رواية عندما يعشق الرجل الفصول 21-30


رواية عندما يعشق الرجل لشيماء محمد الفصل الحادي والعشرون

أمسكت كوب العصير بيد مهتزة تحاول أن تجمع شتات نفسها لما تعرضت له اليوم ....عندما دلفت إلى الغرفة وكادت ان تكشف ويعلم اخاها بدخولها إلى غرفته الممنوع بتاتا الاقتراب منها ....لولا انها خرجت من نافذة غرفة المكتب فى الوقت المناسب لكانت بين يدى أخيها الآن تتعرض للتحقيق عن سبب دخولها لغرفة مكتبه .....أول ما فكرة به عندما خرجت من النافذة إلى حديقة المنزل هى انها صعدت إلى سيارتها وانطلقت إلى صديقتها لورين...التى تجلس أمامها الآن بعينان فضوليتان ....

- حسنا ...ماذا هناك؟! ....نطقت بها اخيرا صديقتها بقلة صبر تريد أن تعرف ما الذى جعلها هكذا
- لقد دخلت إلى غرفة مارسيل ....قالتها بعد ان ارتشفت قليلا من كوب العصير الذى بين يديها
- ماذا؟! ...لماذا؟ ...سألتها بسرعة
- مارسيل يخفى شئ ما الم أخبرك بهذا ...هتفت بها بملل
- نعم اخبرتينى.....حسنا ما الذى وجدتيه
- لم أجد ...والمصيبة انه كدت أن اكشف
شهقت صديقتها بقوة ....يا الله ما الذى كنتى ستضعين نفسك به ...بجنونك هذا
- لا شئ ....لكن يجب ان اذهب إلى مصر
- لماذا!!!؟ ....سألتها بحدة
- سأقوم بإرجاع قلادة فيروز إلى ابنها ....
- هذا فقط سبب ذهابك إلى مصر
اخفضت روز اهدابها بحزن وقالت بارتباك ....لا ...انا أريد رؤيته ...لقد اشتقت إليه
- مجنونة ...تذهبين للبحث عن شخص لم يلتفت اليكى وتركك فى الوقت الذى كنت فى أمس الحاجة اليه ....هتفت لورين بها غاضبة
مررت يدها المهتزة على جبهتها وهى تقول بألم "أعلم انه تركنى ...لكنى لم أعد أستطيع الابتعاد أكثر ....قلبى يخبرنى انه ليس بخير ...أريد رؤيته ...اشتقت إليه حقا "قالتها بأعين دامعة
نظرت صديقتها إليها باشفاق فهى ما زالت تفكر فى الرجل الذى سافر وتركها ما ان ماتت الطفلة التى كانت ستربط بينهما ....ربتت على يديها وقالت بصوت منخفض وتردد "ماذا ان كان متزوجا وربما أيضا لديه اولاد ...لا أعتقد يا روز انه سيبقى عازبا طوال هذه السنين "أغمضت روز عيناها بقوة وهى تستمع لصديقتها بألم ينتشر فى صدرها فهذه إحدى شكوكها انها خائفة بل مرتعبة من فكرة أن تذهب إليه تجده متزوجا وأيضا لديه اولاد ...يا الله هذه الفكرة عندما تعبر فى راسها تصبح كالسكين فى صدرها
نزلت دمعة غادرة من عيناها فدفنت وجهها بين يديها قائلة بألم حاد فى صدرها "أعلم ....انا خائفة أكثر منك ...لكن لم أعد أستطيع فراقه ...سأذهب وليحدث ما يحدث"قالتها بإصرار وهى تمرر يديها على وجنتها تمسح دمعتها



فى اليوم التالى استطاعت ايملى بعناء حجز أول تذكرة له عائدة إلى مطار القاهرة ....صعد حازم إلى السيارة بعد ان ذهب إلى شقته فى أحد ألاحياء الراقية فى العاصمة لندن ....بدل ملابسه بسرعة ولم يهتم بتهذيب او حتى حلاقة ذقنه النامية .....أتى إليه وليد بسيارته لايصاله بعد ان اتصل به ومعهم ايملى التى لم تترك حازم لدقيقة ....أخذوا الطريق السريع إلى مطار هيثرو غرب العاصمة البريطانية لندن ......وصلوا إلى المطار والذى كان مزدحما بالمسافرين.....
"أنا آسف حقا ...لكن يجب ان اذهب أعلم انى أضع عليك الكثير من المسئولية لكنى اعتمد عليكى ان احتجتى إلى اى شئ او وجدتى صعوبة فى شئ اتصلى ب وليد سيساعدك "
قالها حازم بتصلب واضح على ملامح وجهه المتعبة
"لا تقلق ....اذهب أنت وأنا ساهتم بكل شئ ولن أترك ايملى تحتاج لأى شئ "قالها وليد لحازم موكدا وهو ينظر إلى ايملى بتفحص فقابلتها هى بتجهم على وجهها ....
نظر إليهم بسرعة وهو يستمع لنداء المضيفة لانطلاق الرحلة المتجهة إلى مطار القاهرة الدولى ...و ابتعد عنهم مودعا إياهم ......
"هيا "قالها وليد بهدوء بعد ان ابتعد حازم نهائيا عنهم
فكان كل ما فعلته ايملى هو ان تنظر إليه بعينان حادة وهى تتقدمه .....
خرجت من المطار وهى تبحث بعيناها عن سيارة أجرة لكن جميع السيارات كانت مزدحمة ويبدو انه سيكون من الصعب عليها ان تركب واحدة الآن ....
"السيارة هناك ...هيا "أشار برأسه حيث مكان السيارة ....تتبعته بهدوء رغم رغبتها فى عدم الركوب معه لكنها لم تجد بدا من الركوب معه فهذا أفضل من الوقوف وانتظار سيارة فارغة .....
صعدت إلى السيارة بجواره وهى تعد نفسها بأنها لن تفتح فمها وتتحدث معه ابدا ستتجاهله مهما كان الثمن ......بعد دقائق شعرت بتوقف السيارة فجأة على أحد جانبى الطريق ....
"اخرجى "قالها بلهجة امرة أكثر منها طلبا
تجاهلت كلماته ولم تخرج وعندما لم يجد اى استجابة توجه إلى الجهة الأخرى من السيارة وفتح بابها وهو يقول بنبرة غاضبة تعبر عن قلة صبره "قلت اخرجى "
نظرت إلى عيناه ومن تعابير وجهه علمت انه لا يوجد جدوى من الجدال ومن الأفضل لها أن تخرج وتعلم ما يريده .....
ترجلت من السيارة ...ولفت يديها بسرعة حول كتفيها عندما لفحتها نسمات الهواء الباردة فلم يكن يغطى جسدها سوى ثوب خريفى خفيف .....انتظرت ان ينطق حتى قال
"ايملى ....انا شخص لا يحب لا اللف ولا الدوران كثيرا لذلك ....كلا منا يعلم مشاعره ناحية الآخر ...كلانا لديه انجذاب نحو الآخر ....لذلك لا أحب او أتمنى أن يكون محور لقاءتنا او حديثنا هو حازم ....ايملى أريدك " هتف بما يريده بهدوء منافيا تماما للعاصفة المتاججة فى صدره ....وهو ينظر لخضار عيناها التى لا يمكن أن يفهم أحد من خلالهم ما الذى تفكر او ما الذى تريده عيناها لم تعبر يوما عن شعورها الداخلى
"وماذا بعد"نطقت بها ايملى بعد ان استمعت لكلماته وهى تحتضن يديها أمامها بقوة ربما بسبب برودة الطقس او ربما لأنها إرادة حماية نفسها حقا منه بطريقتها التى لا تجعلها أمامه يوما ضعيفة
"ماذا " هتف بها مستفهما وغاضبا فى نفس الوقت
"قلت وماذا بعد ....ماذا بعد ان تخبرنى بأنك تشعر بالانجذاب بيننا ...او أنك تريدنى. ...ماذا بعد هذا... ما الذى سيحدث " هتفت بكلماتها وهى واقفة فى مكانها بثبات منتظرة كلامه لكنه لم ينطق لقد كان فمه شبه مفتوح لما نطقت به
وما كاد أن يفتح فمه فقاطعته هى بسرعة قائلة بهدوء منافى للشعور الذى بداخلها
"ربما نحن منجذبان إلى بعضنا ...لكن كلا منا غير مناسب للآخر ...انا أريد زوج أكثر منه حبيب أريد منزل وأطفال وعائلة ...أما أنت انا متأكدة انك تريد امرأة تشبع رغباتك ....امرأة وجدتها صعبة فأردت الحصول عليها ...وبعد ذلك ستتركها لتبحث عن غيرها ....وأنا لست كذلك ....نعم ولدت وتربيت فى بلد أجنبية او غريبة عنى ....لكن والدى حاولا أن يغرسا كل تقاليدنا وعاداتنا بى....والدى علمنى شيئا واحدا المرأة لا تعطى قلبها إلا لمن تستطيع ان تطمئن بين يديه انه يستطيع عبور البحار وهى ليست خائفة منه او معه ....لذلك.... بلعت غصة مؤلمة فى حنجرتها وتابعت بثبات .....وأنت لست الشخص الذى أستطيع أن أشعر معه بالاطمئنان " ارجعت بعض من خصلات شعرها للخلف ....وابتعدت عنه وهى تلاحظ تعابيره المصدومة وجسده المتصلب مكانه ....
أشارت بيديها لتوقف سيارة اجرة وكان من حسن حظها ان توقفت إحدى السيارات لها بسرعة



"هيا حبيبتى...هيا "قالتها الحاجة هيام وهى تمسك بين يديها يدى نور الخائفة وهما ينزلان درجات السلم الداخلية ....لقد استطاعت الحاجة هيام تحريك نور واقناعها بالنزول معهم لتتناول الفطور بعد عناء طويل ..... فيجب عليها ان تخرج من حالتها تلك ....
نزلت درجات السلم واجلستها على كرسى طاولة السفرة حيث يجتمع أفراد أسرة الحاج عزيز أبناءه وزوجاتهم .....ما ان جلست حتى رفعت رؤوس الرجاء الثلاثة إليها بتفحص إلا واحدا منهم كادت عيناه ان تتاكلها.....يتفحصها بجوع نعم فهذه هى حوريته التى رفض عمه الزواج بها ....لكنه مات اخيرا من كان واقفا فى هذا الزواج مات عمه .....والآن لن يكون هناك حاجزا بينهم .....
"صباح الخير "قالها خالد بصوت رجولى اجش للجميع ....فسحب أحد الكراسى بجوار أبناء خاله وجلس. ...وما أن جلس حتى لمح نظرات ابن خاله الأوسط (رابح) للجهة المقابلة فوجد عيناه على نور ....السارحة والتاءهة شعرها الاسود الذى تتخلله بعض الخصلات الذعبية كان منسدلا على ظهرها بعشواءية يخفى بعضا من ملامح وجهها فقد كان وجهها وعيناها على الطبق الذى أمامها والذى لم تمسه يداها ....زفر بغضب ....وهو يلاحظ نظرات رابح المدققة فى نور .....بدأ فى التهام طعامه محاولا كتم غضبه ....يعلم ان رابح تقدم لطلب نور أكثر من مرة وجميعها كان يقابلها خاله المستشار ياسين بالرفض ....وكان محقا فى هذا كيف يزوج ابنته الوحيدة لشخص مستهتر مثل رابح لم يتحمل يوما مسئولية نفسه فقد كان مبذرا دائما لأموال والده وهو أكثر إخوته تدليلا ....ورابح لم يحب نور او أرادها لشخصها بل هو منجذب فقط لجمالها الذى لم يستطع خهو بنفسه الوصول إليه ......لطالما اعتبر نور اختا له ....وهو لن يتوانى عن حمايتها من خاله او ابن خاله ......
كانت الحاجة هيام تطعم نور بشق الأنفس ....حتى استطاعت اطعامها لقيمات قليلة ...لكنها أبت ان تأكل المزيد ....وتحركت ببط من الكرسى ...وتركتهم واعينهم عليها .....
"انظرى إليها انها ماهرة فى التمثيل "قالتها زوجة الابن الأكبر غادة بهمس للمرأة التى بجوارها ....فبادلتها الأخرى بنظرة إلى نور باشمءزاز وغيرة .....فهى لاحظت نظرات زوجها رابح لنور كما تعلم ان زوجها كان يحب ابنة عمه وكان يتمنى أن يتزوجها لكن عمه رفض .....ظلت تتفحص كل شبر بها من رأسها إلى أخمص قدميها ....تبحث عن اى شىء جعل زوجها لا ينسى ابنة عمه ...."ماذا بها وليس موجود بى "قالتها بغل فى نفسها
استاذنتهم الحاجة هيام وتتبعت ابنة أخيها ....وما ان ابتعدت الحاجة هيام حتى قال رابح لوالده
"أبى أحتاج ان أتحدث معك عن بعض الأمور ...سأنتظرك فى المكتب لنحتسى الشاى معا "قالها رابح وتركهم. .....وزوجته تضع يدها على قلبها خوفا مما سيقوله زوجها لوالده .....
فى المكتب
جلس رابح إمام والده وهو يقول بهدوء "ما الذى ستفعله مع ابنة عمى "
"ما الذى سأفعله ....ستبقى معنا "
فاقترب من أذن والده قائلا بخفوت "لقد ترك عمى الكثير لابنته "
"نعم أعلم ...ولقد أعطى لكلا منا حقه قبل وفاته والباقى هو حق ابنته"
زفر رابح ببط وقال بحفيف "لقد سمعت ان عمى عبد الكريم ...يريد ان يزوج نور أقصد ابنة عمى لابنه الوحيد رأفت "
فظهرت ابتسامة عريضة على وجه عزيز قائلا بسرور "سيكون هذا رائع....على الأقل ساطمان على الفتاة بيننا"
فاصتك رابح على أسنانه يحاول كبت غضبه فنور لن يملكها غيره فقال بصبر "وهل تعتقد انه يريد نور فقط من أجل أن يحميها "
فنظر إليه والده باستفهام فالتمعت عينا رابح بمكر "لا أحب أن اقول هذا لكن ...لكن "
فضيق الحاج عزيز بين حاجبيه الأبيض قائلا "لكن ماذا "
فتنحنح رابح وهو يقول بارتباك كاذب "عمى وللاسف طامع بالفتاة وبما تملكه "
"ماذا "هتف بها مستنكرا وتابع "أخى لم يترك لها الكثير فقط شقة وبعض الأموال ...ما الذى سيتركه لها "
فاقترب مرة أخرى من والده قائلا فى أذنه كحفيف أفعى
"لقد علمت أن الشقة التى توجد فى القاهرة فقط تساوى أكثر من ثلاثة ملايين لأنها فى مكان راقى للغاية .....وذلك غير الأموال التى تركها لها فى أحد البنوك الكبيرة ....لذلك تقريبا او لحد أدنى ...ابنة أخاك تملك على الأقل أكثر من خمسة ملايين "
"معقول"هتف بها الحاج عزيز وعيناه تكادان تخرجان من مكانهما
ثم تابع "وما الحل ....أنت واخوتك متزوجون"
فالتمعت عينا رابح بفرح فقد وصل إلى مايريده قائلا "الشرع حلل أربعة ...لذلك أستطيع أن اتزوجها انا ...وبهذا تستطيع الحفاظ على ابنة عمى وعلى مالها من اى طامع "
ثم ربت على كتف والده بيده قائلا "فلتفكر يا أبى وبعد ذلك اخبرنى بما تريد أن تفعله "
قال كلماته ثم خرج من الغرفة وهو متأكد انه قد رمى الطعم لوالده ...وأنه لن يترك خمسة ملايين تنساب من بين يديه بسهولة ....وبهذا هو يستطيع أن يتزوج من سلبة قلبه .....ستكون له اخيرا ...فلم يعد هناك شئ سيبعده عنها

اتصلت ريم بالحاجة هيام لتطمان على نور ....أخبرتها انها كما هى صامتة لا تنطق بشئ ....تمنت لو تستطيع التحدث معها لكن نور انطوت أكثر على نفسها انها خائفة حقا عليها ...لا تعلم متى ستستطيع أن تخرج من صمتها هذا ....
أغلقت الحاجة هيام مع ريم وبعد ذلك جلست بجوار نور على السرير واخذتها بين أحضانها ...ابعدتها عنها ما ان سمعت صوت دقات على الباب وابتعدت عن السرير وتوجهت حيث الباب وجدت خالد ...واقفا بجوار الباب
"كيف حالها "قالها خالد بهدوء
"كما هى "قالتها بحزن
"اليوم سياتى إليها الطبيب لا تقلقى ...لكن أمى ..."
فرفعت إليها رأسه فتابع هو بحدة "لا تجعليها تجلس معنا من دون ان ترتدى شئ على رأسها "
"لماذا"
"فقط أرجوك افعلى ما أطلبه منك وأيضا لا ترتكيها فى الغرفة بمفردها ابدا ...وأنا لا تقلقى لن أحتاج لأى شئ "قالها بحدة ثم تركها
دلفت إلى الغرفة وهى تنظر بحزن لابنة أخيها الصامتة



هبت واقفة من مكانها عندما وجدت حازم يقف أمامها بطوله الفارع ووجه شاحب وذقنه عقدت حاجبيها وهى تتأمل هياته ... ابنها ذقنه نامية اكثر مما اعتادت ....لم تعتد يوما على ان يكون ابنها هكذا ...لقد سافر بحال وعندما عاد بحال مختلف ....صمت تام أطبق عليهما ....عيناهما هى التى تحدثت اخذته بين أحضانها بشوق جارف ....وهو ما كاد أن ارتمى بين أحضانها حتى شعر اخيرا بأنه قد وصل إلى وطنه حضن والدته التى يحتمى به من أحزانه .....تركته بعد ان ذهب إلى غرفته ليغير ملابسه وتوجهت حيث غرفة زوجها
"حازم ...أتى "قالتها نورا بفرح
ضيق مراد عيناه وقال بشك "لم يخبرنى انه سيأتي ....هل اتصل بك قبل حضوره "
"لا المهم بالنسبة لى الآن ان ابنى قد أتى ....هذه المرة انا لن ابعده عنى ...هل فهمت يا مراد ...لا تضع عليه عب كثير من الأعمال "قالتها بتحذير
ظهرت شبه ابتسامة على وجهه وقال "لا تخافى ابنك ان رحل لن يرحل بسبب الأعمال ...سأذهب إليه "قالها وهو يتحرك نحو الباب
"لا أتركه الآن ربما يحتاج إلى بعض الراحة الرحلة بالتأكيد متعبة له "
نظر إليها وشبه ابتسامة مرتسمة على وجهه ....وجلس بتثاقل على الكرسى وهو يقول بتعب "جيد انه أتى ....هذه المرة انا حقا احتاجه إلى جوارى.....لم أعد كما كنت لقد كبرت ويبدو أن قريبا ستوافينى المنية والتحق بصديقى "قالها بحشرجة وهو يضع وجهه بين يديه
فدنت منه وهى تبعد يديه عن وجهه وهى تقول بحزن "لماذا يا مراد تريد ان تكسر قلبى "
"انها الأعمار يا نورا لا أحد يعلم متى سيلتحق بخالقه.....لكن حقا أتمنى قبل وفاتى ان أطمئن على نور ....نور لم تكن ابنة ياسين فقط بل ابنتى أيضا وليست نور فقط من اعتبرها ابنتى جميع اولاد أصدقائى ....سيف ومالك وماهر واروى وبثينة ونور جميعهم لديهم مكانة فى قلبى مثل مكانة حازم بالظبط ....لذلك نور انا متأكد انها لن تكون بخير فى منزل عمها وخصوصا إذا علم ما تركه والدها لها ...هو الآن لديه قناعة ان ياسين أعطاه الكثير لكن إذا علم ما تركه ياسين لنور ....عزيز سيفعل اى شى ليحصل على ما يريده ...حتى وإن جعلها زوجة ثانية لأحد من أبناءه .....ثم تابع وهو يقف أمام شرفة الغرفة بأعين حزينة ....لقد تحدثت مع سليم ومحمود فى ذلك ....أخبرني سليم ان حدث ذلك فعلا هو سيتصرف ولكننى قلق للغاية "
لمعت عينا نورا بالدموع ولم تملك غير ان تقترب منه وتحتضنه من الخلف تعطيه بعض القوة وهى تربت على كتفه ولكن شفتاها لم تستطع النطق فهى أيضا قلقة على الطفلة هى ليست ابنة صديق زوجها بل أيضا ابنة صديقتها روز ....روز التى ماتت وتركت فتاة جميلة مثل نور نسخة مطابقة لها .....
أغمض عيناها بقوة يحاول ان يكون هادئا او باردا كعادته ...لقد أستمع لكل ما قاله والده بدون قصد وهو يمر من أمام الغرفة .....خرجت آه طويلة من صدره فها هى ستبتعد عنه أكثر وربما تكون مع رجل آخر غيره ..... من الصعب على رؤيتك مع رجل آخر لكن من الأصعب على عدم رؤيتك مجددا .....
يجب ان أراها ....يجب ان اراها....قالها بتصميم عجيب فى نفسه وفى عينيه السوداء التى تقسم بأنها لن تكون لغيره ....يشعر بأن قلبه يتتبعها يشعر بالمها ووجعها فقد توجع كثيرا من فراقها ......
أمسك بهاتفه ضغط بعض الأرقام حتى أتاه الصوت يخبره بما طلبه واراده.....



ألقت بهاتفها بإهمال على السرير بجوارها وهى منزعجة لما وصلت له صديقتها هى تعلم جيدا بشعور الفقد هذا وخصوصا أن كان أغلى شئ عندها والدها سندها ....تاففت بامتعاض فعندما استيقظت اليوم صباحا لم تجده بجوارها كما اعتادت ....هل مل منها وتعب من قربه منها ....لم يطلب منها حقه حتى الان ولكن إلى متى سيتحملها وإلى متى سينتظر.....سألت نفسها بخفوت ...ولكنها سرعان ما نفضت عنها تلك الأفكار وهى تعيد نظرها إلى شاشة حاسوبها المحمول الموضوع أمامها على السرير وهى تقراء أحد المقالات الطبية الشهيرة والمهمة فى عالم الطب ....فاليوم اجازتها ويجب أن تستفيد منها ...عملها هو اهم شئ بالنسبة لها هو الشئ الذى لن يتركها طالما هى لم تفعل ....جلست ساعات أمام شاشة الحاسوب حتى شعرت بالإرهاق وببرود الطقس فالشتاء على مشارف الأبواب رغم أن الساعة لم تتجاوز السادسة إلا أن السماء قد عتمت والليل حل .....تثابت بتعب ....ثم فردت جسدها ببط وهى تغطى جسدها جيدا
يقود سيارته يملاءه شعور بالشوق واللهفة إليها ولكن رغم كل هذا هو لا يريد العودة إلى المنزل فهو لن يجد منها غير القسوة.... كبرياءها يقتله ويعذبه لا يعلم متى يستطيع أن يجعلها تطمئن معه ....يعلم انها خائفة ...وأكثر ما يولمه انها خائفة منه هو ....وصل إلى بوابة المنزل الكبيرة ثم ترجل من سيارته
دلف إلى غرفة النوم وجدها نائمة منكمشة فى مكانها وتغطى نفسها جيدا من رأسها حتى أصابع قدميها ....ظهرت سخرية واضحة على وجهه وهو يراها بذلك الشكل محدثا نفسه "تضعى بيننا الكثير والكثير من الحواجز كيف اساعدها وهى تتفنن فى الابتعاد عنى ....كيف اشعرها بأننى أحبها وأنا لا أستطيع حتى لمسها ...عندما اقترب منها تظهر مخالبها التى لا تجرح أحد سواى "
جلس على طرف السرير برفق ودنى منها ببط ومال برأسه عليها وهو ينظر إلى ملامح وجهها وشعرها آه من شعرها لقد قابل الكثير لكن لم يجد امرأة بشعر أحمر بهذا الجمال ....امرأة خطفت أنفاسه بلا هوادة عندما راءها أول مرة .....امرأة جعلته بهذا الصبر رغم انه لم ينل لا جسدها ولا حتى قلبها إلى الان ولكن لديه صبر ....نعم صبر حتى تأتى إليه ترجو قربه .....وحينها سيعلمها كيف يعشق الرجل .....مرر شفتاه على رقبتها كم يتمنى لو تشعر بناره ....شعر بحركتها المتململة وهى تغلق عيناها بضجر وتصدر همهمات خفيفة حتى رفرفت بعيناها وهى تقول بصوت ناعم ملاءكى سلبه قلبه "مالك "
بلع ريقه وهو يستمع لاسمه من شفتاها بهذه العذوبة لأول مرة ....وقال بشوق جارف "عينا مالك ....وقلب مالك "
تحركت شفتاها وهى تحاول أخذ نفسها الذى يكاد يخرج مضطربا وهى تشعر بقربه منها لهذه الدرجة ....وعيناها الزرقاء كبحر استكانت شواطءه تتعمق فى النظر إليه لأول مرة تراه بهذه الوسامة والجمال عيناه زيتونة اللون وشفتاه مكتنزة وذقنه تزينها لحية خفيفة للغاية تمنت أن تقرب يدها من وجهه لتشعر بخشونتها على جلد يدها .....لم تستطع كبح شعورها ورغبتها أكثر ووضعت يدها ببط على وجهه وهى تشعر بخشونة ذقنه ....فانفرج فمه دهشة
"ريم " قالها بشوق جارف وعاطفة متاججة فى صدره الذى لم يعد لديه قدرة أكبر على الصبر ....مال عليها أكثر حتى اختلطت انفاسهما مع بعضهما أغلقت عيناها وهى تشعر بأنفاسه قريبة منها .....
"افتحى عيناك ....لا تغلقهما اشعرى بى " هتف بها بشوق
"احبك"قالها وهو يطبق على شفتاها بين شفتاه وقلبه ينبض شوقا فى ضمها



