رواية أحببت فريستي الفصول 21-30




رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الحادي والعشرون بعنوان: إنذار

تمايلت بنعومة علي أنغام تلك الموسيقي الهادئة وابتسامة سعيدة تزين ثغرها ، طوقت عنقه وكلاهما يتمايل بخفة لتهمس بحروف تقطر عشقاً دفين :

- أحبك...داني !
ابتسم بحب لتكمل بعتاب رقيق :
- لماذا رفضت ان نحتفل بأحد المطاعم او النوادي الليلية ؟!
طبع قبله رقيقة علي جبينها لتبتسم بخجل ليردف بنبرته المتملكة :
- لا أرغب انا يري احداً حبيبتي وهي ترقص ! حتي لو كنتي برفقتي...فأنتي ملكي وحدي وقريباً ستكونين زوجتي...

ابتسمت بخجل من غيرته لتقول برقة :

- أحياناً أشك انك قضيت حياتك في بريطانيا...فأنت تتصرف كرجل شرقي أصيل ...!
ضحك بخفه ليميل ويهمس بأذنها :
- العشق...يا عزيزتي لا يعلم بلاداً انا لم أكن متملكاً بحياتي مهما عرفتُ من نساء فقط أنتِ من أشعر بأنني ارغب بأن أخبئكِ داخل قلبي حتي لا يراكِ أحد !
جذبها ليجلس كلاهما علي الطاولة لتناول العشاء في منزله لتقطع الصمت قائلة بحزن :
- داني...أشعر أني اصبحت فتاة سيئة ! لقد قمت بأخطاءٍ عديدة أليس كذالك ؟

مد يده ليرفع وجهها لتقابله بنظراتها النادمة علي افعالها ليقول بحنان :

- صغيرتي لم تخطأ ! فقط تمردت علي ما حولها تمردت علي جميع القيود التي تأسرها! نحن لسنا ملائكة ليلي...نحن بشر نخطئ ونصلح أخطاءنا دوماً...صمت قليلاً ليقول بندم...أنا أيضاً اخطأت لم افهمك طبيعتك الشرقية التي لا تسمح لأحد بلمسها قبل الزواج وكنت أضغط عليكي كثيراً لترضين بي رغم صغر سنكِ ولا أدري ما حل بي تلك الليلة لأفعل ما فعلته...حتي نشأتي بلندن لا تبرر ما فعلته سامحيني صغيرتي...و لا تقلقي  من اليوم لا مزيد من الأخطاء...سأجعلك أسعد امرأة في العالم...سألبي كل طلباتك...سأغدقك بحناني واحتوائي لنوبات جنونك...واذا اخطأتي سأسامحك وأرشدك دوماً الي الطريق الصحيح ... !

دمعت عيناها تأثراً بحديثه لتنهض مسرعة وهي تحتضنه بقوة هامسه بامتنان :

- أشكرك داني...أنت افضل ابٍ...وأفضل صديق...وأفضل حبيب في العالم أجمع !
ابعدها بهدوء وهو يقول بصرامة :
- إذا رغبتِ ان تستمر علاقتنا توقفي عن احتضاني ولا سأجعل الزفاف غداً أنا لن احتمل يا صغيرة !
انفجرت ضاحكة وهي تعي مغزي حديثه لتصمت فجأة وهي تطالعه بغموض ، قطب جبينه وشعر انها لا تنوى خيراً لتصدمه بأن اقتربت وطبعت قبلة سريعة علي وجنته وفرت هاربه للأعلى توسعت عيناه لينهض خلفها متوعداً بصرامة زائفة ويكتم ضحكته بصعوبة :
- أيتها الشقية ! ستدفعين ثمن تلك القبلة !
ركض خلفها الي الأعلى وهي تركض وتضحك بمرح حتي دخلت غرفتها وأغلقت الباب وهي تستند خلفة بابتسامة عابثة ، دق الباب ليصيح بصرامة زائفة :
- أفتحي ذلك الباب يا فتاة ! أتظنين ان فعلتك ستمُر مرور الكرام ؟

ضحكت قائلة بشقاوة :

- لن افتح عزيزي وهيا الي غرفتك تأخر الوقت ! ولا تنسَ ان تتجرع كوب من اللبن الساخن...
صاح بغيظ :
- يبدو انني افرطت في تدليلك أيتها المشاغبة !
ابتسمت لتقول برقة لتنال عطفه :
- أحبك !
وكان لكلمتها سحرها الخاص علي قلبه تنهد بعمق ليستند علي الباب مغمضاً عيناه هامساً بصوت متهدج :
- وأنا أيضاً صغيرتي !

زفرت بضيق لتنتبه لصوت بدأ المصارعة والتهليلات المرحبة باللاعب شهقت بصدمة وتدفقت الدماء بقوة الي رأسها حين ادرك هوية الاعب الذي سيصارع الثور!  هامسة بصدمة :

- يوسف !!!
انتفض قلبها فزعاً وهي تتخيل أن تفقده وأن تري شخصاً ميتاً مرة أخري تدفقت الذكريات الي رأسها عما حدث في ذلك اليوم...

Flash back        

دلفت الي منزله بغضب عارم ألن يتركها بشأنها يوماً ما قطبت جبينها حين رات باب المنزل مفتوح دخلت بخطوات رتيبة وهي متوجسة من هذا الصمت والهدوء لتقول بقلق :
- محسن بيه ! محسن ب...
توقفت الكلمات في حلقها حين رأته مسجي علي الأرض وسكين مغروز بجانب قلبه اقتربت ببطء وعيناها تتسع تدريجياً لتسمع همسته الضعيفة :
- ساعديني!
دمعت عيناها لتسقط بجواره وعيناها تري مشهد أخر مشابه حين كانت والدتها علي حافة الموت حين اتصلت به وهي تنوح ببكاء :
- بابا ساعدني ماما تعبانة ومش عارفة اوديها المستشفى !
أعاد همسته وهو يطلب منها مساعدته ليصدع في أذنها صوته القاسي قبل 10 أعوام ليغطي علي صوته الحالي :
- وانا اعملك ايه يعني ؟ الأعمار بيد الله !

فاقت علي حركته البسيطة وهو يتلوى من الألم ويهمس :

- أرجوكي...ساعديني أنا...هموت...  !
مدت كفها لتمرره علي صدره الغارق بالدماء وهي تهمس بصوت مختنق وعيناه يكسوها الألم وعيناها تلمعان ببريق مخيف! :
- الأعمار بيد الله !
جحظت عيناه وهو يشهق بعنف ملتقطاً أنفاسه الأخيرة وهي تطالعه بحزن وتمرر كفها علي صدره برفق حتي غطت الدماء كفها لتميل عليه هامسه بحزن كطفلة صغيرة والدموع تسقط علي وجنتيها ببطء :
- متخافش شوية وهترتاح...مش الموت راحة بردو ؟

شهق لمرة أخيرة لتصعد روحه الي بارئها ويتجمد جسده تحت يدها نظرت له وكأن حاله عجيبة تلبستها لتنهض مفزوعة...رمشت وهي تتمتم بذهول :

- محسن ! ينهار اسود ايه الدم ده ؟ أنا...كنت بعمل ايه ؟ وايه الدم ده ؟
تسارعت أنفاسها لتقول مسرعة :
- أنا لازم أمشي لو حد جه ولاقاني كده هلبس مصيبة !

خرجت بهلع لتصعد الي سيارتها وهي تبكي بقوة ولا تدري ماذا حدث بالداخل كيف تجمدت ولم تسارع لإنقاذه نظرت لكفها وهي تضعه علي صدره وهي تتمتم برعب :

- الدم ده وصل لإيدي إزاي ؟ ايه الي بيحصل ؟!
ترجلت لتصعد بخطوات متعثرة الي شقتها وهي علي حافة الانهيار ودقاتها تقرع كالطبول ، دلفت الي المنزل مسرعة برهبه أغلقت الباب لتستند عليه وتتنفس بصوت مسموع وشهقاتها تعلو ودموعها تنهمر بغزاره نزلت ببصرها علي يديها الملطخة بالدماء برعب..! تحركت بصعوبة نحو المرحاض وهي تشعر بقدميها كالهلام..! وتهدد بالسقوط ، غيرت ثيابها الملطخة بالدماء وقفت أمام المرأة تتطلع الي صورتها وهي تتذكر ما حدث نفت برأسها لعلها توقف ذاكراتها غسلت وجهها وهي تتنفس بصعوبة لتهتف في نفسها في محاولة للتماسك :
- خلاص الي حصل حصل انا لازم أهدي !
End flah back.

فاقت علي الصرخات الحماسية حين ابتعد بسرعة قبل أن يسحقه الثور نهض وهو يلتف يميناً ويساراً حاملاً ذلك الرداء الأحمر الذي يجذب غضب الثور ، تحركت مسرعة للخروج ليوقفها أحد الحراس فتصرخ عليه بالإنجليزية :

- ابتعد عن طريقي ! هذه المباراة يجب ان تتوقف ! إفعلوا شيئاً !
رفض وهو يطلب منها العودة الي مقعدها ظلت تصرخ بوجهه وهي تطالب بإيقاف المباراة حتي انتهت بالفعل بفوز الاعب الذي عاني من إصابات طفيفة ، دفعت الحارس بعنف وهي تركض اليه حين خرج اندفعت تحتضنه بقوة وهي تدفن رأسها بعنقه وتبكي بعنف!  ضمها اليه وهو يخرج بها حتي وصل الي مكان خاليٍ من الناس ليربت علي خصلاتها هامساً بحنان :
- خلاص يا ميرا اهدي انا كويس والله...

ابتعدت لتلكمه بصدره بعنف وهي تصرخ ببكاء :

- إنت أزاي تعمل كده ؟ تعرض حياتك للخطر علشان مجرد هواية سخيفة بحبها ؟ أنت مجنون !
حاول ضمها لتبعد يده بعنف وهي ترفع وجهها الباكي الذي غزاه اللون الأحمر أشاحت بوجهها بعيداً وهي تبكي ليكمل بلطف :
- حبيبيتي...محصلش حاجة أنا بخير انا بس حبيت أعملك مفاجأة...

جذبته من مقدمة قميصه تحت صدمته لتهمس بشراسه :

- في ستين داهيه المصارعة وفي ستين داهية هواياتي وفي ستين داهية انا شخصياً...بس متعملش كده تاني...همست بجملتها الأخيرة بضعف لتسترسل :
- أنا معنديش استعداد أخسر حد تاني يا يوسف والله العظيم مهقدر استحمل...ارجوك...حافظ علي حياتك علشاني !
غامت عيناه بحزن علي حالتها ليضمها برفق واستجابت هذه المرة ولم تقاومه تنهد بضيق فلم يخطر علي باله كل هذا فقد ظن أنها ستسعد بهذه المخاطرة ليهمس بأسف :
- أنا أسف يا روحي فكرت ان كده هتنبسطي أوعدك مش هخاطر بحياتي تاني...

دمعة هاربة فرت من عينيها وهي تطهي الطعام بشرود...تتذكر كم الإهانات التي تلقتها...كم تألمت...كم صرخت...ضحكت بسخرية حين تذكرت حديث أخيها الذي أخبرها عن عرض ذلك الشرطي "إلياس" لا تصدق كيف لشخص مثله أن يفكر بالزواج من حطام امرأة مثلها!  فاقت علي دقات متسارعة علي باب منزلها...تركت ما بيدها لتتجه الي الباب الذي ما ان فتحته حتي شهقت بصدمه قائلة :

- ماجد ... !!!
ولكن سرعاً ما وضع قدمه قبل أن تغلق الباب ليدفعها ويدلف بابتسامة خبيثة ولكن صدمتها بحق حين رأت اكثر شخص تبغضه يدلف خلف وما كانت سوي زوجة أبيها "فريدة " بكبريائها المعهود التي جلست علي أحد المقاعد وهي تضع ساق فوق الأخرى قائلة ببرود :
- اتصل بالمأذون شوفه اتأخر ليه خلينا نخلص !

أمسك كلتي يديها لتصرخ بغضب :

- سيب إيدي...وأمشوا اطلعوا بره مأذون ايه ؟!
لم يبالي بها وهو يرد بصوت أجش :
- زمانه علي وصول...
حاولت التملص من قيده بعنف وهي تصرخ بغضب عارم أن يتركها ليدفعها علي الأريكة وهو مازال ممسكاً بها قائلاً بتهديد :
- اسمعي بقي انا هردك يعني هردك فأحسنلك تسمعي الكلام وتنفذيه من غر دوشة بدل ما أخد عيالي وأمشي ومش هتعرفيلهم طريق !
رغم الدموع التي تكونت بعيناها صاحت بصراخ غاضب :
- ملكش عيال عندي ، ورجوع مش هرجعلك بكرهك يا بني أدم مبتفهمش ؟!
في تلك اللحظة دلف المأذون التي أتي مجبراً ليجلس بغضب بائن علي وجهه ويبدأ في إجراءات ردها اليه ظلت تتلوي بعنف وهي تصرخ بتهديد :
- حتي لو رجعتني غصب والله لخلعك وأحبسك يا ماجد !!!

أشاحت بوجهها ببرود وهي تستمع لاعتذاره للمرة التي لا تذكر عددها!  ليقول بيأس :

- يا ميرا هتفضلي زعلانة كده كتير كده ؟ انتي مكبرة الموضوع اوي يا بيبي !
لم تجيبه ليزفر بضيق وينهض قائلاً بخبث :
- طب براحتك بقي أنا نازل اسهر لو عوزتي حاجة معاكي رقم house keeping(خدمة الغرف)
سيطرت علي دهشتها بصعوبة لتجيب بلامبالاة زائفة :
- I don't care (انا لا أهتم)
ضيق عيناها بتوعد ليغادر حانقاً ، نظرت خلفه بضيق وهي تقطم أظافيرها ، لم تستطع السيطرة علي فضولها لتغير ثيابها وتنزل للبحث عنه....

ولجت الي الملهي الليلي بغضب عارم وهي تبحث بعيناها عنه لتصدم به يجلس ويتحدث مع امرأة أجنبية ترتدي ملابس تظهر أكثر مما تخفي!  زفرت بغضب لتتجه الي البار وتجلس بضيق وهي تحاول الا يظهر غضبها فليفعل ما يحلو له لماذا تهتم ؟! أقنعت نفسها بذلك وهي تتجرع الكأس أمامها تقلصت ملامحها من تلك المرارة التي استشعرتها بذلك المشروب لكن غيظها حاز علي انتباهها الكامل وهي تختلس النظرات اليه وتتجرع كأس أخر!

ابتسم بخبث وهو يطالعها غير منتبهاً لما تشربه فقد كان يجلس وحيداً لكنه آثر الحديث مع تلك المرأة حتي يغيظها فاق علي صياحها مع عامل البار :
- بقولك هات من البتاع ده تاني ايه مبتفهمش ؟!!
قطب جبينه من مخاطبها للعامل باللهجة المصرية! لينهض متجهاً اليها ليصدم بها تنتشل الكأس من يد العامل وتتجرعه كاملاً! ضربه الإدراك انها ثملة! وانها تجرعت الكثير من الخمر! اقترب لينهضها قائلاً بضيق :
- ميرا قومي معايا نروح...

طالعته بعيون ناعسه لتقول بصياح غير واعي :

- لا مش هرجع معاك يا خاين يا كداب روح للي... للي كنت معاها...
تنهد بعمق ليميل فجأة ويحملها علي كتفه!  فيتدلى شعرها علي ظهره ويرحل مغادراً الي الفندق وهي تتمتم بصوت ناعس :
- البتاع ده طعمه حلو أوي...
لم يبالي بها حتي وصل الي غرفتهم ليلقي بها علي فراشهم لتتمتم بضيق وهي تدس وجهها بالوسادة :
- أنا شارب سيجارة بُني...حاسس ان دماغي بتكلني...

رفعه حاجبه في دهشه مقهقهاً بخفة مما تقوله ليضرب كفاً كفاً ويقترب ليخلع حذائها ويلقيه جانباً ويرفع الغطاء ليدثرها به جيداً...ليغير ثيابه ويعود ليستلقي جوارها فيصدم بها ترفع وجهها الناعس وتتمتم بابتسامة غير واعية وهي تمرر كفها علي لحيته القصيرة التي تزين وجهه :

- أنت حلو أوي...وعنيك حلوة... و...
لترتمي علي صدره وتنام بعمق تاركه اياه في صدمته من حديثها! فهي لم تتغزل به يوماً! ابتسم بدهشة وهو يضمها اليه ويقبل جبينها هامساً بغيظ :
- هتفضلي طول عمرك مجنناني بكل ما فيكي...في حد يبقي قمر كده وهو سكران كتك البلا في حلاوتك !

صياح غاضب أجبرهم علي الصمت لتتجه أنظارهم الي الباب لتحل الصدمة علي الجميع فلم يكن سوي والدها "حامد الحديدي " اقترب ليقول بأمر :

- المأذون ده يمشي حالاً ! لو فاكر ان بنتي ملهاش حد تبقي غلطان!
تنفست الصعداء رغم صدمتها بكون والدها ذو الشخصية السلبية دوماً يتدخل لإنقاذها! ، نهضت "فريدة" قائلة بغضب :
- جري ايه يا حامد ؟! جوزها وبيردها لعصمته مأجرمش يعني !
لم يعيرها أدني اهتمام ليأمر رجاله بلهجة صارمة :
- والبيه تتحفظوا عليه لغاية ما أشوف هعمل فيه إيه...

الي هنا وكفي لن يصمت ليصيح باستنكار :

- يتحفظوا علي مين ؟! مراتي وانا حر فيها ! والي هيقربلي هشقه نصين !
إقترب الرجال منه ليحكموا تكبيله ويأخذوه عنوه مغادرين وهو يسب ويصيح بغضب...التفت لزوجته التي تتابع الموقف بغضب ليقول بلهجة حادة :
- متوقعتش توصلي للدرجادي تجبريها ترجع للحيوان ده !
اشتعلت عيناها لتصرخ به :
- ايوة لازم ترجعله وتغور من هنا بعيد عن ابني انا مش هسمح ان الي حصل زمان يتكرر تاني!
صاح بغضب مماثل :
- مش من حقك تبعديها عن أخوها الي اتحرمت منه السنين دي كلها علشان شوية أوهام في دماغك !

رددت بسخرية أليمة :

- أوهام ! خيانتك ليا وهم ؟! جوازك التاني وهم ؟! عيالك الي خلفتهم من واحدة غيري وهم ؟!
تحدثت بحرقة نابعة من قلبها فزواجه الثاني كان بمثابة طعنة غادرة لكبريائها ومركزها فهي "فريدة هانم" من أغني العائلات في الأسكندرية يتركها زوجها وينظر الي خادمة! وكأنها تنتقم لكبريائها من ابناء الخادمة لأنها رحلت مبكراً قبل أن تثأر منها! ، كاد يصيح بها لكن قاطعه صوت هادر بعنف ولم يكن سوي "سارة" :
- اطلعوا بره !!! مشاكلكم حلوها بعيد عني والي حصل ده مش هيعدي علي خير !
ادخلت صغيريها الي غرفتها بعد ان كانوا يتابعون ما يحدث ببكاء وخوف ، ثم عادت لتقف في مواجهة "فريدة " لتردف قائلة بعنف :
- افتريتي عليا انا واختي زمان وسكتنا...جوزتينا لأي كلب من الشارع علشان تخلصي مننا وبردو سكتنا ! اما لحد هنا وكفاية مش هتقدري تضريني انا وعيالي بحاجة...

صمتت لتصرخ بحرقة :

- سارة بتاعة زمان ماتت دلوقتي انا واحدة مش فارق معاها حاجة جتتي نحست من الضرب والأذية وعمايلك دي مش هتأذيني ! بس أقسم بالي خلقني وخلقك لو شفت وشك تاني لأكون رايحه فيكي في داهيه !
رغم قوتها ارتعدت أوصالها من نبرتها العنيفة وانقبض قلبها من تلك الحرقة التي تتحدث بها لتتجاهل ضميرها الذي أفاق من غفوته وتتحرك مغادرة ليوقفها بلهجة حادة :
- فريدة...انتي طالق !
سالت دموعها لتمسحها بعنف وتغادر هاربة من كل ما يحدث...

بعد مغادرتها تحولت نظراته من الصرامة والقوة الي الضعف والندم وهو يطالع ابنته التي تغيرت كثيراً عن ما سبق وجهها صار شاحباً مثقلاً بالهموم وعيناها غائرتان تسردان قصصاً من ألم ليقول بتوتر :

- سارة...أنا...
قاطعته بحده والقسوة تندلع بعينيها :
- اطلع بره انت كمان ملكش مكان في بيتي !
صدم من قسوتها ألم تكن هي أحن أبناءه ..صدق من قال ان الأيام تصنع من الإنسان وحشاً وأليس من رحم الشدة تولد القسوة!  تنهد بثقل وعيناه تدمعان بانكسار ليغادر مسرعاً وكأن الهروب هو الحل لكل العوائق !...
بينما هي تغلق الباب وتستند عليه تتنفس بألم فجزء بداخلها يطالبها بالغفران والاستكانة بين أحضان والدها التي لطالما تمنتها!  وجزء أخر يصرخ بها بالجمود والقسوة فمن اخطأ يجب ان يعاقب وبين هذا وذاك هي محطمة هشة شبح أنثي دمرتها الأيام ... !!!

رمشت لتفتح عيناها بصعوبة وتشعر بأن رأسها سينفجر من الألم اعتدلت جالسة لتجده يلج الي الغرفة حاملاً الافطار والقهوة ، عبست ملامحها وأخر ما تتذكره هو حديثه مع تلك الفتاة...لكن ماذا حدث بعدها وكيف وصلت الي الغرفة!؟ جلس بجوارها ليضع الطعام أمامها لتقول بعبوس :

- هو ايه الي حصل امبارح بعد ما خنتني ؟
ضحك بخفوت ليقول بهدوء :
- يا بيبي انا مخنتكيش دي واحدة كان بتسأل علي حاجة مش أكتر ...
رمقته بحنق لتتسأل بعبوس :
- وأنا جيت هنا إزاي ؟
حمحم ليردف بحذر :
- أصلك شربتي جامد امبارح ومحستيش بحاجة وانا جبتك هنا و...

قاطعته بشك :

- شربت ايه ؟ لا متقولش !
تماسك ليمنع ابتسامته من الظهور ليومأ له بأسف ، صدم بها تشرع ببكاء عنيف وتخفي وجهها بين كفيها ليجذبها اليه ويحتضنها بقوة قائلاً بلطف :
- اهدي يا ميرا انتي مكنتيش تعرفي انها خمرة أكيد ؟
أومأت له ببكاء وهي تلوم نفسها بقوة فكيف لم تنتبه وتجرعت هذه المحرمات...
، هدأت بعد عدة دقائق تحت وقع كلماته الحانية ليطعمها بيدها ثم يقرر أخذها لنزهه حتي ينسيها ما حدث....

ابتسامتها الهادئة لم تغادر شفتيها وهو يواصل تصويرها من مختلف الزوايا لتقول :

- ما كفاية تصوير بقي يا چو...
ابتسم ابتسامته التي تزيده جاذبية قائلاً بعبث :
- حد يبقي معاه القمر ده وميصورهوش يا قلب چو !
ضحكت بخجل ليتابع كلاهما السير مستمتعين بالأثار والمعالم السياحية ليقول فجأة :
- استني ده...ده مؤيد  ! جوز ليلي !
التفتت لتجد شاب يسير في الجهة الأخرى ويتحدث بالهاتف ليذهب كلاهما اليه وعلي حين غرة يقف "يوسف" أمامه ويصافحه بابتسامة فقد أشتاق لشقيقته الصغيرة بشدة ،قطب "مؤيد" جبينه باستغراب لكن سرعاً ما حلت صدمة جلية علي وجهه حين قال "يوسف " :
- إزيك يا مؤيد ؟ مش فاكرني ؟ أنا يوسف أخو ليلي...مراتك !

زفرت بضيق حين فشلت في إعداد الطعام لتجيب علي الهاتف ليصدع صوته المحبب اليها :

- اشتقت اليكِ...قطتي البرية !
ابتسمت رغماً عنها لذلك اللقب لتقول بخفوت :
- وأنا أيضاً....
اعتدل بكرسيه ليقول بمشاكسة :
- ما بها صغيرتي عابسة ؟
تذكرت فوراً الطعام الذي أفسدته لتجيبه بعبوس كطفلة صغيرة :
- سأخبرك لكن إياك أن تسخر مني !
ضحك بخفوت علي طفوليتها مردفاً بابتسامة :
- حسناً لن أفعل...أخبريني ما الذي يزعجك ؟

نفخت بضيق قائلة بتذمر طفولي :

- لم أستطع إعداد الباستا وانا جائعة بشدة...
جمح ضحكاته بصعوبة ليبتسم بحنو ثم وضع هاتفه جانباً وهو يرفع سماعه الهاتف الخاص بمكتبه قائلاً :
- أريد أفضل باستا بلندن ترسل في خلال دقائق الي العنوان الذي سأعطيكِ إياه...
رفع هاتفه لتقول بضيق :
- ألم يعلمك احداً عزيزي الا تترك الهاتف حين تتحدث مع أحد ؟

أغلق الأوراق أمامه ونهض ليجلس علي الأريكة قائلاً بصوت الهادئ :

- بل صغيرتي التي لم يعلمها أحداً كيف تتحدث مع زوجها المستقبلي !
جلست بالشرفة ووضعت صورته جانبها لتتطلع عليها بابتسامة وهي ترد بعبث :
- ومن أخبرك إني سأوافق علي الزواج بك لربما أرفض...
ابتسامة جانبية زينت ثغرة قائلاً :
- وهل تملكين حق الاختيار ؟ جربي أن ترفضي وأقسم ان أختطفك في التو واللحظة !
ضحكن ملئ فمها لترد من بين ضحكاتها :
- لم أدري إنني أحببت خاطفاً !

صدع رنين الباب لتنهض قائلة باستغراب :

- داني...هل هذا أنت هل جئت حقاً ؟
ليردف بجدية :
- لا صغيرتي سأدع جنوني لوقت أخر الان افتحي الباب ستجدين عامل توصيل الطعام خذي طعامك وإياك والتحدث معه او الابتسام في وجهه !
ابتسمت بفرح كطفلة صغيرة لتهرع الي الباب وتفتحه بحماس شديد لتتجمد ابتسامتها وترتفع ضربات قلبها حتي سقط الهاتف من يدها لتهمس بصدمة وجسدها ينتفض برعب :
- يو...يوسف ... !!!
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الثاني والعشرون بعنوان: عراك

لم تبرح باله تلك المطلقة الصغيرة لينهض ويقبل جبين طفلته ويدثرها جيداً ويخرج ، جلس بالشرفة ليتصل بها بعد أن حصل علي رقم هاتفها بطرقه الخاصة ليصله صوتها مبوحاً :

- ألو ...
ابتلع ريقه ليردف بنبرته الهادئة :
- إزيك يا سارة ؟ أنا المقدم إلياس !
صمتت لبرهه لترد باندفاع :
- ليه عايز تتجوزني ؟ ...

استغرب من سؤالها الجريء ليرد بهدوء :

- مش هكدب وأقول وقعت في غرامك والكلام ده ... انا أخترتك لإنك مناسبة ليا ولظروفي انتي مطلقة وانا كمان مطلق انتي معاكي عيال وانا كمان معايا بنت ...
التوي ثغرها بسخرية لتهتف بتهكم :
- علشان تضمن ان محدش يعاير التاني بتطبق مثل لا تعايرني ولا أعايرك الهم طايلني وطايلك مش كده ؟
لتضحك بسخرية أليمة استغرب سخريتها رغم انه واقع بالفعل لا ينكر أنه اختارها لهذا السبب لكنه معجب بها أيضاً ليقول بتردد :
- انتي كويسة ؟

لم تقوي علي الرد لتغلق الهاتف مسرعة حتي تسمح لدموعها الحبيسة بالتحرر فهي لا تود الزواج مرة أخرى ولكن لا ترغب أن تثقل كاهل شقيقها بمشكلاتها التي لا تنتهي يكفي ما به وما حدث لزوجته لتقرر تحمل كل ما يحدث لها دون معين او مساعدة من أحد فإن كان زواجها الثاني سيحميها من طليقها فليكن إذن ، رفعت الهاتف لتقول بنبرة جامدة يتخللها الألم وتخفي خلفها رغبة عارمة في الصراخ :

- إلياس...أنا موافقة نتجوز ... !!!

التوي ثغره بابتسامة شيطانية وعيناه تقدحان شزراً أغلقت الباب مسرعة ليدفعه ويدلف جاذباً إياها من خصلاتها بقسوة قائلاً :

- فاكراني يا ليلي ولا عيشتك الزبالة نسيتك أخوكي ؟!.
صرخت بألم ليكمل هادراً بغضب :
- واحنا الي فكرينك متجوزة اتاري الهانم اطلقت ودايرة علي حل شعرها !!!
هبط كفه علي وجنتها بقسوة في صفعة مؤلمة لتصرخ ببكاء وتدفعه محاولة الخروج ليسارع بإمساكها مرة أخرى وهو يكرر صفعها هادراً بصوت جهوري :
- أنا هوريكي يا **** يا ****
لم تستطع الرد وكأنها تخدرت من كثرة صفعاته المؤلمة ، ظل يضربها بقسوة غافلاً عن الهاتف الذي كان ملقي أرضاً والمكالمة مازالت مفتوحة !!!

