وجذب أيهم كف أسامة متعجلا فقالت بقلب يرتعد:
- بس ياريت ماتبعدش بيه لجوه أوي فقال وهو ينظر للأمواج الثائرة:
- أنا هدخل بيه لحد ثقته فيا واتسعت عيناها بحنق وهي تراقبه يرفع صغيرها في الهواء ويقذفه في المياة والصغير يصرخ بسعادته ووقفت هي وجسدها ينتفض بقلق إذ ابتعد به مقتحما مياه البحر وياللعجب كم من ثقة هائلة يمنحها له ! | وساذجة هي كسذاجة صغيرها إذ ظنت أن ابنها ستكون ثقته محدوده بهذا الرجل الغريب ولكنها فطرة الأطفال وبرائتها الصافية نهار وليل متعاقب وأياما تمضي دون رادع والشروط ثابتة لا تتغير وكلما عمد للتملص بقصد أو بدون انتهى الأمر بشجار وفوضى مشاعر غضب مخلوط بذنب وكبرياء جريحة.

- أنت ليه طلقتها ؟


سؤال اقتحم جلسة عشاء صامت بعد نوم الصغيران رفع أبصاره متحيرا نحوها وهو يحاول فهم ما وراء ذلك السؤال- بتسألي ليه ؟

فراوغته بدفاع:
- وليه ما أسألش ، مش من حقي ؟
فرد ببرود:
- لاء مش من حقك لكن مع ذلك مريحك وأجاوبك ، طلقتها لأنها هي طلبت الطلاق . وهل ظن أنه بتلك الإجابة ستهنأ براحة؟!
ياله من ذكر أحمق ، ويالغباء صراحته فهزت رأسها بخيبة واضحة وابتسامتها الساخرة تلتمع بزاوية فمها المنكسرة إذ هي صاحبة القرار ليس هو من زهدها وتأفف من صحبتها وقربها هي وليس هو والمعضلة ب " هو " كانت عيناه مرتكزة على ملامح وجهها وشعر متأخرا للغاية بخطأه فقال بعند رافضا أن يكون المخطأ:
- أنا دايما صريح معاكِ وأظن أن دي حاجة ما تزعلش فنظرت له غير مصدقة:

- فعلا؟!

طب خلاص خلينا نستغل جلسة الصراحة دي لأخرها ولو ماكنتش هي طلبت كنت هتفضل متجوزها ؟
فأقر بقوة:
- لاء فعبست وهي تحاول الفهم:
- رغم أنه كان بينكو طفل شبك أصابعه وارتكز بذقنه عليها وقال:
- وماحافظتش عليه فتراجعت للخلف وهي تقول:
- آآه عشان كده فاقترب هو وقال هامسا:

- جوازي منها كان مشروع محكوم عليه بالفشل من أوله ياسالي أنت اللي استعجلتِ فنظرت له بدهشة وقالت ضاحكة وابتعدت عنه بدورها:

- فبقت الغلطة غلطتي حاول تعديل كلماته لتصل إليها بالشكل الصحيح فهو لم يكن يقصد إتهامها بأنها هي من أفسدت زواجهم فقال:
- أنا ماقلتش كده أنا كان قصدي أن الأيام كانت هتوريكي أنها مجرد مرحلة اضطريت ليها وفي الآخر أنا وأنت كنا هنفضل سوا ومش واحدة زيها كانت ممكن تفرقنا دفعت بطبقها بعيدا وهمت بالانصراف قائلة:

- صح أنا كنت المفروض أقعد تحت رجلك زي الست أمينة مستنياك تسيبها وترجعلي ، بس على العموم العصمة كانت في إيدك كنت ممكن تجبرني زي سي السيد لما كان بيعمل مع فقام وجذبها قبل أن تنصرف وتتركه لبركان غضبه يتاكله:

- أنا ممكن أجبرك على أي حاجة صحيح إلا أنك تقبلي تعيشي معايا أو لاء ولكن البركان ثار وانتهى الأمر إذ قالت بقوة:
- أنت كنت بتعاقبني علي عصياني ليك قدام الناس ، لو كان رفضي بيني وبينك منغير شهود کنت هتعمل اللي في دماغك ، أنت قولتها بنفسك كنت عاوزني أسكت ، كنت مستني وبتتمنى أني أسكت فترك ذراعها وقال بخيبة أمل واضحة المعالم تجلت على ملامح وجهه:

- ويظهر أنك قررتي أنك مش هتسكتي تاني وتفضلي تنبشي في الماضي كل شوية شحب وجهها وتباعدت خطواتها وماكان رجاءا بالأمس وفرحة بعودتها صار خوفا من الفراق مرة أخرى فاستوقفها هو بهدير صوته الغاضب:

- بس أنت كده مش بتعاتبيني أنا لوحدي وبس هو محق فالكلمات تؤذيها بقدر إيذائها له والصغار أصبحوا متضررين بدورهم فبكل شجار يعلو بينهما تلمح بأعينهم حزنا أصبح مطعم أخيه بالحي المجاور ملاذه بعد إنتهاء جلسته النفسية وكما يجلس لساعات طويلة يستمع فيها لهموم المحيطين يجلس يستمع لأخيه وحديثه صامتا حتى قال بغتة:

- زياد أنت مش حاسس نفسك غريب على الشغلانة دي فنظر له مندهشا وقال بصدق:

- بالعكس أنا أخيرا لقيت نفسي في الشغلانة دي ومستغرب إزاي كنت مستحمل ربطة المكاتب والاجتماعات والأسهم والصفقات وأردف ضاحكا:
- ده حتى ربطة الكرافتة بقيت مستغربها فهز أسامة رأسه بغير فهم وقال:
- یعني إزاي أخدت الخطوة دي ، النقلة الكبيرة دي في نوعية حياتك ظل زیاد ينظر له مليا وقال بهدوء منتقيا كلماته:
- لأني اتقبلت خسارتي والوجع اللي حصلي من بعدها وصممت أن أعوض نفسي وأكمل حياتي ساد الصمت لوقت طويل بينهما حتى قال زیاد بأنفاس متهدجة:
- حياتك وعمرك اللي ما انتهاش بفضل ربنا ، مش ذنب يا أسامة تكفر عنه فابتسم أسامة بوجع وقال بصوته المحتقن والدموع تتقافز لعيناه رغما عنه:
- صعب هز زیاد رأسه وقال مقرا بواقعية:

- مش هيرجعهم يا أسامة وبمرارة ذنبه:

- ولما نتقابل ويسألوني عيشت من بعدهم إزاي ؟- ابقا أسألهم هما كمان عاشوا من بعدك إزاي وصدقني هتلاقي حالهم أحسن من حالك ألف مرة تراهني؟!
ضحك أسامة وقال متفكها:
- يابني أنت ماحرمتش رهان فابتسم له زیاد:
- بس المرادي أنا واثق أني هکسب مش كده ولاإيه ؟
فهز أسامة رأسه وقد تقبل الفكرة تماما:
- کده فعلا وأردف ساخرا:

- تصدق يا أخي أنك طلعت أحسن من الجلسات اللي كنت بحضرها وأفضل أقول لنفسي اللي يشوف بلاوي الناس تصعب عليه بلوته فهز زیاد رأسه نافيا وقال بنضج أدهش أخيه:

- غلطان ، الحياة مراحل لازم تعيشها واحدة واحدة ، مافيش حاجه بتجيب من الآخر- ياریت حاجة تجيب من الآخر ماکنش حد غلب فالتفت الاثنان لصوت أخيهما الذي اقتحم جلستهما وأردف:
- بترغوا في إيه ؟
فتبادل الأخوان النظرات وقال زیاد ساخرا:
- في الهروب التكتيكي للراجل المكسيكي ضحك أسامة وقال بلطف للكبير الذي حدجهم بنظرة غيظ خالصة:
- أحنا خلصنا رغي . . أرغي أنت فقال بكبرياء رافضا الإفصاح عما يدور بداخله من عواصف:
- أنا جاي أشرب حاجة وأروح فقام زیاد وقال:

- مشروبك عندي هقوم بنفسي أعملهولك فسخر جاسر:

- واتوصى بالسم وحياتك فوكزة زیاد:
- عییییب ، نوع مفتخر- هوا أنا المفروض اعتذر كام مرة؟!
! سؤاله الحانق خرج رغما عنه بعد انصراف زیاد فعقد أسامة حاجبيه وقال بعد برهة:
- مش بعدد المرات ، ممكن من مرة واحدة الكيف وليس الكم عبارة مكررة مألوفة للغاية صحيحة مائة بالمائة     في الصباح التالي وجد غايته التي أثارت حنقها وهي تحاول تشغيل محرك السيارة مرة بعد الأخرى ولكن لا فائدة ترجلت ورفعت الغطاء المعدني وهي تنظر لمحتوياتها يائسة ، ومرة أخرى تذكر نفسها أنها بالغباء المطلق بأمور ميكنة السيارات ولو أن العيب كان واضحا بحجم قرص الشمس لما رأته أو بغياب بطارية السيارة ! والتفتت بعجز وعيناها تبحثان عن الحارس ولكنها عوضا عنه لمحته يقترب وقالت بيأس وهي تنظر لساعتها:

- العربية عطلت أغلق الغطاء وقال بعملية:

- أركبي هوصلك والطريق كان مختلفا في بدايته وبعد مرور عشر دقائق أخرى أضحى بعيدا كل البعد عن مسلكها المعتاد إذ كان نحو الطرف الاخر من المدينة فالتفتت له حانقة ومزاجها العام كما اعتاد منها مؤخرا " مشتعلا "- إحنا رايحين فين ؟
وبغموضه المعتاد أيضا:
- عندي مشوار أخلصه الأول وأوصلك وبغيظ نفشت:
- طب كنت قولت كنت أخدت تاکس فابتسم دون اكتراث:

- مش هأخرك وهبقا أكلمك المدير فقالت بنزق وهي تطالع هاتفها بحثا عن موقع التواصل الإجتماعي لعلها تصرف القدر اليسير من ضيقها:

- بتتريأ حضرتك ، أنا ورايا مواعيد والطريق امتد لساعة كاملة ورغما عنها التزمت الصمت بعند وداخلها يقسم أنها المرة الأخيرة التي تقبل فيها بعرض للمساعدة وأخيرا توقفت السيارة والمكان شبه مهجور ولولا أنها كانت بصحبة زوجها وليس سائق غريب مجنون لظنت أنها أرض مناسبة لدفن جثتها فقالت له متعجبة:
- إحنا فين ؟

ترجل من السيارة والتف حولها حتى فتح لها الباب وأشار بيده بدعوه لها للترجل أيضا ففعلت مرغمة وحاجبيها انعقدا في اجتماع أقسمت أن يطول وهي تنفث بغضب:

- أنا على فكرة مابحبش طريقتك دي فهز كتفيه دون ندم:
- أنت اللي بتدفعيني لكده فاتسعت عيناها بغير تصديق أنها وللمرة التي لا تعرف عددها فعليا تقع بشراك خداعه:
- یعني أنت اللي عطلت العربية فأقر بصدق محاولا كبح ضحكته:
- شيلت البطارية فزمت شفتيها بغيظ:
- ليه ؟

مد يده وقبض على كفها فارتعشت رغما عنها وقال بحميمية:

- تعالي معايا وأنا أوريكي ليه استكانت أصابعها بين أحضان كفه الدافيء المتملك وسارت لجواره صامته حتى قطع هو نسمات الهواء المحملة بترقبها بصوته الرخيم وهو يشير لمبني خشبي متهالك:
- فاكرة ده ؟
نظرت له مليا وهزت رأسها نافيه فتجعدت ملامح وجهه ببؤس وقال:
- خالص؟!
، مش فاكرة المرة اللي جينا فيها هنا ، والممشى والمركب و . . . . فتوردت وجنتها وانقشعت لها الذكري الدفينة كبريق الشمس بعد المطر فقالت بصوت أبح محاولة الهرب من ذكرياتهم الحميمة سويا وكذلك الهرب بأناملها بعيدا عن حوزته:
- وبعدين ؟