وضعت كيس البسكويت المملح على الكومود بجوار السرير وهى تنظر بملل إلى ساعة يدها لقد تجاوزت الساعة السابعة مساء وهو لم ياتى .....فوضعت يدها بتلقائية على بطنها التى بدأت بالظهور أخذت نفسا عميقا ثم زفرته ببط ......لا تعلم ماذا تفعل هل تخبره بحملها ام لا .....التفكير فى الأمر سلبها النوم براحة ....اجفلت وهى تستمع لصوت إدارة مقبض الباب وهو يطل بجسده أمامها ....فظهرت ابتسامة على ثغرها لكنها سرعان ما بدأت ان تتلاشى وهى تلاحظ نظراته الغريبة إليها بقى واقفا ينظر إليها مشدوها فنبض قلبها بقوة وهى تراقب نظراته الصامتة لها ....وقف لثوانى ينظر اليها ثم دلف إلى الحمام بصمت ....مما جعلها تقوم بتحريك يدها ببعضهما بتوتر وهى لا تعلم إلى متى ستظل متكتمة على حملها الشخص الوحيد الذى يعرف او بالأحرى كشفها هو خادمتها .....علمت اليوم صباحا بأمر العملية الجراحية التى أجرتها بثينة وكم تمنت الذهاب إليها لتطمئن عليها لكنها خائفة من ان تكشفها والدتها او جدتها وحينها سيف سيعلم.....حاولت ان تسترق السمع من مكانها لكنها لم تستمع لصوت اى تدفق للماء .....اتسعت عيناها عندما وجدته يخرج من الحمام وهو يرتدى ملابس خفيفة للغاية ولا يبدو عليه ان الماء قد مس حتى خصلة من شعره ......خرج من الغرفة وهو يصفق بابها بقوة بدون حتى النظر إليها .....مما جعلها تشعر بخوف وقلق شديد من تصرفاته هذه ....بعد دقائق دلفت إليها الخادمة تسالها ان كانت تحتاج إلى شئ منها ....لكن اروى شكرتها واخبرتها انها إذا احتاجت لشئ ستتحرك هى .....
"ما هذا ...النافذة مفتوحة...ستمرضين هكذا "قالتها الخادمة بتجهم وعتاب ودنت من النافذة لغلقها. ...
اجفلت أروى وهى تستمع لشهقات الخادمة والتى تثرر ببعض الكلمات وهى لا تحيد بعيناها عن النافذة ولم تغلقها....تحركت اروى إليها وهى تنظر إلى الخادمة التى قالت بسرعة ما ان رأت أروى بجوارها
"انظرى. ..ما الذى يفعله ذلك ال...."بترت الخادمة كلماتها ....فشهقت اروى هى الأخرى بقوة وهى ترى سيف يرتدى ملابس السباحة ويسبح فى حوض السباحة الموجود خلف المنزل فى هذا الجو البارد
"لقد جن "تمتمت بها الخادمة بفم ملتوى
نظرت إليها اروى بحدة .....وابتعدت عن النافذة وسحبت شالها من على كرسى الزينة وخرجت من الغرفة والخادمة تحاول منعها لعدم الخروج فى هذا الجو البارد .....
"أقسم انه شخص متأخر ذهنيا ....هل هناك شخص عاقل يسبح فى هذا الطقس ...انه مجنون ....ولا يستحق امرأة مثل سيدتى رقيقة وعطوف" تمتمت بها الخادمة بخفوت وتذمر ومن ثم خرجت هى الأخرى من الغرفة
دنت من الحوض ببط وهى تراقب جسده العارى إلا من ثوب السباحة بين الماء ...لقد بدأ سباحا ماهرا ....وهو يحرك ذراعه وجسده بماهرة فى الماء شعرت ببرودة الطقس تجتاح جسدها ومن ثم وقفت بتوتر على بعد عدة سنتيمترات من حوض السباحة .....شعر بحركتها فرفع رأسه إليها منتظر ان تتحدث
"الجو بارد" قالتها اروى برقة واهتمام
شعر بنبرتها المهتمة فقال بمكر "هل انتى خائفة على ...تعالى انضمى إلى ودفينى "
شعرت باوصالها ترتجف ولكنها ظهرت شبه ابتسامة على وجهها وهى تقول بهدوء "كنت أتمنى ذلك ....لكنى حقا أخاف الماء "
"هل لهذا انتى تقفين بعيدة عن حوض السباحة "سألها
"لست بعيدة للغاية ....ولكن أجل "ردت بابتسامة
فنظر إليها بقسوة وهو يقول بصوت حاد وفضول "لماذا ....لماذا تخافين المياه"
"حادث "قالتها وهى تزفر بقوة من نسمات الهواء التى اشتدت حتى بدأ جسدها يرتجف ....لاحظ ارتجافتها فخرج من الحوض السباحة وهو يرجع بشعره للخلف بأصابع يده الطويلة ومد الأخرى لالتقاط المنشفة الموجودة على الكرسى الطويل .....ووضعها على رأسه ثم تحرك مبتعدا عنها فتتبعته بهدوء .......دلفا إلى الغرفة وأغلقت بابها بسرعة لعلها تعيد لجسدها الدف ......فراته يدلف إلى الحمام .....فركضت هى بسرعة نحو السرير لتغطية جسدها .....ودست جسدها تحت الغطاء .....بعد دقائق خرج من الحمام وهو يرتدى بنطال اسود واسع وكنزة بيضاء واسعة هى الأخرى .....انزلق بجوارها على السرير وجلس عليه وهو يضع على قدمه حاسبه المحمول ......تحركت بملل على السرير وهى تفكر ما به ....فلم تستطع منع نفسها أكثر وجلست على السرير مستندة بظهرها على ظهر السرير وهى تفرك يديها بتوتر ....
"ماذا هناك "قالها سيف ببرود ولم يحد بعيناه عن حاسوبه
فبللت شفتاها بطرف لسانها وقالت بهدوء " لماذا سبحت فى هذا الطقس البارد ...فهذه أول مرة أراك تسبح بها "
رفع عيناه عن الحاسوب ونظر إليها وكأنه كان ينتظر سوالها وقال برنة شبه حادة " لقد كنت أفكر "
فعقدت حابيها وهى تنظر إليه بغرابة ....فأخذ نفسا ثم زفره بقوة وهو يقول بخفوت "عندما أفكر فى شئ مهم أحب أن أفكر به وأنا اسبح "
"هل هو خاص بالعمل "سألته
"لا ....انه خاص بى .....للغاية"قالها بحدة وهو يؤكد على كلمته الأخيرة
فاقترب منها ووضع يده حول خصرها يقربها منه ببط وهدوء حتى التصق ظهرها بصدره الدافئ وقرب فمه من موخرة رأسها ومرر شفتاه عليها بهدوء ....فسرت قشعريرة فى جسدها ....ومن ثم قبل شحمة اذنها وهو يقول بخفوت "ما رأيك ان تساعدينى فى حل المشكلة"
بلعت ريقها وهى تشعر بجفاف حلقها ....وأدار جسدها إليه أكثر حتى تقابلت عيناهما
فنظر إليها بنصف عين وهو يقول ببرود جليدى
"ما هو شعورك عندما يحاول شخص إخفاء شئ عنك يخصه مثلما يخصك "
ذعرت من نظرته لها ....حتى انها لم تعد تستطيع بلع ريقها وما جعلها ترتجف أكثر هو وضعه ليديها على بطنها وكأنه يقول لقد علمت ما تخفينه عنى لكن كيف ...وهى كانت حذرة لكى لا تكشف ....نظر إليها بتفحص ومن ثم ظهرت شبه ابتسامة على وجهه وقال ببرود وهو يبعد يده عنها "تصبحين على خير " قالها ثم انزلق بجسده تحت الغطاء وهو يعطيها ظهره .....أما هى فكان جسدها متصلبا للغاية من فكرة فقط انه قد علم بحملها ....بلعت ريقها وانزلقت هى الأخرى تحت الغطاء وهى تشك بأن النوم قد يجافيها اليوم مما نطق به .....



ضحك بخفوت وهو يرى تململها الواضح عندما يمرر إصبعه على وجنتيها ....ففتحت عيناها ببط ثم اتسعتا أكثر وهى تراه أمامها لا يحد بينهما شئ بل يكادان يكونان جسدا واحدا من قربه ....وتحركت عيناها بذعر وهى ترى ابتسامته المشرقة على وجهه ....ويداه تحاوطان خصرها ....فابعدت يداه عنها بقرف وجلست على السرير بسرعة وهى تغطى جسدها بغطاء السرير بيد وباليد الأخرى تمررها على عيناها ووجهها وشعرها الذى تكاد تخلعه من جذوره ....ضيق مالك عيناه بسرعة وهو يراها تمرر يدها بذعر على وجهها وتحمى جسدها منه وتبتعد .....كتمت بكاءها وهى تضع يدها على فمها ....
"لقد ...لقد قمت باستغلالى "هتفت بها بقسوة بالغة
اختفت ابتسامته وهو يستمع لكلماتها ....فتجاهلها بسرعة فهو لن يسمح لها أن تضيع عليه سعادته ....
"لقد قمت باستغلالى "هتفت بها بغضب وصوت عالى "ماذا "هتف بها بحدة
ثم تابعت كلماتها وهى تقول بغضب عاصف "انا أكرهك .....انا أكرهك يا مالك ...لماذا فعلت بى هذا "
شخر بقوة وابتعد عن السرير وهو ينظر اليها بفتور واعين غاضبة وهى تتمتم بكلماتها بهستيرية وجنون شديد
وضع إحدى يداه على جبهته والأخرى على خصره يحاول ان يجمع رباطة جاشه وألا يظهر غضبه عليها .....
لكنها لم تتوقف عن كلمة "اكرهك" بل أضافت إليها أيضا "وغد ....حقير " فضرب بقبضة يده بقوة على الخزانة حتى كسرت بعض من أجزاء خشبها الذى لم يعد متينا بعد ضربته ....انتفض جسدها من قبضته ثم نظر إليها بشر وغضب عاصف وهو يقترب منها " فمك الذى يخرج سما اغلقيه .....ولا أريد أن استمع لصوت لانفاسك " شعرت بخوف يسرى فى جسدها من نظراته وتحركت مقلتاها بذعر وكتمت بكاءها
حتى قال بحفيف وغضب وهو يمل بجسده إليها وتقابلتا عيناهما" انا لم أفعل شيئا خاطئا. ...انتى زوجتى أمام هذا العالم بأكمله ....لقد صبرت عليك كثيرا لكن الآن وكفى ....أعلم إننى لن اكتفى بهذه الليلة فقط "نطق كلمته الأخيرة والتقط قميصه وخرج صافقا الباب بقوة ....وما أن خرج حتى أطلقت العنان لدموعها وهى تبكى وتصرخ بهستيرية بالغة



دلف إلى غرفة المشفى وتجهم وجهه وهو يرى سريرها فارغا ....تحرك بسرعة ووقف أمام الممرضة فى الردهة وهو يسألها بقلة صبر "أين هى المريضة التى كانت فى غرفة رقم (...)هل رأيتها "
فردت الممرضة بهدوء ....لقد اخذها والدها وذهب
"متى "هتف بها غاضبا
" منذ دقائق "
ما ان نطقت كلماتها حتى ركض وجسده وكتفه يصطدم بمن يقابله حتى خرج من المشفى وصعد سيارته ....وأدار مفتاح السيارة وانطلق يبحث بعيناه عنها لعله يجدها قبل أن تبتعد ....يفكر ...كيف يجرو والدها على اخذها ...باى حق كيف تذهب هكذا و تتركه. ...لا لن يسمح لها
رواية عندما يعشق الرجل لشيماء محمد الفصل الثاني والعشرون

أغلقت باب الشقة بهدوء وادارت جسدها وعيناها تتأمل الشقة الجديدة التى انتقلت إليها ....رغم انها ستأخذ وقتا طويلا حتى تستطيع التعود عليها لكن أهم شى الآن انها بدأت أول خطواتها نحو الاستقلال والاعتماد على ذاتها فى توفير ما تحتاج إليه بعيدا عن سيف او أسامة ....تنهدت بقوة وخلعت معطفها الصوفى لتبدأ التنظيف ....الشقة التى استطاعت الحصول عليها ليست فى منطقة راقية مثل التى كانت تقطن بها فى المبنى السكنى لسيف ......ولا حتى بمثل حجمها واتساعها ولكن أجمل ما فى هذه الشقة انها تجد بها بعض الدف ربما بسبب صغر حجمها فهى تتكون من غرفة صغيرة للنوم وغرفة أخرى ستضع بها لوحاتها ...وصالة واسعة وحمام واحد ومطبخ صغير ....بدأت بتنظيف غرفة النوم ووضعت ملابسها بالخزانة التى لم تأخذ جميع الملابس فاضطرت لترك الباقى فى الحقائب .....بدأت بتغير ملاءة السرير وما كادت تنتهى حتى سمعت صوت دقات الباب ضيقت عيناها بشك فمن ممكن ان ياتى لها ....خرجت من الغرفة ثم توجهت حيث باب الشقة ...وفتحت الباب ....ظهر على وجهها الذهول وهى ترى السيدة نوال أمامها لكنها سرعان ما تغيرت ملامحها إلى سعادة.



- هل يمكننى أن أدخل ...قالتها نوال بابتسامتها العذبة المعتادة
فتحت دينا لها الباب سامحة لها بالدخول
-جميلة ...قالتها السيدة نوال ببشاشة
فظهرت ابتسامة على وجه دينا وقالت وهى تغلق الباب
-لماذا اتيتى
فعبس وجه السيدة نوال وقالت بدلال وود "إلا تريدننى ان أتى ....عندما علمت انك ستنتقلين إلى الشقة الجديدة اليوم ...أتيت لاساعدك....إلا تحتاجين مساعدتى "
ابتسمت دينا بحب لتلك المرأة التى أقل ما يقال عليها رائعة فقد استطاعت فى الأيام القليلة الفائتة تكوين صداقة متينة معها رغم فارق العمر الذى بينهما ....إلا ان السيدة نوال كانت تتصل بها باستمرار للاطمئنان عليها وكانت تتحدث معها عن أمور كثيرة تخص زوجها واحيانا اخرى عن أبنها الوحيد الذى شعرت من حديثها وكأنها تعرفه شخصيا .....وليلة أمس تحدثتا كثيرا واخبرتها دينا بانها ستنتقل إلى الشقة الجديدة غدا ...فاصرت السيدة نوال على معرفة العنوان فاخبرتها وها هى تفاجأت من رؤيتها أمامها اليوم ....انها سيدة رائعة رغم أنها احيانا تظهر وكأنها طفلة ولكنها متفهمة وعطوفة ....ربما عليها ان تشكر ماجد لأنه الشخص الذى جعلها تتعرف عليها ....



قطعت أفكارها السيدة نوال وهى تقول بانفعال وصرامة كاذبة "هل ستظلين تنظرين إلى هكذا طويلا ...هيا نبدأ بسرعة أيتها الكسول" تبع كلاماتها ابتسامتها المعتادة
فضحكت دينا "حسنا سيدتى كما تامرين "
فظهر امتعاض على وجه نوال وقالت بغضب "سيدتى هكذا سانزعج منك .....أمى أفضل "
فابتسمت دينا وهى تقول بعفوية "لا أعلم أشعر الأمر صعب من أن أتخيل واحدة من مظهرك الصغير هذا ام ....بل أشعر وكأنك صديقتى "
"حسنا نادينى نوال....طالما تشعرين بأننى أصغر "قالتها بسرعة ودارت بعيناها فى المكان وهى تقول "حسنا من أين نبدأ "



أخذت دينا نفسا عميقا ثم قالت بهدوء"لقد انتهيت من غرفة النوم ...ما رأيك سنقوم بتنظيف الغرفة الاخرى ثم نقوم بنقل هذه اللوحات إليها
اؤمات السيدة نوال رأسها موافقا وبدأ عملية التنظيف .....حتى انتهيا وبدان فى نقل اللوحات ....وما ان انتهيا من نقل اللوحات ...حتى قالت السيدة نوال وهى تجلس على أحد الكراسى الموجودة فى الغرفة "هل تحبين الرسم لهذه الدرجة ...اللوحات كثيرة "
اؤمات دينا براسها وهى تقول بسعادة "كثيرا ...انه الشئ الوحيد الذى يجعلنى سعيدة "



فنظرت إليها السيدة نوال وقالت بسعادة "هل يمكننى ان أرى "
ابتسمت دينا ابتسامة عريضة وبدأت فى رفع الأغطية عن اللوحات لتشاهدها.....ظهر على وجه السيدة نوال تعبير من الذهول والانبهار من جمال ما تراه من لوحات مرسومة بدقة واهتمام والألوان الرائعة
الممتزجة فى كل لوحة ....راقبت دينا تعابير وجه السيدة نوال بسعادة فاتتها الشجاعة حتى تريها المزيد من لوحاتها الخاصة للغاية ....
"من هذا "قالتها نوال باستفهام رغم أنها حاولت الا تظهر ضيقها وخوفها من رؤية سيف صديق ابنها أمامها وأين فى منزل حبيبة ابنها ....



"انه أحد اصدقائى لقد ساعدنى كثيرا ...فى وقت كنت احتاج فيه حقا للمساعدة ....انها شخص حنون وطيب للغاية "قالتها دينا بعفوية دون أن تشعر بنظرات السيدة نوال التى تغيرات لها
وضعت دينا اللوحة مكانها ثم نظرت إلى نوال بسعادة وهى تقول بسرعة "ما رأيك "
حاولت نوال ألا تظهر ضيقها وقالت بابتسامة كاذبة "رائعة حبيبتى "



ثم وجهت نظرها لعدد من اللوحات فى جانب من الغرفة لم ترها وقالت بهدوء "وماذا عن هذه اللوحات الأخرى ...لم ترينى إياها "
ظهر الارتباك على وجه دينا فعقدت السيدة نوال حاجبيها متسائلة ....حتى قالت دينا بسرعة "انها لوحات خاصة لكن ....لكن ...تعالى لتشاهديها "
بدأت دينا بسحب الغطاء عن لوحاتها الثلاث التى كانت فى جانب بعيد ومنعزل عن باقى اللوحات الأخرى وما ان راتهم السيدة نوال حتى فرغت فاها من الدهشة والإعجاب حاولت أن تكتم فرحتها المطلقة وهى ترى اللوحات لابنها أسامة واحدة وهو يرتدى ذى المدرسة عندما كان فى المرحلة الثانوية وأخرى ببذلة رسمية عقدت حاجبيها بانعقاد شديد تحاول تذكر متى كانت أول مرة ارتدى أسامة بذلة رسمية ويبدو صغيرا بها وجسده نحيف ......ظهرت السعادة على وجهها وهى تتذكر انه ارتداها أول مرة عندما كان فى سنته الرابعة بعد ان أقنع والده بضرورة بدء العمل معه وفعلا ذهب حينها خصيصا لشراء تلك البذلة وارتداها فى يومه الأول كانت رمادية اللون حتى انها تعجبت من شرائه واختياره لهذا اللون خصيصا ....ثم اتسعت ابتسامتها أكثر وهى ترى لوحة أخرى تبدو وكأنها حديثة لأسامة وربما عندما عاد إلى القاهرة بعد ان غاب لاكثر من سبعة اعوام وتغير جسده وظهرت خشونة وجهه الأسمر .....أخذت نفسا عميقا وهى تحاول ان تمنع دموعها من السقوط ....فقد بدأ ابنها متعبا حزينا ....ودينا عرفت كيف تظهر حزنه وشقاءه من خلال رسمتها ....لكن ألم يشعر قلبها به ام ان عيناها فقط من لاحظت ذلك .....نظرت إليها بود وشبه ابتسامة تظهر على ثغرها تتمنى لو دينا تسامح أسامة وتفتح قلبها وتستمع له ......فقط لو تستمع وتنسى ما مضى .....لكن هى ستفعل اى شى لتقرب الاثنان من بعضهما فهى احبتهاكثيرا وتتمناها حقا زوجة لابنها الوحيد ....لذلك ستعمل على هذا من الآن .....
ظهرت فكرة رائعة فى عقلها وقالت بسرعة "ما رأيك ان تستغلى موهبتك هذه "
ضمت شفتاها وقالت بابتسامة يحمل بعض التهكم "كيف "
فلمع وجه السيدة نوال وهى تقول بسعادة "انا لا أعرف كثيرا عن الفن والرسم وهكذا ....لكن يمكن أن نقوم بعمل معرض ونعرض هذه اللوحات بها "
عبس وجه دينا وقالت وهى تدير وجهها بعيدا عنها تحاول أن تخفى عبسها " لكن ...هذا الأمر لا ينجح ...انها مجرد هواية لدى "
فدنت نوال بضع خطوات منها ثم وقفت أمامها وهى تقول بإقناع " حتى وإن كانت مجرد موهبة ولكنها رائعة لماذا لا نستغلها ولن يضر الأمر شيئا ....سنختبر الأمر نجح فهذا جيد ان لم ينجح على الأقل حاولنا ...مع إننى أشك انه لن ينجح "
"لكن ...انا "قالتها بارتباك ورفض
اسكتتها نوال بسرعة وقالت "لا يوجد لكن سأقوم بأعداد كل شئ ...وسابحث عن مكان جيد ليكون به المعرض اعتبرينى مدير أعمالك وسأقوم بتدبر كل شئ لهذا المعرض ...لا تقلقى ...ثقى بى"قالت كلمتها الأخيرة برجاء غريب جعلت دينا تخفض رأسها بقلة حيلة ....فاتسعت ابتسامة السيدة نوال أكثر واخذتها بين أحضانها بسرعة وهى تقول بحب "لقد احببتك حقا "
فابتسمت دينا وردت بهدوء "وأنا أيضا احببتك "

ترجل من سيارته بسرعة والغضب يشتعل فى عيناه ووجه يوحى بالاجرام منذ ان أخبرته الممرضة فى المشفى انها رحلت .......توجه بخطوات سريعة نحو باب المنزل يحاول تهدئة نفسه ....ذهب إلى منزل سليم السيوفى لكن لم يجد أحد فوضع الآمال بأن تكون قد أتت إلى منزل عمها محمود ......سيتحدث معها وياخذها بعيدا ......ضغط على زر الجرس واصبعه لم يتحرك عنه .....حتى وجد الباب قد فتح والخادمة واقفة أمامه بوجه عابس ...فابعدها عنه بحدة ....وقال بقسوة "أين السيد سليم ...او السيد محمود....أين زوجتى " هتف بها بصوت عالى وهو لم يعد يستطيع ان يبدو هادئا أكثر من ذلك ...مما جعل كل من فى المنزل يخرج على صوته
"السيد سليم ليس هنا ...لكن السيد محمود هنا...."نطقتها بخوف حتى أتى محمود السيوفى بخطى سريعة وخلفه زوجته كوثر
"ماذا هناك يا حسام ....لماذا صوتك عالى "قالها محمود بهدوء يحاول فهم ما يحدث
"أين زوجتى ....أين بثينة " هتف بها بغضب
" تادب يا حسام وصوتك لا يعلو فى منزلى ....زوجتك بثينة فى المشفى ...كيف لا تعرف أين هى ...هى ليست موجودة هنا "قالها محمود بحدة
" أخاك ...السيد سليم أخذ زوجتى ولا أعرف أين هى ذهبت إلى منزله لم أجد أحد هناك ....أين هى زوجتى ...أين اخذتوها "قالها بصوت منكسر حزين ....ثم تابع بصوت منخفض ورجاء " ألا تعلم أين ذهب حقا يا عمى "
"لا يا بنى لا أعلم ...قالها موكدا ثم تابع بتساؤل "ربما تكون ذهبت إلى المنزل اذهب ستجدها "
فهز حسام رأسه نفيا بصمت ....فقال محمود بصوت منخفض "هل حدث بينكما شئ لياخذها والدها هكذا ...." قاطعه حسام بصوت عالى غاضب " أخبر أخاك ...إننى ساجدها ...ابنتى لن تبتعد عنى هل فهمتوا جميعا ما تتمنونه لن يحدث " قال كلماته وخرج ومحمود وزوجته واقفا بتصلب حتى أتت الحاجة فيريال قائلة بسرعة "ماذا هناك ...لما كان يصرخ حسام "
فحرك محمود يده بجهل ....ثم تحرك نحو الهاتف يحاول الاتصال بأخيه لعله يفهم منه اى شئ .....وأين يمكن ان يكون أخذ ابنته وذهب هكذا من دون ان يعلم أحد ....لكن وجد هاتفه مغلق ....فوضع الهاتف وهو يزفر بقوة .....