ركض بأقصى ما لديه من سرعة قلب ينتفض فزعاً حتي اصطدم بالكثيرين بعنف والجميع في دهشة أن مديرهم الهادئ بارد الطباع يركض بهذا الشكل صارخاً بصوت جهوري للجميع أن يبتعد عن طريقه! وهو يصرخ بالهاتف بعصبية مفرطة :

- اتركها أيها الوغد ! سأقتلك إن أذيتها اتركها !

وصل الي سيارته ليدفع السائق جانباً ويستقلها ويقود بأقصى سرعة ممكناً ، ضرب المقود بعنف وهو يلعن ويسب فكيف تجرأ أحد علي المساس بها بسوء ، وصل الي منزلها ليترجل ويلتقط سلاحه من خلف سترته ويصعد لأعلي ركضاً بأنفاس نارية وعينان كالجمر المشتعل يخيف كل من يراه! وصل الي شقتها ليرفع سلاحه ويطلق علي الباب ويركله بعنف ليدخل كالوحش الكاسر لا يري أمامه ليصدمه بأن ذلك الغريب يمسك صغيرته ويضربها بعنف! اشتعلت النيران بداخله ليجذبه ويلكمه بعنف وفي أقل من ثواني تحولت الي معركة أولاد الشوارع! ، انزوت جانباً وهي ترتجف ببكاء وتطالع صراعهم العنيف فقوة "يوسف" تضاهي قوة "دانيال" لتسمع صراخ أخيه وهو يلكمه بعنف :

- وده كمان من ضمن زباينك ال*** وديني لقتلكم سوا !

رد له لكمته هادراً بعنف :

- لا توجه لها حديثاً أيها اللعين ! مشكلتك معي مهماً تكن !
احتد الصراع والشجار العنيف بينهم وهي فقط تبكي بخوف وصدمة فكيف وصل اليها وبالتأكيد سيأخذها ليقتلها ويغسل عاره كما يظن!

تأففت بقلق ولم تعد تحتمل الجلوس بالسيارة بانتظاره فقد اكد عليها بعصبية الا تتحرك من السيارة بعد أن استطاع الوصول لشقيقته في بضع ساعات بعلاقاته ، فكرت انه بالتأكيد سيؤذيها فهي أعلم الناس بجنونه حسمت أمرها لتترجل وتصعد لأعلي ...

صدمت حين وجدت "يوسف" يتصارع مع ذلك الرجل الذي يبدو أجنبياً لتصرخ :
- يوسف ... سيبه انت بتعمل ايه ... بس كفاية !

تجرأت أكثر لتدفع كلاهما وتفصلهما عن بعض وتقف كالحائل بينهم وكلاهما يتبادلان النظرات المشتعلة وعلي أتم استعداد للفتك بالأخر! لتشير بيدها لذلك الغريب قائلة بنهيج بالإنجليزية :

- حسناً ... مهما كنت نحن لا نريد المشاكل هذه الفتاة شقيقته وقد أتينا لنأخذها فقط ...
ارتخت ملامحه الحادة حين علم هوية ذلك الهمجي ليقول بنبرته المهيمنة :
- وأنا أكون خطيب شقيقتك وزفافنا بعد بضع أيام ! لذا من الأفضل ان نجلس لنتحدث بهدوء ...

اومأت "ميرا" رغم دهشتها لتجذب كف "يوسف" وتهدئه ببضع كلمات وتجبره علي الجلوس في حين أن "دانيال" اقترب من صغيرته وهو يطالعها بألم يرغب في ضمها اليه والتهدئة من روعها ولكنه لن يستطيع في وجود أخيها ليحاوط كتفيها ويساعدها علي النهوض ويضعها برفق علي أحد الأرائك ويغيب ليعود حاملاً كوباً من الماء البارد ليعطيه لها ويجلس جوارها ويمسح الدماء النازفة من فمه ويرفع بصره ويقول بلهجة حادة :

- بصفتي زوج ليلي المستقبلي من حقي أن أعلم لما أتيت والان تحديداً ؟

بادلته نظراته الحادة ليهتف بسخرية حادة :

- لقد قررت المجيء لأحضر شقيقتي العاهرة فيكفي ما جنته للأن !!!
- إياك ان تتحدث عنها بهذه الطريقة !
هدر به بعصبية أخافت تلك المرتعدة بجواره لينتبه لها ويتابع بنبرة اقل حدة :
- استمع لي جيداً ... شقيقتك ليست عاهرة بل هي أفضل فتاة رأيتها انا أعرفها منذ ثلاث سنوات واعتنيت بها جيداً ولم امسسها بسوء ولكي تطمئن عقليتك الشرقية اللعينة ... شقيقتك كما هي لم يمسسها رجل من قبل !

لا ينكر ان كلماته قد هدأت قليلاً من النيران المشتعلة بداخله ليردف بجمود مغالباً رغبته في سفك دماء ذلك الأجنبي اللعين :

- كويس ...ياريت الهانم تقوم تحضر شنطتها علشان هترجع معايا مصر !
دمعت عيناها بخوف لتوجه بصرها نحو "دانيال" تتوسله بعيناها قطب جبينه من نظرتها المتوسلة فهو لم يفهم ما قاله "يوسف" لتترجم له فيخفق قلبه بقوة من فكرة رحيلها ليجبر نفسه علي الهدوء فهو الطرف الأضعف الأن ولن يستطيع أخذها من شقيقها ! هدأت نظراته ليلتفت له ويهتف بقوة :
- ليلي لن تترك لندن اخبرتك انها بخير وسنتزوج بعد بضع أيام ...

ابتسم بشر ليهتف بحده :

- ليلي ستعود معي والأن ! اما بالنسبة لك فيكفي ما فعلته لأجلها وانك مازالت علي قيد الحياة! أما شقيقتي ستعود لموطنها وستتزوج من شخص من اختياري ! فكما تقول أنا شرقي وعاداتنا لا تمنح للفتاة فرصة اتخاذ القرارات خاصة إذا كانت مخطأة !
تأزم الوضع ليقول بنبرة هادئة نسبياً :
- ماذا اذا سافرت اليكم الي مصر وطلبتها للزواج ؟
رفع حاجبه لجرأته فيبدو أنه يرغب بها حقاً ليقول ببرود :
- حينها سأفكر بالأمر إذا كنت مناسباً لها!

اومأ له ليلتفت لها ويقول مهدئاً بلطف :

- حسناً صغيرتي لا تقلقي عودي مع أخيكي وأقسم انني لن أتركك سألحقك بعد ايام معدودة وسأتزوجك رغماً عن الجميع ! أنا لن اتخلي عنكِ ... !
غضب "يوسف" من حديثه معها بهذه الطريقة وما أثار دهشته ابتسامتها البسيطة وهي تومأ له وتنهض لتحزم أمتعتها استعداداً للرحيل! فاق علي صوته الآمر :
- فعلت ما تريد وشقيقتك ستعود معك ولكن عدني ألا يؤذيها أحداً ... انت مازالت لا تعلم من أنا وما انا قادر علي فعله ...أنا أدعي دانيال ابراهام صاحب اكبر شركات في لندن شركات d$A !

بالطبع علم هويته فمن لا يعرف ماركة شركاته في الاقتصاد العالمي! ليشتعل غضباً من تهديده وكاد يشتبك معه مرة أخرى لتسارع "ميرا" قائلة بصدق :

- لن يؤذيها أحد أعدك !
نزل لأسفل تحت إلحاح "ميرا" ان يتركها تودعه فمهما حدث فقد أعتني بها لثلاث سنوات! علي شرط ان يتركها هي برفقتهم ، طالعها بحزن ليرفع كفها ويقبله بدلاً من أن يقبل وجنتها الحمراء من صفعات "يوسف" قائلاً بحنان :
- سألحق بكِ هذه فترة مؤقته وستعودين إلي ... بين ذراعي الي موطنك ومأواكِ ... فطفلتي لن تستطيع الحياة بدوني ... !!

ابتسمت من بين دموعها ولم تستطع السيطرة علي رغبتها باحتضانه وليذهب الخوف الي الجحيم اندفعت تتشبث به ببكاءً أمام أنظار تلك التي تطالعهم بصمت وقد أدركتك مدي الحب بينهم وهي أعلم الناس بالهوي وما يرافقه من ألم لتحمحم بحرج قبل أن يأتي "يوسف" ويحطم المنزل فوق رؤوسهم ، أبعدها برفق وهو يميل ليقبل جبينها برقة ويهمس :

- اعتني بنفسك صغيرتي ...
همست بالمقابل :
- لا تقلق فأظافر قطتك البرية نشبت ولن تسمح لأحد بإيذائها مرة أخري !
ضحك بألم ليتركها وتغادر برفقة "ميرا" وكأنها نزعت قلبه لتأخذه وترحل تاركه إياه كالجسد بلا روح ...

لم تنطق بحرف طول رحلة عودتهم الي أرض الوطن حتي وصل بهم الي منزله ومان أن دلفوا الي الداخل ليرمقها بضيق قائلاً بتهديد وهو يشير الي أحد الغرف :

- الأوضة دي هتبقي بتاعتك مفيش خروج منها الا بإذني واي نفس هيطلع منك هيطلع بإذني الأول...ولو كنا سيبنالك الحبل مايل فده علشان كنت فاكرينك متجوزة ! مش مدوراها ! ... إعتبري نفسك في سجن بس نضيف شوية ... !
طالعته ببرود لتقترب وابتسامة ساخرة تزين ثغرها قائلة بتهكم :
- أوعى تكون فاكر الشويتين الي عملتهم عليا في لندن خوفوني ... أنا واحدة حرة مستقلة ومش تحت أمرك ! ده غير ان دور الأخ الحامي الي اتصدم في أخته ده مش لايق عليك يا يوسف ولا أقولك يا چو ؟

تعمدت ذكر لقب "چو"مشيرة الي علاقاته النسائية المتعددة ، اشتعلت عيناه واقترب لتسارع "ميرا" بالوقوف بينهم كالحائل وهي تقول بلطف وابتسامة متوترة :

- ليلي حبيبتي معلش ادخلي استريحي انتي في اوضتك ونبقي نتكلم بعدين ...
التفتت لها قائلة ببرود :
- لو عايزة تساعدي بجد ساعدي جوزك وفهميه ان انا مش اخته ولا عمري هكون ! واقامتي هنا مؤقتة ... ابتسمت بخبث قائلة ببراءة زائفة :
- واتمني انبسط معاكوا ...
وتركتهم ودلفت الي غرفتها ببساطة! وكأنها لم تنتزع فتيل غضبه ببرودها وردها الوقح! وضعت كفها علي وجهه تلتمسه برقة قائلة بهدوء :
- يوسف الأمور مش بتتاخد كده انت لازم تتفاهم مع اختك !

دفع كفها بغضب قائلاً :

- أتفاهم مع مين ؟ دي واحدة *** وعايزة تجيب سمعتنا الأرض بس وديني لأربيها من اول وجديد !
تركها واندفع الي غرفتهم بغضب لتتنهد بضيق وتتجه نحو غرفة "ليلي" لعلها تتفاهم معها فتحت الباب لتدلف بابتسامة بسيطة قائلة بلطف :
- أحنا متعرفناش كويس ... أنا ميرا !
رفعت حاجبها ببرود لتنهض وتقف قبالتها وهي تطالعها باحتقار قائلة :
- أنا مبحبش اتكلم كتير قولتلك إقامتي هنا مؤقتة ولحد ما تنتهي مش عايزة أتعرف عليكوا ولا أسمع صوتكم ولا ألمحكم حتي! فوفري الحنية دي لجوزك الهمجي ده ...!!!

اختفت ابتسامتها لتعتدل في وقفتها ويحتل البرود ملامحها قائلة بجمود :

- هعتبر نفسي مسمعتش حاجة! علشان زعلى وحش اوي ومحبش انك تجربيه في أول يوم ليكي هنا تصبحي علي خير!
وتركتها وغادرت بكبرياء لتغلق خلفها الباب لتركله الأخرى بغيظ فقد ظنت أنها ستحزن لإهانتها او تصمت كما يظهر عليها لكنها فاجأتها بنظراتها القوية التي لا تنكر أنها أخافتها بحق! كيف تكون بتلك الطيبة وبتلك القوة! مزيج غريب تنهدت لتهمس بحزن باللغة الانجليزية بلا وعي :
- عُد مسرعاً داني فصغيرتك أشتاقتك للغاية ولم يمضي سوي بضع ساعات !

أمسك تلك الصورة مصغرة بحزن هامساً :

- اشتقت إليك أبي ! أنا اليوم سأعود الي الوطن العربي رغم أني لا اذكر الكثير من طفولتي لكن عطفك ودفئك لم يغب عن قلبي أتمني أن أجدك أبي !
وضع تلك الصورة بأغراضه ليغادر ويصعد بسيارته قادها حتي وصل الي أحد المنازل الفخمة دلف الي الداخل ليصله صوتها الرقيق الساخر رغم سنوات عمرها التي تخطت الخمسون :
- ما الذي أتي بك الي هنا بعد كل هذه السنوات ؟! ولا تقل أنك اشتقت اليّ !
ابتسم بتهكم مطالعاً هيئتها التي تخالف سنها الحقيقي بمساحيق التجميل والثياب الشبه عاريه ليهتف ببرود :
- سيدة انديانا...لا تأملي كثيراً بزيارتي فقط جئت لغرض محدد وسأغادر فوراً...

ابتسمت ساخرة بألم من نبرته لترجع خصلاتها الشقراء للخلف لتقول بجمود تخفي خلفه مشاعرها المتألمة ورغبتها في ضمه ولو لمرة واحدة! :

- قل ما لديك واغرب عن وجهي فأنا لدي الكثير من الأعمال !
ابتسم ببرود ليقول ببرود :
- ما هي الدولة التي يعيش بها أبي ؟
انتفضت لتهب واقفة وهي تقول بصدمة :
- إياك ان تفكر بترك لندن والرحيل !
لم يعير اهتماماً لصدمتها ليكمل سؤاله بصرامة :
- أين يعيش أبي تحديداً ؟

ترقرقت الدموع بعينيها وهي تدرك أن كل ما فعلته راح هباءً أجل يعاملها بجفاف لكن علي الأقل كان تحت ناظريها وليس ببلادً اخرى بعيدة لترد بغضب :

- بالطبع تريد الذهاب الي الوطن العربي من أجل تلك الشرقية اللعينة ! أليس كذالك ؟!
ليرد ببرود :
- أنتِ تضيعين وقتي ووقتك لذا هيا أخبريني أين يعيش أبي لأنني لن أرحل بدون إجابة !
اقتربت لتردف بغضب :
- داني! لا تنسي اتفاقنا لا يمكنك تركي والرحيل!
- أنا لم أكن بجوارك من قبل حتي اتركك!
قالها بقسوة ألمتها لترد بقسوة مماثلة :
- لماذا ترغب برؤيته انه رجل لعين لا يحبك بقدر ما أفعل أنا فلتخبرني لماذا لم يبحث عنك طوال تلك السنوات ؟ لقد مضي عشرون عاماً ولم يجدك أم لم يبحث من الأساس ؟

أغمض عينيه بقوة ليردف بجمود :

- اتبعت أوامركِ طوال تلك السنوات ولم أبحث عنه مطلقاً لكن هذا يكفي سأذهب الي الشرق وأحضر زوجتي وأبي!
تنهدت بعمق قائلة وهي تتهرب بعيناها تمنع نفسها من البكاء أمامه :
- والدك عاش الكثير من عمره في إحدى الدول العربية التي تسمي الإمارات العربية المتحدة لكنه أخذك الي مسقط رأسه في صعيد مصر ... !!!

حصل علي مراده ليخرج بهيبته كما أتي يتذكر وقت اختطفته واحضرته مجدداً الي لندن وودت تغير ديانته ليمنعها مترجياً اياها ألا تفعل فتلك الديانة حتي لو لم يكن يعلم عنها الكثير لكنها أخر ذكري علمها والده له لتوافق ان يحتفظ بديانة أبيه بشرط الا يحاول البحث عنه مجدداً ! وبالفعل طبق حديثها لتتوالي السنوات ويشعر بكونه وحيداً ليأتي يوماً وتتزوج والدته تذكر لمحات من الماضي حين كان يضربه زوجها وهي لا تحرك ساكناً وتردد :

- أنت ولد وقح تحدث جيداً مع أبيك!
أغمض عيناه بقوة ليكمل قيادته في طريقه الي المطار مقرراً استعادة صغيرته وأبيه ...

- يعني أيه طلقتها وسافرت ؟

هتف بها "يوسف" بانفعال وهو يحادث والده ليرد الأخير عليه ببرود :
- الي حصل يا يوسف أنا وامك مكناش مرتاحين مع بعض وانفصلنا الموضوع انتهي...
اغتاظ من بروده ليصيح بغضب :
- يعني مش مرتاحين وجاين تفتكروا ده دلوقتي وانتوا عندكوا أحفاد! وازاي ماما تسافر من غير ما تقولي ؟

- الخطوة كان المفروض ناخدها من زمان ومامتك سافرت تغير جو بس وهترجع المهم ليلي عاملة أيه ؟ أنا عايز أجي أشوفها ؟

قال كلمته الأخيرة بلهفة أب مشتاق الي طفلته وبالفعل "ليلي" كان لها مكانة خاصة في قلبه لكونها الصغيرة اشتاق لخجلها وهدوءها وبكاءها إذا أحزنها احدهم بكلمة! ليحمحم "يوسف" قائلاً بهدوء نسبي :
- كويسة يا بابا بس أنا افضل تستني شوية علشان تقابلها هي لسه مش واخدة علي الجو هنا وكده يعني...

كذب فهو لا يريد لأبيه أن يراها فهي أصبحت وقحة كثيراً شتان بين حالها في لندن في وجود ذلك الاجنبي كان ضعيفة وترتجف بخوف ليهرع اليها كطفلة صغيرة! وبعد رحيلهم ظهرت انيابها فهي علي أتم استعداد للعراك معه! أنهي الحديث مع والده متذعراً بأي حجة خرقاء ليغلق هاتفه ويستغل خروج "ميرا" للتبضع لينفرد بتلك الوقحة دق الباب ليدلف الي غرفتها فيجدها ترتدي بنطالً اسود ملتصق بها ومن الأعلي منامة سوداء يرتسم عليه جمجمة مخيفة! وتضع السماعات بأذنها ولم تعبئ لدخوله ليحمحم ويجلس علي الأريكة أمامها بعد ان نزع سماعة الأذن في طريقه ، وضع ساق فوق الأخرى ليغمغم ببرود :

- أظن الوضع ده مش هينفع احنا محتاجين نتكلم! أنا عايز أعرف كل الي حصلك من ساعة ما اتجوزتي مؤيد وسافرتي وبالتفصيل!

التوي ثغرها بابتسامة ساخرة لتردف بتهكم :

- مانت عرفت كل حاجة سافرت واطلقت من مؤيد بعد جوازنا بكام ساعة وقابلت دانيال وطبعاً انت عارف الباقي كنت ماشيه علي حل شعري ومقضياها مع كل واحد شوية !
غامت عيناه بغضب لينهض مقرراً صفعها ليفاجئ بها تمسك كفه قبل أن يصلها الي وجهها وتدفعه بعنف! هادرة بشراسة :
- إياك تفكر تعملها! المرة الي فاتت خدتني علي خوانة المرة دي مش هسمحلك تقربلي! لو فاكر نفسك أخويا ومن حقك تعمل كده فانت فقدت الحق ده من زمان!
جذبها من خصلاتها بقسوة هامساً بعنف :
- شيفاني أخوكي ولا لأ ده مش هيغير من الواقع اني أخوكِ ومن حقي ادفنك مطرحك لو عملتي حاجة غلط!

ابتسمت بألم من قبضته لتهمس ببطء :

- وانت مين هيحاسبك ؟ أنا مهما عملت عمري ما هوصل ل*** دانت عرفت ستات بعدد شعر راسك وجاي تحاسبني اني حبيت الرجل الي وقف جمبي!
شدد قبضته علي خصلاتها لتقابل وجهه وهو يشد قبضته هامساً بتهكم :
- أنا راجل! مهما عملت محدش هيحاسبني ولا حد هيبصلي أما انتي بنت يعني لو اتنفستي كله هيحاسبك النفس ده طالع في وقته ولا متأخر!
ضحكت بألم هامسه :
- عارف...معاك حق بس انا لو الدنيا كلها هتحاسبني هيبقي أرحم بكتير من حسابك مع ربنا!
وكأنها صفعته بكلمتها! "حساب الله" كأنها ضربة قوية لضميره النائم في ثبات عميق! تركها لينظر لها بغضب ويغادر دون إضافة كلمة واحدة ...

جلس يشاهد التلفاز وهو يلمس علي خصلات صغيرته ويقبلها من حين لأخر وهي قابعه بين احضانه تستمتع بدفئه لتقطع الصمت قائلة بتذمر طفولي :

- هي تيتا بتعمل أيه كل ده ؟ أحنا...قربنا نموت من الجوع!
قهقه بخفه ليقول بلطف :
- تيتا بتحب تاخد وقتها يا روحي بعيد عنك السمنة البلدي وعمايلها...
قالها بحسره علي طعام والدته المشبع بالسمن لتقول الصغيرة بعدم فهم :
- يعني أيه سمن بلدية دي يا بابتي ؟
ضحك ليقبلها من وجنتيها المكتزة التي تجعله يرغب بتقبيلها ليلاً ونهاراً فهي كقطعة حلوة ليردف :
- دي حاجة كده بيطبخوا بيها متاخديش في بالك يا توتا...

نزلت من علي قدميه للتقول بحماس طفولي :

- أنا هروح اشوف تيتا وهي بتعمل الأكل بحب أتفرج عليها...
اومأ لها لتهرع الي المطبخ ليبتسم بحنو علي براءتها وكونها تستأذنه حتي في أبسط الأشياء وكأنها تثبت له أنها افضل قرار اتخذه!
تسللت الصغيرة الي المطبخ بخطوات بطيئة قاصدة إخافة جدتها علي سبيل المزاح لتتسمر قدماها حين رأتها تضع الطعام علي المقلاة فارتفعت النيران فجأة وكأنها اندلعت بعينيها لتتراجع خطوات الي الخلف وهي تشهق بعنف وهي تري النيران تأكل كل ما حولها وصراخ مخيف يدوي بأذنها وشهقاتها تعلو بصورة مخيفة...
نهض "إلياس" ليري صغيرته واقفة أمام المطبخ بلا حراك ووالدته تطهو الطعام ولا يبدو انها انتبهت لوجودها ليقترب فتصدمه تلك الشهقات المخيفة هرع اليها ليصيح بقلق :
- تقي... مالك ؟! ايه الي حصل؟

لم تجيب ولم تحول بصرها عن تلك النقطة في الفراغ والدماء بدأت تنسحب من وجهها وشفتيها تميل للون الأزرق جثي علي ركبتيه وهو يحتضن وجهها قائلاً بقلق :

- اهدي يا روحي...اهدي وخدي نفسك أنا هنا...بابا هنا...ركزي معايا وحاولي تاخدي نفسك!
- يا نصيبتي البت مالها يا الياس ؟
صرخت بها والدته بفزع حين رأت شحوب بشرتها وعدم قدرتها علي التنفس! أدرك من عينيها المفزوعة أنها لا تراه انها بقلب ذكري سيئة ليصرخ بانفعال :
- تقي! بصيلي انا إلياس! تقي اتنفسي علشان خاطري!

شهقاتها صارت مرعبة بحق ليحملها ويركض للخارج مسرعاً متجاهلاً صراخ والدته الباكية والمرتعبة علي الصغيرة! ، صعد الي سيارته ومازال يضمها لصدره قاد مسرعاً ومازال يهمس بأذنها انه بجوارها ويضمها أكثر لصدره حتي شعر بجسدها يهدأ واختفت شهقاتها! واختفت دقاتها الهادة التي كانت تضرب صدره ليرفع وجهها الشاحب وجسدها الذي بدأت البرودة تتسلل اليه هامساً بصدمة :

- لا لا...تقي ... !!!
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الثالث والعشرون بعنوان: دماء

حطت الطائرة علي الأراضي المصرية ليتنهد براحه غريبة ربما لأنه سيقابل والده ام تلك الارض التي عاش لعشرة سنوات من عمره عليها ارتدي نظاراته السواء التي تتماشي مع بذلته القاتمة ليخرج الي المطار بخطوات واثقة قوية وهيبته تفرض نفسها بقوة ليخرج ويبحث بعيناه عن السيارة التي من المفترض ان تقله الي وجهته ليأتيه صوتاً أجش قائلاً بترحاب مبالغ :

- welcome يا بيه.

رمقه باستحقار ليتابع البحث بعينيه ليردف الرجل بسماجة وهو يحاول اخذ حقيبته :

- تاكسي يا بيه ؟ welcome والله
لم يفهم منه شيئاً سوي انه يرغب في توصيله ابتعد عنه قليلاً ليقول بضيق بلغته الإنجليزية :
- ابتعد...أنا لم أطلب منك شيئاً!
عبست ملامح الرجل من غروره رغم عدم فهمه لما قال فهو يحفظ بضع كلمات لتساعده علي التحدث مع الأجانب ليس الا ليبتعد قائلاً بامتعاض :
- يا عم في داهيه يعني كنت هوصل السفير!

لم يستمع جيداً لما قاله لكن يبدو من ملامحه انه يسبه اقترب في نيته التشاجر ليصل صوت السائق قائلاً بأسف :

- أعتذر عن التأخر سيد دانيال فالطريق كان مزدحم للغاية...
رمي بحقائبه ارضاً ليصعد الي السيارة ببرود ، حملها السائق ووضعها بسيارته وانطلق في طريقه...
امتعضت ملامحه وهو يتابع ذلك الطريق المزدحم حتي توقفت السيارة في إحدى الاشارات المرورية ليصدم بفتاة تكاد ان تدخل رأسها من زجاج سيارته قائلة بترجي مبالغ به :
- اللهي يسترك يا بيه حاجة لله...ربنا ما يوقعك في ضيقة...

هتف بالسائق بعدم فهم :

- ماذا تقول تلك الفتاة ؟ ولما تتصرف بهذا الشكل الغير مهذب ؟
صاح بها السائق لترحل لكنها أصرت ليقول باستسلام :
- سيدي...انها تطلب المال فهي من المتسولون...
رفع حاجبه بتعجب قائلاً :
- وهل يتسول شخص بهذه الطريقة ؟
ضحك السائق قائلاً :
- أجل تلك هي طرق التسول هنا...مرحباً بك في مصر سيدي!

فتحت الإشارة ليشير له بالتوقف جانباً لتهرع اليه الفتاة بلهفة ، أخرج حفنة من النقود ليعيطها للسائق قائلاً بهدوء :

- أعطيها هذه الأموال وأطلب منها الا تتسول بتلك الطريقة مرة أخرى فهي فتاة صغيرة وقد يؤذيها أحداً ما !
تفاجئ السائق حقاً فمن يعطي هذه المبالغ لفتاة تتسول! بل وينصحها أيضاً علي الرغم من عجرفته يبدو طيب القلب ليعطيها النقود ويقول لها ما أخبره به لتلتمع عيناها بفرح وتقول بقلة حيلة :
- ياريته كان بإيدي يا بيه احنا عالم غلابه ومجبورين نعمل كده علشان نعيش.

رغم أنه لم يفهم حديثها لكنه لمح حزن عميق بعيناها ليترجم له السائق ما قالته ، فأخرج ورقة صغيرة ودون عليها بضعة ارقام ليعيطها للسائق قائلاً بنبرته الجادة :

- أعطيها هذه الورقة واخبرها انه رقم هاتفي وان تحادثني اذا احتاجت شيئاً او اصابها مكروه...
أخذتها الفتاة بسعادة وهي ترمقه بامتنان داعية له بالكثير رغم عدم فهمه لكنه ابتسم لها بحنو فهي صغيرة العمر تبدو أنها لم تصل الي الثانية عشر من عمرها ليأمر السائق بجمود بعد ان اعاد نظاراته :
- هيا فلتكمل طريقك...

بعد ان رحل ذلك الرجل الكريم رغم كونه أجنبياً هرعت الي اقرب مطعم لتشتري لرفاقها الطعام وهي تبتسم بسعادة بالغة وصلت الي ذلك الحي الفقير ذو المباني المتهالكة واتجهت نحو أحد المخازن التي تأكلها الصدأ لتدلف قائلة بلهفة وصوت عالٍ :

- أنا جبت اكل تعالوا بسرعة يالا يا ياض انت وهي !
هرع جميع الأطفال اليها ليبدأ بتناول الطعام بشراهة كما لم يأكلوا منذ قرون! ليصلهم صوت زعيمهم الغاضب :
- ده ايه العز ده كله يا روح امك انت وهي ؟ مين جاب الأكل الأبهة ده ؟

نهضت الفتاة بارتجاف قائلة بتقطع :

- أنا...أنا الي جبته يا معلم!
جذب خصلاتها بعنف هادراً بقسوة :
- وجبتيه منين بقي يا روح امك ؟ ده كباب وكفته ومن الغالي كمان يا حيلتها!
بكت الفتاة بخوف ليفتشها بوقاحة حتي اخرج حفنة من النقود ليزمجر بصوته الخشن :
- ده ايه ده بقي ؟ انطقي يا بت هببتي ايه علشان تاخدي الفلوس دي كلها ؟

رددت بارتجاف :

- واحد بيه ربنا يكرمه ادهوملي...
مال ثغره بسخرية قائلاً :
- وهو في حد يدي شحات فلوس كتير كده ؟ انتي هتستعبطي يا بت ؟ يكونش قضي معاكي ليله ؟ قوليلي علشان اشغلك في السكة دي طالما بتجيبي منها فلوس عنب كده ... !!! ما انتي معدتيش صغيرة!
بكت برعب فالتسول أفضل بكثير من بيع جسدها لتردف ببكاءٍ متوسل :
- أبوس أيدك يا معلم متعملش كده والله زي ما بقولك كده أصل البيه شكله اجنبي ومش بيتكلم عربي انا صعبت عليه فاداني الفلوس دي ورحمة اهلي ده الي حصل!
تفحص جسدها الذي بدأت تظهر عليه إمارات الانوثة بوقاحة قائلاً بخبث وهو يترك خصلاتها :
- والله كبرتي وادورتي يا بت يا زُهرة وانا مش واخد بالي!