تقبل هروبها للوقت الحالي وقال بهدوء وهو يتجول بالمكان:

- وزي ما أنت شايفه المطعم بقا مهجور والمكان بقا خرابه ولا عاد حتى فيه زبون واحد والممشى اتكسر طالعت المبنى الخشبي المتهدم بحسرة لقد كان مكانا رائعا في الماضي يطل على الطريق العام من جهة ومن الأخرى على شاطىء البحر مباشرة وقالت بعد برهة:
- خسارة فعلا ، هتشتريه يعني ؟
تجاهل سؤالها وقال:

- الراجل صاحبه فضل يسحب من حسابه في البنك ويصرف في الفلوس لحد ما وصل حتى لوديعة الصيانة فكها وصرف منها ، معتمد أنه المطعم كده كده بیکسب وقريب هترجعله فلوسه همست سالي حينها:

- غبي ، ثم أردفت بقوة معترضة:
- كان المفروض يدرك أنه المطعم بيخسر مش بيكسب طالما حسابه بيقل ووصلت أنه يفك وديعة الصيانة فهز جاسر رأسه وأقر:
- کنت بنفس غبائه ، لما فضلت أسحب من رصيدي عندك لحد ما حسابي خلص وبدال ما أجدد وأحافظ على جوازنا فضلت أسحب واستنفذ كل اللي بينا لحد ما انتهينا وقع كلماته عليها كان كالماء المنهمر على فقر اليابسه أهتزت من داخلها وتدافعت الدموع لمقلتيها وارتعشت أوصالها وشفتيها توترت بانفعالها ، فتوارت بجسدها بعيدا عنه تضم نفسها وبقي هو متعلقة أنظاره بها وحدها والتفتت له بعد حين:

- وأنت كنت هتعرف منين وأنا ماكنتش بنطق ولا بعترض فهز رأسه:

- بس کنت سامع سکوتك وفاهمه وابتسم بمرارة وقال:
- مانكرش أني أحيانا كنت بكون غضبان من سكوتك وأحيانا كتير کنت بستفزك يمكن تنطقي همست مبررة:
- يأست- يأسك مني دبحني ياسالي ، حسسني أني فعلا ما استاهلش فصرخت رغما عنه:
- ورحت تدور على اللي تقدر فنكس رأسه وأقر:
- جاتلي لحد عندي ، استنيت منك رفض ، حرب . . . عشاني فقالت بمرارة الاتهام والخذلان:
- وأنت عشاني عملت إيه ؟

ولا فرار من إنكار الذنب:

- ما أنا قولتلك غبي وفضلت أسحب من الرصيد لحد ماخسرت كل حاجة مسحت دموعها وقالت:
- ودلوقت ؟
اقترب منها وأمسك بكفيها ورفع وجهها لتقابل الأعين:
- اسمحيلي أرجع اللي أخدته من غير لوم ولا عتاب واقبليه مني- معناه قرب . . . وتحكمات وفرض . . . وضع يده على فمها وأوقف سيل الاتهامات مستنكرا:
- ليه متوقعه مني الأسوء ؟- بحمي نفسي ، حقي بإصرار قالتها فابتسم بمرارة:
- طب لو فهماني كويس زي مابتقولي دايما ، أكيد عارفه أني لما أصمم على حاجة لازم أنفذها واستطرد سريعا:
- بس على شرط اتسعت عيناها بدهشة:
- أنت كمان منتشرط ومين قالك أني قبلت أصلا فابتسم لها:
- أصلا . مافيش مفر من أنك تقبلي ، هفضل وراكي لحد ماتقبلي فاحمرت وجنتاها وهربت بأنظارها بعيدا عنه:
- ماتسكتيش تاني ، ماتشیلیش مني جوه قلبك ، فضفضي ، أصرخي فيا حتى ومرة أخرى تلك الدموع اللعينة مصرة على الهرب من حصون أجفانها معلنة ضعفها فامتدت أنامله تمحي بعضها هامسا لها:

- دموعك غالية عندي- جاسر أنت إزاي قدرت تقبل لمستها؟!