انتفض جسدها بذعر عندما استمعت إلى صوت الصراخ فى الطابق السفلى من المنزل ....ارتدت روب يستر جسدها وخرجت من الغرفة تراقب ما يحدث من دون ان يراها أحد على درجات السلم العليا .....استطاعت أن تفهم القليل مما قيل ....فعقدت حاجبيها وراسها يفكر عن ما يقال أمامها وهى تحاول تذكر هذا الوجه الذى هى متأكدة بأنها قد رأته ولكن عندما استمعت إلى اسم بثينة تذكرت فورا بأنه زوجها من يصرخ ....لكن لماذا يصرخ فى هذا الوقت المبكر .....نظرت إلى الساعة وتنهدت بقوة وهى تراها قد تخطت الثانية بعد الظهر .....وهو لم ياتى منذ ان صرخت به صباحا .....عقلها مشتت فهى لا تلومه هو فقط على ما حدث بل تلوم نفسها أيضا فهى من استجابت واستكانت له ....بل هى أيضا من دعته للاقتراب منها ....لكن كان يجب ان تضع اللوم عليه فكرة انها خضعت وأنها كانت بين يديه تجعلها تشعر بخوف ....فهى ما كانت ستستمر فى هذا الزواج .....لكنها أرادت شئ واحد من هذا الزواج طفل وكانت بعد ذلك ستتركه....ولكن هل مالك سيفعل ويسمح لها بالابتعاد .....تعلم انه عندما لم يطلب حقوقه منها ليس لانه ضعيف بل لأنه يحبها ....حب ....هل يوجد حب ...هل سيأخذ منها كل شى وبعد ذلك يتركها ...هل سيجعلها تتعلق به وبعد ذلك يتركها مثلما تركها الجميع .....نفضت أفكارها المضطربة عن رأسها واتجهت إلى الحمام فهى حقا تحتاج إلى أخذ حمام ساخن يساعدها على الاسترخاء والتفكير بعمق مما هى فيه ...

توقفت سيارته فى مكان بعيد .....لأكثر من سبع ساعات وهو يتحرك بسيارته فى الأنحاء ....حتى لم يعد يعرف أين أصبح ....ترجل منها ووقف وهو يراقب غروب الشمس بأعين شاردة حزينة ....لم يكن هذا ما تمناه ان يراه فى عيناها عندما استيقظت ....وخاصة انها هى من دعته ....هى من سحرته واغرته.....كان سينتظرها حتى تشعر بالاطمئنان معه .....حتى تشعر بحبه الذى باحت به عيناه وقلبه قبل شفتاه وهو يردد بشوق وحب جارف انه يحبها ليلة أمس ....فقد أصبحت اخيرا بين يديه ....لكن ....لكن هى... لم يعد يعرف هل تحبه ام تكره ....لم يعد يعرف ما شعورها نحوه .....أغلق عيناه بقوة وهو يحاول تهدئة نفسه ....سيصبر عليها أكثر ....فهو يحبها ....بل يعشقها ....
صعد لسيارته وهو يفكر ان عليه ان يخبرها انه يحبها بطريقته هو ....وأولها انه لن يحرم نفسه منها عليه ان يجعلها تشعر بحبه .....ترجل من سيارته و دلف إلى المنزل وجد والده جالسا وكأنه فى انتظاره ووالدته وجدته بجواره .....
"مساء الخير "قالها مالك بهدوء
"أين كنت كل هذا ...لقد اتصلت بالمكتب ...وقد اخبرتنى سكرتيرتك بأنك لم تأتى اليوم "سأله والده
فرد بارتباك" لقد كنت أنهى بعض الأمور "
فقال والده بسرعة "ألا تعرف أين عمك سليم ...هل رأيته "
عقد مالك بين حاجبيه بقوة وهو يقول بتساءل "لماذا هل حدث شئ ....فنظر إليه والده بقلة صبر فقال هو بهدوء " لا لم أره "
استمع والده لكلامه وابتعد عن مقعده وتركهم وعينا مالك عليه تنظر إليه بتساءل ....حتى قالت والدته "عمك سليم أخذ بثينة من دون علم زوجها ولا أحد يعلم أين هما ...لذلك اتصل والدك بك عدة مرات وجد الهاتف مغلق وكذلك بالمكتب وأخبره بعدم حضورك ...أعتقد بأنك ربما تعلم ....فزوج بثينة أتى إلى هنا وهو يصرخ وكاد ان يتشاجر مع والدك "
"ماذا كيف يجرؤ "هتف بها غاضبا
فقالت جدته محاولة تهدئة الأمور "حقه ...وسليم أخطاء باخذه لها من دون علم أحد هكذا ....حتى أن والدك لم يعرف ما الذى يجب ان يقوله لحسام ....اصعد انت إلى غرفتك لكى ترتاح "
لوى فمه بتهكم وهو يقول فى نفسه "راحة وهل ساجدها طالما انا متزوج ب ريم "
فتح باب الغرفة واول ما وقع عليه نظره هو السرير الذى كانت جالسة عليه ورفعت نظرها إليه بشر
أغلق الباب صافقابابه بقوة جعلها تنتفض فى مكانها وتوجه نحو الخزانة أخرج منها بيجامة .....و دلف إلى الحمام ....أخذت نفسا عميقا تحاول تهدئة أعصابها وتمد نفسها بالقوة والثبات وعدم الخضوع او الانصياع له .....
بعد دقائق خرج من الحمام مشط شعره ثم اقترب منها بثبات وجلس على السرير مقابلتها قائلا بهدوء "ريم أرجو ...أن تنظرى إلى لأن ما ساردده الآن لن أقوله مرة أخرى " فرفعت نظرها إليه تنتظر باقى حديثه
فتابع بهدوء وهو يقترب أكثر منها وأمسك بيديها لكنها سرعان ما أبعدت يديه عنها فزفر بقوة وقال "ريم أنتى الآن زوجتى شرعا وقانونا.....انا لم اتزوجك لأننى أعجبت او سحرت بجمالك فقط ...انا تزوجتك لأن هذا نبض عندما راك أول مرة وكاد ان يخرج من مكانه ...قالها وهو يضع يده على قلبه ....لأننى احببتك ...رأيت بك زوجة وأما لاطفالى رأيت بك المرأة التى ستساندى وتقف بجوارى وستمدنى بالقوة ....رغم انها لا تعلم بأنها هى نقطة قوتى. ...ريم أرجوك احبينى. ..أعطى نفسك ولو فرصة واحدة لتشعرى بى واحبينى.....اجعليه يشعر بى....قال كلمته وهو يشير بيديه ناحية قلبها ....فجلس قبالتها حتى لم يعد يفصل بينهما إلا انشا واحدا وأمسك بوجهها بين يديه يقربها منه يقول بحنان وحب ورجاء " اتركى العقل هذا جانبا عندما تكونين معى وبين يدى ...اجعلى قلبك هو ما يشعر بى فقط عندما المسك ....كنى حبيبتى وزوجتى. ....ريم أنا أحبك .....بل أقسم إننى أعشقك "قالها وهو يتأوه من الالم الذى يشعر به فى قلبه ....
ثم تابع بصوت قد ذاب عشقا وهو ينظر إلى عيناها "ما كنت أومن بالعيون وسحرها حتى دهتنى فى الهوى عيناك " قالها مقبلا إياها بشغف ....شعرت بنفسها وكأنها قطعة من الشوكولا ذابت من كلماته التى جعلتها كالمغيبة و تمسكت بنصيحته وابعدت عقلها جانبا وتركت قلبها هو فقط من يتحدث ....

ظل ينظر لوالدته بتمعن وهى تجلس قبالته وراسها منخفض وتفرك فى يديها كالتلميذ الذى على وشك ان يطلب من والده شيئا ولكنه يشعر بالخجل او خائف من رفض والده لطلبه ....أخذ نفسا عميقا ثم زفره بهدوء وهو يهز رجلاه علامة على قلة صبره .....حتى هتف اسامة أخيرا بنبرة هادئة "ماذا تريدين يا أمى لماذا أشعر انك خائفة من التحدث "
فرفعت نوال رأسها و هى تنظر إليه بتردد حتى قالت بهدوء وهى تشير بعقلة اصبعها"هناك طلب صغير للغاية أريده منك "
فضيق عيناه وهو ينظر اليها ثم تابعت وهى تجلس بجواره بسرعة مما جعله يتفاجى من جلوسها قربه
" وأيضا أريد مساعدتك ....أريد ان تجد لى مكان جيد لاستخدامه للمشروع الذى أخطط له وأيضا أحتاج مبلغا من المال ....كما أريدك أن تكون الراعى لمشروعى "
رفع أحد حاجبيه وهو يستمع لوالدته حتى قال بخفوت " مشروع اى مشروع "
فابتسمت وقالت " مشروع خاص بى. ...بل أقصد انه سيكون لى شريك أيضا "
أخذ نفسا عميقا وهو يغلق عيناه فرغم حبه لوالدته إلا انه فى غنى عن التفاهات التى تقولها فقال بهدوء "نحن لا نحتاج إلى اى مشروع أو اى عمل من جانبك ...نحن نملك ما يكفينا كما إننى اتابع الشركة وهى بأفضل حال وسأقوم أيضا بتكبيرها أكثر ..."
"أعلم " قالتها بسرعة ثم تابعت" لكن انا أحتاج أن اعمل ....أن أشغل وقتى منذ وفاة والدك وأنا وحيدة لذلك سأقوم بفعل شئ أحبه "قالتها برجاء
فنظر إليها بتفحص وملامح الحزن مرتسمة على وجه والدته يعلم انه مقصر للغاية من ناحيتها لكن ماذا يفعل لديه مائة شىء يشغل تفكيره ...واوله دينا ورحيلها الذى لم يعلم به غير اليوم ....فقال بهدوء
" حسنا....المكان ساجعل مساعدى يريك أماكن كثيرة وتستطيعى الاختيار منها ما تشائين والمال خذى ما تريدينه "
اتسعت ابتسامتها ونظرت إليه بحنان ثم خرجت من الغرفة ....وما ان خرجت حتى جلس بتثاقل على كرسى مكتبه شارد حزين ....وهو يفكر بمن سلبت قلبه منذ ان كان مراهقا أحبها ولم يستطع نسيانها .....لكنها لم ولن تغفر له .....كم يتمنى أن يركض إليها وينام على صدرها لكى يشعر ببعض الأمان والاحتواء منها ...فقط لو تعطيه فرصة ....لكنها رحلت وهو لا يعلم أين ذهبت ....لكنه قام بوضع شخصا ما للبحث عنها ....



جحظتا عيناها حتى كادتا ان تخرجان من مقلتيها من هول ما ترى ....وكأن عاصفة قد اجتاحت جسدها وجعلتها صنما فى مكانها منعتها التحرك.....حتى شعرت فجأة بالضوء الذى انتشر فى الغرفة بعد ان كانت معتمة .....واخاها يقف بطوله أمامها .....يراها وهى تمسك بين يديها الأوراق التى جعلها فضولها لتراه وياليتها لم ترى .....كان فى الملف صورة لفتاة قريبة الشبه منها بل هى نسخة طبق الأصل منها .....وتحمل اسم ....نور ياسين المنشاوي .....هل تزوج ياسين وايضا أنجب فتاة ....الصدمة جعلتها تشعر وكان أفكارها قد شلت مثلما شل جسدها ولم يعد يستطيع الحركة ....رفعت نظرها إلى أخيها بعد ان سقطت جالسة على الأرض مما رأته .....رأت تعبير غريب ارتسم على وجه أخيها مارسيل لا تعرف كيف تصفه ولكنه سرعان ما تغيرت تلك النظرات ونظر إليها بأسى وحزن غريب " أوه ....يا روز ...لم أكن أتمنى أن ترى كل ذلك ...لقد حاولت إخفاء كل ذلك عنك حتى لا تحزنى "قالها بخبث لم تشعر به أخته وبداخله يهتف ويعلو صوته بانتصار .... واخيرا قد وقع الفأر فى المصيدة ....أخته قد وقعت فى المصيدة التى وضعها لها ....وقد حان الوقت لكى يستفيد من كل شى وأى شئ حتى يستطيع الوصول إلى مايريده ....يجب أن يكسب روز فى صفه .....لذا عليه ان يدس فى رأسها ما يريده فقط ما يحتاج إليه لكى تعرفه أخته فقط .....
بلعت ريقها خائفة من أن تنطق فتصدم أكثر خائفة مما سيقله لها أخيها ....نظرت إليه برجاء لكى لا يتحدث بما لا تريد سماعه ....حتى قال بصوت ضعيف يملأه الحزن " حبيبتى. ..انا حقا حزين من أجلك ...لقد تفاجأت بالأمر مثلك تماما منذ بضعة ايام ....ثم نظر إليها وتابع وهو ينظر اليها يتفحص تعابير وجهها المنذهلة. ....هل تتذكرين الفتاة التى رأيتها منذ فترة فى مكتبى ...عندما راتك قالت لى انك تشبهين فتاة قد رأتها من قبل لم أهتم بالأمر ...لم أعلم ما الذى تقصده ....ولكن عندما عادت إلى بلدها أرسلت لى هذه الأوراق ....وقد صدمت مثلك تماما ان طليق أختى لديه فتاة تشبه أختى ....ثم مال عليها وأمسك ذراعها وساندها حتى اجلسها على الأريكة وهو يتفحص وجهها وفى داخله خوف من ما ستستمع له لكنه لم يتوانى عن أخبارها بالمزيد فتابع " لقد علمت انها ابنتك ....ابنتك لم تمت يا روز ...ياسين كذب على الجميع واخذها ورحل ....وقد ساعده فى ذلك أصدقاءه ....أصدقاءه الذين ساعدتيهم واعتبرتيهم أخوة لك أكثر منى ....انظرى ماذا فعلوا لك لقد أخذوا ابنتك وكذبوا عليك بخبر وفاتها ....ياسين لم يحبك يوما لم يتمسك بك ....لقد تركك لأنه لم يرد الاستمرار معك ....وأخذ ابنتك وتربت بعيدا عنك ....

" لم تعد تستمع لكلماته وكلمة واحدة تتردد فى اذنها "ابنتك لم تمت ....ياسين "
شعرت بدوامة تحتاج رأسها فوضعت يديها على اذنها تحاول ألا تستمع إلى المزيد لكن الصوت لم يتوقف عن ترديد كلمته "ابنتك لم تمت " فصرخت بقوة حتى تهاوى جسدها وكادت تسقط لولا أن امسكها أخيها وأتت والدته تصرخ وهى ترى ابنتها هكذا فقال مارسيل بسرعة " لا تخافى ...اتصلى بالطبيب بسرعة يا أمى "
صعد بها إلى غرفتها ووضعها على السرير ....وهو ينظر اليها بحزن ....فهو يعلم انه قد اذاها باخبارها بكل هذا ....لكن كان يجب عليه ان يخبرها بأمر ابنتها من دون ان تكرهه هو ....وأيضا من دون ان يفقد وقوفها بجواره إذا احتاج إليها ....لأنها لو علمت بكل ما فعله سابقا انه سبب رحيل ياسين وايضا كان يعلم منذ البداية ان الصغيرة لم تمت ....لفقد كل شى ...أخته لديها سلطة مثله تماما فى الشركة رغم أنها كانت تملك سلطة أكبر منه.....لكنه مع مرر الوقت بدأ يبعد سيطرتها عن كثير من الأمور الخاصة بالشركة مستغلا حزنها وتفكيرها الدائم ب ياسين ....
أتى الطبيب وأعطاها حقنة مهدءة .....مع ضرورة ان ترتاح وتسترخى أعصابها



"حسنا انا موافق على الزواج ....لكن أنتظر على الأقل حتى يمر مدة على وفاة عمك ....وبعد ذلك سنقوم بأعداد حفل زفاف لائق لكما " قالها الحاج عزيز لابنه الجالس قبالته
"لكن يا أبى لماذا نتاخر....عمى وقد قارب على وفاته أربعون يوما ...إذا لا تقلق ...أما بالنسبة إلى الزفاف ...فلا داعى له ...نعقد القرآن وهذا يكفى "
رفع الحاج عزيز حاجبه مفكرا ثم قال بهدوء " لكن الفتاة ..."
فقاطعه ابنه رابح بسرعة " ماذا يا أبى هذا أفضل ....ساتزوج ابنة عمى لأنى الأولى بها كما إننى ساحافظ عليها أكثر من اى شخص لذا لا داعى لأى زفاف ....سنقوم بعقد القرآن بعد عشرة ايام بالتمام وهكذا يكون قد مر على وفاة عمى أربعون يوما ....وأيضا لكى نحافظ عليها وعلى اموالها من اى طامع يطمع بها ...ما رايك "
فاؤما الحاج عزيز رأسه موافقا وقال بهدوء " حسنا ...عندك حق "

ركضت مسرعة نحو الحمام محاولة ان تمنع نفسها من التقيا على أرضية غرفة النوم ...وما ان وصلت حتى أخرجت كل ما فى جوفها ....تحركت مبتعدة ما ان انتهت ثم وقفت أمام الحوض الصغير وغسلت وجهها ويديها ثم خرج وهى تضع يديها على جبهتها تحاول أن تجمع قوتها .....فشهقت بقوة وهى ترى شيف أمامها ينظر اليها بتفحص ...لكنها سرعان ما رسمت على وجهها الهدوء واتجهت حيث السرير فهى تشعر ببرد فظيع يجتاح جسدها .....اقترب منها بخطوات سريعة ثم وقف فوقها وهو يقول بهدوء وتفحص " ماذا بك "
فبلعت ريقها وقالت " أشعر بأن جسدى منهك ومتعب "
فرد بسرعة " هل أحضر لك الطبيب "
" لا " قالتها بفزع
فرفع أحد حاجبيه " لا ...لماذا ...الست مريضة "
" نعم ..لكنى سأكون بخير عندما أرتاح " قالتها بارتباك
فرفع يديه وهو يحمل كيسا بلاستيكيا صغيرا ووضعه على الكومود بجوارها وقال بهدوء " خذى أظن انك تحبينه ....فنظر إليها بنصف عين وقال بعد ان أشاح بوجهه عنها ....انه بسكويت مملح "
ثم أخفض رأسه إليها مقتربا من وجهها وعيناها تهتزان برعب فهى لا تستطيع ان تتحمل أكثر قربه منها ....شعرت بقشعريرة تسرى فى جسدها وهو يقبلها عند أرنبة أنفها ثم ابتعد ناحية الحمام ....انكمشت فى مكانها وهى لا تعلم هل تخبره بأمر حملها ام لا ......
دلف إلى الحمام وهو يزفر بارهاق اليوم كان متعبا له للغاية وقف بجسده تحت الدش بعد ان خلع عنه ملابسه وهو يتذكر اليوم بمشاكله التى أتت متتابعة ....أولها عندما أرسلت دينا مفتاح شقتها إليه وهى تنقل اشياءها إلى الشقة التى ستمكث فيها منذ الآن .....فقام بجعل ماجد يرسل المفتاح إلى أسامة ويفهمه ما حدث ....وبعد ذلك كانت المشكلة الكبرى عندما علم بسفر جده منذ ثلاثة ايام وهو لم يكن على علم بسفره حتى أنه لم يستطع أن يعرف أين ذهب.....أما الشركة الرئيسية فجعل أمر شؤونها لمساعده ليكون مسئول عن توقيع الأوراق الخاصة باى صفقة ....مرر يديه على وجهه وهو يفكر فيما أكبر من هذا كله .....زوجته حامل ...وهى لم تخبره .....سيكون كاذبا ان قال انه لم يكن يعلم ....انه يعلم منذ ان شك بتعبها وتقياها وحتى نومها وشك اكثر عندما ذهبت إلى معمل التحاليل ....فذهب بنفسه واستطاع الحصول على نتائج الإختبار .....وحينها هو قد صعق حقا ....حاول ان يقترب منها حتى تخبره لكنها لم تتكلم شك بأنها ربما قد تكون تضمر شيئا وتقوم بإجهاض الطفل دون علمه ....لكنه نهر نفسه بسرعة وهو يقول ....لماذا ستفعل هذا ....فتغيرت ملامحه ....ربما هى ما زالت تكرهه وقلبها ما زال يتزكر ما فعله بها ليلة الزفاف ....لكن لم يكن بيده ....لقد كان مرغما على الزواج وتزوج فقط لإرضاء جده .....لكن الآن ....الآن هى زوجته حقا ....وهو لن يتركها ....ويريدها ويريد الطفل ....لن يخبرها بأنه يعلم ....حتى تخبره هى بنفسها. ...وحينها سيعلم لماذا تخفى عنه خبر حملها .....
أنهى استحمامه وخرج من الحمام ....واقترب من السرير منزلقا بجانبها ثم وضع يده حول خصرها وقربها منه بتملك ....شعرت بان معدتها تتلوى من قربه فهى حقا شتاق للمسته لها ....قربها أكثر ثم قرب أنفه من عنقها مستنشقا عطرها مطولا وهو يشعر وكأنه مغيب ....ثم قال بانفاس لاهثة منخفضة " أقسم إننى اعرف هذه الرائحة "
أغلقت عيناها بقوة تحاول إلا تلتفت له وهى تشعر بأنفاسه قرب عنقها ....ثم نامت على لمساته وهو يمسد شعرها ويخلل خصلاته السوداء بين يديه ....



دلفت إلى المطعم ورائحة عطرها وصوت كعب حذاءها العالى يسبقها ....حتى جلست على الطاولة الذى كان يجلس عليها شخصا ما وما ان راءها أمامه حتى انفجرت اساريره ونظر إليها بجرأة ....
"مرحبا .....كيف هى الأخبار " قالتها علا بتركيز وبدأت فى فتح علبة سجاءرها فوضعت إحداها فى فمها واشعلتها بقدحتها الذهبية ثم نفثت دخانها باستمتاع منتظرة كلام الجالس قبالتها
" لقد سافر سليمان الحسينى منذ ثلاثة ايام ...وأظن انه قد حان الوقت ويجب أن نستغل غيابه ....جعلنى المسؤول بعد غيابه ....لذلك يمكننى أن أجمع جميع المستثمرين وأصحاب الأسهم فى اى وقت تريدينه "
أخذت نفسا مطولا من سيجارتها ثم قالت " متى تستطيع ان تجمعهم "
فرد بهدوء " فى اى وقت تريدينه "
"حسنا اجعله غدا " قالتها بمكر
" كما تريدين ....ثم تابع بتردد ...لكن كما تعلمين ...انا هكذا أخسر منصبى....و
فقاطعته بسرعة " لا تقلق ستحصل على ما تريده كما انك ستظل فى منصبك. ...لكن فقط سنقوم بأبعاد عائلة الحسينى من أمامنا وبعد ذلك سنكون نحن المسؤولون عنها "
فحرك رأسه بسعادة ....وتحرك مبتعدا عن الطاولة وتركها وهى تقول بابتسامة ماكرة " لقد قارب الأسد على الوقوع وحينها ستاتى إلى راكعا. ...فلست علا من تترك ...يا سيف ....علا ستجعلك خاتما فى اصبعها. ...قريبا جدا "



تحركت ببط من على السرير من دون ان تشعر بها عمتها وانزلقت مبتعدة عنها .....ودنت من الخزانة أخرجت منها شالا صوفيا كبيرا وضعته على رأسها وغطت نصف جسدها به ....فقد كان ما ترتديه ثوب طويل ذو قماش خفيف .....فقام ذلك الشال بتغطية نصف جسدها ....خرجت من الغرفة ببط وأغلقت بابها بهدوء من دون ان يشعر بها أحد ...فجميع من فى المنزل نيام ....خرجت من باب المنزل الكبير ومن ثم من البوابة الكبيرة التى كان حارسها نائما هو الأخرى فتحت البوابة وخرجت ....وحول المنزل يعمه السكون التام إلا من صوت نسمات الهواء وصوت أوراق الشجر التى تتحرك من شدة الهواء .....ظلت تمشى بقدميها إلى أن توقفت أمام نهر أغمضت عيناها بقوة ....وهى تشعر بنسمات الهواء تجتاز جسدها مما أسرت بها بعض القشعريرة والبرودة جعلتها ترتجف فاحكمت الشال عليها أكثر ....نظرت إلى المياه وتلاطمها المستمر بفعل الهواء ....ظلت تتحرك بقدميها على شاطئ النهر بشرود .....كانت شاردة لدرجة أنها لم تشعر بالشخص الذى يتتبعها منذ ان خرجت من المنزل ..... كان حازم يقف بسيارته على بعد مسافة ليست بكبيرة عن منزل عمها .....فمنذ أن أخبره مساعد والده بمكان سكن عمها وهو قد أنطلق بسيارته حتى وقف على بعد مسافة من المنزل ....ظل يراقب نوافذ وشرف المنزل الكبير لكنه لم يلمح حتى طيفها....ظل واقفا فى المكان حتى أنه كاد أن يصيبه الإحباط من الانتظار عندما وجد الساعة قد تجاوزت الثالثة .....فارجع مقعد سيارته للخلف محاولا جعل جسده وعقله يسترخيان قليلا حتى يعلم ما الذى يجب ان يفعله حتى ينقذها ممن يطمع بها .....أخذ نفسا عميقا ثم زفره بقوة .....وهو يشعر بأنه يكاد يجن وهى لا تبعد عنه إلا القليل ولكنه لا يستطيع الاقتراب منها .....أغلق عيناه بهدوء يحاول أن يمد نفسه بالقوة وما كاد يفتحها حتى وجد أمامه جسد ملشح بالسواد ....لا يعلم شعر بنبضات قلبه السريعة و شيئا ما اخبره بأنها ربما تكون هى ....تتبعها بهدوء وها هو يسير ورائها لأكثر من ربع ساعة .....يتمنى لو يستطيع أن يلف جسدها إليه لتراه ..ليأخذها بين احضانه ويسقطها بوابل من القبلات حتى يريحها ويريح نفسه التى تتعذب من بعدها عنه ....لكن باى صفة وفوق كل هذا هل ستسمح له .....تألم عندما وجدها قد سقطت بجسدها وهى تبكى بحرقة وألم إنها المرة الثانية التى يراها بها هكذا منهارة وضعيفة .....لو يستطيع الاقتراب ....لو يستطيع حتى أن يربت على ظهرها وياخذها بين احضانه ليطمانها .....لو ...لو ...جميعها امانى خاصة بها فقط ....امانى لا يعلم هل ستسمح له الأقدار ويحقهها ...ام أنها ستظل بعيدة عنه كل هذا البعد ....أغلق عيناه وقلبه يبكى على حزنها وهو يستمع لصوت نحيبها الذى لم تحاول كتمه بل صرخت بقوة جعلته يشعر بالغضب والحزن عليه وعليها .....
حتى صمتت تماما بعد ان صرخت حتى باح صوتها ....ونهضت من مكانها نفضت الغبار عن ملابسها واحكمت الشال على رأسها وجسدها ووقفت بثبات وهى مستعدة للرجوع .....عندما راءها على وشك التحرك ...ابتعد بسرعة حتى لا تراه ...وفضل ان يراقبها حتى يطمئن بأنها داخل المنزل
ركض خالد خارج المنزل يبحث عنها فى هذه الساعة المتأخرة بعد أن أخبرته والدته انها استيقظت ولم تجد نور بجوارها ....ظل ينظر فى الأرجاء بجنون ...خائف من أن تكون قد هربت وتركت المنزل ...خائف عليها وكيف لا وهى ابنة خاله ...ابنة الرجل الذى كان يقف بجواره فى الوقت الذى أحتاج فيه إلى والد ليمده بالقوة ...ولولاه بعد الله ما كان هو ولا كان أخاه .......ظل يبحث ويبحث حتى وجد قدماه تتجه به ناحية النهر .....وشعر اخيرا بأنه يستطيع أن يأخذ أنفاسه عندما لمحها من بعيد ....ولكنه سرعان ما ظهر على وجهه الغضب عندما لمح شخص يتتبعها .....لم يستطع تبين ملامحه ....لكنه لم يهتم للأمر كثيرا ....وركض إليها وهو يقول بغضب لم يستطع اخفاءه "أين كنتى وكيف تخرجين فى هذا الوقت المتأخر هل جننتى "