هوي قلبها ارضاً من كلماته التي لا تعني سوي شئ واحد لترتعد اوصالها حين تسمع لأمره لأحد صبيانه :

- اسمع يالا من بكره تأخد البت دي لستك نعيمة تظبطها علشان عندها طلعة جديدة! وانتي غوري لمي هدومك ولا بلاش نعيمة هتجبلك لبس يليق بشغلانتك الجديدة بدل لبس الشحاتين ده!

جلست واجمة امام النافذة وهي تستمع لصياح شقيقتها الباكية لتقلب عينيها بملل وهي ترفع هاتفها وتتطلع الي صورته باشتياق قاطعها تلك الصياحات بالخارج لتنهض بغضب وتفتح الباب ولم تكد تتحدث حتي اندفعت "سارة" تحتضنها ببكاء قائلة :

- وحشتيني يا ليلي...وحشتني اوي...هنت عليكي كل السنين دي متكلمنيش!
ابتعدت بصدمة حين استشعرت جمودها وانها لم تبادل ضمها لترفع رأسها قائلة ببرود :
- خلصتي الفيلم الهندي والتمثيل الرخيص بتاعك ده ؟... انا محتاجة شوية هدوء ممكن ؟!
وأغلقت الباب بوجهها بهذه البساطة لتشعر بذراعي "يوسف" يضمها من الخلف قائلاً بلطف :
- متزعليش يا سارة انا قولتلك من الأول انها مش قابلة تشوف حد...

دمعت عيناها لتهمس بقهر :

- دي كانت بتعتبرني أمها يا يوسف! أنا نسيت بنتي في وسط مشاكلي لحد ما كرهتني!
مط شفتيه بأسف ليديرها ويمسح دموعها التي انهمرت بغزارة قائلاً برفق :
- هي مكرهتكيش يا سارة...ليلي بتحبك بس محتاجة شوية وقت...خلينا نعتبر ان الي عملته ده طيش شباب لان كلنا غلطنا بس خلاص دلوقتي احنا سوا ومتجمعين تاني وكل حاجة هتبقي تمام!
شبح ابتسامة ارتسم علي وجهها لترد بتعب :
- طب يا يوسف أنا هروح علشان سايبة العيال لوحدها وهبقي أجي تاني انشاء الله...خلي بالك من ليلي ومتقساش عليها احنا لسه منعرفش ايه الي خلاها تعمل كده!
تنهد ليردف بهدوء نسبي :
- حاضر يا سارة متخافيش مش هأذيها هي في الأخر بردو هتفضل أختي الصغيرة مهما عملت !

وانصرفت مغادرة ليتنهد بتعب ويجلس علي الأريكة بجوار "ميرا" الشاردة ، قطب جبينه من صمتها وشرودها ليضربه الادراك انه أغلق باب غرفتهم ونام بمفرده وجعلها تنام بغرفة أخرى ولم ينتبه من شدة غضبه من وقاحة "ليلي" اقترب ليحاوط كتفيها بذراعيه هامساً بعبث متعب :

- الجميل سرحان في ايه ؟ لو فيا فانا جمبك أهو مش محتاجة تسرحي في وسامتي !
لم ترد فقط طالعته بعتاب ليميل ويقبل جبينها برقة كاعتذار عن غضبه عليها ويهبط بقبلاته الي وجنتيها هامساً :
- بحبك...ومش قصدي أزعلك...وقت غضبي مبشوفش حد وانتي عارفة...

لم تستطع منع ابتسامتها من الظهور لتبتعد برأسها قليلاً هامسه :

- حاسة بيك و مطلبتش تبرير لأفعالك بس غصب عني قلبي بيوجعني لما تقسي عليا او تبعد عني!
تأمل عيناها الزرقاء التي أسرته في عشقها منذ أول نظرة ليرفع كفها ويلثمه بحنان دون ان يبعد بصره عن عينيها قائلاً :
- بقي حد يزعل القمر ده ؟ دانا حيوان !
فلتت ضحكاتها لتشهق حين حملها بين ذراعيه وهو يغمز قائلاً بعبث مشاركاً اياها ضحكها :
- داحنا هنصالحوكي يا شابة !

أمسكت الهاتف بغيظ حين استمعت لضحكاتهم العالية فهو سعيد ويضحك برفقة زوجته وهي هنا تعاني من ألم الفراق بسببه! أرسلت له رسالة باللغة الانجليزية تنفث بها عن اشتياقها :

- ظننت أنك ستحارب لتتزوجني وستلحق بي الي مصر لكني اكتشفت اني أحببت وغد لعين !!
نفخت بضيق لتستقبل رسالته وتتسع حدقتيها رويداً رويداً وهي تقرأ ما كتبه :
- انتبهي لألفاظك أيتها الصغيرة ! لا تظني ان وجودكَ في منزل أخيكِ يمنعني من القدوم وتهذيبك فتاتي الوقحة ! ويبدو اني سأعاقبكِ علي أخطاء كثيرة فكيف لم تخبريني ان بلادكم بهذا الزحام!

فلتت منها صرخة سعيدة لتتصل به فوراً وتصرخ بحماس شديد ما ان أجاب :

- داني ! قل انكَ تمزح! انت حقاً بمصر أيها البغيض لما لم تخبرني بوصولك ؟
أبعد الهاتف قليلاً من صراخها العال الذي كاد يثقب أذنه ليقول بضحك :
- اهدئي صغيرتي لقد وصلت الي الفندق للتو!
- متي ستأتي لتطلب يدي ؟ أنا لم أعد أحتمل الجلوس بهذا المكان!
ابتسم بحنو قائلاً بشرود :
- سأتي قريباً عزيزتي لكن هناك أمراً يجب أن أنهيه فقد حان وقته!
قطبت جبينها وما كادت تسأله حتي أدركت عما يتحدث لتهمس بحزن :
- ستقابل أباك اليس كذلك ؟

صمت متنهداً بحرارة فكم اشتاق له لتردف بابتسامة :

- أتعلم داني...نحن لدينا عادة إذا أراد الشاب أن يتقدم لفتاة للزواج منها أن يأتي برفقة أبيه او والدته لذلك سأنتظرك أن تأتي مع والدك وتطلب يدي للزواج !
أغمض عيناها يسيطر علي رغبته باختطافها تلك الصغيرة التي سرقت قلبه وتفهمه من دون كلام وتجيد مواساته والتخفيف عنه رغم المسافات بينهم ليقول بجدية :
- سأغلق الأن وسأحادثك لاحقاً ...
تفهمت رغبته وأغلقت الهاتف لتشرع في تقبيله بعمق كالمراهقات وترتمي علي الفراش هامسه في نفسها :
- هحبك ايه اكتر من كده بس...

وضع رأسه بين كفيه متنهداً بتعب وبالكاد يكبح دموعه بصعوبة ، هب واقفاً حين خرج الطبيب ليتسأل بلهفة :

- هي كويسة صح ؟
أجابه الطبيب بعملية :
- متقلقش يا سيادة المقدم بنت حضرتك بخير هي بس حطينها علي جهاز التنفس بس محتاجك معايا دقيقتين...
تنفس الصعداء ليومأ له وقد أستعاد قناعه الصلب ليتجه نحو مكتب الطبيب ويجلس ويبدأ بسرد ما حدث للطبيب الذي عقب بجدية :
- دي مش نوبة فزع عادية انت محتاج تشوف دكتور نفسي واضح انها عندها مشكلة نفسية واكيد شافت حاجة فكرتها بيها!

مسح وجهه مغمغماً بضيق :

- انا قولت كده برضو لأن لو نوبة فزع كانت استجابت وقعدت كام دقيقة وخلاص بس هي كأنها مش شيفاني أصلاً!
- أنا هكلم دكتور شاطر أعرفه استأذنك دقيقة وهبعتهولك...
غادر الطبيب ليتركه في حيرة من أمره أأ صغيرته تعاني بهذا الشكل تري ماذا حدث معها لتصل الي تلك الحالة قاطعه صوت الطبيب الشاب :
- أهلاً يا سيادة المقدم!
صافحه ليجلس أمامه بابتسامة بسيطة ويطلب منه سرد كل ما يعلمه عن الصغيرة فحكي له كل ما حدث منذ وجدها ليقاطعه بتساؤل :
- لحظة لحظة...انت قولت قالتك ايه لما سألتها هي بنت مين ولا تاهت ازاي ؟

- قالتي انها مش فاكرة حاجة غير انها من يوم وعيت علي الدنيا لاقت نفسها في الشارع وملهاش حد لحد ما العصابة خطفتها هي وكام عيل كمان...

غمغم بتفكير :
- اممم... فقدان ذاكرة! هي مش فاكرة أي حاجة عن حياتها قبل الخطف...كده أكيد في حادثة اثرت عليها لدرجة انها جالها فقدان ذاكرة بنعتبره هروب من الواقع عقلها وسنها الصغير مستحملش الحادثة أياً كانت فقام مسح كل ذكرياتها! طب ايه الي خلاك تفكر انها مش نوبة فزع عادية ؟

صدم مما قاله الطبيب فبالفعل صغيرته لا تذكر شيئاً عن حياتها الماضية لكنه برر ذلك لصغر سنها وأن الأطفال لا يتذكرون كل شئ ولكنه غفل أنهم لا ينسون كل شئ أيضاً! ليهتف :

- علشان نوبة الفزع بتستمر من 5 ثواني لكام دقيقة مش أكتر وغير انها ماكنتش واعية ومش شيفاني خالص لما حاولت أطمنها بصوت عال وأخدتها في حضني علشان تطمن ده الي اعرفه عن نوبة الفزع بس مع ذلك مستجابتش خالص بالعكس حالتها كانت بتسوء أكتر!
مط شفتيه بتفكير مردفاً :
- تمام...اسمحلي دلوقتي أتكلم معاها شوية وبعد كده تنتظم معايا علي جلسات وانشاء الله خير...
دلف الي غرفتها ليجدها تطالعه بأعين دامعه وتفتح ذراعيها في دعوة لاحتضانها ليقترب ويجلس جوارها ويضمها اليه بقلب مكلوم علي حالتها لتقول ببراءة وحزن طفولي :
- أحنا في المستشفى ليه بابي ؟

ربت علي خصلاتها قائلاً بحنان :

- مفيش يا روح بابي انتي بس تعبتي شوية وخلاص بقيتي كويسة وشوية وهنروح...
دلف الطبيب الشاب بابتسامة هادئة ليهتف بلطف :
- أزيك يا أنسة تقي عاملة ايه دلوقتي ؟ اعرفك بنفسي أنا دكتور عاصم وكنت عايز اطمن عليكي...
نظرت له بعبوس لتدفن وجهها في صدر "إلياس" وتزيد من ضمه ليدون علي ورق صغير بعض الملاحظات ويكمل بنفس نبرته المرحة :
- طب حتي بصيلي يرضيكي يعني واحد حلو زيي يكلمك ومتعبريهوش!

لم تجيب فقط تزيد من احتضان أبيها الروحي وكأنها إشارة بعدم رغبتها بالحديث معه ليتفهم تعلقها به ويقول بهدوء :

- تمام...هستناك الاسبوع الجاي زي ما اتفقنا يا سيادة المقدم فرصة سعيدة...
صافحه إلياس ليغادر ، ليصلها صوته الحنون :
- توتا مرضتش تكلم الدكتور ليه ؟ ده كان عايز يطمن عليكي مش أكتر ؟!
أجابته بعبوس :
- توتا مش تحب تكلم حد غير إلياس بابي وبس! علشان كل الناس وحشة معادا بابتي !
ابتسم بعاطفة صادقة ليحملها بين ذراعيه ويدلف بها للخارج متجهاً الي منزله ليطمئن والدته التي بتأكيد بتأكلها القلق...
جلست بأحد المناطق الخاوية تضم ركبتيها الي صدرها وتبكي بكاءً مريراً والذكريات تضرب عقلها بلا رحمة!

Flash back

تركت لعبتها أرضاً في الحديقة حين سمعت صراخ والدتها بالأعلى لتهرع الي غرفتها بخوف وخصلاتها البنية تغطي ظهرها فتحت باب الغرفة لتتسع حدقتيها الصغيرة بصدمة ورعب حين رأت والدتها ممددة بلا حراك علي فراشها وتغمرها الدماء وسكين مغروز في منتصف معدتها ووالدها يقف ينظر لها بأعين حمراء قائلاً بخفوت :
- انت كان لازم تموتي يا خاينة ! الي زيك مينفعش يعيش !
التفت برأسه لصغيرته الدامعة بخوف ليقول بابتسامة جنون :
- تعالي يا زهرة ! متخافيش أنا بس قتلت مامي الخاينة مش أكتر ! تعالي بقولك!

صرخ بها بعصبية مفرطة جعلتها ترتعد وتشرع في بكاء عنيف وهي تقترب ببطء لينحني علي ركبتيه وعيناه تلمعان ببريق مخيف ويسمح علي وجنتيها بكفه الذي لطخ وجهها بالدماء! ليهمس بخفوت حزين :

- بابي بيحبك اوي يا زهرة بس غصب عنه بيحب مامي الخاينة بردو!
تعالي صوت بكاءها المرتعب ليبتسم ويميل مقبلاً وجنتيها بحنان ليحملها ويتجه نحو الفراش ويضعها بجوار والدتها ويجلس قائلاً بحنان :
- بصي يا روح بابي هنلعب لعبة كل واحد ياخد السكينة ويحطها هنا !
قالها مشيراً لقلبه وقلبها ثم انتزع السكين من جسد زوجته وقال بابتسامة وهو يعيد غرزه بجسده :
- بصي سهله أزاي ! اهو تحطيها كده !

صرخ بألم وارتمي بجوارها علي الفراش فصارت تتوسط كليهما ليخرج السكين من جسده بصعوبة ويضعه بكف صغيرته ويرتخي بجسده وهو يضمها ويضم جسد زوجته هامساً بتقطع :

- يلا...زهرة بابي حطيها في قلبك... ع...علشان ننام كلنا سوا...أنا مش عايز اسيبك لوحدك !
واختفي صوته كما أختفي بريق عيناه لم يعد سوي صوت بكاءها العالٍ وهي تصيح ببكاء مستشعرة برودة غريبة بجسد والديها :
- مامي...بابي قوم انا مش عايزة ألعب...مامي أنا خايفة...بابي اصحي...زهرة خايفة...أ... أوي
وصمتت من كثرة البكاء وهي تندس بين ذراعي والدها بارتجاف وهي تبحث عن الدفيء الذي تهواه بين ذراعيه تهرب من تلك البرودة القاسية بين جسد والدها ولا تدري أن تلك البرودة نابعة من ذلك الجسد الذي كان يغمرها بدفئه وحنانه! لتهمس بارتجاف وهي تدفن رأسها بكتفه :
- بابي أنا...خايفة...وبردانة... !!!

لتذهب في سبات عميق رغم البرودة التي تستشعرها فجسده مازال يعطيها الأمان ولم تعي بعدها الا لأصوات مألوفة تصرخ بفزع وومضات خاطفة وهي تنتزع بعنف من بين أحضان والديها ومشاهد غير واضحة لعمها الذي يصرخ بها ان تفيق ويخلع ثيابها متفحصاً اي جروح بجسدها وعقلها يدور بها لمشاهد أخري وهي تحتضن لعبتها وتقف امام مبني ضخم وسيدة بشوشة تهتف بابتسامة :

- نورتي الدار يا زهرة من النهاردة ده هيكون بيتك !

ومشاهد اخري لوحدتها وخوفها من الجميع لا تتحدث سوي بضع كلمات تسأل بها عن والدها ووالدتها ألم تنتهي اللعبة بعد ؟! تمنت لو استمعت لوالدها ولعبت تلك اللعبة برفقتهم ووضعت تلك السكين بقلبها لربما كانت برفقتهم ، تذكرت حين حصلت علي سكين وما كادت تضعه حتي صرخت بها مديرة الدار :

- زهرة سيبي السكينة من ايدك !
لا تدري لما عوقبت بالبقاء بغرفة وحيدة مظلمة باردة وابتعد عنها الجميع ما الخطأ بتلك اللعبة ؟! وغامرت بها ذاكرتها الي ذلك اليوم الذي حفر ذكري بشعة أخري في عقلها...

بعمر الثانية عشر جمعت خصلاتها القصيرة التي قصتها بأحد نوبات جنونها المعتادة لترتخي بجسدها وتحاول النوم كعادتها محتضنة لعبتها المفضلة لتشعر بلمسات غريبة علي جسدها لتنتفض وتنهض لتجده المدير الجديد للدار لتقول بقلق :

- في حاجة يا أستاذ عزت ؟!
نفي بصمت وعيناه تتفحص جسدها بشهوة فهو يعشق جسد الأطفال البريء ليقول بتقطع شاعراً بجفاف حلقه :
- لا يا حبيبتي مفيش انا بس بساعدك تنامي علشان عارف انك مريضة وبتنامي بصعوبة !

انكمشت في نفسها بخوف من نظراتها لتشعر بيده تتجول علي جسدها بحرية كادت تصرخ لكنه كتم صوتها وهو يميل مقبلاً رقبتها بهمس متقطع :

- اهدي وخدي الموضوع ببساطة الي عاوزة هاخده برضاكي او غصب عنك انتي مش اول واحدة ومش هتكوني أخر واحدة !

رمشت برعب وارتجاف وجسدها ينتفض انتفاضاً وهو يواصل توزيع قبلاته القاسية المقززة علي بشرتها وكأن حركتها شلت وعجزت عن ردعه وهي تشعر بيده بدأت تتسلل الي ثيابها لتجد زجاجة من الخمر ملقاه أرضاً يبدو انها تخصه استجمعت قوتها لتمد يدها ببطء وتلتقط الزجاجة وتكسرها فوق رأسه بعنف ليرتمي عليها وقد فقد وعيه أزاحته بخوف لتنهض وتلتقط لعبتها وتهرب من الغرفة بل من الدار بأكمله! رغم الخوف الذي يعتريها من سيرها ليلاً بهذه المناطق الا انها أفضل من الموت حيه علي يد ذلك الحقير مدير الدار لتصرخ بفزع حين شعرت بكف يوضع علي كتفها لتجدها فتاة في مثل عمرها لتقول بتساؤل :

- انتي بتعملي ايه هنا لوحدك ؟ كده ممكن تتخطفي ده ولاد الحرام كتير!

نظرت لها بخوف لتكمل الفتاة بابتسامة :

- طب بس متخافيش كده ... تعالي معايا انا عندي مكان تباتي فيه وكمان ممكن أشغلك معايا عند المعلم عطوة !
لم تجد سبيلاً سوي الموافقة قبل ان يصل اليها ما تحدثت عنه الفتاة "ولاد الحرام " لتسير برفقتها في طريق جديد غريب مخيف ولكن لابد منه بعد ان رمت دميتها ارضاً وكأنها تودع نفسها القديمة البريئة ... !
End flash back.

تنهدت ببكاء علي حياتها التعيسة فلتضف الي قائمة تعاستها العمل ببيت للدعارة وبيع جسدها ببضع ورقات ! ابتسمت ساخرة لتلمع بعقلها فكرة لتهب واقفة وتبحث بجيوبها عن تلك الورقة الصغيرة المدون بها رقم ذلك الغريب فمن غيره بقادر علي مساعدتها ... !


- انا لا اوظف سوي الحمقى ! كيف لم تجدوه للأن ؟!

صرخ بها "دانيال" بعصبية مفرطة بعد أن أخبره رجاله بعدم استطاعتهم لإيجاد والده فكل ما يملكه صورة قديمة واسمه الأول فقط! أغلق الهاتف ليجلس علي فراشه متنهداً بعصبية ليصدع رنين هاتفه أجاب ليصله صوت بكاء وشهقات وكلام باللهجة المصرية لم يفهمه :
- ألحقني يا بيه أبوس ايدك عايزين يشغلوني في بيت دعارة ! الحقني يا بيه لو هتشغلني خدامة عندك حتي بس متسبنيش ليهم !!!

قطب جبينه بضيق من بكاءها وعدم فهمه لها ليقول بضيق :

- اهدئي ! انا لا افهم شيئاً ؟ أنا لا أتحدث العربية يا فتاة اهدئي قليلاً!
لم تصمت وكأنها لم تستمع له وهي تسترسل في سرد ما حدث لها وكيف سيتم بيعها بصباح غد لتلمع بعقله فكرة فيضغط علي زر التسجيل ليسجل المكالمة حتي انتهت الفتاة وأغلقت الهاتف بعدما يئست من إجابته او تناست كونه أجنبياً ! طلب السائق العربي اليه والذي ما أن وصل أسمعه التسجيل وطلب منه ترجمة ما قالته وما أنتهي حتي صاح باستنكار :
- ماذا ! يريدون إجبار تلك الصغيرة علي العمل بتلك المناطق المشبوهة ...!!!

تنفس بغضب ليجمع فريق حراسته الذين يتحدثون بالعربية والانجليزية قائلاً :

- تلك الفتاة لجئت لي وانا لا ارد من احتاج لمساعدتي أمامكم 24 ساعة لتجدوا تلك الفتاة وتحضروها الي هنا !
اومأ الجميع بطاعة لينطلقوا في تعقب لذلك الهاتف العمومي الذي تحدثت منه حتي يصلوا لها قبل حلول الصباح...

استرخي مغمضاً عيناه بتعب من ذلك الصداع الذي يكاد يفتك برأسه ليستمع لخطوات أنثوية بصوت الكعب لم يتحرك ليشعر بذراعين علي كتفيه ، ابتسم ابتسامته الجذابة ليشعر بها تبدأ في تدليك كتفيه بنعومة فيهمس براحه :

- وحشتيني!
ابتسمت بخبث لتميل وتقبل وجنته بنعومة هامسه بدلال :
- وانت كمان وحشتني اوي يا چو...
همس ومازالت مغمض العينان :
- ايديكي فيها سحر مريح للأعصاب زي عوايدك يا...ساندي ... !!
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الرابع والعشرون بعنوان: غيرة

همس ومازالت مغمض العينان :

- ايديكي فيها سحر مريح للأعصاب زي عوايدك يا...ساندي ... !
ابتسمت بانتصار لتجاوبه معها ولم تكد تسعد بانتصارها البسيط حتي شعرت بكفه يوضع فوق كفها علي كتفه ويسحبها ليلقيها فوق مكتبه ويده تضغط علي عنقها وأنفاسه الغاضبة تلفحها قائلاً بتهديد مخيف :
- بقالك فترة كويسة بتحومي حواليا مع انك عارفة اني مبحبش اللعب من ورايا فجيبي من الأخر قبل أجيب روحك في إيدي عايزة ايه ؟

رمشت تتنفس بصعوبة من يده الي تضغط علي عنقها لتقول بتقطع :

- ع...عايزة نرجع لبعض !
عادت ابتسامته الشيطانية المخيفة تزين وجهه وهو يزيد من ضغطه فوق رقبها ليهمس بقسوة :
- أنا راجل متجوز وبحب مراتي ومش هخسرها علشان واحد *** زيك ! أنا هسامحك واعدي الجنان بتاعك ده علشان مليش في أذية الحريم!  بس بشرط مشوفش وشك في البلد تاني!  علشان أنا مش ضامن نفسي !

أومأت عدة مرات بخوف فهي لا تصدق أن ذلك الذي أمامها "يوسف" بهذه القسوة وهذه القوة!  انه أخافها بحق ، ابتعد لتنهض وتلملم شتات نفسها المبعثرة لتهرع للخارج وهي أقرب للبكاء لتشعر بذراع تمنعها من السير ، رفعت رأسها لتجد فتاة ذات خصلات سوداء طويلة نوعاً ما وعينان تري البحر من خلالها! لكن نظراتها حادة قوية حتي اتاها صوتها الحاد المتسائل :

- انتي مين ؟ وكنتي بتعملي ايه في مكتب يوسف ؟

جلست بالشرفة تتطلع أمامها بشرود والذكريات تضرب عقلها بقسوة صوت والدتها وهي تنصحها بشبابها :

- ارفعي راسك يا فريدة اوعي توطي لراجل ! خليكي قوية الرجالة مبتحبش الست الضعيفة بيدوسوها !
وصوت زوجها " حامد " :
- ايوة اتجوزت يا فريدة ! انا مكنتش مرتاح معاكي...عمري ما حسيت بقيمتي معاكي انا كنت محتاج واحدة دايماً محتجالي !
سالت دموعها وصوت صغير يتردد بأذنها :
- هو انتي هتبقي ماما الجديدة ؟ ماما فريدة ؟!

لتتذكر لقاءها "بميرا" بإحدى المرات قبل زواجهم...

- عارفة انا وافقت عليكي ليه يا ميرا ؟ علشان شايفة نفسي فيكي شخصية قوية وميهزهاش حاجة !
لترد "ميرا" باستغراب :
- بس ده ايه علاقته بجوازي من يوسف ؟
- علاقته ان يوسف شخصيته قوية ومحتاج واحدة زيك تقفله وتعارضه في قراراته الغلط !
ابتسمت بصبر لترد بهدوء :
- حضرتك غلطانة يا مدام فريدة عمر الجواز مكان كده انا مش داخلة حرب مين الأقوى ! لا الجواز مشاركة ومسؤولية...انا شخصيتي قوية أه بس عمرها ما هتبقي كده مع يوسف! انا هسمع كلامه وهنفذه لو صح ولو في قرار غلط هياخده هتناقش معاه ويا يقبل برأيي يا لا متنسيش ان الرجال قوامين عن النساء والمركب الي يسوقها اتنين تغرق !
End flash back.

اغمضت عيناها بألم وهي تضع الغطاء عليها وتفكر في لعنة الهيمنة التي أصابتها أضاعت زوجها من يدها بس غرورها وكبرياءها والان حتي ولدها الوحيد لم يهتم لغيابها ابتسمت ساخرة فقد طبقت نصيحة والدتها بالحرف وهي ها تجلس وحيدة متألمة تعاني من ويلات الفراق نعم فقد أحبت زوجها "حامد" كثيراً لكنها لم تعترف بذلك من قبل حتي لا يغتر بنفسه كما تقول والدتها فقط اضاعت أسرتها ولم يبقي لها سوي غرورها!


تطلعت لوجهها الملطخ بمساحيق التجميل بقهر وهي لا تستطيع الاعتراض ما حافظت عليه في سنوات سيضيع هباءً حتي يومها هذا مازالت تتمني لو استمعت لأبيها ووضعت السكين بمنتصف قلبها وارتاحت من هذه الحياة لتهمس بحزن :

- يا ريتك قتلتني قبلك يا ابا !
استمعت لضجة بالخارج لتنظر من خلف الباب خلسه لتتسع عيناها حين رأته نعم انه ذلك الأجنبي الذي ساعدها من قبل! لتهمس بصدمة وفرحة :
- ده الباشا الانجليزي !

بالخارج سيطر علي غضبه بصعوبة فلا يستطيع انقاذ الكثيرين مثلها لان نفوذه بلندن اما هنا فهو مجرد رجل أجنبي ثري! لا أكثر وهو استغل تلك الميزة حين هتف بجمود لتلك السيدة اللعينة التي يبدو وجهها كلوحه بها الكثير من الألوان لن يبالغ ان قال انها تشبه المهرج!  :

- أنا أريد فتاة صغيرة لم يمسسها أحداً من قبل ! ولا اريدها لليلة بل سأشتريها ... !
تهللت أسارير "نعيمة" ما ان ترجم لها أحد رجاله ما قاله لتصيح بلهفة :
- بس كده من عنيا يا باشا دانا عندي بنات صغيرة كتير اجبهملك وانت نقي الي تعجبك!

وهرعت الي الغرف لتحضر الفتيات حتي وصلت الي غرفتها لتدلف وتقول بحده :

- يلا يا بت افردي خلقتك دي وامشي ادامي متخليش الزبون يطفش ده خواجة ومعاه فلوس ياما !
اومأت بدموع فقد استمعت لما دار بالخارج وادركت انه لم يأتي لأجلها بل اتي لأجل متعته ابتسمت ساخرة فإلي متي ستظل متعلقة بما يسمونه الناس...بالأمل! وقفت تضم ثوبها العاري وتتطلع ارضاً من شده القهر والخجل  فهي كالسلعة تباع لمن يشتري أكثر! حتي انقبض قلبها وتسارعت دقاته حين رأته يشير لها قائلاً بأمر :
- أريد هذه الفتاة !

دفعتها احدي الفتيات لتتقدم الي الامام في اشارة لأخذها لينهض ويقف قبالتها ثم خلع سترته وألبسها اياها تحت صدمتها وخوفها ولم تلمح نظراته المشفقة ، أشار لرجاله بأخذها لتسير معهم بدون إجبار بدون هوادة بدون روح! وصل الي الفندق ليصعد معها برفقة رجالة للأعلى وملامحه يكسوها البرود حتي وصل الي الطابق الخاص به دلف الي الغرفة وما كاد يتحدث حتي وجدها هرعت لداخل الغرفة وأمسكت بسكين الفاكهة ووضعته علي رقبتها صارخة بقهر :

- أياك تقرب مني قسماً بربي أقتل نفسي وأجيبلك مصيبة !