تهدلت كتفاه بتعب وأمسك بكتفيها وقال بقوة:
- کنت بلمسها آه ، عایش معاها جسد مش روح روحي وعقلي كانو معاكي حتى لما كنت ببقا معاها بنادي باسمك من غير ما أحس- أنت وصلتني لدرجة حسيت معاها أنك استحالة تكون حبتني في يوم قالتها بحسرة خالصة فانعقد حاجبيه وقال بإصرار:

- المستحيل يكون مر عليا يوم منغير ما أحبك نفضت رأسها كمن تنفض عن رأسها الأوهام ، خائفة هي نعم ومتشبثة بخوفها ففيه الأمان- طول عمرك شاطر ، عندك ملكة إقناع رهيبة فرد مستنكرا بعجزه:

- للدرجادي الشك ملی قلبك من ناحيتي ؟
سارت نحو السيارة وهي تقول:
- الثقة أغلى من الحب يا جاسر
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الختامي

- شفتِ أختك المجنونة ! هكذا كان استقبال أمها لها ظهيرة يوم الجمعة حتى استطردت بندم:

- معلش يابنتي ماكنش قصدي أشيلك الهم ، وكويس إنك جيتي تخففي عني ثم ابتسمت بحسرة للصغار:
- إزيكوا الأول ؟
حاولت التخلي عن انزعاجها من استقبال أمها لهم بتلك الهيئة المتوترة قائلة وهي تمر نحو الداخل بصحبة طفليها:

- الحمد لله إحنا كويسين ، خير يا ماما قلقتيني؟!

قبلت مجيدة الصغيران ووضعت قبلة دافئة فوق خد صغيرتها وهي تقول:
- معتصم لسه قافل معايا من شوية ، فيه واحدة عاقلة تقول لجوزها لو ماكنتش تتعدل معايا أنا مش هطلب الطلاق أنا هخلعك ! اتسعت عينا سالي بدهشة وقالت وهي لا تخفي نبرة السعادة بجرأة أختها أخيرا بمواجهته:
- طب ليه حصل إيه لكل ده ؟
هزت مجيدة كتفيها:

- أنا عارفة ، قال من كام يوم بقول الحمد لله الصغيرة عقلت ورجعت لجوزها واتطمنت عليها مافيش كام يوم وألاقي الكبيرة اتجنت فنظرت لها سالي لائمة:

- یعني أنا كنت مجنونة يا ماما ؟
فقالت مجيدة بإنزعاج:
- ويعني اللي أختك ناوية عليه ده عقل؟!
فقالت سالي وهي تشير لأطفالها للدخول غرفتها حتى يتسنى لها الحديث بحرية مع أمها المنزعجة:

- ماتخافيش إن شاء الله خير والصراحة معتصم كمان بيزودها أوي وسيرين من حقها تجيب أخرها يمكن يتعدل.


ربما قبل باستسلام ولكنه في حقيقة الأمر استسلاما مؤقتا تعامل مع رفضها تحت شعار فقدان الثقة به على أنه مجرد خوف لا أكثر وعليه فقط تهدئتها حتى حين كما هي الحال بين القناص والفريسة واليوم أعد أرضا جديدة لمعركته التي لن تهدأ سوى بإذعان تام منها كما عهدها دوما والمكالمة الهاتفية سمعتها أمها عرضا وهي تنهيها بنزق:


- طبعا مش هينفع یاجاسر إحنا لسه واصلين من ساعة فأشارت لها أمها لتتمهل وقالت:

- خليه يجي أنا كده كده لازم أنزل أروح لأختك فتمتمت لها سالي بضيق:
- ده عاوز يفسح الولاد اتسعت عينا سليم وسلمی بجزل وقالت لها أمها مشجعة:
- وماله يابنتي روحي وماتعكننيش على ولادك وأنا كمان أروح ألحق أختك فتنهدت سالي وقالت باستسلام:
- خلاص يا جاسر أوكيه نص ساعة ونكون جاهزین والخطة كانت بدايتها بمدينة الألعاب خارج حدود المدينة قضوا بها أربع ساعات کاملة ، حتى أتعبتها ساقيها فقالت برجاء:

- ممكن كفاية كده ونروح بقا ، إحنا صاحيين من سبعة الصبح والساعة داخلة على 6 فقال معترضا:

- كفاية إيه إحنا هنمشي آه بس فيه عرض للنجوم في القبة السماوية الساعة 8 لازم نروح نشوفه فنظرت له متعجبة:
- وأنت من أمتي ليك في النجوم ؟
فاقترب منها حتى كاد أن يلتصق بها کاسرا حدودها الوهمية:
- ماليش فيها لأني معايا القمر فتوترت خجلاتها وابتعدت عن حصار عيناه نحو أطفالها اللذان استغرقا بلعبة للقنص وفاز الصغير كأبيه وأهدى اللعبة المحشوة لأخته بكرم بالغ ومع ذلك كان منصتا جيدا لحديث والديه فقال- إيه القبة السماوية دي يابابا ؟

والسؤال الفضولي كان كافيا لتكون محطتهما التالية كما كان يبتغي وأثار العرض حماسة الصغار حتى بعد انتهائه ووصولهم لحديقة القصر فتناولوا طعام العشاء بالحديقة وأصر سليم على الجلوس بأرضها ومتابعة السماء لعله يفك شفيرة الدب القطبي وباقي النجوم وافترشوا الأرض لجواره ودست سلمى نفسها بين والديها واقتنص سلیم حضن أمه منفردا به والثرثرة امتدت لساعتين وأكثر وكانت هي مستلقية مستمتعة بدغدغة الأرض الصلبة لمفاصلها المتألمة شاعرة بخدر يسير صعودا لرقبتها حتى بدأ ينال من رأسها وصوت سلمى كان أقرب لهمهمات فالصغيرة تحارب سلطان النوم بضراوة أما سلیم فتارة يغفو وتارة يفتح عيناه بسؤال آخر يلمع بذهنه فيحرمه النوم- هو فين الكرسي ؟


رفعت سالي يدها وهي تشير له وتاهت عينها بحيرة فلشدة تعبها ماعادت تستطيع رؤية خريطة النجوم كما عهدتها فالتفتت لجاسر لتطلب المساعدة ووجدته عکسهم جميعا يقظ بكامل تركيزه عليها وكفى وابتسامته الهادئة يخصها بها وفقط فاحمرت وجنتها والتفتت لسليم الذي غرق بالنوم مجددا تجذبه قائلة بهمس:

- أنا بقول كفاية كده النهاردة ونطلع ننام فحمل سلمي النائمة هي الأخرى وصعدا سويا لغرفة الصغار ودسا كلاهما بفراشيهما ودثرتهم جيدا وخرج بخطوات هادئة تبعته هي وأغلقت الباب خلفها واصطدمت به وتراجعت خطوة للخلف أو بالأحرى نصف خطوة قائلة بتوتر وهي تفرك رقبتها هاربة بعيناها:

- كان يوم طويل وصوته الأجش يخبرها أنه بكلماته يقصد شیئا ونيته تقصد آخرا- بس جميل رفعت عيناها وتأكدت من حدسها فعيناه كانت مستقرة على فتحة قميصها والتي تكشف بسخاء عن مفاتنها ولا غرابة في ذلك فالإغواء كان كامناً بنبرته وحقا كل شيء مباح في الحرب والحب والخصم هو الحبيب وفي حالة الحرب أو الحب فالهجوم دوما خيارا متاحا بل ورائعا عندما يتعلق الأمر بالشفاه واقترابه لم يكن مدروسا ولم يكن عفويا كذلك ووقفت هي كغزالة غبية تراقب الأسد المفترس يواصل تقدمه نحوها وبثقة الغافلين لازالت ثابته مكانها لا تتحرك تراقب تقلص المساحة بينهما وكأنه سيقلع عن فكرة التهامها في أي لحظة ظنا منها أنه أرنب بري متخفي بهيئة أسد على ما يبدو أو بثقة عمياء من سرعتها وخفة حركتها ستنجو من الموت وبنهاية المشهد المكرر في كل الأفلام الوثائقية لا تنجو الغزالة والموت قدرها كذلك ماتت حروفها على شفتيها التي اقتنصها بقبلة حارة غير أن بعدها عادت للحياة ونطقت اعتراض واهن جاسر.


فأعاد الكرة فلا سبيل له سوى الهجوم ، وبالتأكيد لم يكن يوما الشخص المناسب لقبول رفض أو خسارة وغابت حروف الأبجدية مرة أخرى وأخرى والموت بعدها كان مقدرا لأبجدية الضاد وانتعشت أبجدية من نوع خاص أبجدية تنتمي للغة الجسد مكونة من خمس لا غير ضم بأنامل قوية استحوذت على الخصر وكسر لكل اعتراض أو قيد بشرط وسكون بين أضلعه وإستسلام وشدة حرائق اشتعلت بقدر الشوق والحرمان وفتح الساحة حرب ناعمة قادها وكان المنتصر وبنهاية الحرب لا تبقى سوی ساحة محملة بآثارها وتحت أشعة الصباح تكون الرؤية أوضح لما خلفته ورائها فراش أشعث . . . بحجرته وملابس ملقاة جوار بابها مما يؤكد ولا يقبل مجرد الشك أنها هي من ذهبت بإرادتها إليه وعند مدخل حجرته وقعت صك التنازل عن الشرط الأول كاملا وياللعار ! !


هكذا رفعت الشرشف نحو وجهها المتورد بخجلها وخزيها لتغطي نصفه وهي تكاد تستمع لصفيره وصوته يدندن بلحن هو نشاز بحق وظهر أخيرا بمنشفته الأثيرة تحيط خصره ولا توجد کلمات تصف حاله وتفيه حقه سوى بأنه كان منتعشا ، منتشيا بنصره ولحد كبير بعكسها تماما وابتسامته المشرقة تنافس شمس الظهيرة واقترب منها ووضع قبلة حارة على كتفها العاري قائلا بغزل صریح:


- صباح اللافندر على عيونك يا جميل واتسعت عيناها بغضبها وقالت بغيظ:

- ده ماکنش اتفاقنا یاجاسر واتسعت ابتسامته ووضع تلك المرة قبلته بهدوء متأني فوق أرنبة أنفها قائلا:
- ماخلاااااص فدفعته بغضب أشد غير عابئة بالشرشف الذي بدأ يفقد تماسكه حول جسدها:
- هوا إيه اللي خلاص؟!
فاقترب أكثر وضمها بتملك نحوه:
- وماله ماخلصش ، أنا موافق أفضل ألعب معاك لعبة القط والفار دي ، والله مسلية وحاجة جميلة فدفعته بنزق وهي تحاول إعادة ستر جسدها المشتعل باستهانته لقرارها:

- هيا فعلا كده بالنسبالك لعبة ، مش كده ؟

فهز رأسه وطرق جبهتها بجبهته مشاكسا وحروفه تحط بالقرب من شفتيها المنفرجتان بحنقها:
- أيوا لعبة وهتفضل لعبة ، تجيبها كده تجيبها کده وهمسه أصبح يزداد خطرا إذ اقترب أكثر وأكثر- ومهما تعندي هتفضل لعبتي وبلمعة عيناه الماكرة لم تجرؤ على الاعتراض أو الرفض فهو كان محقا فاللعبة بلا نهاية.

تمت بحمد الله.

iklan banner

Abdulrhman Sayed
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع قصص وروايات .

جديد قسم :