اخفضت من رأسها واهدابها بخوف وحزن وقالت بصوت ضعيف مبحوح " آسفة "
لأم نفسه لسرعة غضبه ولكنه قال بهدوء " حسنا هيا بنا وتحركى أمامى "
سارت أمامه حتى وصلا للمنزل ودلفت إليه ....لكن خالد وقف أمام البوابة الكبيرة ينظر فى الأرجاء بعيناه حتى رأى سيارة تصطف بعيدا عن المنزل .....
فايقظ الحارس النائم بصوت عالى غاضب " استيقظ ....وكن منتبه "
انتفض الحارس من صوته ووضع يديه بسرعة على رأسه قائلا بخضوع وصوت ضعيف متعب "امرك سيدى "
دلف إلى المنزل بعد ان رمق الحارس بحدة وعيناه تلتفت فى المكان يحاول ان يرى ذلك الرجل الذى اختفى من أمامه ما ان راءه
دلفت إلى الغرفة وتفاجات بعمتها تأخذها بين أحضانها بسرعة وهى تقول بقلق "أين كنت حبيبتى ...كيف تخرجين بدون أخبارى يا نور "
"آسفة "قالتها نور بصوت ضعيف
لكن الحاجة هيام ربتت على ظهرها وهى تسير بها نحو السرير وهى تقول بهدوء وتبعد الشال عن نور "ملابسك خفيفة لماذا لم ترتدى شيئا ثقيلا الجو بارد حبيبتى "
ابتسمت نور شبه ابتسامة لها فتابعت بتساول ونبرة حنونة " لماذا خرجتى "
" لقد كنت أحتاج ان أكون بمفردى ...لا تقلفى لن اتركك " ردت بها نور بحزن
فأخذتها الحاجة هيام إلى أحضانها مرة أخرى وقالت بابتسامة " عندما تريدين الخروج اخبرينى وأنا سارافقك وساقف من بعيد حتى تستطيعى ان تكونى بمفردك "
اؤمات براسها موافقة ثم فردت جسدها على السرير تحاول أن تنعم ببعض النوم واحلام خالية من الكوابيس ....حقا أنها تتمنى ذلك .....وجلست الحاجة هيام بجوارها وهى تمسد بيديها على رأسها وجسدها حتى سمعت صوت أنفاسها دليل على نومها .....فدثرتها جيدا ثم خرجت من الغرفة متوجهة حيث غرفة ابنها ....دلفت إلى غرفة خالد وجدته فاردا جسده على السرير ولكنه ما ان راءها حتى هم جالسا وهو يستقبلها بابتسامة دافئة......جلست قبالته
فقال بهدوء " أمى أعلم انى اتعبك ....لكن فلتهتمى بها أكثر و حاولى التقرب منها ...حتى تخرج من حزنها هذا "
"أنا أفعل ...أحاول التقرب منها حتى تستطيع الاستمرار بعد وفاة والدها ...لكنها منطوية على ذاتها للغاية "قالتها بحزن
" أعلم "
"خالد "نادته والدته فرفع نظره إليها فوجد فى عيناها رجاء قبل أن تنبس ببنت شفه
فقالت بهدوء" ما رأيك أن تتزوجها انها فتاة رائعة....كما أشعر بأن خالك عزيز يخطط ل
لشيئا ما عنا ...بزواجك من نور هكذا نستطيع الحفاظ عليها "
"لكن ...يا أمى "

قاطعته والدته بسرعة وهى تتحرك مبتعدة عنه وتقول بهدوء " فكر ...وأقسم انك لن تجد مثلها " وربتت على ظهره وخرجت من الغرفة ...فوضع وجهه بين يديه بحيرة ...هل يفعل ما تطلبه والدته وهكذا ....يعطى لخاله ولو قليلا مما فعله معه ومع وليد ....بأن يتزوجها ويحميها من خاله ...الذى بالتأكيد سيطمع بها
جلس فى سيارته والنار تكاد تتاجج به وعيناه تنذر بالشر ...عندما رأى ذلك الشخص يقترب منها وياخذها معه ويذهب ....ضرب مقود السيارة بيديه بقوة وهو يصر على أسنانه من الغضب .....من يكون هذا الشئ هو الآخر ....لكن ما الذى ستفعله يا حازم هل ستتركها هذه المرة مثلما تركتها سابقا ...لا وألف لا لن تكون لغيرى. ...قالها بإصرار فى نفسه
رواية عندما يعشق الرجل لشيماء محمد الفصل الثالث والعشرون

الجزء الأول

انكمشت بجسدها وهى تلف الغطاء على جسدها بأحكام ...وجسدها يرتجف من برودة الطقس لهذا اليوم ....لدرجة أن أطرافها تكاد تتجمد من الانخفاض الشديد لدرجة الحرارة ....."عليها أن تشترى مدفأة غدا "قالتها دينا فى نفسها .....فيبدو رغم صغر الشقة إلا أنها باردة ولا يوجد دف بين ارجاءها.....تحركت ببط من على السرير وجلست على أحد جانبى السرير و أنزلت رجليها على ارضية الغرفة ....وضعت يديها بسرعة على كتفيها ما ان شعرت بالبرد يجتاح جسدها...

ابتعدت عن السرير و مدت كفها نحو الكرسى الموجود فى الغرفة وسحبت كنزة صوفية ....ارتدتها و خرجت من الغرفة متوجهة حيث مطبخها الصغير ...أعدت كوب كبير من القهوة بالحليب وما ان انتهت حتى سمعت صوت يعبر عن انقطاع الكهرباء فاتسعت عيناها بذعر وظهر الضيق على ملامحها...انها تكره الظلام مثلما تكره الوحدة "لقد بدأت البشائر !" قالتها فى نفسها بضجر فيبدو انها ستجد من هذه الليالى المظلمة كثيرا ....خرجت من المطبخ وهى تحمل بين يديها كوبها الساخن بيد وباليد الاخرى تتحسس الجدار حتى وصلت الى النافذةالكبيرة فتحتها... ابتسمت بسعادة ما ان رأت النجوم الصغيرة فى السماء لتزيد السماء جمالا وتدخل قليل من الضوء الى شقتها .... قربت طرف الكوب الى شفتاها فأصدرت همهمة خفيفة تعبر عن سعادتها من مذاق قهوتها الرائعة...فهى بحاجة إليه بشدة فى هذا الجو البارد ليسرى بعض الدف فى جسدها... سحبت كرسى نحو النافذة وجلست عليه وهى ترتشف من كوب قهوتها .....اجفلت بسرعة واتسعت عيناها من الصوت الصادر من الهاتف وضعت يديها على قلبها الذى ازدادت دقاته .....وعقدت حاجبيها .....من يمكن قد يكون المتصل بها الآن ؟!!.....تحركت مبتعدة عن السرير وهى تتبع صوت الهاتف فهى لا تتذكر حتى أين وضعته ....وصوت الرنين يأبى التوقف ....تنهدت بقوة وابتسمت ما ان وصلت إليه ....عقدت حاجبيها بدهشة ....وعيناها تلتقط رقم غريب على شاشة هاتفها ....لثوانى رفضت الرد ....لكنها سرعان ما خذلتها أصابعها وضغضت على زر الموافقة .....وضعت سماعة هاتفها المحمول على إحدى اذنيها .



"مرحبا " قالتها بصوت حاولت أن يكون هادئا إلا انه خرج ناعما منها ....فتاوه المتصل وانفاسه تخرج متقطعة ....رفعت أحدى حاجبيها بتعجب ....وهى تنتظر ان يجيب أحد ....لكن ما من مجيب .....
" مرحبا!! ....من المتصل ؟!...لكنها لم تجد غير الصمت وصوت أنفاس فقط ....فقالت بقلة صبر وغضب " إن لم تجب ساغلق الهاتف .....حقا لا أعلم من هذا الوقح الذى يتصل على أحد ما فى هذا الوقت !!...بالطبع فامثالكم لا يوجد وراءهم شئ "قالت كلماتها بسرعة ....وما كادت تبعد الهاتف عن اذنيها حتى سمعت صوته ......الذى جعل قلبها يكاد يخرج من مكانه ....انه هو ....نعم هو .....



" دينا " قالها بشوق وحرقة..... شعرت بصدمة ما ان سمعت اسمها من فمه بلعت ريقها بصعوبة محاولة ان تبدو ثابتة ولا تسقط على الأرض .....لماذا هى متفاجاة هكذا بسماع صوته ....
" دينا ...دينا أنا أسامة أرجوك لا تغلقى الهاتف " قالها برجاء وهو يشعر بصمتها خائف من أن تغلق الهاتف وتمنعه من أن يخبرها بشوقه إليها ....يخبرها انه لا يستطيع الابتعاد عنها ....
أغلقت عيناها بقوة تنتظر باقى كلامه ....ما ان وجد صمتها حتى تابع بصوت متهدج حزين
" اشتقت إليك ....أعطيني فرصة
وسامحينى.....سامحى خطاى و...وبعدى عنك ....سامحى حماقتى لتركك.....اغفرى لى ...واعطينى فرصة ...فرصة واحدة فقط ....انا ما زلت أحبك ....انسى كل شى ....انسى بعدى عنك ....انسى إننى .....اننى تركتك.....لقد أخطأت ولكن لم يكن بيدى" .....احترقت عيناها من الدموع التى امتلأت بها وضعت يدها على فمها تحاول كتم شهقاتها من ان يسمعها ....صمتت.....اسامح وانسى ....كيف؟! ....وهل الغفران يطلب!! .....
" دينا ...أنا ما زلت أحبك ....دينا " قال كلماته بحشرجة حتى قاطعته بغضب وألم



" كفى .....كفى أرجوك ....ابتعد عنى ...يكفينى ألما ....أرجوك " هتفت بكلماتها وأغلقت هاتفها من دون ان تنتظر إجابته ..... وضعت الهاتف على الطاولة تحاول السيطرة على اهتزازة يديها وقدميها من السقوط على الأرض ....حتى جلست على أقرب كرسى ....دفنت وجهها بين يديها واجهشت بالبكاء وجسدها يهتز بشدة ....لم ترفع عيناها إلا عندما شعرت بدف أشعة الشمس التى عبرت عبر النافذة المفتوحة والتى رافقتها نسمات هواء باردة .....لقد ظلت جالسة على الكرسى حتى انها أغلقت عيناها لا تعلم لمتى بعد ان بكت .....تحركت بتعب مبتعدة عن الكرسى ....وظهرها يؤلمها من جلستها تلك ....تحركت نحو الحمام ....أبعدت ثيابها عنها وسقطت بجسدها تحت مياه الدش .....حاولت ألا تفكر به ...ولا بكلماته لها .....لكنها ظلت تردد فى اذنيها وراسها كصدى الصوت .."ما زلت أحبك !!" لقد عاد لأنه علم أنه عندما يعود سيجدها. ....وأنها فى النهاية لن تذهب لغيره .....



نظرت إلى المرآة وهى تبعد المياه عن وجهها واقتربت من المرآة قربت يدها ومسحت بها تكثف البخار عليها ..
" ثلاثة وثلاثون عاما ...هل أصبح لديك وقت لكى تبداءى من جديد!؟ .....لقد ضاع منك الكثير انتى لست بصغيرة. ....فقط لو كان يحبك ....فقط لو أحبك بصدق ....لما تركك كل هذا الوقت وبعد ذلك يعود .....عاد طالبا السماح .....ولكنى بشر كيف اسامح من تركنى وذهب ...أول من كنت أحتاج إليه .....كم كنت أحتاج لضمه لى فى أوقات كثيرة ....كنت فى حاجة إلى من يمسح دمعى ويربت على ظهرى. ...أليس هذا هو الحب ....أليس الحب ان لا نترك من احبنا.....ألا نخذلهم. ...ولكنه تركنى وخذلنى إذا ماذا أفعل انا؟ ....هل أستطيع أن اسامح !!!"



تسللت خيوط أشعة الشمس إلى الغرفة مما ايقظها.....أزاحت الغطاء عنها ووضعت رجليها على الأرض ....لكنها سرعان ما شعرت بأن الأرض تدور بها فوضعت إحدى يديها على رأسها والأخرى كانت تستند بها على السرير .....لم تشعر بالجسد الذى ركض إليها ما ان راءها هكذا عندما لمحها وهو خارجا من الحمام
"اروى ....ماذا هناك !؟....هل تشعرين بشئ ؟؟" هتف بها سيف بلهفة وهو ينظر اليها بتفحص ويمسك رأسها بين يديه .... ادارت رأسها إليه وعيناها تلمعان بحب وهى تنظر إليه ....ارجعها بهدوء على السرير
ثم قالت بصوت متهدج "لا تقلق انا بخير "
نظر إليها بأعين ثاقبة يتمنى أن تنطق حتى تريحه من هذا العذاب ....تنهد بضعف ثم تحرك وانحنى إليها وشفتاه تطبع قبلة دافئة على جبهتها ثم عيناها وصولا إلى عنقها الذى استنشق رائحته مطولا ثم لثمها بقبلة على شفتاها جعلتها تشعر بأنها تطير فى السماء الواسعة ..... فتحت عيناها ببط تحاول أن تأخذ أنفاسها ما ان ابتعد فمه عن شفتاها .....نظرا إلى بعضهما لثوانى ثم أبتسم وهو يقول بحنان واهتمام وجدته بين عيناه " كنى بخير ...وتناولى طعامك بانتظام "
قالها ثم ابتعد عنها .....لم يعد يعرف ماهية شعوره نحوها لكن كل ما يعلمه انه لن يستطيع الاستغناء او الابتعاد عنها فهى أصبحت تحمل طفله ....فأصبح لديه هدف واحد هو ان يؤمن لطفله كل ما يحتاجه ....فهو لن يجعله يوما مثله ....لكن حقا هل سيتمكن من أن يكون أبا جيدا...ام انه من الممكن أن يكون نسخة مطابقة لوالده ....لا ...قالها فى نفسه موكدا ....انه سيبذل كل جهده حتى يمنح طفله ما لم يحصل عليه هو سيكون له أباه واخاه وصديقه.....



عدلت من جلستها على السرير وهى تراقب ارتدائه لملابسه. ....نظرت إلى أصابع يدها الموضوعة فى حجرها وهى تقول بصوت ضعيف مرتبك
" أريد أن اذهب إلى والدتى "
فالتفت بجسده إليها وهو يرمقها بقوة فتابعت بصوت مرتجف "انا لم اذهب إليها منذ ان تزوجنا.....أريد ان اذهب إليها ...أرجوك " قالتها برجاء وخوف وهى تنظر إلى عيناه المسلطة عليها بدون اى رد فعل ....ظل يتبادلان النظرات ....حتى قال بهدوء " حسنا يمكنك الذهب ...لكن لا تتاخرى "
ظهرت السعادة فى وجهها فقالت بابتسامة اذابت قلبه جعلته يتمنى لو يرفض ذهابها ويبقى بجوارها يتذوق من رحيق شفتاها الذى لم تجعله تلك القبلة يشبع منها او من قربها
ثم تابع بحزم " إياك ان تتاخرى يا اروى ...هل فهمتى " فاؤمات رأسها موكدة ...





دلفت إلى الغرفة مباشرة ما ان سمعت صوت محرك سيارته معلنا عن وصوله وما ان دلفت إلى الغرفة حتى بحثت بعيناها فى ارجاءها لكنها لم تجد له أثر غير سترته وقميصه وبنطاله الملقون على الأرض ....عقدت حاجبيها و حاولت تهدئة نفسها وهى تستمع لصوت تدفق المياه فى الحمام المرفق بالغرفة .....فجلست على السرير وهى تفرك فى يديها بقوة لكنها سرعان ما ابتعدت عنها وكأنها قد جلست على صفيح ساخن .....وبدأت تتحرك فى الغرفة ذهابا وايابا بغير هدى .....عندما أتى لم تره كان مختفى تماما فاختلقت له الأعذار انه ربما يكون مشغولا لكن زادت شكوكها عندما لم ياتى ليلة أمس .....وهى تكاد تجن من القلق والتفكير عليه خصوصا عندما أخبرها زوجها مراد بأنه لم يذهب إلى الشركة .....انتظرته طوال الليل لكنه لم ياتى وفى ساعات الصباح الأولى كاد يجن عقلها وهى تفكر بأنه قد يصيبه شئ وكانت على وشك إيقاظ والده ....لكى يبحث عنه ....وما كادت تفعل حتى سمعت صوت محرك سيارته معلنا عن وصوله .....فتنهدت براحة وركضت نحو غرفته وفى رأسها ألف سؤال له ......توقفت فى مكانها وهى تراه يخرج من الحمام مرتديا بنطالا قصيرا وتى شيرت ووجهه متعب شاحب عيناه ذابلة من التعب .... حتى جسده فقد قليل من وزنه ....هذا ليس ابنها ....حازم يهتم بجسده وصحته بطريقة هى كانت تشك بها ...حازم يهتم بنفسه وجسده بطريقة جعلتها تنزعج أحيانا ....تعلم انه قد ورث هذا الشئ منها ....لكن ما سبب تحوله لهذه الدرجة ....سفر وعودة فجأة بدون مقدمات او أسباب ....

"أمى ....صباح الخير " نطق بها حازم بهدوء رغم تفاجاه بوجود والدته فى غرفته فى هذا الوقت
فتابع عندما وجدها تنظر إليه بتفحص " هل هناك شئ !!؟"
" نعم " ردت بها بسرعة وحدة
فانعقد حاجبيه السوداوان باستغراب وفمه يلتوى بحزم كعادته ....فقالت بهدوء وهى تنظر إليه بحب واعين حزينة ...."هناك أن ابنى ليس بخير قلبى يخبرنى بذلك ...ابنى حزين ويفكر فى شئ ربما قد يكون يزعجه ...انتظرت ربما قد ياتى ويخبرنى كعادته ولكن هذه المرة لم يفعل ....هل يعتقد بأننى لن أستطيع تقديم المشورة له ....فالتفت بجسده معطيا ظهره لها وهو يغلق عيناه بقوة ....فتابعت وهى تقترب منه بهدوء وتلاحظ تصلب ظهره "ماذا بك ...يا قلب والدتك " قالتها بحنان جعله يخرج تنهيدة طويلة من قلبه جعلتها تلتفت له وتضمه إليها فاشتد بذراعه حول كتفيها بقوة وهو يتنهد بحزن ....حتى وإن لم ينطق فهى دائما ما تشعر به ....تعرف حزنه والمه من عيناه فقط وقبل هذا قلبها يخبرها بحزنه الذى لم تنطق به شفتاه .....ابتعدت عنه ووضعت يدها بين يديه وسحبته خلفها وكأنه طفل صغير ....نعم سيظل صغيرها مهما كبر او حتى أصبح أكثر طولا منها .....جلست على طرف السرير واجلسته بجوارها ....ونظرت إليه وهى تنتظر ان يفصح عما يعكر تفكيره ويجعله هكذا ....هل يمكن أن يكون الحب ....الحب هو من جعل صغيرها يسهر الليالى وربما هو من جعله أيضا يسافر ....لكن من تكون من جعلته هكذا .....وهل هى هنا ام من هناك ...تساؤلات كثيرة دارت فى رأسها .....ابتعد عن السرير ووضع يديه فى جيب بنطاله ينظر من نافذة غرفته وهو يحجب أشعة الشمس بطوله الفارع......تنهد مطولا حتى عقدت والدته حاجبيها بشدة وهى تستمع لصوت تنهده الذى آلم قلبها......

فقال بهدوء وصوت متهدج بدون اى مقدمات فهو لا يحتاج إليها عندما يتحدث إلى والدته ...لا يحتاج إليها عندما يتحدث مع نورا ....من فعلت الكثير والكثير من أجله فقط " حياتى كانت دراسة وبعد ذلك عمل فقط أردت أن أصل إلى ما أريده بدون مساعدة أحد .....واستطعت فعلا أن أحقق هذا .....حتى ....توقف قليلا ثم تابع قائلا. ....حتى ظهرت هى ..... رأيتها أول مرة كفراشة صغيرة تحلق فى السماء تلمع باشراق وتألق .....تمنيت أن احتضنها وإن تكون بين يدى ....لكن ...لكن ....صمت وهو يحاول ترطيب حلقه الجاف ...وهل يستطيع أخبار والدته أكثر ....هل يستطيع ان يخبرها بما يعرفه ...بأنها كانت لرجل آخر ....لكن هذا ليست المشكلة بالنسبة له رغم أن الأمر يؤلمه إلا انه يحبها ....يحبها لدرجة انه سيتغاضى وينسى كل شى فقط لتكون بين يديه ومقابل فقط كلمة من فمها انها تحبه او حتى نظرة من عيناها تخبره بأنها تفكر به كافية له ...لقد أصبح مجنونا هاءما بها ....

انتظرت لكنه صمت ...فقالت بسرعة وهدوء "من ؟"
فالتفت بجسده إليها فتابعت بثبات " من ...من هى ؟" هل يخبرها بمن سلبت النوم من عيناه ....هل يخبرها بما فى قلبه ...اقتربت منه وهى تقول بدف "اخبرنى ...ربما أستطيع المساعدة "صمتت وهى تحاول أن تساءله عمن تفكر بها ....عن المرأة التى لمحت نظرته إليها ... نظرة كانت أول مرة تراها فى عينى ابنها ....لم يبعد نظره عنها عندما كانوا فى حفلة زفاف حفيد السيوفى مالك ....
" أ هى نور؟؟! " قالتها بسرعة
بلع ريقه ....و عيناه هى ما نطقت فى هدوءهم هذا ....
"نعم " همس بها اخيرا
" إذا ما المشكلة " همست بها نورا هى الآخرة
المشكلة انها لا تحبه ....المشكلة انها ...انها لا تنظر إليه ....أراد قول هذا لوالدته لكنه لم ينبس ببنت شفه فضل الصمت
" حازم هل تحبها " سألته ....لمعان عينيه كان كافيا لنورا لتعلم أن ابنها أصبح عاشقا مثلما كان والده ....نظرت له بابتسامة عذبة ...ومن ثم خرجت من الغرفة بهدوء ....تبحث عن زوجها ...فهى لن تقف ويداها معقودان أمامها ....نزلت درجات السلم ...حتى تسمرت مكانها وهى تحدث نفسها بغيظ"ما الذى أتى بها الآن!! "
رأت حماتها العتيد تجلس مع ابنها الوحيد ....فاقتربت منهما وقالت وهى تحاول رسم ابتسامة على شفتيها "مرحبا حماتى ....ما الذى أتى بك ؟!!"