اقترب ببطء قائلاً بلطف :

- اهدئي يا صغيرة...أنا لم أحضركِ الي هنا لأؤذيكِ انا فقط ساعدتكِ في الفرار صدقاً!
ترجم لها احد رجاله ما قاله لتنفي برأسها قائلة بخوف :
- لا انتوا كدابين ! حرام عليكوا...سيبوني في حالي !
استغل لمعة عيناها بالدموع التي شوشت الرؤية لثواني وأسرع إليها يسحب السكين من يدها ويلقيه بعيداً لتشرع في ضربه وسبه مصحوباً بصراخ عنيف ليحكم امساكه بها ويشير برأسه لرجاله بالرحيل فلن يحتاج لمترجم ليتعامل مع تلك الصغيرة العنيدة التي تذكره بصغيرته "ليلي" كبلها بقوة داخل أحضانه وهو يمسد بحنان علي خصلاتها هامساً :
- ارجوكِ اهدئي...دعيني أساعدك!

توقفت عن المقاومة بعد ان فرغت طاقتها واستسلمت لذلك الدفيء الغريب الذي يماثل دفئ أحضان والدها الحنون استسلمت لتشرع ببكاء عنيف وبدلاً من مقاومته تشبثت به وكأنها تشكو له من قساوة العالم للحظة نست انه ذلك الاجنبي الذي اشتراها وشعرت انه والدها لتقول من بين شهقاتها :

- خدوني الدار...وضربوني...صاحب الدار وحش وكان عايز حاجات وحشة...

لم يفهم حرفاً مما قالته لكنه شعر من نبرتها انها تشكو له ليزيد من احتضانها وتربيته فوق خصلاتها بحنان لعله يبثها الأمان الذي فقدته...بعد بضع دقائق شعر بثقل جسدها ليرفع وجهها فيجدها غفت بين ذراعيه ليحملها برفق ويضعها علي الفراش ويدثرها جيداً ، طالعها بشفقة كيف تعاني فتاة بسنها تلك المعاناة ، أمقدر له ان يقع بطريقه الصغيرات دائماً "حامي الصغيرات" ابتسم ساخراً ليفكر في حل لتغير ثيابها ومسح تلك المساحيق المخيفة المبالغ بها التي لا تليق ببراءتها لكن لا سبيل لذلك فبالطبع ستفزع وتظن انه فعل بها سوء ليرفع الغطاء ويدثرها به ويقبل جبينها قبلة أبوية حنونة ويغادر الغرفة...


ضربها الادراك من نبرتها بالطبع هي زوجته لتستغل الفرصة وتقول ببكاء :

- هتساعديني لو حكيتلك كل حاجة ؟
قطبت جبينها من تساؤلها لتأخذها الي مكتبها وما ان دخلت حتي سألتها مباشرة :
- لو في ايدي اساعدك مش هتردد بس عايزة افهم في ايه ؟
بكت بقوة قائلة من بين شهقاتها :
- أنا كنت علي علاقة بجوزك وعلاقة قوية كمان ودلوقتي رجع وبيهددني اني ارجعله تاني والا هيفضحني ويبهدلني !

لم يعد سوي صوت شهقاتها لترفع بصرها لتجدها تكتف ذراعيها علي صدرها وتطالعها ببرود واقتربت قائلة بسخط :

- ساندي الرفاعي مش كده ؟...كنتي مرتبطة بيوسف ومحصلش نصيب او بلاش نجملها اسمها كان شاقطك !
شهقت من وقاحتها وحديثها الجريء لتكمل بابتسامة ساخرة :
- يوسف حكالي كل حاجة عن حياته بس انتي متأكدة انه فعلاً بيهددك ولا انتي اتلخبطتي وقصدك انتي الي بتهدديه ؟
تلجلجت في الحديث لتقول بانفعال :
- قصدك ايه ؟ وانا ايه الي هيخليني أكدب وجبتي الثقة دي منين ؟ واحد زي جوزك بتاريخه المشرف تتوقعي منه اي حاجة ... !

اومأت بتفهم :

- معاكي حق ! وايه رأيك بقي ان لو كلامك صح ويوسف عايز يرجعلك هخلعه ! وهجيبلك حقك!
هذه المرأة تثير دهشتها بحق! لترتجف أوصالها حين استمعت لنبرتها المهددة :
- بس لو كلامك طلع غلط هسيبك تتخيلي انا ممكن اعمل فيكِ ايه !!
يبدو انها أخطأت بالوقوع معها فهي تبدو مخيفة اكثر من "يوسف" كيف يعيش معها بمنزل واحد ؟ لتقول مسرعة :
- لالا خلاص انا مسامحاه ومحصلش حاجة انا لازم امشي...

هربت مسرعة من شدة خوفها ، لتضحك الأخيرة بقوة وتدلف الي مكتبه لينهض مستقبلاً اياها بابتسامة ليميل ويقبل وجنتها قائلاً بنبرة هادئة :

- ايه المفاجأة الحلوة دي ! كنت لسه هكلمك!
- انا قابلت ساندي وانا داخلة!
رمت بكلمتها بما يشبه الاتهام ، ضاقت عيناه قائلاً ببرود حاد :
- طب وايه يعني ؟ متقوليش انك شاكة فيا ؟!
أجابته بنفس الحده :
- مش شاكة ، بس من حقي أعرف هي بتعمل ايه هنا وايه الكلام الي دار بينكم ؟

أقترب ليقول بخفوت مريب :

- كانت عوزاني ارجع لها !
سيطرت علي غضبها وغيرتها التي تندلع بعينيها وهي تهتف :
- وانت كان ردك ايه ؟
- تفتكري ايه ؟
تهربت من نظراته المتفحصة لتشهق حين جذبها لتصطدم بصدره كعادته لتقول بارتباك :
- معرفش!
ابتسم بخبث هامساً بجانب أذنها بثقة :
- لا انتي متأكدة ان انا طردتها علشان عارفة اني بحبك وبموت فيكي زي مانا متأكد كده انك بتحبيني وبتولعي من الغيرة دلوقتي !

عبست بضيق وهي تحاول دفعه قائلة بعصبية :

- اوعي يا يوسف علشان انا مش غيرانه اصلاً هغير من ايه يعني ؟ حصل ايه لما تيجي الاكس بتاعتك تكلمك وتطلب ترجعلك ولا اي حاجة... ايه المشكلة لما تبقوا لوحدكم في المكتب ؟ حاجة عادية جداا !
ضحك ملئ فمه قائلاً من بين ضحكاته :
- كل ده ومش غيرانة امال لو غيرانة هتعملي فينا ايه ؟!
ظلت عابسة ليميل ويقبل وجنتها قائلاً بلطف :
- انا حذرت الحارس انها متدخلش تاني الشركة واوعدك انها مش هتتعرضلنا تاني انا عرفت اتصرف معاها خلاص !

كبتت ابتسامتها بصعوبة ليحررها وتبتعد مقررة الخروج لمكتبها ليهتف بعبث :

- حلاوتك وانت مش غيران يا ازرق !
ابتسمت بخجل فبكلماته يجعلها تشعر كأنها مراهقة صغيرة تسعد لكلمة مغازلة لتفر سريعاً لمكتبها تحت نظراته العابثة وضحكاته التي تنير عالمها المظلم...

- نعم ! حضنتها ؟ حضنك قطر يا بعيد !

هتفت بها ليلي بغيظ وهي تحادثه علي الهاتف ليقول بحده :
- أخبرتكِ من قبل ألا تحدثيني بلغتك التي لا أفهمها واخفضي صوتك واللعنة !
ارتعبت من نبرته الغاضبة لتقول بنبره اقل حده والغيرة تنهشها :
- لا شأن لكَ بصوتي فقط أخبرني كيف تجرأت علي احتضان تلك الفتاة ؟

رفع حاجبه بغضب مردفاً بتعجب وحنق :

- اخبرتكِ للتو ان الفتاة صغيرة وتم اجبارها علي التسول بالطرقات والعمل بمناطق مشبوهة وكادت ان تقتل نفسها وكل ما سمعتيه انني احتضنتها ؟!!!
ارتبكت لتقول بضيق :
- كان يمكنك مساعدتها بلا ان تلمسها !
هتف ببطء كأنها يدخل الكلمات برأسها العنيد :
- ليلي...الفتاة صغيرة ! ربما لم تكمل الرابعة عشر من عمرها ما خطبك ؟
همست بنبرة شبه باكية :
- وانا أيضاً كنت صغيرة بنظرك !

ادرك انها خائفة ان يتركها ويحب تلك الفتاة ليتنهد بصبر ويردف بهدوء نسبي كأنه يحادث طفلة :

- ليلي عزيزتي...أنا أعشق براءتك وطفولتك لكن ليسوا فقط سبب حبي لكِ انا أحب ليلي بكل ما بها من طفولة وجنون وعناد حتي عيوبك صرت اعشقها ! هذه الفتاة احتاجتني هي صغيرة مسكينة وقعت بطريقي فلن اتجاهلها انا لا اراها سوي طفلة صغيرة بحاجة لمساعدة...اما انتِ اراكِ طفلتي وزوجتي وصديقتي وأحياناً أمي انتِ عالمي ليلي ... !

رمت بجسدها علي الفراش هامسه بحب :

- من أين تأتي بكلماتك اللعينة تلك  ؟ ألا يمكنني ان أغضب منك لوقت أطول !
اتاها صوته الحاد الصارم :
- سأتي قريباً لأتحدث مع أخيكي ونعجل بموعد الزواج فانا أصبحت لا اطيق الانتظار لتهذيبك ! أقسم أن أجعلك تعاودين تمرينك السابق مائة وعشرون مرة كاملة يوم زفافنا ثمناً لوقاحتك !
ضحكت بقوة علي غضبه وعقابه المتوعد لتقول بشقاوة :
- تزوجني اولاً وسنري امر التمرين فيما بعد يا زوجي الوسيم!

كاد ان يجيبها ليقاطعه صوت صراخ حاد صادر من الغرفة بجانبه ليدرك فوراً هويته ليغلق الهاتف سريعاً بكلمات مقتضبة :

- ليلي... سأحادثك لاحقاً...
نهض ليصله صوت صراخها العنيف :
- افتحوا يا عالم يا *** وديني لأحبسكم ! مش كل الطير الي يتاكل لحمه ! انتوا فاكرينها سايبة ؟!!!

ابتسمت "سارة" بمجاملة وهو يهديها ذلك الخاتم قائلاً بلطف :

- مبسوط انك قبلتي دعوتي علي العشا احنا فعلاً كنا محتاجين نتعرف علي بعض أكتر...
لتقول بخجل :
- طب انا اتأخرت اوي مش يلا نمشي ؟
اومأ "إلياس" ليدفع الحساب ويخرجوا من المطعم ، ثم فتح لها باب السيارة كحركة راقية تليق بذلك العشاء الهادئ ليصعد كلاهما وينطلق بالسيارة قائلاً بصوت هادئ وهو يعبث بجهاز الموسيقي بسيارته :
- تحبي تسمعي ايه ؟

كادت تجيبه بخجل لتصرخ بصدمة من صوت اطلاق النار من حولهم ليزيد من سرعة سيارته وهو ينظر من النافذة لتصيح بخوف :

- في ايه ؟ مين دول ؟
عض علي شفتيه قائلاً بحذر :
- تقريباً كده دي محاولة اغتيال ! والشخص الي عايزين يختالوه...العبد لله !
اتسعت عيناها وانكمشت بمقعدها صارخة ببكاء :
- طب وبعدين اتصرف هيقتلونا !
اخرج سلاحه ليخرج رأسه من النافذة لثواني و يطلق عليهم النيران ويعود للقيادة ليصرخ بحده :
- نزلي راسك تحت !

نزلت للأسفل وهي تصرخ ببكاء :

- يا ميلة بختك يا سارة ! هتموتي في عز شبابك !
نظر لها بغرابة وهو يقود بأقصى سرعة وخلفه سيارتان تلاحقه ليقول بتعجب :
- ايه الجو القديم ده ؟ انتي معاكي ظابط علي فكرة...حاسبي !
نهضت تجلس بمقدها صائحة بغضب وهي تتمسك بمقعدها من شدة سرعته :
- بلا ظابط بلا زفت بقي ادينا هنموت بسببك !

صرخت ببكاء حين صدمتهم احدي السيارتين من الجانب ليعاود صدمهم لأكثر من مرة حتي انقلبت تلك السيارة علي جانب الطريق وبقيت سيارة واحدة تلاحقهم

- لا ده مش فقر ده سحر اسود انا عارفة !
التفت لها حانقاً :
- ما تبطلي ندب بقي متحسسنيش اني سايق العربية مع خالتي !
لكمته بكتفه ببكاء قائلة :
- بص قدامك احنا ناقصين حوادث مش كفاية العصابة الي ورانا دي!

لينظر لها بدهشة ويضرب علي المقود بغضب لتتجمد ملامحه ما أن راي سيارة تقف أمامهم بمسافة ويقف امامها رجلاً ملثم يحمل سلاحاً طويل ما يسمي ب"البازوكة " التي بطلقة واحدة منها تفجر سيارتهم في ثواني معدودة لتتسع أعينهم سوياً بصدمة والسيارة تقترب والرجل يستعد للإطلاق لتقول بارتعاش وهي تمسك كفه وتغمض عيناها بقوة استعداداً للموت :

- الياس...قول الشهادة بسرعة !

دلفت الي الغرفة حاملة الطعام لتضعه أمامه لينظر لها بحزن قائلاً بتقطع :

- هو...ابني لسه...مجاش ؟
نظرت له بشفقة وهي ترتب فراشه لتقول بلطف :
- طب بس كل وخد دواك يا حاج وانا هشوف ابنك جه ولا لسه !
بدأ بتناول الطعام بوجهه حزين ليردف بارتعاش :
- طب اول ما يجي قوليله ابوك زعلان منك اوي...ومش عايز يشوفك...ولا لا بلاش لحسن ميرضاش يدخل ويمشي قوليه يجي يشوفني !

ربت علي كفه بحب لتقول بابتسامة :

- من عنيا يا حج هخليه يجي يشوفك...هو تلاقي مشغول شوية واكيد هيجي في حد يبقي عنده أب حنين زيك كده ويسيبه !
اومأ لها بحزن لتخرج وتقابل ممرضة صديقتها لتسألها بلهفة :
- بت يا سالي هو الحج الي في أوضة 604 ايه الي حصله وفين ابنه الي بيسأل عنه كل يوم ده ؟
اجابتها بامتعاض :
- يا اختي ده راجل غلبان اتجوز واحدة اجنبية وخدت ابنه ورجعت بلدها ومن ساعتها وهو هنا يا حبة عيني وهيموت علي ابنه ...
لترد الاخيرة بشفقة :
- والله الي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته يلا ربنا يعافينا...

غادرت لتعود الي الغرفة بعد قليل وتأخذ الطعام ليسألها بلهفة حزينة :

- ها ابني جه ولا لسه ؟
عضت شفتيها بحزن لتجيبه باهتمام مصطنع :
- معرفش والله يا حج اصل انا معرفش اسمه الا صحيح هو اسمه ايه ؟
لاح شبح ابتسامة حزينة علي وجهه الذي خطته التجاعيد والحزن قائلاً بشرود :
- اسمه أدم...أدم ابراهيم ...!!!
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الخامس والعشرون بعنوان: فراق

فتح باب غرفتها ليصدم بأحد التحف الصغيرة كادت ترتطم برأسه! دلف ليصيح بصوت صارم :

- توقفي عن هذا الجنون يا فتاة لا أود انا أعاملك بطريقة أخري !
رفعت وجهها ليصدم بمظهرها بعد ان زالت الوان التجميل فوجهها ملئ بالكدمات الذي أخفتها مساحيق التجميل المبالغ بها! يبدو انها قاومت كثيراً فاضطروا لضربها حتي تخضع لهم! لتصرخ ببكاء :
- حرام عليك هستفاد ايه من عيلة زيي ؟!

أخرج هاتفه ليأمر احد رجاله بالقدوم ، الذي وصل بعد بضع دقائق ...قطبت جبينها من عدم فهمها لما يقوله حتي ترجم لها الحارس قائلاً :

- الباشا بيقول لحضرتك تهدي وانه جابك هنا علشان يساعدك وان طريقتك هتضطره يتعامل معاكي باسلوب مش هيعجبك !
صمتت بخوف من أن يضربها كالكثيرين لتجلس جانباً منكمشة في نفسها لتجد عامل الفندق يدلف حاملاً الكثير من أصناف الطعام لتتوهج عيناها ببريق الجوع فهي لم تأكل منذ يومان تقريباً لكن كرامتها أبت الانصات حين وضع الطعام علي الطاولة الصغيرة أمامها لتشيح بوجهها بعيداً لتسمع لصوت الحارس مجدداً :
- دانيال باشا بيأمرك ان الأكل ده كله يخلص ومتقلقيش شوية وهتفهمي كل حاجة !
ارتبكت من نظراته الحادة لتبدأ بالأكل متظاهرة بعدم الجوع وانها تأكل فقط تنفيذا لأمره غير مدركه أنه راي تلك النظرة من قبل بصغيرته "ليلي" ابتسم بحنو ليأمر الجميع بالرحيل ليتركها حتي تأكل بلا خجل....

مسحت دموعها بعنف وهي تستعد لركوب الطائرة حتي أتاها اتصال لتجيب ويصدع صوته صارخاً :

- الهانم مسافرة من غير ما تقولي ! انتي ازاي تتصرفي من دماغك يا ساندي ؟ هتبوظي كل حاجة بغبائك!
صرخت به ببكاء وهي تتحس تلك الكدمة بجانب فمها :
- كل حاجة خربت أصلاً...يوسف حكي لبابي كل حاجة وبابي ضربني وقرر يخليني أسافر أعيش مع أخويا الكبير ومش هرجع مصر تاني أنا حياتي اتدمرت...انت متعرفش مصطفي أخويا هيعمل فيا ايه بعد الي حصل ده انت لازم تتصرف !

مسح وجهه بانفعال ليقول بقسوة :

- مش مشكلتي ! روحي شوفي حد تاني تلبسيه بلوتك انا مباخدش بواقي غيري !
اغلق الهاتف بوجهه وهي تبكي بانهيار فأخيها قاسي ولا يعرف الرحمة لذلك ارسلها والدها له ليزيد رعبها حين استمعت للإنذار الأخير للطائرة لتنهض وتتجه نحو المرحاض لتنظر في المرأة فتري شبح امرأة دمرتها الأيام بوجهها الشاحب وملابسها الضيقة كيف يلوموها وقد تركها والدها بدون حسيب او رقيب فلتفعل ما شاءت لم يعلمها أحداً ما الخطأ وما الصحيح وحين أخطأت اصبحت الملامة الوحيدة بينهم!  أخرجت زجاجة الدواء الذي اشترته بطريقها لتفتحها وتغمض عيناها والدموع تنساب بقوة علي صفحة وجهها لتبتلع كل ما بالعبوة مرة واحدة وتتسارع أنفاسها وتزداد رجفة جسدها لتتشوش الرؤية وتشعر بالأرض تميد بها لتشهق بقوة وتسقط ليرتطم جسدها بالأرض بقسوة وتميل برأسها للجانب وذلك السائل الأبيض يخرج من فمها وكأنه الشئ الأبيض الوحيد بحياتها التي أظلمت معلنة عن نهايتها !

أغمضت عيناها استعداد للموت لتشعر بالسيارة تنحرف عن مسارها لتفتح عيناها بسرعة فتجد "إلياس" قد حاد بسيارته جانباً فأصابت الطلقة السيارة التي تلاحقهم ليدخل بالسيارة في أحد المناطق الخاوية ، تنفست الصعداء هامسه :

- الحمدلله...الحمدلله
قاد حتي ابتعد تماماً عنهم وقد ضللهم ليقف جانباً ويلتفت لها قائلاً بقلق :
- انتي كويسة يا سارة ؟
نفت برأسها قائلة باهتزاز :
- أنا كويسة بس هو احنا فين كده ؟

ابتلع ريقه قائلاً بحذر :

- مش عارف بصراحة !
انتفضت لتصرخ بغضب :
- يعني ايه مش عارف ؟ يعني تهنا كمان ؟!!
اومأ لها بضيق ليترجل قائلاً :
- خليكي هنا ثواني هعمل تليفون لحد يجي يجبنا...
انتظرت لثواني حتي هتف بها من جانب النافذة :
- يؤسفني أبلغك ان الشبكة هنا واقعة واحتمال كبير اننا لبسنا في المكان ده للصبح !

جزت علي أسنانها بغضب ليكبت ابتسامته ويعود ليصعد بجانبها ومان ادار السيارة لم تعمل ليقول بتوجس :

- هي ليلة باينة من أولها ! كملت !
لم تستطع كبح قبضتها لتنهال عليه بلكمات متتالية علي كتفه بغيظ ليمسكها صائحاً بدهشة :
- في ايه يا بنت المجانين انتي ؟!
صرخت به بغيظ وهي تتلوي بعنف :
- كان يوم اسود يوم شوفتك ! اول مرة دخلت قسم بسببك!  وكنت هموت مقتولة من شوية المرة الجاية قنبلة وتفجرنا سوا ونخلص بقا !

صاح باستنكار :

- نعم ! بقي انا بردو ؟ مش انتي الي لميتي عليا الناس في المول ؟ وبلغتي البوليس ؟ مش فاهم عقلي كان فين لما نويت أتجوزك !
كادت تصرخ بوجهه لكنها صمتت بزعر حين استمعت لصوت ذئب يعوي لتقول برعب :
- ايه الصوت ده ؟
أخرج سلاحه ليقول بحذر :
- صعب نبات في العربية للصبح تعالي ننزل ندور يمكن نلاقي مكان نبات فيه !
اومأت له بذعر ليهبط كلاهما ليجدها ملتصقة به تتمسك بذراعه بخوف ليهمس في نفسه ساخراً :
- يااه علي الخوف الي يزل البني ادم...

ساروا علي الطريق بين الأراضي الزراعية لمدة لا تقل عن ساعتين حتي وجد منزل متهالك قديم ليدفع الباب ويدلف كلاهما بقلق فيهتف :

- أنا بقول نبات هنا للصبح الدنيا ضلمت اوي وصعب نمشي اكتر من كده !
اومأت بقلة حيلة فبالفعل فد تعبت كثيراً بالسير ليضيء بعض الانوار الضعيفة ليجد المنزل يتكون من طابقين وبه غرفتان بكل طابق ولا وجود لأي أسرة فقط بعض الاغطية الموجودة علي الأرض ليخلع سترته ويستلقي أرضا لتقول بدهشة :
- انت بتعمل ايه ؟

أجابها ببساطة :

- هنام !
- هنا علي الأرض ؟ بس دي مش نضيفة !
أغمض عيناه ووضع يده علي رأسه قائلاً ببرود :
- البيت كله مفهوش سراير والارض مفهاش حاجة شوية تراب بس عادي انا كنت متعود علي اكتر من كده في الجيش ! يلا مددي جنبي!
رفعت حاجبها بدهشه لتصيح بغضب :
- نعم ! انا مستحيل أنام جمبك!
بعد مرور بضع دقائق...

دلفت الي الغرفة التي ينام بها بخوف لتستلقي بجانبه بقلق وهي ترتعش وتتنفس بصوت عالٍ فذلك المنزل مخيف بحق ما كان يجب عليها العناد وان تنام بغرفة مجاورة فقد انطفأت اضواءها فجأة وصوت مخيف أفزعها يبدو أنه لقطة...نظرت له فهو نائم بعمق لتسحب كفه ببطء حذر وتحتضنه بخوف فهي علي الرغم من سنوات عمرها التي تخطت الثلاثون مازالت تخشي النوم وحيدة فماذا عن النوم بمكان كهذا!


، ابتسم بحنو حين شعر بها تستلقي بجانبه وزادت دهشته حين احتضنت كفه! فمازال لا يراها سوي طفلة صغيرة وهذا ما جذبه بها طفوليتها وجمالها الهادئ ، استلقي علي ظهره ليضمها بهدوء اليه ومازالت تتمسك بكفه وكأنه سيهرب! راحة غريبة تغمره وهي بين ذراعيه حتماً تلك المرأة ستقوده الي الجنون يوماً ما...


خرجت من غرفتها التي تطأ قدمها خارجها منذ عادت الي مصر مقررة مقابلة "دانيال" لتري بشأن تلك الفتاة التي يساعدها فهي تشتعل من نيران الغيرة لتقطب جبينها بحيرة حين رأت "ميرا" تتجول بأنحاء الشقة وتزينها بزينة رائعة الجمال وتبدو من مظهرها انها تعمل منذ الصباح الباكر لتقول بتساؤل :

- هو في مناسبة النهاردة ؟
اجابتها بابتسامة وهي تضع مكونات الكعكة :
- اه النهاردة عيد ميلاد يوسف...اول مرة نحتفل بيه سوا فلازم يبقي مميز...

لتهتف بلامبالاة وهي تغادر :

- تمام...ابقي قولي لجوزك اني خرجت في مشوار كده وراجعة
كادت ان تخبرها الا تخرج بدون اذنه لكنها فكرت قليلاً ان "ليلي" لم تخرج منذ ان عادت الي هنا لتقرر ان تتفاهم مع "يوسف" ليسمح لشقيقته بالقليل من الحرية حتي لا تزيد الأمور سوءاً بينهم
دلفت الي غرفتها لترتدي فستان أسود قصير وبأصابع باتت ماهرة في وضع مستحضرات التجميل انهت زينتها لتبتسم برضا علي هيئتها ليصدع رنين هاتفها برسالة لتفتحها وعيناه تتفحص محتواها بصدمة :
(" يوسف هيطلقك قريب...أصله كان متجوزك كان ينبسط معاكي لمدة سنة...مفكرتيش انتي ليه محملتيش لحد دلوقتي ؟ ده علشان جوزك المصون بيحطلك حبوب منع الحمل ! ولو مش متأكدة من كلامي هبعتلك ريكورد بصوته... فاعل خير")

نفت برأسها بخفة قائلة بعدم تصديق :

- اكيد ده مقلب من مقالب يوسف أنا عارفاه !
وصلت الرسالة التالية لتغط عليها بأصابع مرتجفة وياليتها لم تفعل ليصدع صوت "يوسف" :
- انا تقولي لأ ! فاكرة نفسها مارلين مونرو بنت ال**** ده ابوها نفسه بيقول عليها بت شمال وعامله عليا أنا شريفة ! وديني لأوريها بكره أخليها خاتم في صباعي وهتجوزها لمدة سنة...اه سنة مانا بردو هكلف وأعمل فرح وشهر عسل الكلام ده يبقي لازم أتكيف ! وبعدها هطلقها وارميها رمية الكلاب وهجيب رقبتها الأرض بنت السويفي !

انتهي التسجيل وانتهي معه كل شئ وكأن ظهرها لم يعد يحتمل طعنات أخرى لتسقط علي ركبتيها والدموع تنهمر من عينيها الزرقاء التي أظلمت كحياتها وهي تتذكر ما حدث قبل زواجهم حين أصابه الحادث حين رفضته كيف لم تنتبه أنه كان بمشفى من أفضل المشافي في مصر! تذكرت حين دلفت الي المشفى مسرعة وسألت في استقبال المشفى.


Flash back.             

ركضت الي المشفى بقلب ينتفض بفزع لتسأل إحدى الممرضات بلهفة :
- لو سمحتي في واحد لسه جاي في حادثة عربية ؟!
لتجيبها الممرضة :
- اه قصدك علي يوسف بيه الحديدي هتلاقي اخر الطرقة علي الشمال...
وصلت الي الغرفة لتجد شاباً ليقول بهدوء :
- حضرتك الي كلمتك علي التليفون ؟!
- ايوة انا ، هوعامل ايه ؟
- لسه في أوضة العمليات عموماً ده تليفونه وملقناش اي اثبات شخصية معاه !
End.flash back.

ضحكت ببكاء كيف لم تنتبه ان الشاب اخبرها انه لم يجد هويته وكيف اخبرتها الممرضة بإسمه حتي حادثه كان مدبر وهي كالخرقاء ظنته متيم بها ! لتصرخ فجأة بحرقة نابعة من قلبها بكل ما مرت به :

- آآآآه
صرخت حتي نبحت أحبالها الصوتية... فيالسخرية كل شئ كان مزيف...حبه... زواجهم... سعادتهم !

وصلت الي الفندق لتصعد الي الغرفة ، دقت الباب والذي انفتح فجأة لتسحب للداخل ويغلق خلفهم ، لا تصدق انها عادت تنعم بدفئ أحضانه فقد اشتاقته بحق...لتبتعد بخجل وهو يهمس بحب :

- الأن فقط عدت أتنفس ! اشتقت اليكِ...قطتي البرية !
ضحكت بخجل لتردف بابتسامة :
- أين الفتاة ؟ اريد أن أتحدث معها قليلاً بالتأكيد هي مرتعبة منك أنا ادري الناس بزوجي المخيف!
ضحك بخفة لتزيد وسامته المهلكة فقد اشتاق لشقاوتها ليقول بابتسامة :
- لم أصل لمرحلة أكلي لحوم البشر بعد...هيا اذهبي انها بالغرفة المجاورة...

اومأت بضحك لتدلف الي غرفة الفتاة لتقول بابتسامة رقيقة :

- ازيك ؟ أنا أبقي خطيبة دانيال الراجل الاجنبي الي جابك هنا!
طالعتها بشك لتقول بتوسل :
- ربنا يخليكي يا هانم خليهم يسبوني أمشي انا مش فاهمه انتوا جايبني هنا ليه ؟!
جلست بجوارها علي الأريكة لتسترسل بهدوء :
- احنا هنتكفل بيكي يعني هنجبلك شقة تعيشي فيها و هنرجعك المدرسة تاني وهتدخلي انضف مدارس في مصر وكل شهر هيوصلك مبلغ كويس !

لمعت عيناها بدموع لتهتف بغير تصديق :

- بجد يا هانم هتعملولي كل ده ببلاش كده ؟
ابتسمت في داخلها حين تذكرت وقت قابلت "دانيال" لأول مرة وقتها اخبرها انه سيأخذ ثمن كل ما يعطيها اياه لم تدري انه سيكون أفضل ثمن تدفعه في حياتها فقد كان الثمن عشقها ! فاقت من شرودها لتكمل :
- مفيش مقابل يا جميل احنا بنعمل كده لله وربنا مبينساش حد ...
ودعت الفتاة بابتسامة لتدلف اليه لتجده يضع رأسه بين كفيه ، وضعت كفها علي كتفه قائلة بقلق :
- داني!  ماذا بكَ انت بخير ؟!

رفعت رأسه لتصدم بعيناه المتألمة ليهمس بضعف :

- لقد وجدته ليلي ! وجدت ابي !
ضمته بسعادة قائلة بدموع :
- أخبرتك انك ستجده ! الأن فقط اكتملت سعادتنا !
لم يرد لتبتعد قليلاً وتقول بتوجس :
- داني أين وجدته ؟
رفع عيناه الزرقاء الملتمعة بدموع تراها لأول مرة! قائلاً بصوت مبوح :
- لقد مات ليلي ! اسمه مسجل بقائمة المتوفون حديثاً ! لقد تركني مرة أخري...وهذه المرة بلا عودة !

شهقت ببكاء حين احتضنها وتشبث بها كأنها أمله الوحيد لتزيد من احتضانه ولا تدري حقاً ماذا تقول ! ليهمس بخفوت ضعيف :

- كيف مات قبل أن أحتضنه واقبل كفيه كيف تجرأ علي تركي وحيداً مرة أخرى !
ربتت علي كتفه هامسه بدموع وهي تبكي لبكاءه :
- عزيزي ارجوك اهدئ انا...
صمتت حين شعرت بثقله علي جسدها ابعدته قليلاً لتجده قد غاب عن الوعي بوجهه شاحب لتصرخ بفزع :
- داني ... !!!

ذرعت الرواق ذهابا واياباً وهي تكاد تموت قلقاً عليه لتهرع الي الممرضة التي خرجت مسرعة وامسكتها قائلة بلهفة :

- المريض الي جوه عامل ايه ؟ انتوا بقالكم ساعة ومحدش طمني ؟!
لتجيبها الممرضة مسرعة وهي تركض وتنادي أحد الأطباء :
- عنده أزمه قلبيه والقلب توقف أكتر من مرة خليني اعدي الحالة بتضيع مننا !
وقفت مشدوهة بما قالته لتضم نفسها وتجلس جانباً ترتجف بقوة هامسه بنفي :
- داني مش هيسبني هو بس زعلان علي موت أبوه وهيبقي كويس أكيد...يارب !

ولج "يوسف" الي منزله ليندهش بتلك الزينة الرائعة ليدرك ان جميلته حضرتها لمناسبة عيد ميلاده...ابتسم حين رأها تخرج من غرفتها بذلك الفستان الأسود الذي جعل قلبه يخفق بجنون لتقترب قائلة بابتسامة غريبة :

- كل سنة وانت طيب يا حبيبي !
اتسعت ابتسامته وقلبه يرقص طرباً لتذكرها عيد ميلاده ليردف بحنان :
- وانتي طيبة يا حبيبتي..

طالعته بأعين لامعة وهي تتشبع من ملامحه لتهتف بابتسامة زائفة :

- طب عارف الاحتفال ده بمناسبة ايه يا يوسف ؟
لف ذراعه حول خصرها لتصطدم بصدره ليميل ويلثم شفتيها برقة قائلاً بابتسامة مدعياً عدم الفهم :
- بمناسبة ايه يا روح وقلب يوسف ؟!
احتضنته بقوة وكأنها تشبع من رائحته وترفع جسدها لتصل الي أذنه هامسه بنبرة مغرية...متألمة...فارغة :
- بمناسبة طلاقنا ...
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل السادس والعشرون بعنوان: حطام

زادت تلك الجلبة الرعب الي قلبها لتجد الأطباء يهرعون الي غرفته لتسد طريق أحدهم وتجذبه من مقدمة قمصيه الأبيض الطبي قائلة بقسوة وتهديد يناقض الدموع التي تنساب علي صفحة وجهها :

-المريض الي جوا ده لو حصله حاجة أنا هطربق المستشفى علي دماغكم وأجيب عاليها واطيها كلامي واضح ؟!

اومأ لها الطبيب بمهادنة فبحالتها تلك تبدو غير طبيعية وعلي أتم استعداد لزهق روح من يقف بطريقها! لتدفعه بارتجاف ، وتعاود الجلوس برعب يتأكلها وجسدها يهتز بصورة مخيفة! لتنهض وتطرق باب العمليات صارخة بعصبية مفرطة :

-افتحوا الباب ده ! داني لازم يعيش وديني لقتلكم لو حصله حاجة !
اقترب حارس المشفى ليقول برسمية :
-لو سمحتي يا فندم مينفعش الي بتعمليه ده ابعدي عن أوضة العمليات الصوت العالي ده غلط علي المرضي !

لكمته بعنف ليقترب حارس أخر فتنهال عليه بلكمات عنيفة وكأنها تفرغ طاقتها به لتلتف نحو غرفة العمليات وتركل الباب بقوة لينفتح وتهرع للداخل لتجده ممد بجسد شاحب والأطباء من حوله لم تستمع لصرخات الطبيب الذي صاح باستنكار :

-ايه التهريج ده ؟ ازاي تدخلي أوضة العمليات كده ؟ الامن فين ؟!
-اقترب الطبيب ليمنعها لتلكمه وتدفعه جانباً لتقترب من الفراش وتهز جسده بانفعال :
-داني ! افق ! انا لن اسمح لك بتركي من تظن نفسك  ؟! أيها الوغد اللعين لقد وعدتني بالا أفقد اماني ابداً اين وعدك واللعنة !
صرخت بصوت جريح حين تكابل عليها الممرضين ليضعوها أرضاً ويثبتوها لتصرخ بحرقة :
-وديني لأقتلكم يا *** سيبوني ! ابعدوا عني ! داااااانيال !

صرخت بصوت دوي في أرجاء المشفى ليغرز أحد الأطباء حقنة مهدئة في ذراعها لتضعف قوتها وما هي الا ثواني لتغمض عيناها وترتمي فاقدة للوعي إجبارياً ! ليتنفس الجميع الصعداء فتلك الفتاة حقاً بها شراسه لم يراها أحد من قبل ليهتف الطبيب بتعب :

-انهيار عصبي حاد ! دي كانت هتجيب أجلنا ايه الأنثى المتوحشة دي !
حملها الممرضون ليتجهوا بها الي أحد الغرفة ليلتفت الطبيب الي المريض الذي كانت تصرخ من أجله ويتأكد من مؤشراته الحيوية ليخرج من الغرفة ويتجه لمكتبه ويستريح بإنهاك لتقطع هدوءه تساؤل احدى الممرضات :
-معلش يا دكتور هي الحالة الي في العمليات دي استقرت ولا لسه تحت الخطر ؟

أجابها بتعب :

-يا ستي مكانش في خطر أصلاً ! المريض كان عنده صدمة شديدة وكان ممكن يوصل لأزمة قلبية بس لحقناه لأنه جه في الوقت المناسب !
قطبت جبينها باستغراب :
-الله ، طب ازاي يا دكتور دي المستشفى كانت مقلوبة ودكاترة المستشفى كلهم دخلوا العمليات علشان الحالة دي !
ليرد بملل :
-اصل اتضح ان المريض ده أجنبي ! ولو كان حصله حاجة كانت المستشفى هتتقفل فيها وكلنا هيتسحب مننا كارنيه مزاولة المهنة ونعد في البيت !
اومأت باستيعاب لتخرج وتقابل مجموعة من الممرضات صديقاتها لتسرد لهم كل ما اخبرها به الطبيب كعادتهم لتشهق احداهم بخوف قائلة :
-يا نصيبتي ! دانا افتكرت ان الحالة خطيرة والراجل بيودع وطلعت قولت كده للبت المفترسة الي كانت قاعدة برا وبعديها نزلت في الكل تلطيش وجالها انهيار عصبي دانا كده روحت في داهية !

لتجيب احداهم بخبث :

-يااختي ولا داهية ولا حاجة البت كانت عندها انهيار عصبي اكيد ماخدتش بالها من شكلك ، انتي بس روحي دلوقتي ومتجيش بكره احتياطي !
أومأت لتتجه لغرفة الممرضات غير عابئة بما فعلته كلماتها المعدودة بقلب تلك الراقدة لا حول لها ولا قوة...

-ايه الهزار السخيف ده !

هتف بها "يوسف" بنبرة شبه غاضبة ليصدم بضحكتها الساخرة قائلة بتهكم :
-الله وانت من امتي بتتكلم جد يا چو ؟ ما حياتنا كلها هزار !
قطب جبينه من حالتها الغريبة ليقول باستغراب :
-انتي ازاي تكلميني بالأسلوب ده ؟
وصلته اجابتها ساخرة :
-من عاشر القوم يا يوسف باشا !

امسك رسغها قائلاً من بين أسنانه بتحذير :

-اتعدلي وانت بتكلميني ! وخليكي واضحة وفهميني في ايه ؟ وايه الي مغيرك كده ؟!
سحبت رسغها بعنف لتقول بابتسامة زائفة :
-السنة خلصت !
-مش فاهم ؟
-السنة ! انت مش كنت عامل حسابك علي سنة ؟ وبعدها ترميني رمية الكلاب ؟ انا حبيت اريحك واديني بقولك طلقني ! وبالنسبة لفلوس الفرح وشهر العسل انا مستعدة اديهالك شوف ليك كام ونتحاسب !

انقبض قلبه بقوة ليقول بتوتر :

-فلوس ايه وطلاق ايه ؟ جبتي منين الكلام ده ؟!
انسابت دموعها لتهمس بألم وعيناها تتوسل له ان ينفي ما تقوله :
-اتجوزتني سنة علشان تنبسط وبعدها تطلقني وكنت بتحطلي حبوب منع الحمل من ورايا علشان مجبش عيل والبسك في جوازة دايمة ! ده الكلام الي عرفته...قول انه كدب وانه محصلش وانا هصدقك ! قول ان حياتنا مكانتش مجرد تسلية !
نظر لها بضعف وعيناه يكسوها الالم ليهمس بتردد :
-أنا...ميرا...

قاطعته بتوسل :

-حصل ولا محصلش يا يوسف ؟
ليردف بحروف عبرت من منتصف قلبه قبل أن تصل لمنتصف قلبها! :
-كل الي قولتيه حصل ! بس والله انا...اتغيرت ولغيت فكرة الطلاق من دماغي وبطلت احطلك الحبوب دي من زمان !
أخفت انهياراً وشيكاً لتستعيد قناع القوة والجمود قائلة بنبرة مختنقة :
-تمام...انا هرجع شقتي القديمة وشوف هتبقي فاضي امتي علشان نروح للمأذون ونتمم اجراءات الطلاق !
جذبها ليضمها بين ذراعيه ويتشبث بها هامساً بألم :
-والله بحبك واتغيرت متسبنيش يا ميرا ! هعملك الي انتي عايزاه بس بلاش طلاق !

ابعدته بارتجاف وهي تقول بضعف وكأنها لم تسمعه :

-ارمي يمين الطلاق ! مهما كان احنا بينا عشرة وانت وقفت جمبي كتير فبلاش تخليني ألجأ للمحاكم انا مش عايزة اقف قصادك في محكمة يا يوسف !
-بحبك !
-متخلنيش اكرهك اكتر من كده !
-كانت غلطة !
-الحاجة الوحيدة الي كانت غلطة هي جوازنا وهنصلحها دلوقتي!
التقت عيناهم بلقاء ابلغ من الكلام كأنها تعاتبه علي كسرها وخداعها وعيناه تعتذر بصمت وتقسم بعشقه! لتهمس بخفوت متوسل :
-أرجوك طلقني ! متجبرنيش اعمل حاجة اندم عليها !
اغمض عيناه ليهمس بضعف وكأن روحه تخرج برفقة تلك الكلمة :
-انتي...طالق !

تسللت أشعة الشمس الي الغرفة لتقشع الظلام فيعبس كلاهما بانزعاج ويتململا بضيق ، وما كادت تفتح عيناها لتنفض صارخة :

-نهار ابوك اسود انا بقيت هنا ازاي كده ؟!
كان يعلم انها تقصد كيف اتت بين ذراعيه ليقول بنعاس :
-بعيداً عن انتي الي جيتي نمتي هنا وفي حضني كمان لان انا مجبتكيش...انا بس عايز اعرف انتي اخت يوسف الحديدي بجد ؟! طب محدش خد باله انك ناقصة تربية ؟!
استشاطت غضباً لترد بتوتر غاضب :
- لو سمحت عيب كده ! انا...انا جيت فعلاً بس كنت نايمة بعيد...و...

ابتسم لملامحها الطفولية بوجهها الأحمر من الغضب والحرج معاً! ليقول بدعابة :

-طب يلا خلينا نروح زمان امي عاملة مناحة دلوقتي !
عبست ملامحها لتردف بقلق :
-انا بردو سايبة يزن ومازن مع الشغالة وزمانهم خايفين !
طمأنها بلطف :
-متقلقيش الاقي بس حتة فيها شبكة وهعرف اجيب حد يطلعنا من هنا !

فتح جفونه بضعف ليري نفسه بغرفة بيضاء وجهاز التنفس الصناعي علي وجهه ليرفعه بتعب وينادي الممرضة بضعف قائلاً :

-منذ...منذ متي وانا هنا ؟
قطبت جبينها لتهتف في نفسها بحسرة :
-العلام حلو بردو مش كنت فهمت قال ايه وطلعتلي بقرشين حلوين جتنا نيلة في حظنا الهباب !
لتخرج من الغرفة وتطلب له احد الأطباء الذي جاء وبدا في تفحص اجهزته الحيوية قائلاً بابتسامة :
-بماذا تشعر سيد دانيال ؟!
رد بتقطع من بين انفاسه التي تخرج بصعوبة :
-أشعر...بألم طفيف في قلبي...ماذا حدث ؟

اجابه بهدوء :

-لقد اوشكت علي الاصابة بأزمة قلبية لكن حمدلله انت الان بخير ويمكنك الخروج بعد بضع أيام...
تذكر ما حدث بالأمس وما علمة عن وفاة والده ليومأ بضعف وحزن عاد يحتل عيناه ليعود ويضع قناع الاكسجين لينتبه لحديث الطبيب :
-بالمناسبة...هناك فتاة اتت امس برفقتك...لا يمكنني وصف ما فعلته ! لقد ضربت اثنين من الحراس وضربت احد الأطباء فقط لتراك ! واصيب بانهيار عصبي وهي بغرفة مجاورة ومن المفترض ان تستيقظ بعد قليل...

اتسعت عيناه الزرقاء بصدمة ليهمس في نفسه :

-ليلي !
نزع القناع مرة اخري ليهمس بتعب :
-من فضلك...احضرها الي هنا قبل ان تفيق...ستسوء حالتها ان لم تجدني حينما تستيقظ...
لم يستطيع الطبيب إخفاء دهشته هو المصاب ومن كاد يموت اذا تأخر بضع دقائق ويقلق علي حالتها هي يبدو انه امام حالة عشق لا تتكرر كثيراً ليقول بتفهم :
-كما تريد سيد دانيال ستكون هنا قبل ان تفيق...
وبالفعل وضعوا سريرها بجواره ليشير لهم بالرحيل وتركهم ، ثم نهض بتعب واستلقي بجوارها وضم جسدها الصغير اليه مقبلاً جبينها بحب لتفتح عيناها بعد قليل لتجده بجوارها لتصيح بلهفة باكية :
-داني هل انت بخير ؟

لم يرد فقط زاد من ضمها ليصدم بها تقبل كل انشاً بوجهه هامسه بخفوت :

-ارجوك لا تجعلني اعيش ذلك الرعب مرة أخرى ! ليلي لا وجود لها بدون داني !
لاح شبح ابتسامة ليرفع يده ويدفن رأسها بكتفه هامساً بشرود :
-اهدئي صغيرتي...أنا بخير...انا اليوم أعترف انك محقة ليلي...آمالي تحلق حالياً واليوم اندثرت بين التراب ! عشت حياتي اتمني لقاءه واستعد لهذا اليوم...لا ادري ماذا حدث لكنه فقط حلم السنوات تحطم في لحظات...ويبدو ان هذا القلب اللعين لم يتحمل ذلك !

شهقت ببكاء هامسة بحزن :

-ارجوك لا تقل هذا ! تماسك لأجلي...أنا حقاً لا ادري ما يجب علي قوله لمواساتك...انا حبيبة فاشلة أليس كذالك ؟!
طبع قبلة رقيقة علي خصلاتها هامساً بحنان :
-وجودك بجواري يكفي...فقط وجودك !
ليهمس بمرح زائف حتي لا يجعلها تفكر كثيراً بحالتها ويستطيع اقناعها بالرحيل فيما بعد حتي لا يقلق أخيها :
-افقد وعيي لبضع ساعات فأجدكِ
كدتِ تحطمين المشفى رأساً علي عقب أيتها الشرسة !

ابتسمت بخجل وهي تخفي وجهها بكتفه كطفلة صغيرة أخطأت ليكمل بصرامة زائفة :

-أظن ان اظافرك بحاجة للقص قطتي البرية ! كيف لكمتي الطبيب واللعنة !
ضحكت قائلة :
-لا ادري ! لا اذكر سوي اني كدت اموت قلقاً عليكَ... تنهدت لتكمل بشقاوة :
-لكن لا بأس فانا افعل ما شئت فأبي لن يسمح لأحد بالاقتراب مني ابداً...أليس كذالك أبي ؟!
ضحك بضعف ليمرر كفه علي خصلاتها بحنان قائلاً :
-أبيكي سيقتل اي شخص يفكر فقط بإزائك صغيرتي...

حطام...أقل وصف لما فعلته بمنزلها منذ ان عادت اليه ، صرخت بجنون وهي تحطم المرآة فتتكسر الي قطع صغيرة ، مسحت دموعها بقسوة لتلتقط إحدى قطع الزجاج وتضعها بالقرب من كفها تحديداً علي وريدها لتصرخ بقهر :

-انا اكتفيت ! مش هقدر اتحمل حاجة تاني ! ليه كل الناس بتأذيني ؟! أنا عمري ما اذيت حد !
لتلعن في سرها وتلقي بقطعة الزجاج جانباً فمهما كانت قوية هي اضعف من ان تقتل نفسها وان تحمل ذلك الذنب العظيم ولكنها لن تستسلم للضعف والحزن لتهمس بتوعد عنيف والقسوة تندلع بعينيها المظلمة رغم العبرات المنهمرة :
-وديني لأندمك يا يوسف ! مش ميرا السويفي الي تتاخد تسلية وتقضية وقت !

نفخت بضيق لتردف بتوسل :

- ابوس ايدك خليني اروح اطمن عليه !
نفي بجمود :
-مينفعش ! مش مسموحلي اخرجك برا الأوضة من غير اذن الباشا لو سمحتي ارجعي اوضتك تاني !
دلفت الي الغرفة بغيظ من ذلك الرجل الذي يبدو كالآلة التي لا تسمع ولا تري فقط تنفذ الامر! لتتنهد وتهمس بصدق :
-يارب نجيه ! ده راجل طيب...صحيح امريكاني وخواجة بس قلبه طيب ووقف جمبي...يارب يبقي بخير...ده اخر امل ليا في الدنيا المهببة دي...لو حصله حاجة كده عطوة هيلاقيني وهرجع لنفس العيشة المقرفة الي كنت فيها !

جلسوا علي قارعة الطريق بانتظار السيارة التي ستأتي لتأخذهم ليقطع الصمت "إلياس" قائلاً بتساؤل :

-صح يا سارة هو تليفونك فين ؟!
اجابته بلامبالاة :
-طلعته واحنا بيضرب علينا نار...كنت ناوية أكلم يوسف يلحقني بس لما حودت جامد مرة واحدة طار من الشباك...يلا خد الشر وراح !
ليحمحم قائلاً :
-سارة هو انتي لما اتجوزتي كنتي قاصر ؟!
قطبت جبينها من سؤاله الغريب لتهتف باستغراب :
-لا كان عندي 22 سنة اشمعني ؟

اجابها ومازال مندهشاً :

-لا مفيش أصلك شكلك صغيرة اوي انا ساعات كتير بشك ان عندك عيال !
ابتسمت بخجل قائلة بلا تفكير :
-تسلم الله يعزك !
عضت علي شفتيها لتلعن في سرها تسرعها الغبي لتقول في سرها :
-يخربيت الدبش الي بيطلع مني في واحدة تقول لخطيبها الله يعزك !
ابتسمت له بسخافة وهو يطالعها بغرابة ويفكر في نفسه من هي حقاً تلك متعددة الأدوار فأحياناً يراها طفلة صغيرة خائفة تتشبث بكفه وأحياناً ام عاشقة لأبنائها وتحميهم من اي شر وحين أخر يراها امرأة رقيقة تخجل من كلمة مغازلة واحياناً امرأة شرسة قوية الشخصية! وبين هذا وذاك عالقاً هو وكأنها تسحبه بخيوط متينة لأعماق عشقها دون ان يدري...

دخلت الي المنزل بخطوات حذرة لتجده شبه مدمر وكأن عاصفة دمرت أثاث المنزل! فاقت علي يده التي تشد خصلاتها بقسوة صائحاً بصوت جهوري :

-كنتي فين ؟! ردي عليا قبل ما ادفنك مكانك !
صرخت بألم من قبضته لتصرخ بغضب :
-ابعد ايدك عني ! خلينا نتفاهم من غير همجية !
ترك خصلاتها لتصدم بمظهره بشعره المشعث وعيناه الحمراء كالدماء وملامحه المرهقة فيبدو انه لم ينم منذ أمس لتقول بتردد :
-دانيال ابوه مات ودخل المستشفى من الصدمة فانا مكانش ينفع اسيبه ونسيت اكلمك من قلقي !

رغم علمه بوجود "دانيال" بمصر لكن لم يعلم بشأن والده ليصرخ بعصبية مفرطة :

-وهو مين علشان تروحيله ؟!وازاي أصلاً تخرجي من غير اذني ؟ انت فكراها وكالة من غير بواب ؟!
اندهشت من صراخه العال وعصبيته المفرطة لتقول بغضب :
-انت مكبر الموضوع اوي قلتلك دانيال في حكم خطيبي وتعب ازاي مروحش ازوره ؟! وكمان هو جاي مصر علشاني !
تنفس بغضب ليردف مسرعاً بلا تفكير :
-لالا انت خلاص عيارك فلت من بكره اول واحد يتقدملك هجوزهولك ! يمكن يقدر يعمل الي فشلنا فيه !

اتسعت عيناها بذعر سرعاً ما تحول لشرارات غضب لتقول بأنفاس غاضبة وتهديد :

-زمان كنت صغيرة ومقدرتوش تجبروني علي جواز من واحد قد ابويا تفتكر دلوقتي لما اتغيرت وبقي معايا حد بيحبني وهيقف جمبي هتقدر تجبرني ؟!
هتف بصوت لاهث بعدم فهم :
-راجل مين الي كنتي هتتجوزيه ؟! انا مش فاهم حاجة ؟!
اقتربت لتقول بنبرة مختنقة :
-مامتك من تلات سنين كانت هتجوزني لراجل غني عنده 50 سنة ! وابوك طبعاً كالعادة ميقدرش يعصالها امر!
نفي غير مصدقاً :
-مستحيل ! حتي لو كده انا اكيد مكنتش هقبل !

ابتسمت ساخرة لتهمس بتهكم :

-وانت كنت فين أصلاً يا يوسف ؟! سهرات وخروجات واخر دلع انت كنت في عالم تاني محدش كان فارق معاك كل همك فلوسك وسهرة حلوة والباقي في داهية !
وكأنها طعنته بكلماتها! يبدو انه حان موعد الحساب علي أخطاءه السابقة لتسترسل بشرود :
-وقتها مؤيد كان زميلي في الكلية ، دفعتله فلوس علشان يجي يتجوزني ويطلقني بعديها واقدر أهرب وفعلاً...وصلت لندن تخيل انت بقي واحدة 18 سنة معهاش غير شنطة هدومها ومبلغ صغير ميكفيش أوضة في فندق! ماشية في شوارع لندن هربانة من اهلها...وقتها قابلت داني وخدني القصر بتاعه بس والله ملمسني! بالعكس ده قدملي في الجامعة وساعدني كتير وعلمني ازاي ادافع عن نفسي! وطلب يتجوزني وبعد كده انت عارف الباقي...

توقعت ان يغضب...ان يثور...لكنه صدمها حين قبل جبينها بحنان قائلاً بنبرة فارغة :

-لما دانيال يبقي كويس خليه يجي يكلمني علشان نتفق علي معاد الفرح...يلا خلي بالك من نفسك !
قطبت جبينها بدهشة لتجده مغادراً لتمسك رسغه قائلة بقلق حاولت اخفاءه :
-انت كويس ؟! وفين ميرا ؟!
اجابها بشرود :
-طلقتها !
شهقت بصدمة قائلة :
-ايه ؟ طب ازاي ؟ وليه؟

امسك كفها يربت عليه قائلاً بنبرة متألمة :

-اصل انا دمرتها ! زي ما دمرتك ودمرت سارة...كان معاكي حق انتي عمرك ما هتوصلي ل*** انا اوحش بني ادم ممكن تشوفيه ! اعتبري ان اخوكِ مات ! مش هحاسبك علي حاجة بعد كده مش هحاسب حد ولا هقابل حد انا مش عايز اأذي حد تاني !
اشفقت عليه بحق فهي لم تره بذلك الضعف والانكسار من قبل لتقول بتوتر :
-طب...طب انت محتاج راحة شوية وكل حاجة هتبقي كويسة صدقني !

مسد علي خصلاتها بحنان تراه لأول مرة :

-انا مش عارف هغيب قد ايه بس محتاج ابقي لوحدي...الاحسن تروحي تقعدي مع سارة انتوا محتاجين بعض !
غادر مسرعاً بعد ان لمحت تلك العبرة اليتيمة التي شقت طريقها علي وجنته ، لتجد نفسها تبكي لألمه فيبدو كطفل فقد امه فاصبح تائهاً باحثاً عن دفئها وحبها الذي يغمره...قيل أن دموع الرجال كانهيار الجبال! وهو لم ينهار بل تحطم...حطمته ذنوبه القديمة لتسحب من قلبه بريق الحياة...

دلفت بخطوات واثقة قوية بأحمر شفاهها الجذاب ذو اللون الأحمر الجريء وخصلاتها السوداء تعطيها هالة من القوة والجاذبية الي تلك الشركة لتسأل المساعدة :

-مكتب طارق المحمدي ؟
اشارت لها المساعدة بابتسامة :
-علي ايديك اليمين يا فندم...اتفضلي استاذ طارق في انتظارك !
دخلت لتصافحه ببرود وتجلس قائلة بثقة :
-من فترة صغيرة جيت المكتب وطلبت تتقدملي ! يتري عرضك لسه متاح ؟

اجابها مسرعاً رغم دهشته من جراءتها :

-اه طبعاً...بس ازاي مش حضرتك متجوزة  ورفضتي عرضي وقتها ؟!
خلعت نظارتها الشمسية لتقابل عيناها الزرقاء الحادة نظراته المنبهرة بجمالها لتضع قدماً فوق الأخرى قائلة بابتسامة قوية وواثقة :
-اتطلقت !
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل السابع والعشرون بعنوان: تمرد

بعد مرور شهرين...

أمسكت كفه بتوتر وكأنها تتزوج للمرة الأولي! رمشت تتنفس بصعوبة وتلك الاضواء المصوبة نحوهم توترها لتشعر به يضغط علي كفها ليطمئنها نظرت له ليقابلها بنظراته الهادئة فيهدئ ذلك من روعها...لتبدأ اولي فقرات الحفل الا وهي الرقص علي موسيقي هادئة ، تمايل كلاهما بخفة وهي تكاد تموت حرجاً من نظرات الجميع لها تشعر انهم يلومونها انها تزوجت للمرة الثانية! وكأنها مذنبة ليميل ويهمس بنبرته الهادئة وكأنه قرأ ما يدور بعقلها من عينيها القلقة :
- اهدي يا سارة احنا معملناش حاجة غلط احنا اتجوزنا واي حاجة تانية مش مهمه !

ابتسمت برقة علي تفهمه لترفع رأسها فهي لم تخطأ فما الضير من الزواج مرة أخري؟ ابتسامة واثقة تشكلت علي ثغرها فلن تستسلم لنظرات الناس او حديثهم المتواري هي سعيدة اذن فليذهب الناس الي الجحيم! انتشلها من شرودها قبلته الرقيقة علي جبينها لتهمس بحرج :

- ايه الي عملته ده ؟ الناس بتبص علينا !
ابتسامة جانبية تشكلت علي ثغره هامساً بلامبالاة :
- محدش ليه عندي حاجة !