فلوت الأخرى شفتاها من استقبال زوجة ابنها ورفعة حاجبيها وقالت بتهكم " بخير يا زوجة ابنى "
حاول مراد ان يدير برأسه نحو زوجته لكن والدته منعته وهى تحاول ان تجعله ينتبه لها وهى تريه باقى مجموعة الصور التى بحوزتها " انظر ما رأيك بهذه ...أليست جميلة انها مناسبة "
اشتعل الغضب بين مقلتيها وهى ترى صور الفتيات التى تريها حماتها لابنها ....هل تحاول تلك العجوز تزويج ابنها الذى قد شاب رأسه ...بعد أن فشلت قديما ...وتعيد محاولتها مرة أخرى ....لا وألف لا ....ستقتله وتقتل والدته هذه المرة....وربما تقوم بتقطيع جسديهما ووضعها فى أكياس القمامة ...لا بل ستقوم برمى القطع على قارعة الطريق حتى تأكلها الكلاب المتشردة على الأقل ستفعل حماتها حسنة واحدة فى حياتها بأن تشبع الكلاب الجائعة فى الشوارع وحينها سيتصدر الخبر جميع الجرائد والمجلات ""مقتل المحامى الشهير مراد السيوفى هو ووالدته التى كانت تخطط لزواجه على يد زوجته ""....فاخرجها صوت زوجها من أفكارها الشيطانية والاجرامية فى قتله هو ووالدته ....
" نورا ...تعالى وانظرى لهذه الصور واختارى واحدة ...والدتى رشحت مجموعة من الفتيات لحازم تعالى واختارى واحدة "
"ماذا " هتفت بها مستنكرة وغاضبة
فردت حماتها بلؤم " على الأقل أستطيع أن اختار لحفيدى فتاة تناسبه بعدما فشلت فى تزويج والده ممن تستحقه وتليق بمركزه....اشتعلت عيناها غضبا ولكنها اصتكت على أسنانها تحاول تهدئة نفسها وبكل هدوء جمعت الصور من أمامهم وقالت ببراءة كاذبة تحاول ان تغيظ او تفقع مرارة حماتها "لا اريد ان اتعبك حماتى ....لكن ابنى ...انا من سأختار له فهو لديه معاير خاصة جدا لمن ستتزوجه وهو جعلنى اختار له ....حقا رائع ان يثق بى ابنى ويجعلنى اختار له " نطقت كلماتها وهى تصتك على كلمة" ابنى "
وتابعت وهى تنظر إلى زوجها "مراد أريدك " فابتسم بشقاوة....وما كاد يتحرك مبتعدا عن الكرسى الجالس عليه حتى اوقفته والدته قائلة بحزن كاذب " ما هذا ألن تبقى معى قليلا "
فكشرت نورا عن انيابها وقالت بدلال " مراد أريدك "
قالتها وابتعدت عنهم ....فظهر الامتعاض على وجه والدة مراد وقالت من بين أسنانها " وقحة ما زالت تعتقد نفسها جميلة وصغيرة " أبتسم مراد واقترب منها وطبع قبلة على يديها وراسها " أحبك ...لن أتأخر ساعود اليكى لكى نكمل باقى حديثنا ...فأنا قد اشتقت اليكى "
قالها وذهب وهى تشتعل غيظا وغضبا من زوجة ابنها .....لا يعلم لماذا ابنها يحبها لهذه الدرجة فلا يوجد بها شى يجعله هكذا لها ....بالتأكيد هى قد سحرة له ...لتجعله هكذا ....قالتها فى نفسها
دلف إلى الغرفة بهدوء يحاول رسم ابتسامة على وجهه فهو لا يعلم إلى متى ستظل هذه الحرب بين نورا ووالدته ...نورا لم تسامح والدته على ما فعلته بها حتى الآن رغم أنها تشتعل غضبا عندما تراها ...لكنها رغم هذا تحاول ان تكون هادئة وصبورة. ...ووالدته رغم ما فعلته نورا معها سابقا إلا أنها ما زالت لا تتقبلها.....
" ما الذى أتى بها ؟!...ومتى أتت؟؟ " هتفت بها نورا بغضب
ابتلع غضبها وهو يقول بهدوء " اليوم صباحا ...ثم تابع بنبرة تحذير ....نورا انها والدتى لا تنسى ذلك "
رمقته بقوة ومن ثم اقتربت وهى تعقد حاجبيها "أعلم انها والدتك ...ولا تخف لم أنسى ....لكن لا شأن لها بابنى ولا تجعلها تتدخل فى حياته ....مثلما فعلت ب ..." بترعت عبارتها وصمتت. ....فاقترب منها وحاوط خصرها بيديه قائلا بحب يشتعل بين عيناه " اعذريها حبيبتى ....انا ابنها الوحيد ...وستعلمين شعورهاعندما تجدين حازم متزوجا ....وهى لم تخطئ انها تريد أن تجد له زوجة جميلة ومناسبة له "
فردت بسخط " حازم أيضا ابنى الوحيد ...وعلى عكسك فأنت ولد واحد على ثلاث فتيات ...لكن حازم هو وحيدى. ..وتابعت بنبرة تحذيرية ....لذا لن أسمح لأحدمهما كان فى التدخل فى حياة ابنى. ..حتى وإن كان انت هل فهمت "
تغاضى عن كلماتها وقال بدلال " لماذا كنت تريدينى يا قلب مراد " قالها وهو يحاول التقاط شفتاها
فقالت بغضب " تادب يا مراد ...لقد شاب شعرك "
"تبا لك ...هل ستظلى ترددين بهذه الكلمة ...أقسم أن نطقتيها مرة أخرى ساجعل والدتى تبحث لى عن عروس ...هل فهمتى " نطق الأخيرة بتحذير ....
فامسكت بياقة قميصه وهى تكشر عن انيابها " أفعلها وحينها ستعلم ما سافعله بك وبوالدتك "
ثم تابعت وهى تبتعد عنه " انا لا أريد الحديث لا عنك ولا عن والدتك الآن ....وتابعت بهدوء ....ألا تفكر فى حازم يا مراد ....ألم تفكر به ...ألا تريد أن تراه سعيدا وترى احفادك"
فابتسم لها ابتسامته الدافئة التى جعلتها تقع فى حبه من النظرة الأولى وقال " بالطبع ....هل لديك عروس له ....أعتقد انك اشارتى انك انتى من ستبحثين له عن عروس "
" نعم لدى ...ما رأيك بنور " قالتها بسرعة
" نور!! ...من ؟"قالها وهو يعقد حاجبيه بتساول
فابتسمت وهى تقول " نور ابنة ياسين ....ما رأيك ...انها فتاة رائعة وجميلة ....وابنة صديقك وهكذا ستكون مطمئن عليها وتحميها من عمها الجشع ....الطامع بها "
" لكن حازم " قاطعته بسرعة ...لا تقلق انه موافق ...ما رأيك ..أن تذهب وتطلبها يدها من عمها " قالتها وهى تطوق ذراعيها حول رقبته
" متى " سأل
"اليوم " أجابت وهى تطبع قبلة على شفتاه ....فوضع يديه على خصرها وقربهامنه وما كاد يتعمق فى قبلته حتى وجد والدته تنادى باسمه قاطعة عليه متعته ....فابتعدت عنه ساخطة وهى تمتم بغضب " اجعل والدتك تنفعك ...اذهب إليها ...قبل أن تأتى إلى هنا ...ولا أريد أن أرى لا وجهك ولا وجه والدتك "
ودلفت إلى الحمام ....فمرر يديه على وجهه بقلة حيلة وخرج من الغرفة ...

" أسامة " هتفت بها نوال بصوت عالى وهى تجد ابنها شاردا أمامها حتى أنه لم يستمع لنداءها المستمر له
رفع رأسه لوالدته متمتما بخفوت " هل هناك شئ أمى؟؟ "
" هناك انك لست معى ....هل هناك شى يشغلك!؟ " سألته
" لا لكن كنت أفكر فى شيئا ما ...هل تحتاجين إلى شئ ؟!" قالها باهتمام
ابتسمت شبه ابتسامة " لا لكن ...أردت أن أسألك هل وجدت مكانا لإقامة المعرض به !!"
" لقد قمت بتعين شخص للبحث لا تقلقى بنهاية الأسبوع سيكون موجودا "قالها وابتعد عن كرسى طاولة السفرة
"لم تأكل " قالتها نوال بحزن
" لقد شبعت " قالها وابتعد ....أسقطت نوال الملعقة من أصابعها ووجهها يكسوه الحزن فهى تعلم ما يعكر ابنها ويجعله هكذا ....تدعو ربها أن يساعدها حتى تستطيع ان تريح ابنها وتجعله سعيدا ....
تحركت مبتعدة عن كرسى السفرة وتوجهت حيث المطبخ وطلبت من إحدى الخادمات إيصال القهوة إلى مكتب ابنها ....ووقفت تحمل كوب العصير بشرود. ..فاقتربت منها خادمتها الأمين والتى بمثابة صديقة لها ....
وهى تقول بحزن " ماذا بك !؟؟"
ردت نوال بضيق " ابنى ليس بخير ...وأيضا لم أعد أعلم كيف أصلح الأمور بينهما !....دينا فتاة رائعة وقد شعرت فى آخر حديث لى معها انها ما زالت تكن لأسامة مشاعر ...لكن ...لكنها ما زالت حزينة ويملاها الغضب من تركه لها "
فربتت خادمتها على يديها " لا تقلقى ...فقط ادعى ربك وكل شئ سيكون بخير ...وما تفعلينه هو الصحيح "
تنهدت وهى تقول " ارجو ذلك ...ارجو ذلك حقا "
وضع وجهه بين يديه وهو يستند بمرفقه على سطح مكتبه وصوتها يدوى فى أذنيه شوقا لها ....اشتاق إلى ضمها ليشعر بانفاسها ....لقد سلبت قلبه منذ اليوم الأول الذى رآها فيه مع سيف .....أخرج من أفكاره صوت الهاتف ...أمسك سماعة الهاتف ووضعها على أذنيه استمع إلى المتحدث وبعد ذلك وضع السماعة فى مكانها وهو يلعن بخفوت ...
" تبا ...أين ذهبتى؟؟ " تمتم بها أسامة .....منذ ان أعطاه ماجد مفتاح الشقة وأخبره بأنها انتقلت وهو يكاد يجن ....حتى انه قام بوضع شخصا ما للبحث عنها ....لكن ها هو يخبره انه قد فشل فى المهمة ...



ابتسمت وهى تراقب والدها يلاعب ويداعب ميا ....ويرفعها الى السماء وهى تضحك بسرور وصوت عالى ....وعندما ينزلها تبكى وتظل تنظر إليه وكأنها ترجوه ان يلاعبها مرة أخرى ....وعندما يرى جدها دموعها على وشك السقوط يحملها ويظل يدغدغها حتى لا تبكى ويعيد ما يفعله معها مرة أخرى .....لم تكن تعتقد ان سليم السيوفى بهذه الحنية لم تكن تعلم حتى انه يستطيع أن يداعب الأطفال ....فكل ما عرفته عنه هو أنه لم يكن يهتم بها يوما ولا باخيها سيف .....وعندما أتى إليها فى المشفى تمنت لو تمسك به وترجوه ألا يتركها .....ولا تعلم كيف اتتها الشجاعة ما ان خرج حسام من الغرفة ....حتى طلبت منه ان ياخذها من هنا و ألا يتركها .....فاخذها بين احضانه وهو يربت على ظهرها وشعرها ....يخبرها بصوت اشتاقت للغاية لسماعه ...يخبرها بأنه لن يتركها ...وظل يهدهدها ...إلى أن خرجوا من المشفى واحضرها إلى هذا المكان .....منزل كبير وله حديقة واسعة ملتفة حوله بعيدا عن ضوضاء المدينة وصخبها. ...لكنها ما ان دلفت إلي المنزل..... ورأت تصميه الذى يمتاز بلمسة أنثوية ....ويوجد به الكثير والكثير من الصور ل فيروز ....المرأة التى لم ترها يوما ولكنها كانت باقية دائما فى داخلها....المرأة التى رغم موتها إلا أنها ما زالت باقية فى قلب وعقل سليم السيوفى .....الذى من أجلها ترك كل شئ محاولة منه لينساها....لكن هيهات من يستطيع نسيان فيروز الحسينى ....
اقتربت منهما و مدت يديها وأخذت ميا التى أصدرت همهمات احتجاج وغضب ورفض بعد تركها لجدها.....لكنها ثبت يديها حولها جيدا حتى لا تقع منها
" يكفى لقد اتعبتى جدك " قالتها بثينة بغضب للصغيرة التى ذمت فمها وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع
"يا الله ...اتركيها معى قليلا يا بثينة ...و لا تقلقى على انا لم أتعب " قالها سليم بهدوء
" لا يجب ان اطعمها وساجعلها تنام قليلا " ردت بها بثينة
فاقترب سليم وطبع قبلة على جبين الصغيرة وقال "حسنا اطعميها ...و تعالى إلى أريد أن أتحدث معك قليلا "
فاؤمات بثينة رأسها ...وأخذت طفلتها وذهبت .....
جلست على الأريكة الكريمية التى تتوسط الغرفة الكبيرة بغرفة مكتب والدها بعد ان اطعمت ميا وجعلتها تنام ....جلست قبالة والدها تنظر إليه بترقب. .....أغلق صفحات الكتاب الذى كان بين يديه ورفع نظره إليها وهو يبتسم ....فقال بهدوء " حسنا اخبرينى ماذا بك "
بلعت ريقها وتمتمت بخفوت " لا يوجد شى "
" بثينة ..حتى وإن كان لا يوجد بيننا علاقة أب وابنته إلا انك ما زلتى ابنتى ...وأنا أشعر بحزنك الذى لم تفصحى عنه حتى الان ....ما الذى حدث حبيبتى " قالها بحنان
نظرت إلى أصابع يديها واخفضت رأسها وهى تحاول كتم شهقاتها لكنها فشلت وبكت بحرقة وألم وكأنها كانت تنتظر هذا الوقت حتى تبكى .....فاخذها سليم إلى احضانه ويضمها إليه وهو يقبل مقدمة رأسها ....وهو يهدءها بكلماته " أبكى أبكى ....كل هذا!! ...ماذا بك صغيرتى؟! ...أبكى ...أبكى انا معك ...لا تخافى ولا تقلقى "
" أبى " قالتها بحرقة وهى تلف بيديها حول رقبته تقربه إليها وتبكى على صدره وهى تقول بألم " أبى ...لقد تعبت ....لقد تعبت ولم أعد أستطيع التحمل أكثر ....انا أكاد اختنق. ...أرجوك لا تتركني "
" أنا معك ...انا معك لن اتركك...اهدءى حبيبتى ...اخبرينى ما الذى يجعلك هكذا ...ما الذى يؤلمك حبيبتى "
هدءت قليلا ثم ابتعدت عن احضانه وهى تمسح بأطراف أصابعها الدموع التى على وجنتيها .... فقالت بوجه محمر من البكاء " أريد ان أبقى معك قليلا فقط ....انا بحاجة لهذا "
صمتت ولم تستطع أن تخبره بخيانة حسام لها ولا بضربه لها سابقا ...لم تستطع أن تخبره ان زوجها سىء وكان يسئ معاملته لها .....
نظر إليها سليم بتفحص وما كاد ينطق محاولا أن يحثها على الحديث ....حتى وجد هاتف مكتبه يرن .....وقف مبتعدا وهو يستند بعصاه الخشبية حتى وصل إلى الهاتف
" مرحبا " نطق بها سليم
بقى قليلا وهو يستمع إلى الصوت الآخر حتى قال منهيا المكالمة " حسنا ساعة على الأكثر وسأكون عندك ...يا مراد ...لا تقلق .. لن أتأخر ...حسنا وداعا "
لم يكن يعلم أحد غيرمراد بأن سليم قد أخذ ابنته وأتى بها إلى منزله القديم الذى كان يعيش فيه مع زوجته ....حتى والديه واخاه محمود وأخته فريدة لم يعلموا بمجيءه إلى هنا ....فهو يعلم أن لا أحد سيتوقع بقاءه فى هذا المنزل ....لم تخطو قدميه هذا المنزل منذ وفاة فيروز ...لكنه عندما عاد ومعه بثينة إلى مصر ....جعل خادمة تأتى لتنظيفه كل فترة .....ما أن دخل بقدميه هذا المنزل ومعه بثينة حتى تلاحقت عليه الذكريات مع فيروز ....
خرج من أفكاره وهو يقول " حسنا ساتركك ...وربما أتأخر ....ولكنى أريد منك أن تكونى ناضجة وهادئة وفكرى جيدا ....فأنا لا أريدك أن تتسرعى فى شئ حبيبتى "
" هل ستخرج !؟؟" سألته بثينة
" نعم ...يجب أن اذهب ...هل تريدى اى شئ احضره لك او لميا "
" لا ...لكن ...حسام " قالتها بارتباك
" لا تقلقى لن يعلم بمكانك. ..إلا عندما تطلبى منى ذلك ...لكن فكرى جيدا فقط " قالها بسرعة وهو يخرج من الغرفة يسند بيد على العصاة وباليد الاخرى يمسك بيد ابنته ....حتى اوصلته إلى غرفته وخرجت ...متوجهة حيث غرفتها هى وميا
وقفت فى الشرفة وهى تراقب ركوب والدها للسيارة بعد ان بدل ملابسه ....التفتت بجسدها نحو صغيرتها النائمة وهى تراقبها بحزن ....هل أخطأت بأبعاد ميا عن حسام ....وهل قرار ابتعادها عنه كان صحيحا ...ام انها ستندم عليه .



الجزء الثاني

تعالت الأصوات فى غرفة الاجتماع الكبيرة للشركة الرئيسية لعائلة الحسينى .....حيث اجتمع رؤساء الاقسام والمديرين وأصحاب الأسهم ....بناء على الرسالة التى تم إرسالها لهم عن طريق الفاكس او عن طريق مواقع التواصل الاجتماعى تخبرهم بالاجتماع السرى الذى سيعقد اليوم ....جلسوا جميعا على الكراسى الجلدية ملتفين حول مائدة الاجتماع الكبيرة .....وكلا منهم يتساءل عن سبب هذا الاجتماع منتظرين سليمان الحسينى ليفصح عن الأسباب .....بدأ كل منهم فى السكوت ما ان رأوا باب الغرفة الكبير يفتح وكالعادة دلوف سليمان الحسينى منه .....لكن هذه المرة لم يخرج سليمان الحسينى بل مساعده .....فبداوا بالهمهمات والتساؤل عن سبب تأخره فهو من حدد هذا الموعد عن طريق الرسائل التى أرسلت وهم فى غنى عن الإنتظار فالوقت من ذهب وكل دقيقة يضيعونها ربما تسبب لهم فى المزيد من الخسائر ....وأيضا هم لم يعرفوا عن سليمان الحسينى تأخره فى مواعيده هكذا.....فبعضهم بدأ يطرح الأسئلة على مساعده " عن سبب تأخره أولا وعن سبب الاجتماع ثانيا فقليلا جدا ما يجتمع بهم سليمان إلا فى الحالات الطارئة "
فبدأ مساعد السيد سليمان " توفيق " بالكلام قائلا " ارجو من حضراتكم الصمت والهدوء والإنصات إلى جيدا حتى أستطيع أن أقوم بتوضيح كل شى والإجابة على أسئلة كلا منكم "
فصمت البعض وأنتظر هو حتى عم الهدوء أرجاء الغرفة الكبيرة واستءنف كلامه قائلا بهدوء " أولا السيد سليمان الحسينى قد سافر "
فتعالت الأصوات مرة أخرى فقال توفيق بصوتا عالى وهو يمسك بالميكرفون مقربا إياه من فمه " أرجوكم استمعوا إلى "
فصمتوا منصتين إليه فتابع كلامه " أرجو منكم الهدوء إذا سمحتوا "
أخذ نفسا مطولا وزفره بقوة وهو يخبر نفسه ان سليمان الحسينى كان لديه قدرة فائقة فى إدارة الحوار واجبار الجميع على الإنصات له بانتباه واهتمام فقال بنبرة هادئة وصوتا عالى حتى يستمع الجميع إليه فهو لا يريد أن يستخدم الميكرفون مرة أخرى تجنبا لأى شئ " كما اخبرتكم السيد سليمان مسافر منذ عدة ايام وقد قام بتوكيل كل شى إلى ....لذلك ......." بدأ توفيق ببخ سمومه على الحاضرين وملئ قلوبهم وعقولهم بما هو مطلوب ناحية عائلة الحسينى المسءولة عن كل شى لعقود طويلة وانه منذ بداية ونمو جذور تلك الشركة والمناصب العليا فى الشركة لا يتولاها إلا واحدا منهم .....كما أنهم لهم اليد العليا والكلمة الأولى والأخيرة فى كل شئ حتى وإن كان يجتمع بهم على سبيل أخذ الرأى والمشورة......وانه على الجميع ان يستغل هذه الفرصة وإن يتم اختيار رئيس تتفيذى آخر .... كما لمح بكل مكر ان سليمان الحسينى ....سيقوم باختيار او تعين ابن ابنته الوحيدة وجعله الرئيس التنفيذى من بعده لهذه الشركة .....ومن هذه النقطة بالذات استطاع توفيق ملئ رؤوسهم بالحقد والكره لأفراد عائلة سليمان الحسينى .....لانه كان من بين المجتمعين بعض من أبناء عمومة سليمان الحسينى .....الذين كانوا يتمنون الوصول إلى اى منصب فى الشركة وليس فقط كمساهمين. ....وما زادهم حقدا هو علمهم ان بعد موت سليمان الحسينى كل شى سيؤول إلى ابن ابنته " سيف " فالجميع يرى انه غير أهلا وحقا لهذا فهو لا يحمل الدم المتاصل من عائلة الحسينى .....

اتسعت ابتسامة توفيق حتى كاد فمه يصل إلى أذنيه وهو يرى أن كلامه قد ثبت فى عقول المجتمعين الذين وافقوه فى كلامه .....وأنهم مستعدين لأى تغير وهم معه ......تكلم توفيق بهدوء أفعى وأخبرهم انه ....سيخبرهم بموعد الاجتماع النهائى حتى يتم الاختيار ...كما وضح. ...بأنه سيتواجد فى الاجتماع الأخير مفاجأة كبرى للجميع ......نطق بكلماته معلنا عن انتهاء اجتماعهم .....فبدأ الجمع بالخروج من الغرفة ...فبعضهم من أخذ قراره بأنه سيحضر والبعض الآخر ما زال يشاور نفسه فهو لن يفيده الانقلاب على عائلة الحسينى وخاصة الأخوة " سليمان وعزت " فهو بغنى عن غضبهم إذا علموا بما يضمر الباقين .......
جلس توفيق براحة وهو يشعر بأن نصف مهمته قد تحققت ....أمسك بهاتفه وضغط بعض الأزرار ووضع السماعة على أذنيه وقال بتكبر واضح ما أن سمع الصوت " لقد تم كل شى ....الجميع منتظر الاجتماع الذى سيقام "
فاته الصوت الانثوى ضاحكا " حسنا يا توفيق ....نصف ما اتفقنا عليه سيرسل إلى حسابك اليوم والنصف الآخر عندما تنتهى المهمة ....لذا عجل من إقامة الاجتماع النهائى ....حتى ننتهى سريعا "
" حسنا سيدة علا كما تامرين....حسنا إلى اللقاء " قالها وأغلق الهاتف وهو ينظر للقاعة بجشع جلى فى وجهه ....فاخيرا سيتحقق ما يريده فكل ما يهمه منصبه الذى سيصل إليه بعد ذلك والأموال التى ستتم إيداعها فى حسابه ...



مررت يديها على وجهها بتعب وارهاق واضح ....وقفت عند مكتب الاستقبال فى المشفى منتظرة حضور صديقتها حتى لمحتها قادمة إليها وهى تضع يديها فى جيب سترتها البيضاء ....وقفت أمامها وهى تمد بيديها إليها تعطيها ما طلبته ....أخذت ريم علبة الدواء من يد صديقتها ومن ثم وضعتها فى حقيبتها السوداء
" شكرا لك يا بسمة " قالتها ريم بهدوء والتعب واضح على وجهها
" لا داعى للشكر انا فى خدمتك ....ردت بها بسمة بسرعة ولكنها سرعان ما نظرت إليها بتردد وهى تقول بقلق " لكن ...أليست هذه الحبوب مبكرا عليها فانتى ما زلتى فى بداية زواجك ...وأيضا أنا اعلم انك تحبين الأطفال "
بلعت ريم ريقها بتوتر وهى تمرر أصابع يديها على جبهتها وقالت بارتباك حاولت اخفاءه " انها ليست لى ..انها لإحدى صديقاتى طلبتها منى " قالتها وهى تحاول رسم ابتسامة
فردت الاخرى إليها بسرور " حسنا ....أتمنى لك السعادة يا ريم ...وإن احتجتى إلى اى شئ فأنا موجودة "
ابتسمت ريم وحركت رأسها بسعادة وقالت " حسنا وداعا الآن ...فأنا أكاد لا أستطيع أن أقف على قدمى من التعب " قالتها وابتعدت عنها والأخرى تحركت فى الجهة الأخرى لتتابع عملها ..


أغلقت الباب الحديدى للمنزل واقتربت إلى داخل المنزل الكبير وهى تضع يديها على جبهتها محاولة منها عدم السقوط حتى تصل إلى غرفتها وسريرها
اجفلت عندما سمعت صوت حماتها السيدة كوثر وهى تقول بتذمر واستهزاء واضح " لقد أطال الله فى عمرى حتى رأيت المرأة تصل إلى المنزل بعد زوجها بدلا من ان تأتى مبكرا وتحضر له طعاما مناسبا بعد تعبه وشقاءه فى العمل "
فتحت ريم عيناها وهى تنظر لحماتها بغضب محدثة نفسها " انها فى غنى عن كل تلك الثرثرة ...هى لا تريد غير الركض إلى غرفتها والسقوط على سريرها من التعب "
فأخذت نفسا عميقا ثم زفرته بقوة محاولة تهدئة نفسها وهى تقول بهدوء " هل أتى مالك "
فلوت حماتها فمها وقالت بتهكم" نعم أتى منذ وقت طويل ولم يضع شى فى فمه "
"ولماذا لم يتناول طعامه حتى الآن!!؟ عادة هو لا ينتظرنى " سألتها
فرمقتها كوثر بحدة وهى تقول " لا هو لا ينتظرك لكن المشكلة انه لا يوجد طعام ....ثم تابعت ...وقبل أن تقولى لماذا لا يوجد طعام ...لا يوجد لان الخدم فى إجازة اليوم ولا يوجد أحد لطهى الطعام ...وكما ترين ليس من المعقول أن تقوم زوجة عمى"الحاجة فيريال "ولا انا حتى بأعداد العشاء ...فأنا أشعر بالتعب منذ الصباح
لذلك ان تكرمتى ارجو أن تقومى بأعداد الطعام اليوم لأن موعد العشاء قد قارب " ما ان أنهت كلامها حتى أمسكت بأحد مجلات الأزياء الموضوعة على طاولة القهوة الصغيرة ووضعت قدم فوق الاخرى وبدأت بتفحصها بتركيز وعدم اهتمام بالواقفة أمامها ....أغلقت ريم عيناها وهى تعد من الواحد إلى العشرة محاولة عدم الخروج عن نطاق الأدب من أفعال تلك السيدة ...فقالت بهدوء تشك حتى فى ان حماتها قد سمعتها " حسنا سابدل ملابسى. ..وسانزل لاعد العشاء " قالت كلماتها ومن ثم صعدت الدرج .....دلفت إلى الغرفة لم تجد مالك بها...هل يمكن أن تكون حماتها تكذب عليها فهو ليس هنا .......فدلفت إلى الحمام غسلت وجهها ببعض الماء البارد حتى تعيد بعض النشاط إليها ....ومن ثم أخرجت علبة الدواء الصغيرة التى ظلت تنظر إليها بتركيز ومن ثم وضعتها بين ملابسها محاولة ان تخفيها حتى تعلم ما الذى ستفعله .....بدلت ملابسها ونزلت درجات السلم توجهت نحو المطبخ ...ارتدت المازر وبدأت فى إعداد الطعام



ألقى بغضب الأوراق التى كانت بين يديه على المكتب وهو يزفر بغضب .....فجده مختفى منذ عدة ايام وهو حتى الان لا يعلم أين ذهب ....وما يغضبه أكثر انه لم يخبره قبل ذهابه او يعلم باى شى ...وهو يشعر كأنه تاءه بدونه ....فهناك أوراق كثيرة تحتاج إلى توقيع ....بالإضافة إلى الشركة الرئيسية لا يعلم لماذا جده ولى المسئولية لمساعده وليس له هو .... رفع سيف عيناه عندما سمع صوت إدارة مقبض الباب معلنا عن دخول ماجد
" هل علمت باى شئ؟! " سأله سيف
" لا " أجابه
كور يديه بغضب وضربها على سطح مكتبه وهو يصتك على اسنانه قائلا برنة غاضبة " ما الذى يفكر فيه ذلك العجوز ...كيف يترك الأمور هكذا ويرحل من دون ان يعلم أحد ....منذ متى يكون مهملا هكذا ....حقا أكاد اجن من أفعاله تلك "
حاول ماجد تهدءته وهو يقول " ربما حدث شى جعله يختفى هكذا "
"تبا " قالها بضيق
ثم تابع بغضب وهو يبتعد عن كرسيه مادا يده ملتقطا مفاتيح سيارته من على المكتب " انا سأذهب الآن "
" لماذا اليوم ستذهب مبكرا"سأله ماجد وهو يرفع حاجبيه بمكر
" اروى عند والدتها سأمر لاحضارها " قالها بهدوء
"حسنا " قالها ماجد وهو يغمز له
فنظر له سيف بنصف عين يحاول التغاضى عن غمزات صديقه ...الذى سيحاول ان يجعله يتحدث معه ....وهو مستعجل لذلك سيتجاهل نظراته ويتركه. .....خرج من باب الشركة يتتبعه حراسه ...لكنهم أمرهم بذهاب كلا منهم إلى منزله فهو ليس بحاجة لأحد منهم اليوم ....ركب سيارته بعد أن صرف ساءقه هو الآخر ......
...............................................
اجفلت اروى وهى تستمع إلى زفرة والدتها التى خرجت منها بدون قصد عالية
" ماذا هناك !!...هل هناك شئ يزعجك ؟!" سألتها اروى "خالك سليم ما يفعله لا يعجبنى. ...فضيقت اروى بين حاجبيها بعدم فهم ....فتابعت والدتها ....خالك أخذ بثينة ولا أحد يعلم أين وزوجها يبحث عنها كالتاءه "
"متى ذلك؟! " سألتها بسرعة وهى تعدل فى جلستها
" منذ يومان "
" يا الله ....هل يمكن ان يكون قد حدث بينهما شئ ...لدرجة تجعلها تهرب وتذهب من دون أن تخبره " قالتها بصوت خفيض
" الله أعلم حبيبتى بما فى البيوت ....ثم تابعت وهى تنظر إليها بتفحص جعلت اروى تخفض رأسها وتنظر حيث موضع يديها تحاول الابتعاد عن نظرات والدتها .....لكن اخبرينى ماذا بك انتى الاخرى !!...منذ أن اتيتى وانتى صامتة وشاردة. ....وأيضا لقد قل وزنك وكأنك لا تاكلين؟! ...او أن هناك شخصا ما يأكل معك ....توقفت فريدة عند آخر ما نطقت به وتابعت وهى تضع يديها على صدرها بسرعة وعيناها مفتوحتان. ....اروى هل انتى حامل ؟!" قالتها والدتها بسعادة. ....فهزت رأسها بنعم وهى ترى السعادة تكاد تخرج من عينا والدتها ......التى أخذتها بين أحضانها ما ان رأت اهتزازة رأسها واخذت تقبلها من وجنتيها وعلى رأسها ....اه حبيبتى ...انا أسعد شخص بسماع هذا الخبر ...أتمنى لك السعادة دائما حبيبتى ...ثم تابعت وهى تبعدها عن أحضانها قليلا ....وماذا عن سيف هل كان سعيدا بالخبر ....ماذا فعل!؟ "
صمتت اروى ...يا الله لماذا تساءل الآن عن هذا بالذات ....نظرت إليها والدتها منتظرة ان تخبرها ....فقالت اروى بسرعة " لا لم أخبره فأنا لم أعلم إلا ليلة أمس ...فعقدت والدتها بين حاجبيها وهى تنظر إليها بتفحص محاولة تبين كذب ابنتها ....فتابعت اروى وهى تتفهم نظرات والدتها .....أريد أن اجعلها له مفاجأة وساخبره أنا" قالتها وهى تحاول أن تظهر ابتسامتها ....بلعت والدتها كلامها وصمتت. .....وبعد دقائق أتت الخادمة تخبر اروى ان السيد سيف ينتظرها فى الحديقة حتى يذهبا......ارتدت اروى معطفها الجلدى وخرجت إليه فى الحديقة ومعها والدتها ......
رأته واقفا بجوار سيارته السوداء واقترب منهما ما ان رأى عمته ....سلم عليها بسعادة ....وهى الاخرى قابلته بابتسامة عذبة "لماذا لا تدخل ...وتأكل بعض الطعام ....ام أقول لك ...فلتقضى اليوم هنا وساجهز لكما غرفة اروى ....ما رأيك " قالتها فريدة
فضحك سيف على إقتراح عمته وقال وهو يقترب من اروى التى حاولت ألا تقف قرابة منه ...وطوق خصرها بذراعه وقربهاإليه مما جعل الكلمات تقف فى حلقها وأحمر وجهها خجلا وهو يقول " لا ....المرة القادمة ....أريد أن اذهب إلى المنزل فقد اشتقت لزوجتى اليوم كثيرا "
فظهرت السعادة على وجه فريدة ....وابتعدوا عنها وهى تدعو الله ان يديم عليهم هذه السعادة .....صعدا للسيارة وانطلق بها سيف بسرعة متوسطة ......سندت أروى برأسها على زجاج نافذة السيارة شاردة ...هل حان وقت اخباره ام لا ...حقا لم تعد تعرف ....دارت برأسها نحوه واتسعت عيناها وهى تستمع إلى صوته وهو يغنى بكلمات الأغنية مع مسجل السيارة ....ضغطت على شفتاها السفلى بقوة وهى تحاول كتم ضحكتها حتى ادمعت عيناها....وهو يردد الكلمات بتركيز شديد وكأنه هو من يغنى .... صوته لو سمعه أحد سيسبب له بتلوث سمعى لا محالة .....فصوته يخرج حادا للغاية والبحة التى به مزعجة لكنها ابتسمت بخفوت تحاول التركيز مع كلمات الأغنية وهى تتسال عن سبب اختياره لهذه الأغنية دون غيرها ....
إنى خيرتك ....فاختارى
ما بين الموت على صدرى
او فوق دفاتر اشعارى
اختاري الحب .....او اللاحب
فجبن ألا تختارى
لا توجد منطقة وسطى
ما بين الجنةوالنار
ارمى اوراقك كاملة وسارضى عن اى قرار
قولى. ...انفعلى. ...انفجرى. ...
لا تقفى مثل المسمار ....
(نظر إليها بقوة وهو يقول المقطع الأخير مما جعلها ترفع إحدى حاجبيها وهى تبتسم لافعاله التى تراها تصدر منه لأول مرة )
لا يمكن أن أبقى أبدا ......كالقشة تحت الأمطار
مرهفة انتى ...و خائفة. ...وطويل جدا ....مشوارى
(خفض من صوته وهو يقول الكلمة الأخيرة وتنهد بضعف )
غوصى فى البحر ....او ابتعدى
لا بحر من غير دوار
الحب ...مواجهة كبرى ....إبحار ضد التيار
توقف بالسيارة فجأة أمام المنزل ....مما جعلها تجفل....بسبب تركيزها وتاملها فى ملامحه وتعابير وجهه التى يحاول رسمها وهو ينطق بالكلمات .....ترجل من السيارة وسار نحو باب المنزل من دون حتى الاهتمام بفتح باب السيارة لها ...ترجلت وسارت هى الاخرى نحو الباب ....دلفت الى المنزل فسمعت صوته وهو ما زال يدندن بكلمات تلك الاغنية وهو يصعد درجات السلم ....ضحكت بخفوت ...فهذه اول مرة تراه هكذا ....ما الذى حدث وجعله سعيدا هكذا؟؟!! ....صعدت درجات السلم ....دلفت الى غرفتهما الخاصة وجدته على نفس حالته ما زال يدندن وهو يخلع سترة بذلته تبعتها رابطة عنقه ....ثم بعد ذلك بدا بفك ازرار قميصه ....ومن ثم توجه نحو الحمام ....غيرت ملابسها والأفكار والتساؤلات مازالت تدور فى رأسها ....
انزلقت بجسدها على السرير بعد ان ابدلت ملابسها وفضلت ان تحاول ان تظهر استغراقها فى النوم حتى لا تفتح معه اى نقاش او حوار ما ان يخرج من الحمام ....فهى تشعر بالذنب من عدم اخباره لكن ماذا تفعل فهى ما زالت تشعر بابتعاده عنها وعدم حبه لها حتى الآن....لا تريد ان تخبره حتى لا يشعر بانه قد استطاع الوصول الى هدفه وهى كالحمقاء حققت له هذا ....تعطيه طفل ...فيحصل هو على الاسهم ....لا هى ولا طفلها يساويان شيئا بالنسبة له غير مجموعة من الأسهم فقط ....ضغطت باصابعها بشدة على الغطاء وهى تكتم دموعها من السقوط .....شعرت بحركته وانخفاض السرير وهو ينزلق بجوارها .....
" أعلم انك مستيقظة " قالها سيف بهدوء وهو يستند بظهره على ظهر السرير ويضع يديه خلف رأسه
" كيف علمت ؟!" نطقت بها بصوت ضعيف
أبتسم بخفوت وقال " من صوت تنفسك....لماذا تهربين منى ؟؟" سألها
أغمضت عيناها تحاول ان تظهر عدم اهتمامها " انا لا هرب ...لماذا تعتقد إننى أهرب منك؟! ؟؟"سألته
" لماذا أعتقد ...لأن أفعالك تظهر فعلا انك تهربين منى بداية من نومك المستمر عدم مبالاتك بى ...وفوق كل هذا ابتعادك عنى وكاننى....وكاننى ....قطع عبارته وصمت قليلا لكنه تابع بعد ذلك ....هل تخفين عنى شئ " قالها وهو يدعو ربه بأن تخبره لتريحه ....كل ما يتمناه ويريده هو حضنها لينسيه كل ما مر به طول اليوم وليس ابتعادها عنه وكأنه وحش سيفتك بها ....لو فقط تشعره بأنها مهتمة به ....
" أنا لا أهرب فقط انا متعبة ..." قالتها بنبرة ناعمة .....
" حسنا تصبحين على خير " قالها بجمود وهو يتحرك مبتعدا عن السرير ....
" أين ستذهب " قالتها بسرعة
" الى المكتب لدى بعض الأعمال ....عليا الانتهاء منها " قالها مبتسما
" أحلام سعيدة " قالها واطفا الأضواء فى الغرفة ....وغاصت هى فى أفكارها ...



مسحت بظهر يديها على جبهتها من التعب ....وهى توشك على الانتهاء من إعداد العشاء ..... انتفضت بجسدها وكادت تدير جسدها..... وهى تشعر بيد تلتف حول خصرها من الخلف لكنها استكانت ما ان اشتمت رائحة عطره الرجولى وهو يقترب من رقبتها وانفاسه تلفح بشرتها وهو يقول بصوت مغرى " لا تخافى انه انا .....لكن هل تعلمين تبدين رائعة وانتى واقفة هكذا وتعدين الطعام ...وبدأ يمرر فمه على بشرتها مرسلا تيارا كهربيا على طول عمودها الفقرى وكادت تغلق عيناها وتستجيب له لكنها سرعان ما نغزته بكوعها فى بطنه جعلته يتاوه من الألم ....فدارت بجسدها وهى تحمل بين يديها معلقة كبيرة وتقول بغضب " هل هذا وقت وقاحتك وفى هذا المكان ...هنا ...ما الذى أتى بك هنا ؟؟"
ثم تابعت وهى تتمتم بخفوت " ساجدها منك او من والدتك التى تعتقد إننى الخادمة التى جلبها لها ابنها "
مرر أصابعه فى شعره وهو يقول باقتضاب " أردت مساعدتك فقط ...كما إننى جذبنى شكلك وانتى واقفة هكذا "
فنظرت إليه بحدة وقالت " بالتأكيد انت قد جننت وإن كنت تريد مساعدتى حقا احمل تلك الأطباق وقم بترتيبها على طاولة السفرة ...فأنا قد انتهيت "
" بالطبع حسنا كما تامرين " قالها بسعادة وبدأ فى حمل الأطباق وخرج من المطبخ ...وهى تزفر بتعب وقرف ......
" ما الذى تفعله ...ما هذا " هتفت بها كوثر وهى ترى مالك يحمل الأطباق
فابتسم لها " سارتب الأطباق "
" ماذا ؟؟!!" هتفت بها كوثر منزعجة ومصدومة وهى تضع يديها على فمها
" سترتب ماذا .؟؟...وأين هى لكى ترتب كل شئ"
قالتها بحدة
" هى من؟؟ " سألها مالك ببراءة
" أقصد زوجتك أين هى .؟؟...ولماذا لا تفعل هى كل هذا !!"
" انها مشغولة بالفعل وأنا من قد اقترحت عليها ان اساعدها"
" ومكانتك. ..وشكلك. ..ابنى أنا يرتب الاطباق ...لا لا يمكن ابدا "
" أمى ارجوكى ...لم يكن يوما ترتيب الاطباق يقلل من مكانتى. ..وأنا اساعد زوجتى ...وليس شخصا آخر " قالها وتركها وبدأ بترتيب الاطباق .....
دلفت إلى الغرفة وصفعت بابها بقوة خلفها وعيناها تومض غضبا ...بسبب تلك الساحرة الشريرة ...التى لم تكف عن ابدأ رأيها بأن الطعام لم يكن على المستوى المطلوب ...وأنه ليس جيدا إطلاقا ....جميع الأطعمة غير صحية بالإضافة ان مذاقها سىء للغاية .....ظلت ريم تقلد طريقتها المسرحية وهى تحرك رأسها ويديها كحماتها..."انها ساحرة شريرة حقا "
هتفت بها غاضبة وهى تحاول كبت انزعاجها و أن تمنع عيناها من السقوط ...فبعد وقوفها كل هذا الوقت رغم تعبها.....إلا انها لم تجد كلمة شكر ....على تعبها ....فالجميع صمت إلا الحاجة فيريال التى قالت ان الطعام "جميل " لكنها لم تنطق بكلمة أمام السيدة كوثر ...حتى زوجها ....لم ينطق ...وكأن الجميع خائف منها ...."يا الله " هتفت بها وهى تضع يديها وعيناها تمتلئ بالدموع ....سمعت صوت فتح الباب فمررت يديها على وجهها وشدت من ازر نفسها ونظرت إليه بغير اهتمام .....اقترب مالك منها وهو يضع يديه فى جيب بنطاله المنزلى " ريم ...ارجوكى لا تنزعجى من والدتى ....لكنها حقا هكذا ...تبدى رأيها فى كل شى بصراحة من دون خجل او شعور بمن أمامها .....لذلك الجميع صمت ولم يتحدث فقد أصبحوا يعلمون طباعها. ...لذا أرجوك تفهمى أنتى الاخرى هذا " قالها برجاء
التفتت بجسدها أخرجت ملابس نظيفة من خزانة الملابس وتوجهت حيث الحمام ...غير ابهة او مهتمة بكلماته ...فهو لم يحاول حتى الدفاع عنها او أن يشد من ازرها. ..ويخبرها حتى ان الطعام على الأقل لو كلمة جيد .....لكنه لم يفعل غير الصمت ووالدته لم تترك طريقة إلا وهى استخدمتها لتذلها......
خرجت من الحمام ....وضعت جسدها على السرير وغطت نفسها جيدا معطيا ظهرها له ....اقترب منها وما كاد يلمس بشرة ذراعها حتى قالت بحدة " ابتعد عنى يا مالك "
جلس على طرف السرير وهو يضع يده على وجهه ...ما الذى كان يجب ان يفعل والدته هكذا ...هل يصرخ فى وجهها مثلا ....وهى يجب ان تعرف طبيعة والدته ...فهكذا هى طباعها حادة .....
أغلقت عيناها وكل ما يدور فى رأسها ....انتى لم تخطئ يا ريم بإحضار تلك الحبوب ...بل انتى محقة ...هو لا يستحقك.....هذا المكان ليس مكانك ...



دق دقات خفيفة على الباب حتى أتاه الصوت
" تفضل " هتف بها عزيز
دلف خالد إلى مكتب خاله ....بعد أن عزم على فعل ما ظل يفكر به طوال اليوم ....سيتقدم لخطبة نور من خاله واليوم ...وسيحميها وسيفى لخاله ياسين بما فعله معه ومع أخيه ووالدته ....بأن يحافظ على ابنته بان يجعلها زوجته ....سيحميها من كل من يضمر لها شرا سيكون لها سندا وظهرا ....
" هل هناك شى يا خالد " سأله عزيز
" نعم يا خالى ...أنا أريد أن أتحدث معك " قالها خالد بتصميم
واقترب من خاله وجلس على الكرسى المقابل له ....فنظر إليه خاله باهتمام ....وما كاد ينطق خالد حتى وجد الباب يدق ...تبعه دخول الحارس يخبره بأن هناك ضيوف تريد رؤيت الحاج عزيز
" ضيوف من ؟!" سأل الحاج عزيز الخادم
" السيد سليم السيوفى والمحامى مراد السيوفى " قالها الحارس
" حسنا ادخلهم إلى غرفة الضيافة الكبيرة حتى أتى " أمره الحاج عزيز
فاؤما الحارس بخضوع وخرج من الغرفة ...التفت الحاج عزيز إلى خالد وقال بهدوء " ما رأيك ان نتحدث بعد أن نرى ماذا يريدان "
" حسنا " قالها خالد وهو يقف مبتعدا عن كرسيه متتبعا خاله المستند على عصاه ....حتى دخلا إلى غرفة الضيوف حيث يجلس أفراد عائلة السيوفى ....رحب بهم خاله ....وجلسوا يتحدثوا قليلا ....وعينا خالد لا تكاد تبتعد عن الفرد الثالث الذى عرف فيه انه ابن مراد السيوفى ...."حازم مراد السيوفى " ذاكرته تخبره انه رآه فى مكان ما لكنه لا يتذكر ....وحازم لا يكاد يرمقه ببرود وعدم اهتمام والنار تشتعل فى صدره ...فقد رأى خالد مع نور ذلك اليوم عند البحيرة .....أبعد حازم بنظره عن خالد وتابع حديث والده وعمه سليم السيوفى مع خال نور المدعو عزيز
" هل نستطيع أن نرى ابنة ياسين " قالها مراد بهدوء
" هل هناك شئ ما سيد مراد ...لماذا تريد رؤيتها " سأله عزيز
وما كاد مراد يحرك شفتاه حتى اوقفه سليم قائلا بوجه بشوش " لا ..لا يوجد شى ...لكن فقط نريد أن نرى ابنة صديقنا ...فهى كما تعلم كل ما بقى لنا منه ...فقط سنطمان عليها ...أن كنت لا تمانع بالطبع " نطق به سليم بعقلانية مطلقة جعلت الحاج عزيز ...يأمر خالد بالذهاب واحضارها ....خرج خالد من الغرفة وهو ما زال يرمق حازم بغضب والآخر يرمقه ببرود وغيرة فى نظراته .....
وقف عاقدا يديه أمام صدره منتظرا خروج والدته بنور ....التى ينتظرها حتى تنتهى من ارتدا ملابسها لتنزل معه ....خرجت الحاجة هيام من الغرفة ونور تمسك بكفها بقوة وكأنها ترجوها ألا تتركها ....مرر خالد عيناه على نور بتقيم ثم قال بهدوء لوالدته " ضعى شيئا على رأسها "
فنظرت إليه نور بخوف وهى تمسك بيديها تحاول ان تمنع اهتزازهما.....وبسرعة أبعدت الحاجة هيام حجابها الأسود عن رأسها والبسته لنور وربطته جيدا.....تحرك خالد مبتعدا وهو يامرها " هيا تتبعينى "
تتبعته نور بهدوء وهى تبعد عنه بضع خطوات ....
دلف خالد إلى الغرفة ...وبعده نور التى لم ترفع رأسها عن الأرض ....اشتد حازم بقبضة يده يحاول منع نفسه من الوقوف والركض إليها ....لكنه ثبت نفسه فى مكانه وعيناه تراقبها إلى أن اقترب منها والده الذى قبل مقدمة رأسها وكذلك عمه سليم الذى ضمها إليه بشوق وهو ينظر اليها بحزن ....جلست بجوار خالها وعيناها منخفضة وكأنها غير موجودة بينهم .....لم يستطع منع عيناه من النظر إليها أكثر صدم عندما نظر إليها بتركيز .....الوردة ذبلت لم يعد بها رونق ولمعان كالسابق .....
لقد كانت جميلة وناعمة ....كانت عيناها مليئة بالفرح أما الآن فهى ليست سوى شيئا هش ...قابل للكسر... حتى ملامحها الجميلة ذبلت من الحزن ...وكانها وردة ضعيفة واجهتها رياح عاتية لكنها لم تستطع الثبات اكثر فوقعت منهكة ذابلة .....لم اكن أعتقد ان الحياة ستتغلب على فتاة مثلها يوما ....لكنها فعلت !
وما أمامه الآن تجلس امرأة انهكها الآلام !مثلما انهكتها الظروف التى لم ترحم ضعفها وقلة حيلتها
رواية عندما يعشق الرجل لشيماء محمد الفصل الرابع والعشرون

الوردة ذبلت لم يعد بها رونق ولمعان كالسابق .....
لقد كانت جميلة وناعمة ....كانت عيناها مليئة بالفرح أما الآن فهى ليست سوى شيئا هش ...قابل للكسر... حتى ملامحها الجميلة ذبلت من الحزن ...وكانها وردة ضعيفة واجهتها رياح عاتية لكنها لم تستطع الثبات اكثر فوقعت منهكة ذابلة .....لم اكن أعتقد ان الحياة ستتغلب على فتاة مثلها يوما ....لكنها فعلت !

وما أمامه الآن تجلس امرأة انهكها الآلام !مثلما انهكتها الظروف التى لم ترحم ضعفها وقلة حيلتها .....لا لم تفعل ...انها متعبة فقط ....وستعود كما كانت ....ستعود فراشته الزرقاء كما كانت وستحلق كما كانت سابقا .....حدث حازم نفسه بذلك وهو يتنهد بضعف .......وعينا خالد تراقبه بتركيز شديد ....القليل من المشاعر ظهرت فى نظرات حازم الذى لم يبعد عيناه عن نور جعلت تفكير خالد يضطرب .....
استهل السيد سليم حديثه قائلا " بما أن الجميع موجود ....ف مراد أراد التحدث فى موضوع ما بوجود نور "
استطاع سليم جذب انتباه الجميع له ....فتابع السيد مراد ما بدأه سليم والاعين عليه تتابع الحديث بترقب لما سيقوله السيد مراد " يشرفنى أن أتقدم بخطبة نور لابنى حازم "
نطق بها مراد بدون اى مقدمات بصوت رخيم ...وبعدها أطبق صمت رنان بين الجميع ....وكلا منهم على وجهه نظرات مختلفة منها المذهولة والغامضة وأخرى باردة .....كانت نور منذ جلوسها بينهم صامتة مطاطاة الرأس....لكنها ما ان سمعت ما نطق به السيد مراد حتى رفعت رأسها بسرعة وتلقائية ومن دون ان تشعر عيناها التقت بعيناه التى لأول مرة تراها تنطق بشئ مختلف تماما عن بروده نحوها عن ....عن ماذا ....لم تعد تعرف ....