انتهت فقرة الرقص ليجلس كلاهما فتردف بقلق :

- تفتكر يوسف هيجي ؟ انا هزعل اوي لو مجاش انا بقالي شهرين مشوفتوش بالعافية قدنا نبلغة بمعاد الفرح !
- متقلقيش يوسف أكيد هيجي  !
ابتسمت له فكم هو متفهم وعطوف تتمني حقاً ان يعوضها عما عانته قبله...

بخارج قاعة الزفاف

جلست فوق سيارته تلتهم شطيرتها لتقول باستمتاع :
- داني...يجب أن تتذوق هذه الشطيرة انها لذيذة بحق !
ابتسم بغموض ليقترب ويهمس بخفوت خطير :
- لا تظني ان بطلبك الطعام انك ستلهيني عن ذلك الوغد الي كان ينظر لكِ طوال الحفل وكاد يطلب الرقص برفقتك !
ابتلعت ما بفمها بقلق لتقول برجاء :
- داني...ارجوك انه زفاف شقيقتي لا تضرب أحداً ! ويبدو أيضاً ان ذلك الفتي لم يلحظ وجودك لأجلي لا تفعل شيئاً !

صمت قليلاً وهي يخرج محرمته ويمسح فمها الملوث بالطعام كطفلة صغيرة ثم قال بنبرة شبه هادئة :

- حسناً...لن أفعل شيئاً لكن اياكِ والتحرك من جواري !
اومأت بطاعة وهي تناظره ببراءة ، ضيق عيناه بشك فهو يعلمها لقد تجولت بكل أنحاء الحفل وخارجه لتنتشله من شروده قائلة بابتسامة :
- أيمكنك أن تحضر لي مشروباً ؟
واسبلت عيناها ببراءة لعن في سره تأثير تلك الصغيرة عليه ليومأ معاوداً تحذيرها :
- اياكِ والتحرك من مكانك !

اومأت له ليذهب وما ان ابتعد قليلاً حتي ضحكت بخفة علي غضبه لتختفي ابتسامتها ما لمحت ذلك الشاب الذي طاردها منذ بداية الحفل الذي قال بابتسامة :

- غريبة...بقي في حد يسيب قمر زيك تقعد لوحدها كده ؟!
لعنت في سرها ما يفعله هذا الاحمق لترد بحده :
- ميخصكش ! واتفضل امشي وسيبني لوحدي !
لم تتغير ملامحه ليمد يده في محاولة لامساك كفها فتشتعل عيناها وتصفع يده قائلة بعنف :
- ايدك لتوحشك !

صدم بشراستها لكن لا ينكر انها أعجبته ليقول برقة :

- انتي ليه متعصبة كده ؟ انا بس عايز اتعرف عليكي مش اكتر...
لم يكمل جملته حين رأي عيناها تتسع بخوف وهي تنظر ورائه ولم يكد يلتفتت حتي صدم بلكمة عنيفة طرحته أرضاً ، ابتعلت ريقها برعب فعيناه تبدو كالجمر المشتعل لتقرر الهروب قبل ان يفتك بها هي الأخرى وما كادت تتحرك قليلاً لتصرخ بدهشة حين رفعها من خاصرتها ووضعها مرة اخرى علي سيارته ثم خلع سترته والقاها بوجهها قائلاً بوعيد :
- فقد شاهدي صغيرتي ! لقد وعدتك الا أخرب زفاف شقيقتك لكني لم أعدك الا أبرح هذا الوغد ضرباً .... !

شمر عن ساعديه ليرفعه فيصيح الأخير بغضب :

- انت مجنون يا جدع انت ؟ انتي ازاي تمد ايدك عليا انت متعرفش انا مين ؟!
لم يهتم بما يقوله ليبدأ بلكمه بعنف ليلكم معدته فينحني الأخير صارخاً بألم ، ودت لو تتدخل وتوقفه لكنها تعلم غضبه اذا تدخلت سيصب جام غضبه عليها! تركه بعد قليل كالخرقة البالية بكدماته المتفرقة ليسحبها خلفه الي داخل الحفل لكنه توقف حين شعر برجفتها ليلتفتت وينظر لها ليصدم بخوفها الظاهر ليأخذها جانباً ويصرخ بغضب مندهش :
- لماذا ترجفين ؟ لماذا انتِ خائفة ؟ أنا لست همجياً ليلي ! انا لن ارفع يدي عليكي بحياتي !

لتهمس بتقطع :

- لقد كنت مخيفاً بحق داني لقد كدت تقتله !
تنفس بغضب ليمسح وجهه محاولاً الهدوء ليسحبها ويضمها اليه هامساً بإعتذار :
- أعتذر صغيرتي...لم اقصد إخافتك !

نهضت مسرعة حين رأت شقيقها يدلف من بوابة الحفل ببذلته السوداء الأنيقة وتحيطه هالة من الجاذبية لتحتضنه بلهفة هامسة بحب :

- وحشتني اوي يا يوسف...هنت عليك تبعد كل المدة دي عننا...انا خفت اوي لحسن ما تجيش الفرح !
ابعدها برفق ليميل ويلثم جبينها برقة هامساً :
- مبروك يا سارة...ربنا يسعدك يا حبيبتي انتي تستاهلي كل خير...
صافح "إلياس" قائلاً بتهديد مبطن :
- مش محتاج اقولك تخلي بالك منها يا إلياس...سارة غالية عليا اوي وزعلها يعني زعلي !
ابتسم بتفهم قائلاً :
- متخافش يا يوسف...سارة في امانتي وربك الي هيحاسبني عليها قبلك !

لمعت عيناها باعجاب لحديثه وما كادت تتحدث لتتعلق أنظار الجميع مع تلك الفاتنة التي دلفت للتو بذلك الفستان الأحمر الطويل بدون أكمام وخصلاتها السوداء ذات التموجات البسيطة تغطي حتي منتصف ظهرها ووجهها التي تزينه مساحيق تجميل بسيطة تليق بجمالها الهادئ فكانت آيه في الجمال والفتنة وابتسامتها الواثقة أضفت جاذبية صدم الجميع بها خاصة "يوسف" الذي وقف مبهوتاً بهيئتها فهذه من كانت تبكي بانهيار وتتوسله الطلاق عادت بقوة! امرأة الأسود تغيرت وترتدي الألوان! لتقترب وسط دهشتهم لتصافح "سارة" وتقبلها قائلة برقة :

- الف مبروك يا سارة...شكلك زي القمر...

ابتسمت لها بتوجس من ردة فعل شقيقها علي فستانها العاري ذاك لتصافح "الياس" ثم تلتفت استعداداً للمغادرة ، لم يتمالك نفسه ليسحبها خلفه الي الحديقة الخلفية لتسحب كفها بعنف وهي تتطلع اليه باحتقار ليصيح بها من بين أسنانه :

- ايه الي انتي لابساه ده ؟انتي اتجننتي ؟ فاكرة نفسك متجوزة خروف ؟!!
رغم الرجفة البسيطة التي اعترتها من نبرته العالية لكنها ردت بقوة :
- كنت...كنت جوزي ! دلوقتي انت ولا حاجة بالنسبالي! وايدك المرة الجاية لو فكرت تلمسني تاني هكسرهالك !

صدم بشدة فبحياتها مهما حدث بينهم من خلافات لم تتجرأ علي الحديث معه بتلك النبرة! لتكمل باستهزاء :

- مالك ؟ مصدوم ؟ ايه فاكرني هقعد أبكي علي الأطلال ؟! المفروض تكون عرفتني داحنا عيشنا مع بعض فترة مش قليلة...كفيلة تعرفك انا مين !
اقتربت تحت نظراته المشتعلة لتهمس ببطء ونبرة قوية وكأنها تدخل كلماتها في عقله قسراً وهو فقط يقف مشدوهاً بما صنعت يداه :
- انا عمري ما اتكسر ! ، انا بتهد شوية وبستقوي تاني...وبغيب غيبتي وبرجع بهيبتي ... !
وضعت كفها علي وجهه تتلمسه برقة هامسة بابتسامة شيطانية وعيناها تلتمع ببريق دموعها الوفية التي لا تسقط دون اذنها! :
- اوعدك بشرفي اني اندمت علي الي عملته !

هكذا ببساطة تركته ورحلت كالعاصفة كما أتت هي محقة فكل مشكلة تمر بها تزيدها قوة لا ضعفاً! جميلته أصبحت بتلك الخطورة لقد انتهي بريق عشقه بعينيها لم يري سوي لهيب الانتقام يندلع بزرقاوتيها التي زادت حدتهم عن زي قبل! كاد يغادر ليشعر بيد توضع علي كتفه التفتت ليجدها "ليلي" تقف بارتباك لتهتف بتوتر :

- ع...عامل ايه ؟
لاح شبح ابتسامة علي شفتيه فتلك الصغيرة تحاول اصلاح علاقتهم ليلمس علي خصلاتها بحنان قائلاً بلطف :
- انا كويس يا حبيبتي...وانتي عاملة ايه مع خطيبك ؟
اجابته بابتسامة متوترة :
- كويسين الحمدلله...انت...يعني...مش ناوي ترجع ؟!.

اجابها بشرود :

- هرجع يا ليلي...انا بس محتاج شوية وقت اقدر استوعب خسارتي لميرا !
طالعته بشفقة فهي لا تدري ماذا حدث معهم حتي ينفصلوا ولا حتي شقيقتها "سارة" تعلم ما حدث لتقول برقة :
- ليه بتقول كده ؟ ميرا بتحبك ! هو خلاف بسيط واكيد هيتحل مع الوقت...
وياليته حقاً خلاف بسيط كما تقول فقط لو تدري ان ذلك الخلاف هو حياتهم بأكملها! فقد لو استمعت لحديث "ميرا" قبل قليل لأدركت انه قد خسرها للأبد! ليقول بابتسامة شاحبة :
- انا لازم امشي...خلي بالك من نفسك!

قادت سيارتها بأقصي سرعتها ودموعها قد تحرر أسرها لتشق طريقها علي وجنتيها بلا توقف  وهي تستمر بمسحها بعنف لتصرخ بقهر وهي تضرب المقود :

- كفاية ! ده ميستحقش دموعي ! محدش يستاهل أعيط علشانه !
أوقفت السيارة جانباً لتضع رأسها علي المقود تبكي بقوة لتهمس وهي تضع قبضتها فوق قلبها :
- ليه مش عايز تبطل تحبه ؟! ليه مش عايز توقف وتريحني!
رفعت وجهها بعد دقائق معدودة من البكاء لتمسح دموعها وتستعيد قناع الجمود والقوة فهي ستوهم ذاتها انها قوية وستصدق هذا الوهم فقد اعتادت علي الا تداوي جروحها فقد تمر بجانبها كأنها لم تكن!

كادت تتعثر لأكثر من مرة وهي تركض خلفه لتجده يصعد الي سيارته دون الالتفات اليها لتصعد الي جانبه بسرعة لينطلق بأقصي سرعته وتصدم به يصيح بلهفة :

- أبي مازال حياً ليلي ! لقد علمت أنه بدار للمسنين!  أخيراً سألتقي به!
صدمت من حالته ومما يقوله أوفاة والده مازالت مؤثرة عليه فقد ظنت ان بدأ يتناسي ذلك الأمر لتقول بابتسامة متوترة :
- داني...عزيزي...اوقف السيارة ودعنا نتحدث بهدوء...
التفت لها ليقول بنبرة فرح :
- انا لا أهذي صغيرتي...صدقاً أبي مازال حياً...لقد كان مجرد تشابه اسماء لا أكثر!
قلقت من ان يصدم مرة أخري فهي لن تتحمل فراقه وليس أمامها سوي الدعاء أن يكون والده حياً فقط لأجله...

ابتسمت بتوتر لتهرع الي المرحاض لتغير فستانها لتغلق الباب وتضع كفها علي صدرها لتجبر دقات قلبها علي الهدوء فقط تذكرت ما حدث بليلة زفافها الاول حين اغتصبها "ماجد" إجبارياً لتهمس بتوتر :

- لا لا الياس مش زي ماجد...الياس عمره ما يأذيني!
ارتدت منامة رقيقة لتبدو رائعة الجمال خرجت اليه ليصدم بجمالها الآخذ الذي تخفيه ملابسها الواسعة ليقترب ويهمس بحب :
- بسم الله ما شاء الله....
اعطاها عباءه لترتديها للصلاة ارتدتها سريعاً لتقف خلفه ويصلي بها ، انتهوا من صلاتهم ليضع يده علي رأسها قائلاً بهدوء :
- اللهم اني أسالك خيرها وخير ما جلبت وأعوذ بك من شرها وشر ما جلبت...

امنت علي دعاه ليخلع حجابها ويده تتسلل بخفة لملابسها ليقترب ببطء وعيناها ترتكز علي شفتيها وما كاد يقبلها حتي افزعهم طرقات صغيرة علي الباب ليزفر بغيظ وينهض غاضباً فتح الباب ليجد الثلاث صغار ينظرون له ببراءة لتهتف "تقي" بابتسامة :

- بابي ينفع أنام جمبك علشان مش بيجيلي كابوس وانا نايمة عندك !
ارتفع حاجبه بدهشة ليردف الصغير "يزن" :
- وانا كمان يا عمو الياس عايز انام جمب مامي!
ليردف الثالث "مازن":
- انا مش بعرف انام غير لما مامي تحيكلي حدوتة !

عض شفتيه بغيظ يود لو يصفع ثلاثتهم ليجثو علي ركبتيه قائلاً بابتسامة سخيفة :

- يا يزن يا حبيبي اولاً قلتلك قبل كده تناديلي بابا...توتا حبيبة بابي مش اتفقنا هتنامي جمب تيتا ؟
احتضنته الصغيرة قائلة بحزن :
- لا بابي انا دايماً بنام جمبك ليه مش انام النهاردة ؟
وهرع الصغيرين الي داخل الغرفة ليرسوا بين احضان والدتها التي تكتم ضحتها بصعوبة ، تنهد ليحمل الصغيرة ودلف ليهتف بتحذير :
- اخر مرة هتناموا هنا معانا! ومن بكره كل واحد ينام في اوضته...ومش عايز دوشة هنام عالطول والي هسمع صوته هرميه بره...حتي انتي يا تقي!

عبست الصغيرة بضيق لينزلها ويفكر في حل ليلمح ابتسامتها التي تجاهد لتخيفها رمقها بغيظ قائلاً :

- بقولك ايه انتي كمان اتمسي متخلنيش ارميكم كلكم بره هي ليله سودا علي دماغي !
ضحكت بخفة لتضع يدها علي فمها لتمنع ضحكاتها من الانفلات ليهتف بهم ان يبتعدوا جانباً ليقترب من الفراش ويزيل زينته بحسره ثم رفع مرتبة الفراش تحت دهشتهم ليلقيها أرضاً ويردف امرآ :
- بمناسبة التجمع العائلي اللطيف قررت احط المرتبة علي الارض علشان محدش يقع يلا علي النوم وعالله اسمع نفس حد فيكم!

اومأ اربعتهم حتي لا يغضب اكثر ليستلقوا جميعاً "تقي"علي يمينه و"يزن" يتوسط كلاهما و"مازن" يستلقي علي جانب والدته من الناحية الآخرى ليهتف "مازن" قاطعاً الصمت :

- مش هتحكولنا حدوتة ؟!
كادت ان تتحدث ليقطعها صوته المغتاظ :
- كان في مرة واحد متجوز واحدة وعنده تلات كلاب هيطلعوا عينه انشاء الله وهيجيبه أجله بدري !
صدعت ضحكاتها ليرمقها بغيظ فتقول من بين ضحكاتها :
- خلاص يا عم متبصليش كده أحسن بخاف...

نظر لها بتوعد وهو يحك ذقنه ليقترب ويضمها اليه مع الصغير "يزن" لتلتقي عيناهم ليقربها أكثر متناسياً الصغار لينتشلهم من شرودهم صوت الصغير المختنق :

- في ايه يا عمو هتنخنق!
عض علي شفتيه بقوة ليصيح بصوت افزعهم :
- هعد لغاية 3 الي هلاقي صاحي هرميه بره...اتخمدوا !
اغمض الصغار أعينهم بخوف ليهمس لها بأن تنتظر حتي يناموا لتومأ له لينتظر لنصف ساعة كاملة حتي خلدوا الي النوم لينهض بخفة وهو يميل عليها هامساً بحب وهو يتلاعب بخصلاتها :
- سارة...انهاردة اسعد يوم في حياتي...ربنا يباركلي فيكي...

ظن انها خجلة ليبعد خصلاتها عن وجهها برقة ليجدها تغط في نوم عميق! ليهمس بسخط :

- نامي يا اختي نامي مهي جوازة فقر علي رأيك !
ليقبل جبهتها برقة ويختطف قبلة سريعة من ثغرها ثم يميل ويقبل الصبيان ويقبل صغيرته ويحاوطهم كأنهم كنز ثمين ابتسم براحة فمن يصدق انه ظن يوماً انه لن يحظي بأطفال! واليوم لديه ثلاث!  مع قليل التفكير نظر اليها ليصحح جملته لديه اربعة أطفال!....

وصلت الي منزلها وهي تلعن قلبها الضعيف الذي ود لو ترتمي بين ذراعيه ما ان رأته لا ان تلقي بكلاماتها الجارحه في وجهه لتدرك انها ان لم تتصرف سريعاً سينتصر قلبها وستخسر كرامتها ولكنها لن تكرر خطأها مرة أخرى فقد سمحت لقلبها بالقيادة مرة فدمرتها لترفع هاتفها وتردف بحزم :

- طارق...انا عايزة الفرح بعد اسبوع !
اتاها صوته المندهش قائلاً :
- ازاي يا ميرا ده لسه فاضل شهر علشان عدتك تخلص!

اشتعلت عيناها غيظاً لترد بقسوة :

- لو معملتش الفرح بعد اسبوع مش هعمله خالص يا طارق!  مش مهم عدتي ابقي زود المأذون شوية وهو مش هينطق...اتصرف!
زفر بضيق من معاملتها تلك ولكن ما باليد حيلة فهو أحبها ويصر عليها ظناً منه انه سينيها زوجها الاول ربما تقدر ذلك وتعامله كما يستحق ليهتف باستسلام :
- تمام...اعتبريه حصل!

انتهت من ترتيب المنزل لترتدي ثوباً رقيقاً باللون الأزرق السماوي منتظره حضوره فهو منذ إشتري لها ذلك المنزل يزورها اسبوعياً ليطمئن علي احوالها وما تحتاجه ابتسمت بسعادة فقد عوضها القدر عما عانته قديماً لتخرج من ثيابها ما اشترته خلسه من احدي الاسواق الغالية او كما يسمونها الاغنياء "مول" لتخرج أحمر شفاه باللون الزهري لتضعه بلا تنظيم فهي لا تدري كيف يضعونه فهي ترغب ان تكون جميلة بعينيه لربما تنسيه خطيبته وتحل محلها لتهتف بابتسامة :

- يا رب خليني حلوة في عينه !
انتظرت الكثير وقد تأخر الوقت لتفتح الباب وتنادي الحارس الذي وضعه لحمايتها قائلة بلهفة :
- هو دانيال باشا مش هيجي انهارده ؟!

اجابها برسميه كعادته :

- معنديش اي معلومات يا زهرة هانم !
زفرت بضيق لتدخل الي المنزل بضيق قائلة بحقد :
- أكيد خطيبته دي الي خلته يتأخر مش فاهم عاجبه فيها ايه ست ليلي ... !!!

وصل الي مبني رعاية المسنين ليترجل بسرعة ومن خلفه "ليلي" التي يتأكلها القلق والخوف من ان يسوء وضعه هذه المرة ان لم يكن أبيه ليهرع الي الداخل ويطلب منها ان تسأل العاملة عن غرفته ليهرع للداخل ثم توقف فجأة ليتلفت ويهتف لها بجمود :

- انتظري هنا...احتاج ان أراه بمفردي !
اومأت له لتمسك كفه قائلة بتوتر :
- ارجوك اهدأ داني...لا تقلق ان لم يكن هو والدك فربما هو بمكان أخر فقط لا تنفعل انا احتاجك!

انتقل له خوفها وهو لا يدري حقاً ماذا ستكون ردة فعله ان لم يكن هو لم يفكر كثيراً ليدلف الي الغرفة ليجد رجلاً يجلس علي مقعد متحرك وينظر للنافذة بشرود ، تسارعت انفاسه وهو يزدرد ريقه بصعوبة ثم اخرج من حافظته صورة قديمة لأبيه مسح وجهه بإنفعال ليقترب بخطوات رتيبة لتصل الي مسامعه تلك الخطوات ، قطب جبينه ليلتفت بكرسيه قائلاً :

- مين ؟

توقفت أنفاسه حين التفتت في مواجهته لم يتغير علي مر الاعوام مازالت عيناه تشع دفئاً رغم الألم الذي يكسوها ومازالت ملامحه تغمر قلبه بالحنين رغم التجاعيد الذي خطها الزمان علي وجهه ليقترب ويجثو علي ركبتيه امامه والدموع تنساب علي وجنتيه بلا سابق إنذار ليهمس بصوت مختنق :

- الم تتعرف علي ولدك الوحيد...أبي ؟!
قطب جبينه من لغته الانجليزية هو يعلمها لكنه لم يمارسها منذ سنوات كثيرة تمتد لأكثر من عشرون عاماً ليمد كفه المرتعش ويضعه علي وجهه قائلاً بتقطع :
- انت...م...مين ؟! وبتعيط...ليه ؟!
لم يفهم ما قاله لكنه استشعره من تقطيبة جبينه ليهمس بضعف وهو يمسك كفه المرتعش يقبله بدموع :
- انا ابنك...أدعي داني...أقصد...آدم ... !!!
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الثامن والعشرون بعنوان: قسوة

تسللت أشعة الشمس الي الغرفة لتشبعها ضوءً ليتململ ذلك النائم بانزعاج ويفتح جفونه ببطء ليجد الغرفة فارغة قطب جبينه لينهض متجولاً بالمنزل وارشدته صوت الضحكات القادمة من المطبخ دلف ليجد زوجته "سارة" تتنقل في انحاء المطبخ كالفراشة بمنامتها القصيرة وترفع خصلاتها للأعلى لتخطف أنفاسه بطلتها تلك وينتبه لضحكات الصغار فهي تعد الافطار وتطعهم اثناء الطهو حتي صغيرته المدللة "تقي" تعلقت بها بتلك السرعة! ليهتف بمرح :

- كل حلفاؤك خانوك يا الياس حتي انتي يا تقي!

هرعت الصغيرة اليه لتتعلق بساقيه ليرفعها مقبلاً وجنتيها وهو يتسأل :

- هي امي فين صحيح ؟
اجابته وهي ترص الاطباق علي الطاولة :
- ماما سافرت البلد النهاردة الصبح...انا قولتلها مفيش داعي بس فضلت مصرة وقالتلي انها هتكلمك اول ما توصل...

نفخ بضيق فهو يعلم تمام العلم رأس والدته اليابس وانها فعلت ذلك حتي يتسنى لهم فرصة للاعتياد علي بعضهم البعض ، ليجلوا جميعاً ليتناولوا الافطار وكعادته "إلياس" يضع صغيرته علي ركبتيه ويطعمها بيده الامر الذي أثار غيرة وحزن "يزن" الذي نظر ارضاً بحزن فوالده تخلي عنه ولم يحمله يوماً ويطعمه كما تمني ، لفت انظار "الياس" حزن الصغير وخجله من ان يطلب منه ان يطعمه ليلتفت قائلاً ل"تقي" :

- روح بابي ينفع تخلي ماما سارة تأكلك ؟!

صفقت الصغيرة بسعادة فقد تعلقت ب"سارة" كثيراً في تلك المدة القصيرة لتحملها وتطعمها بحب وتقبل وجنتيها من حبن لآخر ، وعلي حين غرة حمل "الياس" "يزن" ليضعه علي ركبتيه قائلاً بابتسامة :

- ايه يا بطل مبتاكلش ليه ؟
تلك الحركة البسيطة وكلماته المعدودة ادخلت السرور الي قلب الصغير ليهتف بابتسامة مشرقة :
- انا باكل اهو !
ابتسم له بحنان وهو يطعمه غافلاً عن اعين سارة التي تطالعه بأعين دامعة بامتنان فأطفالها حقاً بحاجة لأب رغم اهتمامها بهم لتحمدلله سراً علي شخصية مثله...

ولج الي المنزل بمقعد والده المتحرك ليطلب من "ليلي" مناداتها لتومأ له وتنادي بابتسامة ومازالت دموعها عالقة بجفونها من فرط سعادتها :

- زهرة...زهرة !
هرعت اليهم وقلبها يرفرف من السعادة فهي اصبحت تعد الأيام فقط لتري ابتسامته المهلكة او عيناه التي تري البحر من خلالها لتخرج قائلة بإنجليزيتها الركيكة (الضعيفة):
- مرحباً...كيف...حالك سيد دانيال !
فهي منذ عادت الي المدرسة لا تهتم سوي لدراسة اللغة الانجليزية لتستطيع التواصل معه بلا حاجة لوجود خطيبته البغيضة كما تسميها ، لتقطب جبينها فمن ذلك الرجل المقعد لتشرح لها ليلي بابتسامة سعيدة :
- زهرة...ده انكل ابراهيم والد دانيال...احنا فكرنا نجيبه يعيش معاكي هنا بما انك عايشة لوحدك!

ابتسمت فهذه فرصتها ان تهتم بوالده لعلها تلتف انتباهه اليها لتقول بابتسامة :

- دانا هشيله في عنيا يا خبر...
ادخله غرفته برفقة "ليلي" ليهتف أبيه بارتعاش :
- آدم...اوعي...تمشي تاني !
جلس كلاهما علي ركبتيهما أمامه لتبدا "ليلي" في الترجمة قائلة لأبيه برقتها المعهودة :
- متقلقش يا انكل...داني...قصدي آدم بيدور عليك بقاله كتير وهو عمره ما هيسيبك تاني!

ربت علي خصلاتها بحنان ثم انتقل لخصلات "داني" مربتاً عليه بحنو لا يصدق ان طفله عاد اليه وانه صار رجلاً مفتول العضلات لم يكن يصدق لولا عيناه الزرقاء الذي كان يتعجب منها الكثيرون قديماً حين عاد به الي موطنه ليقبل كلاهما كفه بحب غافلين عن تلك الأعين المشتعلة التي تراقبهم وما كانت سوي "زهرة" تنفست بغضب لتراقب خروجهم وتوديع "داني" لخطيبته لتتغير ملامحها حين علمت انه ينوي المبيت بمنزلها لأجل والده ها قد اتت فرصتها علي طبق من فضة فأقسمت الا تضيعها!


جلس في ظلام دامس حتي اصبح لا يميز من اين يأتي الظلام من داخله المحطمة ام من حوله! فتح الدفتر القديم ليتطلع علي صور اولاده الثلاث باشتياق وعبراته الحبيسة تأبي الخروج ليرتكز علي صورة "سارة" ليميل ويقبل صورتها هامساً بصوت مختنق :

- الف مبروك يا حبيبتي...سامحيني حاولت اجي الفرح بس مقدرتش... خفت تزعلي من وجودي وابوظ فرحتك !
لتهبط عبراته الساخنة تشق طريقها علي وجنتيه حين تطلع علي صورة "يوسف" متذكراً اخر مكالمة له منذ شهرين...

Flash back.

هدر به بعصبية ما ان اجاب علي اتصاله :
- انت ازاي تعمل كده في ليلي ؟! يعني ايه كنتوا هتجوزوها لواحد عنده 50 سنة ! حتي لو امي اقترحت ده ازاي انت توافق ترمي بنتك في النار بالطريقة دي ؟!!
اجابه بتلعثم وألم يحتل قلبه :
- هي فعلاً فريدة كانت عايزة كده بس انا كنت هشوف حل...وكت لقيت شاب كويس عندي في الشركة وكنت هخليها تتجوزه!
هدر به بغضب :
- انت بتقول ايه بابا ليلي كان عندها 18 سنة انت مستوعب ؟! للدرجادي اخواتي كانوا حمل تقيل عليكم ؟

هتف بسؤاله الأخير بألم ليجيب الاخير بخفوت حزين :

- انا بس كنت عايز انقذها من فريدة...وعشان كده وافقت علي زميلها في الكلية...انا غلطت لما جبتهم يعيشوا مع فريدة...وحاولت اصلح غلطتي...
رد عليه باستهزاء متألم :
- تصلحها بانك ترميهم في اي جوازة والسلام وايه النتيجة ؟ سارة اتجوزت واحد *** كان مطلع البلا الازرق علي جتتها ! وليلي...راحت عاشت في بلاد غريبة لوحدها وكانت اهون من انها تعيش في وسطنا انت متخيل يا بابا ؟!!!

صمت من شعوره بوخزات مؤلمة بقلبه ليسترسل بشرود :

- اتجوزت علي امي ولجئتلها بعد ما مراتك التانية ماتت...امي كانت بتحبك علي الرغم من غرورها وتكبرها الي خلاك تسيبها! بس بجوازك عليها انت قضيت علي اي حاجة حلوة جواها وعشان تريح ضميرك سيبتها تبهدل في بناتك زي ما هي عايزة حتي انا عمرك ما قربت مني ولا نصحتني ولا عمرك فهمتني ازاي احافظ علي بنات الناس سيبتني في دنيتي احدف يمين وشمال كنت شايف ان زي ما بناتك اتحرموا من حنان ابوهم وامهم حرمتني انا كمان منهم!
End flash back.