" لا يوجد لدينا فتيات للزواج لقد أتيت إلى المكان الخطأ ...سيد مراد " هتف بها رابح بكل تبجح وعيناه تومض غضبا وكرها وهو يقتحم الغرفة بطريقته الغير اللبقة .....مما جعل حازم يحدق به بحدة وعينا رابح تكاد تاكلان حازم وكلا منهما يرسل شرارات من الغضب للآخر ....والباقين يحدقان بهما فى صمت
أكمل مراد كلامه بدون ان يطرف له جفن لما قاله ذلك المدعو رابح واكمل كلامه قائلا بهدوء " أنا لا أريد أن اسمع رد اى شخص غير نور ....فهى ليست بقاصر ليقرر او يتحدث أحدا ما بدلا عنها "
فى حين فضل حازم الصمت فهو لا يريد أن يتدخل فى اى شئ فهو يعلم أن والده سيتصرف بالطريقة الأفضل ....
" سيد مراد .....ليس من المعقول ان تاتى لطلب يد فتاة هى مخطوبة بالفعل " قالها رابح بصوت هادء
كلمات رابح نزلت كالصاعقة على الجميع ....جعلت أعينهم ثابتة عليه ....و حازم اشتد على قبضة يده بشدة يحاول منع نفسه من توجيه لكمة قوية الى وجه ذلك الصلد لكى يكسر فمه الذى نطق بهذه الترهات .....ربما ما منعه هو اندفاع والده السيد مراد هاتفا " ما هذه التراهات التى تتفوه بها ..."
فتابع السيد سليم بعده " لقد جننت ...أنت متزوج كيف !!..."
" انها ابنة عمى وأنا الأولى بها " قالها رابح بهدوء تام

اشاح كلا من سليم ومراد بعيدا عنه ونظرا باهتمام إلى الحاج عزيز وقال سليم بحدة " أظن انك سبق وتقدمت إلى نور قبل وفاة ياسين ...واخبرك بقراره سابقا ...إذا ما الذى حدث ...وكيف ستتزوج ابنة أخيك لابنك المتزوج فعلا ..."
" سيد سليم تكلم بهدوء " هتف بها الحاج عزيز وهو يهم واقفا أمام سليم ومراد
" اى هدوء هذا ما الذى تفوهتم به ....لقد جننت انت وابنك ....أن كنت تعتقد أن بموت ياسين تستطيع ان تتحكم بابنته وتفعل ما تفعله الآن إذا أنت لا تعرف جيدا ما ستقابله....وعواقب فعلتك هذه ....هل فهمت " هتف بها مراد بقوة وعيناه تشتعل غضبا ..
" هل تقوم بتهديدنا سيد مراد " نطق بها رابح
"اعتبرها ما تشاء " قالها مراد بحدة
احتدم واشتد النقاش بينهم جميعا ....ولم يشعر أحد بالجالسة فى سكون تكتم بكاءها و جسدها يهتز بخوف وذعر من أصواتهم العالية ....تكتم شيئا بداخلها يطالبها بالصراخ حتى توقف صراخهم و أصواتهم العالية .....فوضعت يديها على اذنيها محاولة منها لخفض الصوت حتى لا يؤدى إلى جنونها. ...لكنها لم تتحمل أكثر فصدرت منها صرخة عالية جعلت الجميع يلتفت إليها ...وما كادت صرختها تدوى فى المكان حتى شعرت بكل شئ حولها اسود وسقطت مغيبة فى مكانها ......
" نوررررررر" هتف بها حازم بلهفة وذعر وأسرع إليها ....أمسك بيديها بين يديه وهو يشعر بالبرودة تجتاح جسدها المنهك .....
" ابتعد عنها " أمره الصوت من خلفه بنبرة حادة وجافة... وما كان ذلك الصوت الا لخالد الذى تقدم نحوها وأبعد الملتفون حولها وحملها وخرج من الغرفة وهو يصرخ بمن بالمنزل للأتصال بالطبيب .....



صدره يعلو وينخفض بانتظام جراء ركضه لأكثر من ثلاث ساعات وهو مرتديا بنطالا من القماش اسود اللون وتى شيرت ابيض كاشف عن جسده الرياضى ...جبهته تتصبب عرقا ووجهه يكسوه بعض الضيق ... ضيق من صمتها وعدم أخبارها له بحملها ...لم يستطع النوم منذ ان إنتهى من قراءة بعض الأوراق ودراستها وهو يشعر بأنه لن يستطيع أن يجافيه النوم كيف ينام بجوارها وهى هكذا معه لم تخبره بحقه فى معرفته بانها حامل ....لذا فكر ان يركض لبعض الوقت ربما يستطيع التفكير جيدا فيما يحدث وأولها كيف سيحل غياب جده الذى اختفى هكذا من دون علم أحد ...خائف ولا يعرف ما سبب هذا ....شعور غريب من الضيق والخوف يجتاح قلبه وعقله يجعله مضطرب الافكار لا يعلم ما سببه ...ولكنه يشعر بأن هناك شيئا سيحدث قريبا وهو لن يكون سعيدا به ....توقف أمام بوابة المنزل وهو يأخذ نفسا عميقا مخرجا إياه بقوة يحاول ان يخرج من رأسه هذه الأفكار يدعو ربه ان يمر كل شى على خير ....وفوق هذا كل ما سيفعله هو الصمت تماما ولن يخبرها بمعرفته بخبر حملها ....سينتظر حتى تأتى اليه وتخبره هى بنفسها وحينها سيعلم سبب تكتمها .....دلف الى المنزل وصعد درجات السلم الداخلية بثبات ...

آلم حاد انتشر اسفل ظهرها .... فبدأت تاخذ نفسا عميقا ثم تزفره ببط محاولة منها ان تتماسك .... واشتبكت قبضت يدها على حافة حوض الاستحمام والأخرى وضعتها على بطنها تحاول أن تخفض من شدة الألم ....وهى تضعف اكثر واكثر حتى بدأ العرق يتصبب على جبهتها ....والألم يزداد حدة وقوة فأصبحت تجد صعوبة فى الوقوف والاحتمال ورغبة أكثر فى البكاء والصراخ من شدة الألم ....أغمضت عيناها بقوة وهى تحاول بلع ريقها والتماسك وعدم الصراخ فخانتها عيناها ونزلت دموعها حارة ....فتحت عيناها بسرعة وهى تحاول كتم شهقاتها .... ومن دون ان تشعر خرج صوتها ضعيفا ومهزوزا وهى تنادى باسمه "سيف "نادت لعله يستمع لصوتها ويأتى لانقاذها لكنه لم يأتي .....ماذا تفعل ؟؟؟تساءلت أروى فى نفسها حاولت التحرك ولكن قدميها أصبحت أكثر ثقلا ولم تعد تستطيع تحريكهما.....شعرت بشئ حار ينزل ما بين ساقيها .....اخفضت عيناها وفزعت حتى ان ملامحها بهتت عندما وجدت قطرات من الدماء تسقط على ارضية الحمام الرخامية ..... فشعرت بجسدها يضعف أكثر وأكثر حتى تهاوت على الأرضية الرخامية وهى تتمتم بخوف وهى تكابد حتى لا تفقد الوعى " سيف...ابنى لا أريد أن افقده...." أغلقت عيناها بقوة وهى تبكى بصمت
دلف إلى الغرفة و أول ما التقطته عيناه عندما دلف هو السرير الذى وجده فارغا منها .." أين ذهبت ...هل يمكن أن تكون قد استيقظت مبكرا هكذا " تسأل سيف وهو يزم شفتاه بتفكير ....اجفل عندما شعر بسقوط شيئا ما....عقد حاجبيه بقوة وهو يشعر ببعض الحيرة ....ومن دون اى تفكير منه توجه نحو غرفة الملابس التى بداخلها الحمام وليحدث ما يحدث سيدخل فعقله يخبره بأن هناك شئ سى ....دلف إلى الحمام مباشرة ...بحث بعيناه واقترب ببط إلى الداخل ......تسمر مكانه وهو يراها ساقطة على الأرض ....وفتح عيناه ذعرا عندما رأى الدماء التى على أرض الحمام ....لثوانى شعر انه مغيب وغير قادر على فعل شئ ....وما أخرجه من فزعه وذعره عليها ....هو صوتها الذى خرج ضعيفا تنادى باسمه وهى شبه مغمضة " سيف "
جثى بقدميه إليها وهو يحاول وضع يديه على وجهها هاتفا بقلق " أروى. ..أروى ...أروى "

مرر يديه على شعره وهو كالتاءه لا يعلم ماذا يفعل ....طبيب نعم ...طبيب مشفى ...مشفى ....رددها سيف بخوف....وضع يد أسفل ظهرها والأخرى أسفل قدميها ....وحملها وهو يركض خارج الغرفة بعد ان وضع عليها الروب وهى متشبثة به بقوة وعيناها تملاها الدموع وتقول بألم وصوت ضعيف " أنه مؤلم....مؤلم للغاية لم أعد أستطيع تحمل هذا الألم "
فضمها إليه بقوة وهو يحاول تهدءتها وهو يضع قبلة دافئة على جبهتها " لا تخافى سيكون كل شئ بخير ...لا تخافى "
" سيف ....لا أريد أن افقده ..انا خائفة. ..خائفة للغاية"
اهتز قلبه لنطقها باسمه بهذه النبرة ...وألمه قلبه لالمها وخوفها فقال وكأنه يعدها " لا تخافى ستكونان بخير...أعدك " نطق بها يحاول أن يمد نفسه بالقوة مثلما يفعل معها
وكأنها كانت تنتظر كلماته تلك واغمضت جفنيها تاركة نفسها بين يديه ....نزل آخر درجة للسلم وهو يحدق بها بقوة اهدابها التى تغطيها الدموع تشبثها به بيديها رائحتها ...رائحتها التى كانت تجعله مرهقا من التفكير وصوتها الذى كان يناديه الان باسمه ...كل هذا يذكره بشئ ...شئ يحاول تذكره ...وفى لحظة مر عليه ما حدث له وهو فى المشفى كالشريط المسجل ...."انها هى" هتف بها سيف فى نفسه وعيناه متسعتان مما اكتشفه فى هذه اللحظة ....انها من كانت تبكى على كتفه وهو بين الحياة والموت ....انها من كانت تنادى باسمه تناجيه وترجوه ليستيقظ من ثباته هذا انها ....انها من كان يبحث عنها ...ابعد افكاره بسرعة عن راسه فهذا ليس وقت اكتشافه ...فاهم شى الان هى ..هى وطفله .....وضعها خلف مقعد السائق وصعد للسيارة وانطلق بأقصى سرعة لديه ....وفى خلال دقائق وصل إلى المشفى التى كان من حظه انها لا تبعد كثيرا عن منزله ......توقف بسيارته بطريقة عشوائية ....ترجل من السيارة وفتح باب السيارة وحملها و توجه نحو باب المشفى وهو يصرخ بكل من يقابله سواء أطباء او ممرضيين لانقاذها. ...حتى الأمن لم يسلموا من غضبه الحاد عندما حاولوا منعه من الصراخ .....فما كان منه إلا وجه إليهم بعض السباب.....
أتى عدد من الممرضين وهم يجرون ذلك السرير المتحرك لنقلها ....وعندما بدأ سيف بوضعها على السرير برفق وجدها متشبثة به بيديها رغم أنها مغيبة ووجهها الذى ظهر عليه الشحوب ....فاجتاحه مزيد من القلق والخوف ....رغم انه لم يكن يريد تركها لكنه وضعها على السرير مرغما ....ما ان وضعها على السرير حتى تحرك الممرضين بسرعة نحو أحد الغرف حاول الدخول لكنهم منعوه.....فاشتد غضبه وهو يصرخ بالجميع بهستيرية وكانه ثور هائج. ...لولا مجى الطبيب الذى اتى واخبره ان ما يقوم به الآن لن يساعد زوجته بشئ بل سيسبب لهم الإزعاج ولن يستطيعوا الاهتمام بالمريضة جيدا ....صمت وهو يتحامل على نفسه محاولا السيطرة على قلقه وغضبه .....
أخذ ردهة المشفى ذهابا وايابا كالاسد الحبيس فى القفص وهو يمرر يديه على وجهه يحاول أن يهدأ من توتره....مرت الدقائق عليه كالدهر.... وفى لحظة فكر فى عمته فبالتأكيد أروى ستكون بحاجة الى والدتها فى هذا الوقت ....أخرج هاتفه من جيب بنطاله واتصل بها ليخبرها بما حدث ....فأجبته بهدوء انها ستاتى إليه .....وقف أمام الغرفة التى دلفت إليها وهو يصارع رغبة قوية فى اقتحام المكان ورؤيتها ...فوقوفه هكذا وهو يشعر بضعفه وعدم قدرته لفعل اى شئ لمساعدتها عندما رآها أمامه تنزف وهى شبه مغيبة يجعله يجن .....هرع إلى الطبيب ما ان راءه خارجا من الغرفة ومعه أحد الممرضات
فنظر إليه سيف بترقب وهو يحاول منع نفسه من الصراخ وهتف بلهفة " كيف حالها "
....ما ان نظر إليه الطبيب حتى قال بهدوء وهو يبعد ذلك القناع عن أنفه وفمه بأصابع يده " حسنا ...هناك بعض التعقيدات ....وربما نفقد الجنين "
نزلت كلمات الطبيب عليه كالصاعقة ...سكين من الرعب اصابته ....يفقده ....يفقد ابنه.....تصلب مكانه والطبيب ينظر اليه بترقب ....صارع نفسه كى يكون هادئا ومجبرا نفسه على الكلام " افعل ما تراه مناسبا ...اهم شئ ان تكون هى بخير " نطق بكلماته وهو يفكر أن أهم شى بالنسبة له الآن ...هى فقط ...ولا يوجد شى اهم بعد ذلك .....
أتت السيدة فريدة والدة أروى ووالدها (عادل ) اللذان ملاءهما الرعب على ابنتهما الوحيدة .....دلف والد اروى الى الغرفة التى بها ابنته بعد ان علموا انه طبيب أيضا .....ووقف كلا من سيف وعمته فريدة بترقب امام الغرفة ....

بعد ما يقارب الساعة خرج الطبيب عادل ومعه الطبيب الآخر الذى كان يفحص اروى ....
فاقترب منه سيف هو وعمته فريدة
فقالت فريدة بسرعة ونبرة حزينة قلقة " كيف حال ابنتى يا عادل ...اخبرنى ماذا حل بصغيرتى "
" اهدءى يا فريدة اروى بخير هى والجنين " نطقها عادل بهدوء ثم وجه نظره إلى سيف الذى لانت ملامحه وزفر بارتياح ما ان سمع كلمات والد زوجته ....

وضعت السكين الصغيرة على الطاولة الرخامية فى المطبخ بعد ان انتهت من تقطيع مكونات السلطة فى الطبق أمامها ....غسلت يديها ثم قامت بتنشيفها بالمنشفة الصغيرة ....ثم قامت بوضع يدها فى جيب عباءتها الشتوية المصنوعة من القطيفة ذات اللون الوردى ملتفة على جسدها بإتقان وكأنها جلد ثانى لها مبرزا تفاصيل جسدها بإتقان بداية من كتفيها ثم صدرها وخصرها النحيف نزولا إلى باقى جسدها الذى يظهر انه قد امتلى فى الأيام الأخيرة بطريقة ملحوظة بسبب جلوسها فى المنزل وعدم خروجها كالمعتاد فقط كانت دائما حريصة على المشى حتى لو نصف ساعة عندما تذهب الى المشفى ....بالإضافة إلى التهامها للطعام بشكل مستمر ...محاولة منها ان تفرغ الطاقة السلبية من الغضب والانفعال لجلوسها مع حماتها المستبدة التى تعاملها كأنها خادمة قد جلبها لها ابنها المدلل .... أمسكت بهاتفها وضغطت على بعض الأزرار ثم وضعت السماعة على اذنيها بيد وباليد الاخرى أمسكت حبة جزر وهى تقطمها باسنانها بهدوء منتظرة أن يجيب عليها ماهر
" ماهر " نطقت بها ريم بهدوء ما ان سمعت صوته
" كيف حالك يا ريم ...لماذا لم تأتى اليوم ..لقد اخذتى إجازتك منذ ثلاثة ايام واليوم اليوم الرابع ولم تأتى ...هل هناك شئ ما "
" لا لا يوجد شئ. ...لكن فقط ...انا ..مشغولة هذه الأيام ولن أستطيع الحضور وعندما أعود سأخبرك بكل شئ لا تقلق " قالت كلماتها بسرعة ثم ودعته وأغلقت الهاتف ...
أعادت الهاتف إلى جيب عباءتها وهى تزفر بقوة ...فماذا هى ستفعل فخدم المنزل لم يأتوا منذ ثلاثة ايام وها هو اليوم الرابع ولم يحضر اى أحد منهم لذا كان عليها هى أن تكون مسئولة عن كل شى ليس من أجل حماتها المزعجة ولا حتى من أجل زوجها لكن فقط من أجل الحاجة فيريال وزوجها الحاج رشاد اللذان تعاملا معها بدف وحنان وكأنها ابنتهم او أحد احفادهما. ..وهى أيضا احبتهما. ...ظهرت ابتسامة على وجهها فما الضرر فى العمل فى المطبخ وإعداد الطعام فقد علمتها جدتها كل شئ وجعلتها طباخة ماهرة مثلها ....و أيضا أتت هذا كله فى صالحها فهى حقا كانت تحتاج إلى هذه الإجازة ....
دارت بجسدها وبدأت فى إكمال الطعام
" ما هذا ....ما هذه الرائحة " قالتها السيدة نوال بقرف
اجفلت ريم من صوتها المزعج فزمت شفتاها والتفتت إليها وهى تقول ببرود " رائحة انا لا اشم رائحة شئ غير. رائحة طعامى الرائع "
فرفعت نوال حاجبيها وهى تقول بتهكم " رائع. ..حسنا ...لكن هناك رائحة ثوم "
" وما المشكلة الثوم من أجل (الملوخية)"
" ماذا " هتفت بها نوال باستنكار ...فاغمضت ريم عيناها وهى تعد للعشرة حتى لا تقتل تلك المرأة
فتابعت نوال وهى تقول " ماذا ...ألا تعلمين أن مالك لا يحب الثوم فى اى طعام ...كيف تضعينه هكذا فى هذا الشئ الذى تقولين عليه "
احتقن وجه ريم بالغضب من هذه المرأة ....ومن أجل سلامة نفسها وعدم قتل حماتها و فضلت الصمت وإدارات جسدها بعيدا عنها وبدأت فى إعداد الطعام متجاهلة حماتها ....كما جعلت الاخرى تشتد غضبا وقالت محاولة اغاظة ريم
" اوه نسيت اخبارك مالك لن ياتى للعشاء فلديه بعض الاعمال لم ينتهى منها بعد "
قالت كلماتها وخرجت من غرفة المطبخ ووجهها يكسوه الغرور ....ما ان خرجت من غرفة المطبخ حتى شعرت ريم ببعض الضيق من كلامها .....فرغم انها زوجته إلا أنها آخر من يعلم باموره فلم يكلف نفسه حتى بالاتصال بها وأخبارها هى بدل من والدته .....تنهدت بضعف وابتسمت بخبث فهى كانت ستقوم بعمل مفاجأة له أما الآن فستقوم بعملها بشكل آخر .....
بعد ان انتهت من إعداد الطعام وتناولهم للعشاء صعدت إلى غرفتها و هى عازمة على فعل ما تفكر به .....
وصل إلى المنزل فى ساعة متأخرة بعد يوم شاق ومتعب من العمل المكدس عليه منذ عدة ايام ...استطاع أن ينهى بعضا منه والباقى سيحاول الانتهاء منه غدا ....ترجل من سيارته الزرقاء ...وأغلق بابها بقوة ...ثم توجه نحو بوابة المنزل ...دلف إليه فوجد السكون يعم المكان فالجميع نيام ....صعد درجات السلم متوجها حيث غرفة نومه هو وزوجته
ما ان دلف إلى الغرفة حتى ضم فمه وانفه بقرف وهو يشم رائحة غريبة فى الغرفة جعلته بتلقائية يضع يده على أنفه محاولة منه لمنع وصول الرائحة إلى أنفه ....وبدأ يخطو داخل الغرفة وكلما كان يقترب من السرير التى تجلس عليه زوجته كلما كانت تشتد قوة الرائحة وتظهر أكثر ....فظهر الانزعاج جلى على وجهه وهو يفكر عن مصدر تلك الرائحة المزعجة .... اقترب منها وهو يراقب جلوسها على السرير وهى تحمل أحد الكتب العلمية فى يديه وتتفصحها بتركيز ....فظهرت ابتسامة على ثغره ....وفى رأسه تتبلور فكرة ...بأن يقترب منها و يأخذها بين احضانه ويقبلها ليعبر عن شوقه وحبه لها .....وما ان مال برأسه نحوها وهو يحاول خطف قبلة ما على رأسها او حتى وجنتها. ...حتى وصل إلى أنفه تلك الرائحة التى يكرهها ويبغضها فابتعد عنها وكأنه مسه جان وارتطم جسده بخزانة الملابس وهو يضع يده على أنفه وهو يقول باشمءزاز "من أين هذه الرائحة. ...ما مصدرها ....كيف تتحملينها هكذا وتجلسين ....يجب أن أحضر أحدا ما لتنظيف هذه الغرفة او على الأقل ننتقل منها " قالها بسرعة
فرفعت اجفانها إليه وهى تقول بهدوء كاذب وتحرك أنفها تبحث عن الرائحة التى يتحدث عنها زوجها " رائحة.. ماذا. .انا لا اشتم شيئا "
حاول مالك أبعاد يده لكنه ما ان يفعل حتى يشتم تلك الرائحة فاقترب من ريم ....وكلما كان يقترب كانت تشتد الرائحة أكثر ...ومقابل ذلك كان يشتد بيديه أكثر ...حتى لم يتحمل قوة الرائحة أكثر فاضطربت معدته وشعر بالغثيان وركض إلى الحمام محاولا التماسك وعدم إفراغ معدته على ارضية الغرفة ....ما ان رأته ريم هكذا حتى ظهرت ابتسامة واسعة على ثغرها ...فهى ستحقق انتقامها منه .....خرج من الحمام ووجه مبتل ويمسك منشفة بيديه ويضعها على فمه قائلا بتعب
" هناك رائحة ثوم ....وقوية أيضا "
فعقدت حاجبيها بتفكير مصطنع " ثوم ....أوه نعم "
فرفع أحد حاجبيه بتعجب " أوه نعم.. ماذا "
بلعت ريقها وقالت بهدوء " أنت تعلم منذ إجازة الخدم ولم يعد أحدا منهم حتى الآن فأنا المسئولة عن إعداد الطعام ...فتابعت بابتسامة ...فقمت بصنع (ملوخية) من أجل جدتك فقد طلبتها منى .....فاعطته ظهرها وهى تبتسم وتتابع بمكر ....لذلك ربما هناك بعض الرائحة متعلقة بملابسى ...بالإضافة إلى إننى أيضا قررت الاستفادة من الثوم المتبقى "
" الاستفادة .." نطق بها مالك وهو ما زال يضع المنشفة على فمه ولم ينبس بعدها ببنت شفه يحثها على المتابعة
فقالت ببرود " قررت صنع منه وصفة رائعة لشعرى ...فكما تعلم شعر المرأة هو نصف جمالها "
ظهر الإعياء والقرف بالإضافة إلى خيبة الأمل على وجهه ..فبعد عودته من يوم عمل طويل شاق ....وهو يفكر فى أخذ زوجته بين احضانه ومعانقتها وبعد ذلك ينام بين أحضانها بسلام ...وبدلا أيضا من ان تنتظره بملابس مغرية ورائحة جذابة وجدها بعباءتها المنزلية المتعلق بها رائحة الثوم والطعام بل أكثر من هذا تضع وصفتها السحرية على شعرها فى هذا الوقت بالذات ....
فقال ببلاهة " وصفة ...لكنى أجد رائحة أكثر فظاعة من الثوم نفسه "
فابتسمت بمكر " نعم فأنا قد وضعت زيت زيتون وزيت خروع "
"خروع " نطق بها بقرف
" نعم خروع ....ان فوائده عظيمة للشعر فهو يساعد على اطالته. ..وزيت الزيتون يجعل الشعر ناعما " إجابته باقتناع تام
ضغط على شفتاه بقوة وهو يكابد نفسه حتى لا يصرخ ويبكى على حظه العاثر ...لكنه لا لن يسمح لها بتدمير أحلامه فى هذه الليلة .....فقال بهدوء تام وعشق يشتعل بين عيناه التى لم يستطع أن يبعدها عن النظر والتمتع فى منحنيات جسدها رغم ملابسها تلك " ريم لا أعتقد انك بحاجة إلى مثل هذه الوصفات ...انها مجرد هراء ....وإن كنتى تريدين الاهتمام بشعرك هناك منتجات أفضل من هذه الوصفات ولن يصدر منها مثل تلك الرائحة....لذلك اذهبى ونظفى شعرك " ثم وقف أمامها مباشرة وهو ينظر اليها بمكر
ارتبكت من نظراته لها ...فبلعت ريقها وقالت بثبات " لا ...يجب أن تبقى على شعرى لمدة نصف ساعة أخرى "
ظهر الغضب على وجهه وقال بحفيف ينذر بالخطر " ريم اذهبى واغسلى شعرك " ثم مال نحوها بأعين تشتعل حبا وتابع بمكر وهو يقترب من شفتاها بشفتاه حتى لم يعد يفصل بينهما أقل من سنتيمتر " أريد أن أخبرك بشئ ...انه شئ مهم للغاية وسرى أيضا جدا جدا جدا ..."
سحرت من نظراته و اخفضت اهدابها وهى تشعر بيديه تلتف حول خصرها باغراء جعلتها بتلقائية تضع ذراعيها حول رقبته تحاول أن تقربه منها وهى تشعر بأنفاسه وشفتاه قرب فمها ... وما كاد تلتقى شفتاهما ...حتى سمعت صوته وهو يقول بمكر وابتسامة اغراء على وجهه
"لا ليس الآن ..اذهبى ونظفى شعرك أولا "
فتحت عيناها بصدمة من كلماته وابعدت ذراعيها عن عنقه وهى تنظر إليه بحدة ووجهها محتقن من الغضب والخجل فى نفس الوقت ....لو كان أحد سكب عليها كوب من المياه المثلجة الآن لكان أفضل لها مما حدث لها منه .....
احمرت عيناها وقالت بحدة وهى تضربه على كتفه " لا الآن ولا بعد ذلك ...فلتذهب إلى جهنم الحمراء ..أنت ...ووالدتك "
قالت كلماتها وهى تتوجه نحو الخزانة وهى تقف أمامها لا ترى شيئا مما يجب ان تأخذه ....
صدرت منه ضحكة مجلجلة من تصرفها وقال وهو يحاول أخذ أنفاسه " وما شأن والدتى الآن "
زمن شفتيها بانزعاج وهى تقول " بدلا من ان تتعب نفسك وتخبرنى انك ستتاخر اليوم أخبرت والدتك ...وماذا عنى الست زوجتك وحق لى أن تخبرنى " قالتها بغيرة وقلق لم تقصدهما....فلمعت عيناه بسعادة وهو يرى نظرة مختلفة عن نظراتها السابقة له ...انها ليست تلك المرأة المتكبرة والمغرورة ذات العنفوان. ...انها الآن زوجته التى تشعر بالقلق عليه ....عضت على شفتاها بقوة تتمنى أن تنشق الأرض وتقوم ببلعها الآن بعد فداحت ما نطقت به ومشاعرها التى ظهرت من دون ان تشعر فتلونت وجنتاها باللون الأحمر ..... فاقترب منها وهو يضع يديه على كتفيها .....يديرها إليه وهو يقول بسعادة واضحة فى عيناه ." هل تشعرين بالغيرة من والدتى ...وتقلقين على ..ريم هل نمى بعض المشاعر فى قلبك لى ....ريم حقا انا أعشقك "
بلعت ريقها وهى تشعر بأن وجنتيها تكاد تحترقان مما هى به الآن ...فالتفتت بجسدها نحو الخزانة تحاول ألا تظهر مشاعرها .... ظهرت ابتسامة على وجه مالك واقترب منها بجسده وهو يلف يديه حول خصرها من الخلف قائلا قرب اذنيها " أحبك حتى آخر نفس فى حياتى ...وسانتظر....سأنتظر حتى تخبرينى بما أتمنى سماعه "
أغمضت عيناها بقوة وهى تبتلع ريقها ....وقلبها يكاد يقفز من مكانه انه رائع .... نهرت نفسها بقوة فهى لا لن تقع فى هذا الفخ ...سيتركها. ..نعم فى النهاية سيتركها ولن يكون هناك غيرها الخاسر والمتاذى ....أخرجها من تفكيرها ...وهو يمرر إحدى يديه بين ملابسها وهو مازال محتصنا إياها من الخلف ووضع بين يديها قطعة ملابس ما " ارتدى هذا " قالها بهدوء
وكمحاولة منها للهروب تحركت من بين يديه وتوجهت نحو الحمام وهى تحمل بين يديها ما اختاره .....
انتهت من غسل وتنظيف شعرها وجسدها ...وامسكت بين يديها ما اختاره لها مالك ....شهقت بقوة وهى ترى ما اختاره ذلك المنحرف ....
" أيها المنحرف ...انه قليل تهذيب ...يحتاج ان يتربى من جديد ...لقلة أدبه تلك " ظلت تتمتم بها ريم ووجهها يحمر من الخجل ....فزوجها أختار قميص نوم اسود اللون طويل يظهر مفاتنها .....ضغطت على شفتاها بقوة وهى تفكر ما الذى ستفعله الآن انها فى موقف لا تحسد عليه بالتأكيد ....لن تستطيع الخروج بروب الحمام فقط فهو قصير وهو بالخارج ولا بذلك القميص أيضا ....مررت يديها وهى تكاد تنفجر غيظا
جلس على السرير واستند بظهره على ظهر السرير وهو يصدر صفيرا عاليا ....يحاول أن يمنى نفسه بما سيراه الآن وأفكاره تتقاذف أمامه بمكر .....ستخرج وسيراها ...سيراها اخيرا وهى مغرية .... قبض بيديه بانتصار ....سمع صوت باب الحمام يفتح ولكنه فرغ فاها واتسعت عيناه من الصدمة مما يرى وهو يكاد يبكى ويصرخ فى نفسه " لا ...لا ..لا ...فهذا ليس ما كنت أريد أن أراه "
وقفت بانتصار أمامه وهى ترتدى قميص النوم وفوقه روب الحمام القطنى ملتفا حولها بأحكام مانعا اى جزء من جسدها من الظهور مرر يده على وجهه ....ونظر إليها مرسلا إليها نظرة غاضبة ...وابتعد عن السرير وهو يضع يديه فى جيبى بنطاله البيتى وهو يزفر بغضب ....بلعت ريقها بخوف من نظراته تلك ....واقترب منها وهو يصتك على اسنانه قائلا " لماذا تفعلين معى هذا "
ارتجفت اوصالها ثم تابع وهو يقترب منها قائلا " اظن انك تفهمين مقصدى من ذلك القميص لماذا إذا لا ...لماذا يا ريم ....ارجوكى " قالها برجاء وهو يضع يديه على ذراعيها
بلعت ريقها وهى تحرك اهدابها وهى تنظر إليه بخوف لا تعلم سببه ان كان من الخوف من الحب وبعد ذلك جرح نفسها ام الخوف من نظراته والسقوط بين يديه فقال وهو يقول بصوت متهدج قرب شفتاها " ارجوكى "
فقالت بهدوء يشوبه بعض الارتباك " ما ...ما الذى تريده "
وضع قبلة صغيرة قرب فمها وهو يقول " أريدك أن تريدينى. ..ايصعب فهم هذا "
قالها ثم تبعها قبلة فوق شفتيها معانقا إياها بقوة ....وهو يسقط بيديه ذلك الروب عن جسدها ....ومعه لم تستطع التفكير فقط تركت قلبها بين يديه