تعالت شهقاته المتألمة وكأنها نابعة من أعماق قلبه المظلم فخطأ واحد قد دمر أسرة بأكملها! كان بإمكانه ان يساند زوجته ان بغيرها طالما شاء ان يجعلها تتعلم كيف تشبع رغباته بدلاً من البحث عنها بنساء اخرى كان بيده ان يصلح ما تحطم بمنزله بدلاً من تحطيمه رأساً علي عقب ومحاولة بناء غيره أوليس الرجال قوامون عن النساء ؟!..


رفع الغطاء ليدثره جيداً ثم قبل جبهته هامساً باشتياق :

- اشتقت اليك...أبي !
ثم نهض بعد ان تأكد انه راح في سبات عميق ليخرج من الغرفة وهو يعبث بخصلاته بنعاس بملابس بيتيه تظهر عضلات جسده وبنيته القوية ليقطب جبينه باستغراب حين لمح "زهرة" تجلس علي الاريكة تستذكر دروسها اقترب ليُثني علي اجتهادها فمن يذاكر بعد منتصف الليل! ليلفت انتباهه تلك المنامة القصيرة الضيقة بشدة واحمر الشفاه الذي تضعه! ابتسمت بفرح حين رأته فهذا يعني نجاح خطتها لتنهض وتتجه نحوه بخطوات متمهلة وتتغنج في مشيتها مما اثار استغرابه! لتقول بدلال مفتعل لم تستطع اتقانه :
- مرحباً...كيف حالك سيد دانيال ؟!

لا يدري عدد المرات التي سمع منها تلك الجملة التي تحفظها جيداً ، لم يتحرك قيد انامله وهو يراقبها بملامح زادت حدتها لتبتسم بتوتر من نظراته الثاقبة كادت تضع يدها علي صدره ليمنعها بإشارة صارمة ليرمقها بحده ليتجه نحو اوراقها ويلتقط ورقة وقلم ويكتب شيئاً ما ويعيد رمقها بتلك النظرة التي حقرت منها ، دمعت عيناها بخوف من نظرته ليتركها ويتجه لغرفة ابيه بلا ان ينطق حرفاً واحداً! لتلتقط الورقة فلم تفهم شيئاً لتفتح هاتفها الذي اشتراه لها مؤخراً وتبحث عن ترجمة تلك الكلمات وياليتها لم تفعل لتشرع في بكاءٍ عنيف ما ان اطلعت علي ترجمتها :

" لقد ظننت انني انقذت فتاة صغيرة بريئة من ذلك المكان المشبوه ولكن مظهرك اليوم أثار شكوكي لربما أخطأت واحضرت فتاة اخرى عاهرة ! فمن فضلك اذا كنت فعلاً أخطأت الاختيار اخبريني حتي اصحح خطئي !"

لتهرع الي غرفتها وتمسح أحمر الشفاه بعنف وتنظر لهيئتها بالمرآة لتصدم بهذه الفتاة ، هذه ليست "زهرة" التي حاربت من أجل الحفاظ علي شرفها هذه أخرى ترتدي ثياب كالعاهرات لا تليق بصغر سنها وبراءتها لتتعالي شهقاتها فكلماته تلك قد طعنتها في صميم قلبها وكأنها صفعة قاسية لتوقظها لتنهار أرضاً وهي تبكي عما اوصلها له شيطانها فقد ظنت ان بهذه الطريقة لن يتخلى عنها أفقدت الزهرة بريقها ام توارت خلف الحياة القاسية ؟!.


وعلي الجانب الأخر وقف امام غرفتها يستمع لبكائها يكبح نفسه الا يدلف ويحتضنها بحماية حتي تتوقف عن البكاء فهو قد اعتبرها طفلة مسكينة تحتاجه ولم يبخل عليها برفقة وحنانه لكنه ادرك انها تحتاج بعض الحزم لتعود الي رشدها ليهمس في نفسه بأسف :

- اعتذر عن كلماتي القاسية يا صغيرة لكنكِ بحاجة اليها خوفك ان اتركك استحوذ عليكِ ليجبرك بالتصرف بلا هدي اتمني ان تأتي بثمارها فانا لا ارغب ان اقسو عليكِ أكثر!

فتحت جفونها بضعف لتتسع حدقتيها حين وجدت نفسها في محيط واسع لا يظهر بدايته ولا نهايته! والمثير لدهشتها انها تتنفس رغم انها في أعماق محيط مظلم ، حركت ذراعيها لتسبح محاولة ان تكتشف هذا الظلام ليجذب انتباها همس دافئ غريب بأذنها لتسري القشعريرة بجسدها :

- ميرا !

لتشعر بيدين تلتف حول قدمها لتسحبها بعنف الي الأسفل في أعماق الظلام لترفع ذراعيها وتحركهم بعنف وكأنها اضحت خرساء فلا تجد لصوتها سبيلاً لتشهق بعنف وهي ترفع رأسها من المغطس فيبدو انها غفت اثناء استحمامها لتري هذا الكابوس المروع لتتنفس بصورة متسارعة كدقات قلبها وتبتلع ريقها ثم تلتقط رداءها لتنهض من المغطس وترتديه مسرعة وتتجه لغرفتها لتجلس علي طرف الفراش تمسح علي وجهها لتجبر نفسها علي الهدوء لتلتقط الهاتف وما ان أجاب حتي قالت من بين انفاسها المتسارعة :

- طمني...كل حاجة...تمام ؟

اتاها صوته قائلاً :

- اه كله تمام متقلقيش والفرح هيتم زي ما انتي عايزة !
أغمضت عيناه لتردف بانفعال غير مبرر :
- مترغيش كتير...يلا سلام !
واغلقت الهاتف بوجهه غير عابئة بكرامته كرجل التي تتلاعب بها بكل بساطة فهي أصبحت كالزجاج المنكسر الذي يجرح كل من يحاول الاقتراب منه ! ...

- حطيلي الالوان دي زيك يا مامي !

هتفت بها " تقي" بحماس طفولي وهي تمد كفيها بابتسامة بريئة
ابتسمت "سارة" بحنان وهي تمسك بكفها وتضع لها طلاء الأظافر مثلها قائلة بلطف :
- من عنيا يا روح مامي...بس يلا بقي علشان منتأخرش علي بابي ويجي يكلنا...
ضحكت الصغيرة بانطلاق لتصمت فجأة وهي تضع كفها علي وجهها تكتم ضحكاتها ، ازدردت ريقها بصعوبة وهي تنظر خلفها بتوجس لتجده يقف يطالعها ببرود قائلاً :
- بقي انا هاجي اكلكم يا سارة ؟!

شهقت بدهشة لتردف مسرعة بأسف :

- مش قصدي والله يا الياس انا كنت بهزر و...
اشار لها بالصمت ثم هتف بصرامة :
- تقي انزلي استنيني تحت !
طالعتها الصغيرة بقلة حيلة لتهرع الي أسفل فيغلق الباب خلفها والأخيرة تطالعه بتوجس من نظراته الغامضة ليقترب ببطء حذر ارسل القشعريرة بسائر جسدها لترتجف بخوف لا تدعيه رفع يده ليجذبها نحوه فتقف يده معلقة بالهواء حين وجدها تضع يدها علي وجهها تحميه وكأنها سيصفعها! لم يكد يتحدث حتي تأتيه الصدمة الثانية بحديثها الباكي :
- ونبي ما تضربني انا مش قصدي !
همس بدهشة :
- سارة !

ازداد بكاءها وارتفعت شهقاتها التي مزقت قلبه إرباً! ليجذبها ويضمها اليه تحت بكاءها الذي كاد يصل الي الهيستريا ليهمس بأذنها بحنو رغم تألم نبرته فهو لم يقصد اخافتها هو فقط كان يمزح كان يعبث معها قليلاً ولم يعلم ان هذه ستكون ردة فعلها! :

- سارة...اهدي يا حبيبتي...والله ما فكرت حتي امد ايدي عليكي !

تسارع تنفسها مع ازدياد بكاءها ليضعها علي الفراش ويهرع الي خزانتها وينتشل منها حقنة طبية مهدئة اعتادها بحكم عمله كضابط شرطة يحتم عليه معرفة الكثير ليعدها سريعاً ويتجه اليها ويضمها مرة اخري الي صدره وهي تبكي بانهيار وقد أعاد لها مشاهد قديمة من زواجها الأول حين كان "ماجد" يغلق باب غرفتهم ويشرع في ضربها بقسوة واغتصابها وصراخات طفليها تتردد بأذنها شعرت بذلك السائل يتدفق في عروقها ليجبرها علي ان تهدأ وتثقل جفونها فتستسلم لذلك الدوار وتذهب في سبات عميق بين ذراعيه اسندها علي الوسادة ولم يحررها من اسر ذراعيه ليتمدد بجوارها وعيناه تشتعل بنيران الغضب ، أقسم الا يرحم ذلك المسمى بزوجها السابق فهي لن تصل الي هذه الحالة الا اذا عانت الكثير!


نهض بضيق ووجه ناعس بسبب رنين الهاتف ليجيب بضيق :

- الو...مين معايا ؟
ليصدع صوت الطرف الأخر وما كان سوي رفيقه "سامر" الذي صاح به :
- سيادتك نايم علي ودانك ومراتك بتتجوز ! انت طلقتها امتي عايز أفهم ؟!
انتفض قائلاً بدهشة :
- جواز ايه ؟ مراتي مين ؟!

- مراتك...ميرا السويفي! ده حتي العريس اسمه طارق الألفي والفرح في فيلته بكره بليل !

اشتعلت عيناه تهدد بحرق اليابس والأرض! ليهتف بعصبية :
- طب اقفل ! وديني لمكسر الفرح علي دماغهم !
ليردف بتوجس :
- يوسف اهدي وبلاش جنان !
ليهدر بعصبية :
- مين دا الي يهدي ؟ دانا مش ههدي غير لما اخربها علي دماغهم اما وريتها بنت المجانين دي !

اغلق ليتصل بها بعصبية وما ان اجابت حتي صرخ بصوت كاد يصم أذنها :

- بقي الهانم عايزه تتجوز ومش همك النطع الي انتي متجوزاه !
هتف بها بعصبيه شديدة وقد برزت عروق رقبته وهو يهاتف تلك المختلة كما يسميها "ميرا" ردت الأخيرة ببرود يتناقض مع خفقات قلبها التي تدق خوفاً :
- ملكش دعوة انا حره وبعدين اسمها طليقتك مش مراتك يا يوسف بيه !
هتف بغضب وثوره عارمه :
- اغلطي ، اغلطي كمان دانتي ايامك سودا معايا والفرح ده هطربقة علي دماغك انتي وابن **** ده ... !

- انتفضت من نبرته العالية التي لا تبشر بخير وحاولت تهدئه نفسها لتردف بتحدي ونبره قويه زائفه :

- وانا بقي هتجوز يا يوسف وأعلي ما في خيلك اركبه سلام يا.... واكملت بسخريه.. يا طليقي !
اغلقت الهاتف بسرعه وهي تتنفس بصعوبة وهي تكاد تموت خوفاً للحظات شعرت بعظم خطأها ولكنها اقنعت نفسها انها علي حق فقد تزوجت حباً مره وفشل فلما لا تجرب زواج المصالح ف "طارق" شاب جيد وسيحقق لها ما تريد من شركة خاصه بها اقنعت نفسها بذلك وذهبت لتكمل استعدادها
علي الجانب الاخر القي هاتفه بعصبيه بعرض الحائط ليتناثر الي عده قطع ويهتف بغضب :
- وديني لاوريكي يا ميرا انتي بتاعتي انا بس وعمرك ما هتكوني لحد غيري تبقي في بيتي بس وانا هوريكِ أيام سودا !

ثم صمت ليلتقط انفاسه الغاضبة وينادي أحد حراسه ليقترب الاخير فيهتف بآمر :

- قول للرجالة تجهز عندنا طلعه !
- رد الحارس بطاعة :
- تحت امرك يا يوسف بيه !
- وعايز في خلال ساعتين زمن تعرفلي كل حاجة عن الي اسمه طارق الالفي من يوم ما اتولد لحد النهاردة !
- اوامرك يا باشا

في مساء اليوم التالي !

انتهت عاملة التجميل من وضع مساحيق التجميل لتعطيها طلة قوية وجذابة بفستانها الأبيض القصير لتبتسم برضا لهيئتها رغم انها ترتجف من الداخل وتكاد تبكي خوفاً من ردة فعله لفعلتها لتتمالك نفسها وترفع هاتفها قائلة ببرود :
- انا خلصت يا طارق انت فين ؟!
أجابها وهو يقود سيارته :
- خلاص انا قربت علي البيوتي سنتر ربع ساعة بالكتير واكون عندك !

اغلقت الهاتف لتمر الربع ساعة ولم يحضر بعد لتزفر بضيق لتأتي فتاة من احدي عاملات المركز قائلة برسمية :

- مدام ميرا في واحد مستني حضرتك بره !
قطبت جبينها لتنهض لتجده رجل ضخم يرتدي بذلة سوداء ليقول برسمية :
- مدام ميرا...طارق باشا قالي أبلغ حضرتك اني هوصلك القاعة الاول لان عنده مشكلة في العربية وهيحصلنا !
اومأت له لتصعد الي السيارة وتستند رأسها علي النافذة وهي تهدأ نبضات قلبها المرتجف...

توقف بسيارته حين لمح سيارة ضخمة تقف بطريقه وامامها مجموعة من الرجال الأشداء ليترجل صافعاً الباب بغضب ليهدر بهم بعصبية :

- انتوا قافلين السكة كده ليه ؟ وسعوا من قدامي !
هتف أحدهم بلامبالاة :
- كيفنا كده اننا نقفل السكة عندك مانع ؟
اغتاظ من برودهم وقد تأخر علي موعد الزفاف ليهدر بعصبية مفرطة وهي علي اتم استعداد للتشاجر معهم :
- احنا هنهزر يا روح ** انت وهو ؟! ابعدوا من سكتي انا اتأخرت علي فرحي !

استقام أحدهم ليصيح بتسلية :

- الله ده طلع عريس ! لا داحنا كده لازم نوجب معاه علي الاخر يا رجالة !
اقترب الرجال ليحاوطوه قبل ان يحاول فتح سيارته لإخراج سلاحه ليتكالبوا عليه وضربه بعنف! ولم يستطع صد ضرباتهم فالكثرة تغلب الشجاعة! بعد مرور بضع دقائق صاح أحدهم حين فقد وعيه من شدة الضرب والدماء تغطيه فلا تعرف من أين تأتي الدماء! :
- باس يا رجالة...الباشا عايزه حي هاتوه !

تأفف المدعون من تأخر الوقت ولم يصل العروسان بعد ليهتف احدهم بضيق :

- وبعدين يعني ؟ هنبات هنا في العرسان ؟!
وصاح أخر :
- تكونش العروسة هربت ؟!
وصاح أخر :
- اكيد في حاجة غلط مش معقول التأخير ده كله !
ليهدأهم رفيق العريس والذي يدعي "محمد" قائلاً بابتسامة متوترة :
- معلش يا جماعة الغايب حجته معاه اكيد حصلت حاجة في الطريق عطلتهم انا كلمت العريس خلاص زمانهم علي وصول !

- ايه الطريق ده ؟! ده مش طريق الفيلا ؟!

هتفت بها " ميرا " في قلق وهي تري السائق ينحرف عن مساره , رفع قبعته و هو ينظر لها بابتسامة غامضه ويهتف :
- ده فعلا مش طريق ڤيلا الفرح ده طريق بيتك عالطول يا عروسه !
انهي جملته بغمزة وهو ينظر لها في المرآه, تسارعت دقات قلبها وشهقت بخوف لدي رؤيتها " يوسف" لتصيح بصدمة ممتزجة بالرعب ..! :
- يوسف !

هتف بابتسامة قاسية :

- اه يوسف الي كنتي ناويه تستغفليه يا حبيبتي !
انكمشت في مقعدها بفزع وردت بقلق ورعب ودقاتها تكاد تخرج من محجرها :
- انت ناوي علي ايه ؟!.
هتف بابتسامة جانبية قاسية وهو ينتوي لها :
- ناوي علي كل خير يا مراتي !
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل التاسع والعشرون بعنوان: هروب

ما ان توقفت السيارة أمام ذلك المنزل الغريب الذي تراه لأول مرة ويقف في منطقة نائية عن البشر ، أسرعت لتفتح باب السيارة وتركض قبل أن يفتك بها لتشعر بذراعيه يلتفان حول خصرها ويرفعها عن الأرض صرخت بهلع وقد تجمدت الدماء بعروقها :

- يوسف...خلينا نتفاهم...ابوس ايدك بلاش تهور !

أجابها بتهكم وهو يدلف بها الي ذلك المنزل وهي تتلوي بعنف بين ذراعيه :

- تهور ! انتِ بذات متتكلميش عن التهور دانتي طلعتي مهبوشة وانا مش واخد بالي !
صرخت بألم حين القي بها ارضاً لكن اختفي صوتها حين رأته يخلع سترته ويرمقها بتوعد لتطلق العنان لقدميها وتهرع لتختبئ بأحد الغرف وتغلق الباب بسرعة ونبضاتها تتعالي كالطبول! ليصيح بها بعصبية من خلف الباب :
- افتحي يا بنت السويفي ! وديني مانا عاتقك ! رايحة تتجوزي وانتي علي زمتي ؟! للدرجادي معادش فيكي عقل ؟!.
انقبض قلبها لتصيح بتوتر غاضب :
- متقولش علي زمتي انت طلقتني ولا نسيت ؟!

ابتسم بتهكم قائلاً :

- لا هو الحلوة متعرفش ان في شهور عدة ؟! وان طلاقك رجعي علشان طلقة اولي ؟! وان انا ممكن اردك ومن غير اذنك كمان ؟  اصدمك ؟ انا عملت كده فعلاً رديت بعد طلاقنا بكام يوم بس علشان عارفك دماغك جزمة مرضتش اقولك الا لما تهدي ونعرف نتفاهم علشان مترجعيش تجيلي بحقوق المراءة وازاي ترجعني غصب عني !
بهتت بصدمة فما كانت ستفعله أقرب للجريمة! فقط الأن انتبهت لفداحة خطأها لتنظر الي فستانها الأبيض بصدمة وهي تضع يدها علي فمها...ترقرقت الدموع بعينيها فهل أعماها الانتقام لتلك الدرجة! وكأنها استيقظت من حلم للتو!

وبالخارج استغرب صمتها ولا يدري كيف شعر انها صدمت بخطائها للتو! ليهتف بهدوء نسبي متجنباً عقابه لفعلتها لوقتِ اخر فهو خير من يعلمها ويعلم الي أين قد تصل حالتها :

- ميرا...اهدي وافتحي الباب ! مش هعملك حاجة بس اخرجي وخلينا نتكلم !
وبالفعل فتحت الباب ليصدم بهيئتها فقد فسدت زينتها قليلاً بسبب تلك الدموع المنسابة علي صفحة وجهها وتلك الأعين المنصدمة فكانت أقرب لطفلة تائهة! ليقترب وعلي حين غرة سحبها لأحضانه لتتشبث به بقوة هامسة بنشيج مصدوم بنبرتها الخافتة :
- انا كنت هعمل ايه ؟! لو مكنتش جيت كان ايه الي هيحصل!

أغمض عيناه بقوة ليستدعي هدوءه فيبدو انها تعود لتلك الحالة التي أتتها مسبقاً ليقول :

- مكانش هيحصل حاجة...المأذون أكيد مكانش هيرضي يكتب الكتاب...وانا كده ولا كده كنت هعرف وهوقف الموضوع !
ابتعدت عنه هامسة ببكاء :
- انا والله مش بحبه ومش عايزاه انا بس...كنت عايزة اضايقك ! بس بس...والله مكنتش هخليه يلمسني وكنت هطلق بعد كام شهر !

سقطت علي ركبتيها لينحني ويجلس جوارها جاذباً رأسها لصدره قائلاً بنبرة هادئة :

- عارف انك كنتي متضايقة مني وحقك بس كان لازم تسمعيني الاول انتي غلطتي وانا كمان غلطت لما مقولتش اني رديتك علي الاقل مكناش وصلنا لهنا !
تعالت شهقاتها وكأنها ستخترق صدره من شدة بكاءها لتهمس بتأنيب لنفسها :
- أنا وحشة صح ؟ وبغلط كتير ؟!

ليجيب بلطف عكس النيران التي تعتمر بصدره :

- لا انتي مش وحشة يا حبيبتي...كلنا بنغلط ومحصلش حاجة انا لحقيتك !
لتهمس بشرود وكأنها ليست واعية وهو يدرك انها ستنسي كل ما قالته حين تفيق! :
- بابا كان معاه حق...قالي اني وحشة وكل الناس هتسبني وهتكرهني...ماما سابتني و كل الناس سابتني حتي انت هتسبني صح ؟!
هربت دمعة من ألمه لحالتها التي تزداد سوءاً ليهمس بألم :
- أنا عمري ما هسيبك...مهما عملتي ! انتي أحلي واطيب واحدة عرفتها...انتي حبيبتي !

لتعود وتهمس بتلك النبرة الشاردة :

- انا بحبك...لا بكرهك علشان انت ضحكت عليا !
صمتت بعدها ليشعر بأنفاسها تنتظم ليدرك انها سقطت في سبات عميق كعادتها هروباً من كل شيء! لينهض ويحملها ويتجه بها نحو أحد الغرفة ويدثرها جيداً ويستلقي جوارها ضاماً جسدها اليه وقد اتخذ قراره ان يجعلها تري طبيباً بشأن حالتها التي تزداد سوء بمرور الأيام شعر بنغز في قلبه لمشاركته ولو بنسبة صغيرة في آلامها وحالتها تلك فهما تدعي من قوة هو يدري ان خلف هذه القوة حطام امرأة حطمتها الأيام وتركتها هشة...ضعيفة...وقوتها ما هي الا قناع لأوجاعها وضعفها وهذا القناع بدأ في التصدع ومن يدري متي سينكسر!

طلت بزرقواتيها لتجد نفسها في ذلك المنزل وتدفقت الاحداث علي رأسها لتتذكر خطفه لها بالأمس  لتشتعل عيناها بغضب وكادت تنهض ولكنه قاطعها بدخوله حاملا انواعا من الجبن والعصير وهو يهتف بابتسامته الساحرة :

- صباح الفل يا ميرو كويس انك صحيتي انا لسه كنت جاي اصحيكي علشان نفطر سوا !
نظرت له بغضب فكيف يتعامل كأن شيئاً لم يكن وفجأة اطاحت بكل ما بين يديه علي الارض وتهتف بحده :
- مش عايزه من وشك حاجة..!

اشتعلت عيناه بغضب ليضع يديه خلف رأسها ويجذبها اليه لتضحي قريبه من وجهه وانفاسه الغاضبة تلفح وجهها بقوة لينظر لها بغضب وهي تبادله نظرات الغضب والتحدي التي تخفي ورائهم خوفا كبير وقلب يرتجف من مظهره الغاضب هتف من بين اسنانه :

- ياريت متختبريش صبري وتخليني اوريكي الوش التاني لان صبري قرب ينفذ..! كفاية اني لسه محاسبتكيش علي عملتك السودا !

هتف بجملته الأخيرة وتلقائيا جذبته شفتيها المرتعشتين بشده فلم يفكر كثيرا فانحني واخذها في قبلة عميقة وقلوبهم تخفق بجنون حتي ابتعد اخيراً ليهتف وهو يلتقط انفاسه ويسند جبينه الي جبينها :

- انتي بقيتي الهوا الي بتنفسه حقك تزعلي مني بس انا هفضل وراكي لحد ما تسامحيني وترجعيلي يا مزتي ...!
قال كلمته الأخيرة بابتسامة عابثة وهو يغمز لها و لم ينتظر ردها تركها مصدومة تحت تأثير قبلته وكلامه المعسول وغادر الغرفة...

لم تبرح غرفتها حتي المساء حتي لا تلتقي معه فهي تخشي ان تخضع لعشقه الجارف ولكن لا والف لا فهي ميرا السويفي قطع سيل تفكيرها صوت معدتها فهي لم تتناول شئ منذ الصباح قامت علي مضض وقررت النزول لأسفل وتناول شئ خفيف وهو نائم ولن يشعر بها , نزلت الي الاسفل صدمت بنوم "يوسف" علي الاريكة في هذا الجو البارد فاقتربت منه لتسمع همهمات ضعيفة صادره منه لتضع يدها علي جبينه لتبتعد فجأة فهو يشتعل من الحرارة يبدو انه اصيب بحمي عالية لم تفكر كثيراً لتندفع لتحضر ماء بارد وقطعة قماش لتضعها علي جبينه وتلتقط هاتفها لتتصل بالطبيب فوراً...


- انا إدتله حقنه خافضه للحرارة بس لازم يتحط تحت مياه سقعه لمدة 10 دقايق علي الاقل علشان حرارته ترجع طبيعية...

هتف بها الطبيب وهو يدون لها بعض الادوية التي يحتاجها
- متشكرة يا دكتور تعبتك معايا !
-ولا يهمك يا مدام ميرا...

قالها وانصرف لتقف تفكر بحيرة كيف ستضعه تحت ماء بارد فحقاً عضلاته ضخمة وهي لا تضاهي نصف قوته حزمت امرها واتجهت اليه لتهتف بهدوء وهي تضع يده حول رأسها وتسندها الي كتفها :

- يوسف معلش حاول تساعدني بس علشان تاخد دوش !
فتح عيناه قليلا وهو بين النوم واليقظة وبدأ ينهض معها بتعب وضعف , وصلت به أخيراً بعد عذاب ومشقة وحاولت جعله يجلس في المغطس لتفتح المياه الباردة عليه لينتفض بفزع,  فتقترب لتهدئته لتفاجئ به يضمها اليه وهو يبدو غير واعي ويهتف بضعف ووهن :
- متسبنيش انا بحبك..!

اتسعت عيناها لما قاله وهي تعي صدق مشاعره  خفق قلبها بجنون سيطرت علي مشاعرها وظلت واقفة بين احضانه والمياه تنهمر بشده فوقها , اوقفت المياه بعد عدة دقائق واخرجته بصعوبة بالغة وهو يترنح حتي وصلت الي الغرفة غيرت ثيابه ووجنتيها تكاد تنفجر من شدة الخجل علي الرغم من انه نائم وغير واعي ودثرته جيداً لتستلقي بجانبه بتعب وانهاك وتغط في سبات عميق...


ولج برفقتها الي المنزل كالعادة فمنذ تلك الليلة قرر الا يحضر الا برفقتها حتي لا يتسنى فرصة للأخيرة أن تكرر فعلتها ليهتف بجدية قبل ان يدلف لغرفة والده :

- ليلي...من فضلك اطمئني علي زهرة واخبريني اذا احتاجت شيئاً وانا سأجلس مع أبي قليلاً...
اومأت له بابتسامة ليتركها ويدلف الي غرفة والده وسرعاً ما ارتسمت ابتسامة مشرقة علي محياها كعادته حين يراه ليقترب ويجثو علي ركبتيه أمامه ويبدأ في اطعامه بلا اضافة كلمة لأنه لن يستطيع التفاهم معه لانعدام اللغة العربية لديه انتشله من شروده وقوف "ليلي" المتوتر أمامه لينهض ويسحبها لخارج الغرفة متسائلاً :
- ما الأمر ؟ هل زهرة بخير ؟!

تنفست بغضب لتعطيه ورقة ، نظر بها فلم يفهم شيئاً ليسألها مقطبا الجبين :

- ماذا يعني هذا ؟
اجابته بعصبية مكتومة :
- زهرة تركت المنزل ! ولم تترك سوي تلك الرسالة التي تعتذر بها عن خيانة ثقتك بها وانه من الأفضل لها الرحيل لأنها خجلة منك ومن فعلتها الخرقاء ! وتقول أيضاً انك محق هي لا تستحق تلك الحياة التي منحتها اياها لذلك ستعود الي المكان الذي يحوي أمثالها ! اريد توضيحاً لما يحدث داني ؟!!

مسح وجهه بضيق ليردف بسرعة وهو يرتدي سترته :

- صغيرتي...اعدكِ ان اوضح لكِ كل شئ فقط اعتني بأبي وانا سألحق بزهرة قبل ان تفعل شيئاً مجنوناً !
ركض مسرعاً الي سيارته وهو يقود بأقصى سرعته ويتلفت يميناً ويساراً لعله يجدها ، ظل يجوب الشوارع لنصف ساعة كاملة حتي لمحها أخيراً متكومة جانباً تحتضن جسدها ويهتز بعنف يبدو انها تبكي! ترجل من سيارته ليتجه نحوها بغضب عارم ليرفعها من ذراعها وبدون كلمة واحدة يسحبها نحو سيارته لتشهق بصدمة حين رأته لتحاول الافلات منه قائلة بتوسل باكِ :
- علشان خاطري يا باشا سيبني انا مليش الا عيشة الشوارع...انت ساعدتني وشوف انا عملت ايه !

لم يعيرها اهتماماً ليدخلها قسراً الي سيارته رغم توسلها وبكاءها الذي تعالت شهقاته ليلتفت لها قائلاً بصرامة :

- من الأفضل ان تصمتي وتتوقفي عن البكاء لا تدعيني أفقد سيطرتي علي غضبي يا فتاة !
رغم انها لم تفهم من حديثه سوي كلمات معدودة لكنها ادركت انها يأمرها بالصمت لتبتلع غصة في حلقها وتبكي في صمت ، وصل بها منطقة نائية أمام جسر نهر النيل او كما نطلق عليه "الكورنيش" هبط كلاهما من السيارة ليقف مطالعاً المياه امامه ويرمقها بغضب من حين لآخر وهي فقط تتطلع ارضاً بخجل من نفسها ليخرج هاتفه من جيبه ويكتب بضع كلمات ويحولها للغة العربية ويرفع الهاتف في وجهها لتقرأ الاتي :
- لماذا فعلتي ذلك ؟

لتجيبه بنبرة باكية متناسية عدم فهمه للغتها :

- والله يا باشا ما قادرة أبص في وشك من ساعتها انا معرفش فكرت اعمل كده ازاي بس والله بحبك ! معرفش ازاي وعارفة انه غلط بس غصب عني !
اعطاها الهاتف لتكتب ما قالته اخفي دهشته ليعود ويكتب :
- لا زهرة...انتِ لم تحبيني مطلقاً انتِ لا تعلمين ما هو الحب يا صغيرة ربما تحبيني كأب لكِ ولكن ليس كحبيب ! انا عشتُ بما يكفي لأميز ما تفكرين به ! انتِ فقط ترغبين بوجودي دوماً وانا اساعدك في مذاكرتك وان ادافع عنكِ امام من يفكر بإزائك !
قطبت جبينها بحيره فهو محق شعرت بالتخبط لتمسح دموعها بظهر يدها وتكتب له :
- اجل انا اريد كل هذا لكن هذا ما يسمونه حب ؟!

ابتسم بحنو ليعاود الكتابة :

- لا بل يسمي احتياج ! احتياج لأب ! لظهر تحتمي خلفه من قسوة الحياة وانا اعدكِ الا أبخل عليكِ بهذا الدور ما دمتُ حياً علي شرط ان تنتبهي لدراستك وتبعدي تلك الأوهام بعقلك ، ستظلين ابنتي ولن اتخلي عنك كوني واثقة بذلك !
رمشت لتزيل غشاوة الدموع وهي تطالعه بنظرة تائهة فهي فقدت تلك المشاعر منذ زمن تمعنت في حديثه لتفكر لدقائق انه محق انها تحتاج لعطفه ومساعدته ليس الا هي فقط أخطأت فهم مشاعرها وخيل لها ان يحبها ويتزوجها تاركاً خطيبته التي يعشقها! لتعض شفتيها قائلة بخجل :
- انا أسفة سيد دانيال ! اعدكُ الا افكر بهذا الشكل مرة أخرى وان انتبه علي دروسي...
ابتسم بحنو فهي طفلة بحق ليهتف بهدوء :
- هيا لنعد الي المنزل يا صغيرة تأخر الوقت !

جلس بمكتبه شارداً في ما حدث حتي استفاق من شروده علي رنين هاتفه اجاب ليصدع الصوت من الطرف الأخر :

- باشا...جبتهولك لحد عندك هستناك تيجي تشوفه نصاية كده !
ابتسم بشر ليردف :
- حبيبي يا عامر باشا مسافة السكة واكون عندك بس متقربلوش انا عايزه سليم !
التقط مفاتيحه واستقام متجه الي وجهته وعيناه زادت حدتهم ، وصل الي المكان المنشود ليدلف الي الغرفة ليجده مقيداً بالكرسي ورأسه منحني لأسفل ليهتف بسخرية :
- ازيك يا ماجد ؟!

رفع رأسه بلهفه ليصيح ببكاء :

- والله يا باشا معملتش حاجة انا مش عارف جابوني هنا ليه وانا كنت خلاص مسافر !
جلس علي الكرسي أمامه ليشعل سيجارته وينفث دخانها بوجهه قائلاً ببرود :
- فاكر سارة طليقتك ؟
يقسم لو كانت يده حره لكان لطم وجهه حسرة ليصيح بيأس :
- نهار اسود عليا وعلي الي جابوني والله يا باشا مجيت جمبها من اخر مرة ولو يوسف بيه اخوها الي باعتك قوله يرحمني شوية انا اتهريت يا باشا والله شوية اخوها وشوية ابوها ورحمة امي ما بصيت عليها من بعيد حتي !

ضحك ساخراً ليقترب من وجهه هامساً من بين اسنانه :

- لا يا روح *** حساب ابوها واخوها غير حسابي انا ! انا هعرفك ازاي تعمل راجل علي واحدة أضعف منك !
نهض ليخلع سترته ويلقيها جانباً ويتجه ليقفل الباب جيداً ويلتفت له وابتسامة شيطانية مخيفة تتشكل علي ثغره وهو يشمر عن ساعديه والأخير يصرخ بهلع وجسده ينتفض برعب :
- لالالا أبوس أيدك يا باشا والله هسافر ومش هتشوفوا وشي تاني وحياة اغلي حاجة عندك يا باشااااا !

فتح جفونه ليبتسم بنعاس حين وجدها مستلقية بجواره وما كاد ينهض حتي استيقظت بضيق لتنهض وتجلس علي الاريكة بضيق من نومها بجانبه ليتسأل بنعاس :

- مهربتيش ليه ؟
اجابته علي مضض بوجهه عابس :
- ملقتش المفتاح !
كتم ضحكته لينهض متجهاً للمرحاض فتوقفه قائلاً بارتباك :
- اوعي تفتكر اني ساعدتك علشان حاجة بس علشان حرام اسيبك تفضل تعبان ومخدتش بالي اني نمت جمبك علفكرة !
لم يستطع منع ابتسامته الجانبية من الظهور ليردف لإغاظتها :
- عارف !

استشاطت غيظاً من بروده لتترك الغرفة برمتها وتتجه لتجلس بغرفة أخرى حتي حل المساء ، تأففت بضيق فهي لم تبرح غرفتها تجنباً للقائه لكن معدتها أبت فهي لم تأكل منذ أمس لتهبط الي أسفل علي مضض لتجده يتابع التلفاز ببرود لتهتف بتذمر طفولي وهي تعقد ساعديها امام صدرها,

- انا جعانة !
ليهتف بنزق :
- بس الخدامة مشيت من بدري
ردت بعبوس :
- مليش دعوه اتصرف..!
اردف بقله حيله :
- مانا مش بعرف أطبخ !

هتفت بابتسامة سخيفة :

- ولا انا !
ضحك لمظهرها الطفولي وهو ينهض من للأريكة ليسحبها خلفه الي المطبخ وهو يهتف من بين ضحكاته :
- خلاص تعالي نفتكس اي حاجة مع بعض !
دلفوا الي المطبخ ليقفوا بضع دقائق بحيره الي ان هتف بحماس :
- تعالي نعمل مكرونة اظن بيقولوا سهله !
أجابته بحماس وقد تناسوا وضعهم للحظات!  :
- انا تقريباً فاكره بتتعمل ازاي بس عمري ما عملتها قبل كده !
بعد بضع ثواني ارتدي زي الطهي الذي يسمي ب "مريلة المطبخ " وبدأ بالطهي بدأ بوضع المكونات ليهتف بها :
- ميرا هاتي الملح من عندك...
أخذت تلتف حولها وهي تبحث ولكن لم تجده فهتفت بعبوس :
- مش لاقياه !

ترك ما بيده ليهتف بتذمر :

- يووو  حتي الملح مش عارفه تجبيه...وسعي كده...
اقترب ليبحث خلفها لكنه لم يزيحها جانباً الي ان التقت عيونهم وانتبه كونه يحاصرها التقت عيونهم في أحاديث طويله , نزل ببصره الي شفتيها التي ترتعش بتوتر فلم يدع مجال للتفكير انحني ووضع يده خلف رأسها ولثم شفتيها بقوه وعشق دفين صدمت من فعلته وماهي الي ثواني ان بدأت تبادله قبلته بجنون ابتعد عنها بغتة ليهتف باستغراب :
- اي الريحة دي ؟!

نظرت هي الأخرى له باستغراب لتمط شفتيها لعدم معرفتها وما هي الا ثواني لتتسع عيونهم معاً ليهتفوا في صوت واحد اشبه بالصراخ :

- المكرونة ...!
وقد فات الاوان فاحترقت الطبخة لتهتف ميرا بضيق وتذمر :
- شوفت المكرونة اتحرقت بسببك اكل ايه انا دلوقتي ؟!
رفع حاجبه الايمن ليهتف بحده :
- ده علي أساس انه مكانش بمزاجك ؟!
تسللت الحمرة الي وجنتيها سريعا لتهتف بخجل وارتباك :
- م م م انت فجأتني..و...و
ابتسم بسخريه لحالها ليهتف :
- خلاص انتي لسه هتهتهي اهو الأكل باظ !

غامت عيناه بنظره تعلمها جيداً وهو يهتف بخبث :

- بس مفيش مانع نشوف أكل تاني !
اتسعت عيناها لفهم ما يرمي اليه لتهتف بغضب :
- احترم نفسك ومتفكرش علشان سبتك تبوسني اني هرجعلك لا انا لسه مصممه علي الطلاق وانا مش هسمحلك تقرب مني تاني !
قبض علي كفه بغضب لتحولها السريع فيبدو ان الشيب سيغزو رأسه قبل ان ينال عفوها تلك المتمردة , لم يرد إفساد فرحته بتجاوبها معه ليهتف بهدوء نسبي :
- انتي عارفة كويس اني مش هسيبك وقولتلك اني اتغيرت وشيلت فكرة اني أذيكي او اسيبك من زمان وانتي عارفة وحاسة بكده اكيد مكنتش بمثل عليكي كل المدة دي ومش هنكر ان كان في نيتي أأذيكي بس حبيتك ونسيت الفكرة أصلاً !

صمتت بحيرة فهي حقاً لم تري منه شيئاً سيئاً لكن كرامتها عادت تصيح من جديد وتذكرها بما سمعته بذلك التسجيل لتقول بجمود :

- ندمت ولا لأ ميهمنيش الي يهمني انك تطلقني وكل واحد يروح لحاله انا مقدرش اعيش معاك بس الي سمعته !
جز علي أسنانه بغضب ليردف :
- ماشي يا ميرا ! بس مترجعيش تندمي !
قالها ليغادر حانقاً مقرراً ان يحضر طعام جاهز من الخارج او بمعني أوضح يبتعد حتي لا يفتك بها وبرأسها اليابس! وترك الباب مفتوحاً كأخر اختيار لها ان اختارته ستبقي وان اصرت علي الانفصال سترحل! ...

اطاح بكل ما طالته يده وهو يصرخ بجنون :

- مش هسيبهالك يا يوسف ! ميرا هتبقي بتاعتي انا وبس انت متستحقهاش !
رفع هاتفه ليجيب ويصدع صوت الطرف الاخر :
- خرج يا باشا صوتهم كان عالي تقريباً اتخانقوا وهو خرج متعصب وركب عربيته وطار !
ابتسم بشر ليغلق الهاتف قائلاً بحقد :
- دي فرصتي يوسف دمه حامي ولو لمستها مش هيقدر يبص في وشها تاني !
خرج مسرعاً ولا ينتوي خيراً فالشيطان قد عبث بعقله وانتهي الأمر!

وقفت لعدة دقائق امام الباب المفتوح وهي تفكر بحيرة لتسيل دموعها وقد اتخذت قرراها اقتربت من الباب واغلقته فهي ستنتظره...ستسامحه لتعترف في نفسها سراً انها بالفعل تعشقه وبجنون! انتشلها من شرودها دقات خافتة علي الباب ، ابتسمت بفرح فقد قرر العودة وعدم تركها وحيدة تنفست بعمق لتستعد لترتمي بين ذراعيه وتخبره بمسامحتها وتعترف ان لا حياة بدونه فتحت الباب لتتلاشي ابتسامتها شيئاً فشيئاً لتهتف باستغراب :

- انت مين ؟!
رفع رأسه ليجيبها مبتسماً بغموض مخيف :
- انا صاحب يوسف...سامر .
رواية أحببت فريستي للكاتبة بسمة مجدي الفصل الثلاثون بعنوان: وسقط القناع

ركل الكرة بقوة لتصيب الهدف او تحديداً حائط المنزل! ليصرخ الصغير بحماس :

- جوون يا بابي !
ابتسم ليقترب من الصغير ويعبث بخصلاته مبعثراً إياها قائلاً بعتاب رقيق :
- ايه يا يزن مش اتفقنا اسمها بابا ؟ بابي دي للعيال التوتو اما احنا ايه ؟
أجابه الصغير بنفس حماسه الطفولي :
- احنا رجالة !

تركه ليتجه الي صبيه الصغير " مازن " ليقول بمرح :

- ايه يا مازن باشا هو كل ما اجيب فيك جون تزعل ؟ فين يالا الروح الرياضية ؟
اجابه الصغير بعبوس :
- بس يا بابا انا مش بحب اخسر ! لان الخسارة للناس الضعفا وانا مش ضعيف !
اخفي دهشته من حديث الصغير الذي يفوق عمره ليردف بهدوء :
- لا يا مازن مش دايماً الخسارة للضعفا بالعكس لو مخسرناش عمرنا ما هنتعلم حاجة ! الخسارة مكسب علشان بنتعلم من غلطتنا !

وما كاد يكمل حديثه ليجد "سارة" تلج الي المنزل وهي تحمل صغيرته الذي يبدو انها غفت في الطريق لتشير له بعينيها ان يأتي ليترك الصبيان ويتجه خلفها ليجدها تدثر الصغيرة ثم التفتت له قائلة بشرود :

- الياس...في حاجة غريبة حصلت معايا النهاردة كنا بنشترى حاجات فجأة لقيت تقي مسكت فيا جامد وقعدت تقولي يلا نروح لدرجة انها عيطت ولما شلتها لقتيها بتترعش في حضني من الخوف ! وبتنادي علي اسمك !

جلس بجوارها ليمرر كفه علي خصلات صغيرته بحنان ثم اردف بهدوء يتخلله حزن عميق :

- تقي...بتتعالج نفسياً يا سارة ! عندها فقدان ذاكرة ومش فاكرة اي حاجة عن اهلها ولا عن حياتها قبل ما تتخطف !
شهقت بصدمة وهي تفكر في نفسها كيف لطفلة في سنها ان تصاب بمرض نفسي ! ليسترسل وهو يتجه بها الي غرفتهم :
- جاتلها حالة ضيق تنفس قبل كده وكانت هتروح مني...هتستغربي اني بحبها للدرجادي رغم انها مش بنتي بالدم...!
جلس علي الفراش وهو يدفن وجهه في كفيه هامساً بنبرة متألمة :
- أنا خايف عليها اوي...وصعبانة عليا انها بتتعالج في السن ده !

جلست بجواره لتحتضن كفه بكفها بارتباك هامسة بلطف :

- متقلقش...انشاء الله هتبقي كويسة وانا مش مستغربة انك بتحبها وبتعتبرها بنتك لان هي تتحب فعلاً وانا كمان اتعلقت بيها في فترة صغيرة...
ابتلع غصة بحلقة ليكمل :
- سارة انا مبخلفش ومفيش أمل ولو واحد في الميه اني أخلف ! تقي أول فرحتي...ومن اول لحظة شوفتها فيها وانا حسيت باحتياجها ليا...حركت جوايا مشاعر افتكرت اني عمري ما هحسها علي رأي طليقتي...انا تعبان علشانها !
صدمت به يميل برأسها عليها محتضناً اياها وتزيد صدمتها بالدموع المنسابة علي وجنته هو حقاً يتألم! ولأول مرة تشعر به كطفل تائه حزين متألم ، وكأن كلماتها هربت ولم تجد ما تقوله لتربت علي كتفه وتمرر كفها علي خصلاتها لتكتفي بلمساتها الحانية لعلها تهدئ من روعه...

قطبت جبينها قائلة باستغراب :

- تشرفنا...بس يوسف مش هنا !
ابتسم بخبث ليدلف الي المنزل بوقاحه لتهتف بضيق :
- استني...لو سمحت ميصحش كده اتفضل ولما يوسف يجي تقدر تيجي تقابله !
التفت لها قائلاً بابتسامة :
- لا انتي غلطانة...انا مش جاي علشان يوسف ، انا جاي علشانك انتي !
انقبض قلبها بخوف فطري لتهتف بجمود :
- احنا مفيش بينا كلام ! انا مبحبش اكرر كلامي ميصحش وجودك دلوقتي...اتفضل امشي !

اقترب ببطء وهو يهمس بخبث :

- ايه المقابلة الناشفة دي ؟ دانا غرضي شريف...وفاعل خير !
اتسعت عيناها بصدمة من نطقه للكلمة الأخيرة ببطء وكأنه يقصد بها شئ لتردف تحت بدهشة :
- انت الي بعت التسجيلات ؟!
اومأ بإيجاب مبتسماً لتهتف بانفعال :
- امشي اطلع بره ! انت واحد حقير !
نفي بضيق قائلاً :
- كده يا ميرو يعني ده جزاتي اني خليتك تشوفي حواليكي بدل ما تعيشي مخدوعة فيه !

لم تتخطي الصدمة الأولي ليكرر صدمها بأن لف ذراعه حول خصرها وجذبها ليحتضنها بعنف ويدفن رأسها برقبتها ، تسمرت للحظات من صدمتها لتفيق وتحاول دفعه صارخة بعنف :

- ابعد عني...انت اتجننت !
بدا يوزع قبلاته المقززة حول رقبتها رغم نقورها وصراخها العالي ليهمس بأذنها بلطف مناقض لعنف قبلاته :
- اهدي...مفيش داعي للعصبية...الموضوع هينتهي بسرعة...متجبرنيش أاذيكي أنا بحبك !

ارتجف جسدها وأخذ يهتز بعنف وهي تتلوي بعنف صارخة :

- انت مجنون...يوسف هيقتلك لو قربت مني ! ابعد عني بقولك !
استجمعت قوتها لتهدا حركاتها فجأة ليظن انها استجابت للمساته ليصدم بها تدفعه فجأة بعنف وتركض للخارج وجدت سيارتها التي طلب "يوسف" من السائق احضارها حتي يعطي لها خيار البقاء او الرحيل صعدت مسرعة وهي تبحث عن المفتاح بهلع وايدي مرتجفة وأنفاسها تتسارع لتصرخ برعب حين وجدته أمام نافذتها ويكسرها بقبضته ثم استطاع فتح الباب وجذبها من خصلاتها بقسوة هادراً :
- بتهربي مني يا بنت *** وديني لأخد الي انا عايزه بردو !

دلف للداخل وهو يجرها خلفه ثم القي بها ارضاً بعنف لتحاول النهوض مسرعة وهي تلقي بأي شئ يقابلها في وجهه ثم التقطت سكين الفاكهة ولوحت به صارخة بشراسة :

- هقتلك ! هقتلك قبل ما تقربلي !

ظلت صامتة طوال الطريق ولم تنبث بحرف ليقطع الصمت صوته الهادئ موضحاً :

- لا داعي لغضبك ليلي...انتي تعلمين انها صغيرة وتصرفت بغير هدي ولم تقصد ما فعلته !
رمقته بنظرات نارية وهي تصيح بغضب عارم :
- لا والله ؟ بقي البت ال*** بتلف حواليك وتقولي صغيرة وزفت ! لو مكنتش قفلت علي اوضتها قبل ما تحكيلي...كنت جبتها من شعرها خطافة الرجالة !
انتقل غضبها له مردفاً بعصبية :
- اخبرتك الا تتحدثي بلغتك أمامي واللعنة ! وتوقفي عن الصراخ !

لتجيبه بلغته هادرة :

- اياكَ ان تأمرني بشئ ! لقد صمتُ عن أفعالك طيلة الفترة الماضية لكن يكفي هذا ! غداً سترحل تلك الفتاة !
ضرب المقود بعنف وهو يصيح بغضب :
- لا تختبري غضبي ليلي ! وتوقفي عن الصراخ ! انا لا أتلقي اوامر من أحدا ! انا دانيال ابراهام لا تنسي ذلك !
تفاقم الغضب بداخلها لتردف بعنف :
- وانا لن أعيش مع رجل خائن تلتف النساء حوله ولا يبدي رفضاً ! انتهي الامر ! سننفصل وهذه المرة بلا عودة !
وكأنها طعنته بحديثها! أبتلك السهولة تتحدث عن الانفصال! لينظر لها بنظرات غاضبة منصدمة بحديثها وكانه نسي انه يقود! لينتشله من فورة غضبه صراخها المرتعب :
- دانياااااال !
نظر أمامه ليصدم بتلك الشاحنة الضخمة التي تبعد بأمتار قليلة عن سيارتهم وكأنها محقة فيبدو ان انفصالهم سيتم وبلا عودة... !

ادار سيارته وهو يستعد للرحيل من تلك المنطقة التي توقف بها لبعض الوقت ليرتب افكاره ويهدأ قليلاً من أفكاره التي تحثه علي العودة وضرب تلك المختلة لعلها تفيق! رفع هاتفه بضيق فلم تتصل به ولو لمرة واحدة! ألن ينتهي كبرياءها يوماً ليتنازل هو هذه المرة ويتصل بها فلا يدري لما يشعر بالقلق! .... مرة...اثنان...ثلاثة ولم تجيب علي اتصالاته ليضرب المقود قائلاً بيأس :

- للدرجادي مش قادرة حتي تردي علي تليفوني يا ميرا !

سالت الدماء من جانب فمها من كثرة صفعاته في محاولة لإخماد قوتها فقد ركل السكين من يدها لينقض عليها كالذئب ويبدا بضربها لعلها تستسلم وتتوقف عن المقاومة! ليهمس باستمتاع :

- بعشق شراستك دي ! بس بردو مش هتقدر تمنعني !
صرخت بقهر وهي تستشعر نفاذ قوتها ودار عقلها بمشاهد من طفولتها حين كان والدها يضرب والدتها وهي لم تستطع التدخل فأكثر ما تبغضه بحياتها هي قلة الحيلة وها هو القدر يعاود تذكيرها بذلك الشعور لتهمس بتوسل :
- ارجوك...هموت نفسي لو عملت فيا حاجة ! انت مش بتحبني ؟! ارجوك...كده هتدمرني !

ليهمس من بين قبلاته :

- والله ما هسيبك...اول ما يوسف يطلقك هتجوزك انا وهعوضك عن كل حاجة...يوسف ميستهلش واحدة زيك !
وكالعادة اختار عقلها الهروب عوضاً عن مواجهه الواقع لتشعر برأسها يدور وقوتها علي المقاومة تكاد تنتهي لتهمس بضعف :
- ارج..وك !
شعرت بحمله انزاح من فوقها والرؤية مازالت مشوشة أمامها ليبدو ان هناك شخصاً يضربه بعنف وملامحه لا تظهر لكنها أدركت هويته من صوته الذي أعاد لها قليلاً من الوعي :
- وديني لأقتلك واشرب من دمك يا واطي يا ***

لتبدأ بالزحف بعيداً بضعف وهي تسيطر علي وعيها بصعوبة بالغة وأنفاسها تتسارع وكأن الهواء قد نفذ من رئتيها !

لكمه بعنف وهو يهدر بصراخ غاضب يهز الأرجاء :
- عملتلك ايه علشان تخوني وتتهجم علي مراتي يا ***
رد الاخير لكمته صائحاً :
- عملت ايه ؟ خدت حاجة مش بتاعتك ! انا شوفت ميرا قبلك وحبيتها قبلك وكانت من حقي انا ! بس انت هتفضل طول عمرك حرامي اي واحدة ابصلها لازم تاخدها مني!
رغم صدمته هجم عليه ليلكم معدته هادراً فينحني الأخير صارخاً بألم :
- مكنتش اعرف اني مصاحب واطي ! ببيص لمرات صاحبه يا مريض يا *** !
دفعه للخلف صارخاً ثم علي حين غرة أخرج سلاحه ليمسح الدماء النازفة من فمه قائلاً بلهاث :
- مقدرتش اخدها منك في حياتك...يبقي هاخدها منك بموتك ... !!!

هب واقفاً حين استمع لتلك الضربات العنيفة علي الباب وقد استيقظ منذ بضع دقائق بعد ان غفي بين ذراعيها دون شعور ليفتح الباب فيصدم برجال الشرطة ورجل غريب ليهتف الضابط :

- احنا جالنا بلاغ عن خطفك لطفلة عندها 5 سنين !
ردد بصدمة :
- خطف ! ومين الي بلغ ؟!
ليتقدم الرجل الغريب بخصلاته المبعثرة وملابسة المهترئة قائلاً :
- انا الي بلغت ! انا ابقي جوز خالة مني ويعتبر عمها !
قطب جبينه قائلاً باستغراب :
- مني مين ؟

اجابه الرجل بغلظة :

- مني بنتنا الي انت خطفتها وانا شوفتها النهاردة مع مراتك ! واحنا الي فاكرينها ماتت !
ضربه الادراك بأن تلك أسرة صغيرة التي لم يعلم لها اهلاً ليبتلع غصة بحلقه قائلاً بقوة :
- محصلش ! انا متبني تقي قصدي البنت بأوراق رسمية ! ده غير اني مش مجرم انا المقدم إلياس سليمان !

صدم من رفعه للسلاح بوجهه أهذا صديق عمره؟! أكان دائماً حاقداً عليه؟! ولم ينتبه! لقد كان معمياً عن ذلك كبقية حياته! لم يفكر كثيراً فحياتها معلقة بحياته ليهجم عليه بدون تفكير فتصيبه طلقة غادرة لتصطدم بصدره بعنف! في نفس اللحظة التي لكمه بها وأخذ المسدس ليفرغ ما به بغضب أعمي ليلقي المسدس وهو يكتم صرخته من الألم وينظر لجسد صديقه المسجى علي الأرض وغارق بدمائه رمقه بحسرة ليتجه بخطوات مترنحة بطيئة نحوها ليطمئن عليها جلس علي ركبتيه بتعب والألم ينهش صدره ليقول بلهاث :

- ميرا...انتي كويسة ؟ ميرا !

فتحت جفونها بضعف لتجده أمامها لتنهض وترتمي بين ذراعيه وهي تشهق بصوت عال ليصدمها بصرخته المتألمة! ابتعدت بخوف لتجد الدماء تسيل من صدره وقميصه أصبح بلون الدماء! لتنظر له بصدمة :

- يوسف...! ايه الدم ده ؟
استند علي الحائط بجوارها ليهمس بتعب :
- انا كويس...كلمي الاسعاف...واتصلي برجالتي او اي حد يجي يطلعنا من هنا !
ازدردت ريقها بصعوبة وهي تقترب منه وتهمس بإقرار وهي تتلمس وجهه بكفها :
انت...انت هتموت وتسبني صح ؟

اجابه الضابط بهدوء :

- اعذرنا يا سيادة المقدم مش قصدي...بس عموماً سلمنا البنت!
تحفزت خلاياه ليرد باستنكار :
- ليه ؟ ما قولتلك متبنيها بأوراق رسمية تحب أوريهالك ؟
لينفي قائلاً بنفس نبرته الهادئة :
- اوراق التبني تعتبر لاغية في حالة وجود أهلها ودلوقتي لو سمحت سلمنا البنت لأنها لازم ترجع لأهلها !
ليصيح بانفعال بعد ان فشل بالسيطرة علي أعصابه :
- يعني ايه الكلام ده ؟ وكانوا فين اهلها دول لما كانت مرمية في الشوارع ؟ كانوا فين لما اتخطفت من تجار الأعضاء ؟

أجابه الرجل بارتباك منفعل :

- مكناش نعرف انها عايشة ! فكرنها ماتت مع ابوها وامها لم البيت ولع بيهم !
صدمة اخرى لم يفق منها الا علي صوت "سارة" المتسائل :
- في ايه يا الياس ومين دول ؟
صاح بها بعصبية :
- ادخلي انتي جوا دلوقتي !
غضبت من صراخه بها واحرجه لها وما كادت تتحدث حتي اوقفها أمر الضابط :
- فتشوا البيت وهاتوا البنت !

لتقول بحده :

- في ايه بيت ايه الي يتفتش ؟ وبنت مين ؟
كاد الضباط ان يدخلوا الي المنزل ليقف أمامهم كالسد المنيع ويدفع "سارة" للداخل قائلاً بعنفوان :
- اقسم بربي الي هيقرب من بيتي او عيالي هدفنه مطرحه !
استشاط الضابط غضباً من تهديده ليردف بحده وتهديد :
- متخليناش نضطر نستعمل العنف يا سيادة المقدم ادينا البنت بكل هدوء !
ليصيح هادراً بصوت غاضب ارسل الرعب الي قلوبهم وعيناه أصبحت بلون الدماء :
- مش هدي بنتي لحد ! ولو حكمت هدخل فيكم السجن بس بنتي لأ !

- يوسف انت هتموت وتسيبني صح ؟

نظر لها بألم والدماء تسيل من صدره بجرحه الغائر كسيل دموعه علي حالتهم ولا يدري بما يجيبها ليشهق بألم وخيط رفيع من الدماء ينساب ببطء بجانب فمه! ، رفع هاتفه بتعب ليتصل بالإسعاف ويرمي الهاتف جانباً ثم أردف بتعب :
- ميرا...انا كويس ومش هسيبك !
طالعته بنظرات غريبة فارغة والدموع تسيل ببطء علي وجنتيها وكأنها لا تشعر بها! لتهمس بشرود :
- هي كمان قالت مش هتسبني ومشيت !

جذب رأسها ليدفنه بكتفه وهو يهمس بضعف ويبذل مجهوداً عظيماً كي لا يفقد الوعي لأجلها :

- فوقي علشان خاطري ! انا محتاج لقوتك !
رفعت بصرها تطالعه بابتسامة ثم أردفت هامسة ببطء :
- متخافش...انا كمان همشي معاك ! علشان ميرا خلاص تعبت...وعايزة ترتاح ! غمض عينك ولما نصحي هتكون كل حاجة انتهت ! ومش هحس بوجع تاني !

iklan banner

Abdulrhman Sayed
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع قصص وروايات .

جديد قسم :