حاولت فتح عيناها لكن كانا جفنيها ثقيلان للغاية و وجدت صعوبة فى فتحهما جاهدت حتى فتحتهما اخيرا لكن الرؤية كانت ضبابية أمامها.....عقلها كان مشوشا إلا أن أول شئ تذكرته هو طفلها وحركت يدها بسرعة ووضعتها على بطنها وهى تقول ببكاء " ابنى ....طفلى "
اقتربت منها والدتها بسرعة وهى تضع يديها على رأس أروى وطبعت قبلة على جبهتها وهى تقول باطمئنان " حمدا لله انك بخير صغيرتى"
" ابنى ...طفلى " قالتها بصراخ حاولت والدتها التكلم لكنها وجدت زوجها يدلف إلى الغرفة وجلس على السرير وهو يضم أروى إلى صدره قائلا بحنان " لا تخافى طفلتى ....انتى والطفل بخير ...اهدءى "
نظرت إلى والدها برجاء وهى تقول " أبى أرجوك لا تكذب على ...هل حقا بخير ...أرجوك "
أبتسم عادل وضمها إليه أكثر وهو يقول بتأكيد " أقسم انه بخير "
واقتربت والدتها منها وهى تضم وجه اروى بين يديه " حبيبتى لماذا سنكذب. ..أن لم تكونى تصدقينا ساثبت لك ....وتابعت كلامها وهى تمسك بيد اروى اليمنى ووضعتها على بطنها وقالت بسعادة ....إلا تشعرين به ....حملقت اروى بوالدتها وقالت بسعادة وهى تبكى" نعم ...نعم انه ...انا ..انا أشعر به ...ابنى ...ابنى بخير يا أبى ...أمى طفلى بخير ...وازداد بكاءها وهى تقول ....لقد ...لقد رأيت دماء ...ارتعبت. .من ان يكون ...أن ...سيموت "
ضمها عادل إلى حضنه وهو يقول بصوت حزين منكسر فقد رأت ابنته الوحيدة الموت بعيناها اليوم والمه قلبه عندما راءها تبكى رغم أنها كانت مغيبة وغير واعية
" لم أستطع أن أرى دموعك ...يا صغيرتى ..وألا أحاول إنقاذ طفلك ...لم أكن ساتحمل كسر قلبك ولا فرحتك بأول مولود لديك ...دعوت الله ألا يحدث لك او للطفل شئ. ..بذلت كل جهدى حتى اوقفنا النزيف واصبحتى بخير انتى وجنينك....ثم ابعدها عنه وهو يقول بدف
" الباقى عليكى من الآن لانه لو حدث اى شئ حينها لن أستطع فعل شئ ....فرفعت اهدابها ونظرت إليه بعدم فهم ...أبتسم من نظرتها وقال بهدوء
" عليكى ان تهتمى بنفسك ...لا يوجد حركة ..الطعام يكون منتظما ...لا إرهاق ...لا قلق او تفكير باى شئ ...كل ما أريدك أن تفكرى به هو جنينك وفقط ...فهمتى "
ابتسمت أروى و اؤمات براسها على كلام والدها .....نامت على السرير بعد أن وضعها والدها برفق عليه .....دارت بعيناها فى أرجاء الغرفة لكنها لم تجده ...فتلالات الدموع فى عيناها ...اقتربت والدتها منها ما ان لاحظت حزنها الظاهر ...فقالت بابتسامة ..." سيف ذهب لتبديل ملابسه ...وأيضا لإحضار بعض الملابس لك ....لقد كاد يجن وانتى هكذا ....لقد كان مثل الأسد فى المشفى غاضب حتى طاح بكل من فى المشفى ظل واقفا كعمود الإنارة طوال الفترة التى كنتى بها فى الغرفة ....انه شخص رائع. ..قالتها فريدة بمكر
فرد عليها عادل بهدوء " نعم ...حتى الطبيب اخبرنى انه عندما أخبره انه ربما يفقدون الطفل أخبرهم أن أهم شى هو انتى "
" بالطبع أليس ابن أخى...انه رااااءع " قالتها فريدة بتفاخر. ...فضحكا كلا من اروى وعادل
" حقا ...حقا هو كان قلقا على ...ام انه فعل كل هذا فقط من أجل الواجب او ليظهر أمام والدتى ...انه ليس سيء ويحافظ على ابنته ...قالت اروى فى نفسها وتنهدت بقوة ...
التفت فريدة بجسدها ما ان سمعت خطوات سيف و دخوله إلى الغرفة بثبات وبهالة غريبة من العظمة ترافقه ...ارتدى ملابس مريحة بنطال من القماش و سترة جلدية وتحتها تى شيرت ابيض اللون ...وبين يديه حقيبة صغيرة ....
" مرحبا "
قالها بهدوء وعيناه على أروى بتفحص وتركيز ...وجهها شاحب للغاية جراء ما حدث لها اليوم ...حقا لقد كاد يجن اليوم ..لو كان أحدهم جرحه بسكين فى قلبه كان سيكون أفضل مما واجهه اليوم ...لأول مرة فى حياته يشعر بأنه بهذا الضعف ومكبل اليدين وغير قادر على إنقاذها او انقاذ طفله مجرد التفكير بأنها من الممكن ان يحدث لها شئ ...يجعله يجن ويتمنى الموت قبل أن يرى هذا ...كانت بين يديه ترجوه ألا تفقد طفلها ...لكنه عندما خير لم يفكر غير بها فقط ...لكنه حينها شعر بأنه ولأول مرة ينكث بوعده لأحد ....ومع من ...مع المرأة التى انقذته الصوت والجسد الذى كان يناجيه حتى يستيقظ والا يتركها ....لو يستطيع ان يذهب إليها الآن وياخذها بين احضانه ....لكنه لا يستطيع ...ما زال هناك شئ ناقص بينهما حتى يكونا بهذا القرب وتلك الحميمية ...... واولها عدم اخباره أنها تعرفه او قابلته من قبل ...او حتى قول بأنها كانت تعرفه قبل ان يتزوجا. ...بالإضافة انها لم تخبره بحملها ...لماذا هذا الغموض بها ...ما الذى يجعلها صامتة هكذا ...ما الذى حدث حتى تكون قاسية هكذا معه رغم أنها تحبه ....يا الله رأسه سينفجر من التفكير .... لكنه سيأخذ حقه منها بطريقته ...سيعلمها ألا تخفى عنه شى مرة أخرى ...فهذه ستكون أول واخر مرة ستقوم بفعلها
اجفل عندما سمع صوت إغلاق الباب ...وخروج عمته وزوجها من الغرفة بعد ان سحبته وراءها ......
وضع الحقيبة بجوار السرير ونظر إليها وهو يقول باهتمام " كيف حالك الآن ...هل تشعرين باى آلم "
هزت رأسها وهى تقول " لا ..انا ..انا بخير "
" حسنا " قالها بهدوء. ..ثم تابع بصرامة " ارجو أن تهتمى بنفسك فانتى لم تعودى مسئولة عن نفسك فقط ...بل وأيضا عن الجنين الذى تحملينه....ولا تكونى مستهترة. ...وفوق كل هذا عندما تخرجين ...سنتحدث عما فعلتيه "
ترقرقت الدموع فى عيناها و ضغطت على شفتها السفلى تحاول كبت دموعها ....من طريقته تلك معها حتى وإن كانت فعلت كل ما يقوله ما كان يجب ان يقول هذا الكلام .... سقطت دمعتها على جفنيها فمسحتها بسرعة ...ولكنه اقترب منها وجلس على السرير بجوارها قائلا بهدوء وهو يؤنب نفسه على طريقته تلك معها لكنه لم يستطع إخفاء انزعاجه " أروى. ..لقد أخطأت بعدم أخبارى ....لدى حق مثلك تماما "
فزدادت شهقاتها واهتز جسدها وهى تبكى فضمها إليه وهو يربت على رأسها محاولا تهدءتها
فقالت بصوت متقطع " انا ...انا آسفة ...لم أكن ..لم أكن "
" هش...لا وقت للكلام الآن ....اهدءى ...اهم شئ انك بخير الآن ...لا يهم اى شئ آخر ...اهدءى " ووضع قبلة أعلى رأسها ثم على جبهتها وصولا إلى عيناها ...وضمها إليه حتى نامت بين احضانه ..ثم وضعها على السرير بهدوء ....نظر إليها وهو يبتسم ...قائلا بخفوت وهو يمرر يديه على شعرها " لقد سامحتك. ...من أجل دموعك هذه ...انا سامحتك ...فقط كونى قوية "



فى منزل مراد السيوفى كان يجلس كلا من سليم السيوفى وابن عمه مراد السيوفى
" ألم تعرف اى شى عن نور يا سليم ...انا المخطئ ...ما كان يجب ان نتركها ونعود كان يجب ان نحضرها معنا " قالها مراد بغضب
فرد سليم بهدوء
" مراد. .أرجوك كن هادئا ...اى شئ سنفعله ونحن غاضبين سيوقعنا بالمشاكل ...ونحن يجب ان نجد اى شى لايقاع عزيز ..وجعله بين اصابعنا حتى يوافق على الزواج ....لأن كل ما سيحدث او نفعله بطريقة متهورة لن يجعلنا نفقد غير نور ...فيكفى ما بها ....ابن عمتها خالد يتصل بى كل يوم ...ولكن حالتها كما هى صامتة " نطق كلماته الأخيرة باسف
جلس مراد على الكرسى و دفن وجهه بين يديه بتعب
" يا الله لم أكن أعتقد انها ستعانى هكذا بعد وفاة والدها ... سليم يجب ان نفعل اى شى حتى لا تبقى نور فى منزل عمها ....لو تطلب الأمر عمرى يجب ان تكون هنا ..مهما كان الثمن "
" لا تقلق كل شئ سيكون بخير ...قالها سليم ثم تابع بابتسامة ...وحتى أن وقفنا مكتوفى الايدى ولم نفعل شيئا فابنك لن يفعل ...حازم يحب نور حقا ...ألم ترى قلقه عليها "
فأصدر مراد ضحكة عالية ....لم يوقفها إلا دخول حازم إلى المكتب وهو يحمل بعض الأوراق بين يديه
" مساء الخير " قالها حازم بهدوء
فرد عليه كلا من والده وعمه " مساء الخير ...وتابع والده متسائلا....أين كنت ..كل هذا الوقت "
"لقد كنت أنهى بعض الأمور...هل تحتاج إلى شئ يا أبى " أجابه حازم
" لا "
" حسنا استاذنكما الآن " نطقها وخرج من الغرفة
دلف إلى غرفته ووضع الأوراق على الكومود بجوار السرير ....ثم قام بخلع سترة بذلته تبعها قميصه الأسود ....تنهد بقوة وجلس على السرير وهو يمد يديه نحو الأوراق ...سحبها ثم بدأ بتفحصها. ...منذ اليوم الذى كان به فى منزل عم نور ....وبعد ما حدث لها أمامه ولم يستطع فعل شئ عندما راءها تحمل بين يدى ابن عمتها ...والدماء احتقنت فى وجهه وهو يكاد يشتعل من الغيظ والقلق عليها وفوق كل هذا ...كلام ذلك الصلد الآخر ابن عمها رابح ...الذى يريد أن يتزوجها ...لا وألف لا لن يحدث ...لن يسمح لهذا ان يحدث ...حتى وإن تطلب الأمر ان يخطفها سيفعل ...لكنه لن يفعل ذلك الآن ...بل سيذهب غدا إليهم ...أما أن يوافقوا وأما ان يتحملوا ما سيحدث لهم ...فقد وقعوا فى يد من لا يرحم ... وحينها لن يكون الغراب ..أن لم يجلب النحس والدمار على رؤوسهم ... فقط كل ما يدعوه ويتمناه الآن ان تتحمل وتنتظر لبعض الوقت فقط ...غدا فقط ...وسياخذها بعيدا حتى يستطيع ان يضمد جراحها سيضمها إليه ....سيشفيها من آلامها واحزانها....سيجعلها تنسى كل ما حدث لها ....سيكون امانها
رواية عندما يعشق الرجل لشيماء محمد الفصل الخامس والعشرون

ظل يركضان وهو ممسك بكف يدها بإحكام خائفا من ان تفلت منه وهما يتجاوزان العديد من المارة والأشخاص الواقفون أمام أحد المحلات ....التفت وليد برأسه للخلف يحاول أن يعرف ان كانوا هؤلاء الملثمين على وشك الاقتراب منهما ام لا لكنه و أثناء تقديره للمسافة اصطدم جسده بجسد شخصا ما لكنه أعتذر له وركض مرة أخرى لكن هذا كله لم يوقف الرجل عن نعته ببعض الصفات البذيئة وهو يصرخ به ....لم يأبى لصراخ الرجل واستمر فى الركض وهو ما زال يمسك بكفها....وجد زقاق صغير فى أحد الشوارع الجانبية فركضا إليه ....حتى وصلا ....وما ان وقفا حتى بدأ كلا منهما بأخذ أنفاسه ....نظر اليها بتمعن وصدره يعلو وينخفض بسرعة ...ووجهها الذى أصبح محمرا من كثرة الركض زادها جمالا واغراء لو يقترب منها ويأخذ أنفاسها بقبلة تحرقها فضغط على شفتاه بقوة يحاول ان يبعد تلك الأفكار عن رأسه.....
فقال بهدوء ووجهه يتصبب عرقا.

" هل تاذيتى "
مالت ايملى بجسدها ووضعت يديها على ركبتها وهى تفكر لولا مجيئه فى الوقت المناسب واخذها فالله وحده يعلم ما كان سيحدث لها ....أغلقت عيناها بشدة وردت بتعب وهى تهز راسها ب لا
" قدماى فقط تؤلماننى "
" هل تعرفين هؤلاء الرجال ...ما الذى كانوا يريدونه منك "سألها
" لا أعرف لم ارهم يوما ...لا أعرف ما الذى كانوا يريدونه منى ...حقا لا أعرف "
قالتها تدافع عن نفسها ومن دون ان تشعر لفة ذراعيها حول كتفيها ومقلتيها تتحركان من الخوف ....
ضغط على شفتاه باسنانه بشدة وهو يقترب منها قائلا بنبرة محتقنة
" تبا ...سيكون الأمر خطيرا ربما يحاولون اللحاق بك فيما بعد يجب ان أتصرف "
" وما الذى جعلهم يحاولون فعل هذا معى ...يجب ان نبلغ الشرطة "
ما ان حاول فتح شفتاه حتى أستمع لخطوات تقترب منهما نظر إليها فوجدها تبحلق وراءه كالصنم ...وما ان التفت برأسه حتى وجد أحد الرجال الملثمين يصوب نحو رأسه مسدس ....
" أرفع ذراعيك وإياك ان تتحرك "
قالها الرجل بتحذير وأشار برأسه لأحد الرجال الذين كانوا معه ...إلى اتجاه ايملى فاصتك وليد على اسنانه يحاول كبت غضبه. ...عندما رأى الرجل الآخر يصوب بالمسدس ناحية ايملى
" لقد اتعبتمونا ....كنت ستاتين معنا فقط دون أية مشاكل "
قالها الرجل الممسك بايملى وابتسامة واسعة تزين ثغره
" من أنتم ...وما الذى تريدونه منى " قالتها ايملى بغضب مكتوم
" ستعرفين عندما تاتين معنا أيتها الجميلة " رد الرجل وعيناه تنزل على جسدها ببط و إغراء
احتقن وجه وليد غضبا من نظرات ذلك الرجل ...ففكر فى سحب نفسه ببط من أمامه ومحاولة أخذ ذلك المسدس من بين يدى الرجل ويخلص نفسه وبذلك يستطيع تخليصها هى أيضا .....نظر إليها فبادلته النظر بعدم فهم ...فأشار بعيناه إلى الرجل ....استوعبت القليل فبدأت الحديث مع الرجلان محاولة منها لمساعدته ....وعندما نظرت إليه ووجدته يحرك رموشه دليلا على موافقته على ما تفعله تابعت
" ما الذى يجعلكما تحاولان اختطافى. ..ما الذى فعلته " سالتهما ايملى بهدوء
فأجاب أحد الرجلان وهو يقول بابتسامة فاترة " قلنا ستعلمين أيتها الجميلة ...هيا تحركى أمامى " قالها وهو يضربها على ظهرها بطرف مسدسه .....فظهر الغضب أكثر على وجه وليد قائلا بزمجرة
"أنت ...إياك أن تتعامل معها هكذا ...أفعلها مرة أخرى وحينها ساريك العرق الصعيدى ما الذى يفعله عند الغضب "
ضحك الرجل الآخر بقوة وهو يضرب وليد على ظهره
" ما الذى تتفوه به أيها الأحمق وأنت فى هذا الموقف ...هيا سر أمامى بهدوء وإلا لن تعرف حينها ما سافعله بك انا ...ثم تابع وهو ينظر للرجل الآخر الذى معه ....وأنت تعامل معها جيدا ..فالزعيم قال لا يجب ان تمس بسوء ...هل فهمت "
لوى الرجل شفتاه بضجر واؤما بقنوط ....
" إياك ان تتصرف اى تصرف أحمق أيها الابله وإلا لن ترى الجميلة ابدا " قالها الرجل محذرا وهو يضع مسدسه فى حزام بنطاله وبعد ذلك كبل وليد بيده يمنعه من الهرب وقال قرب اذناه
" إياك ...ثم إياك ..والتصرف بحماقة "
ثم تبعه الرجل الآخر وأمسك ايملى جيدا وهو يصوب المسدس بخفاء نحو جنبهاوخرجوا من الزقاق بعد ان خلع كلا منهما ذلك القناع الذى يخفى وجوههم ووضعوا بدلا منه نظارة سوداء .... بلع وليد ريقه وهو يلعن فى نفسه فهو لأول مرة لا يعرف كيف يتصرف .....ظل يراقب المسدس المصوب نحو ايملى ....التمعت عيناه وهو يرى عدد من رجال الشرطة ...ففكر وليد انه يستطيع تخليص نفسه لكن ايملى من الممكن أن يحدث لها شئ ....نظر إليها بتركيز يحاول أن يفمهما ان تفعل اى شئ ليلهلى الرجلان عنه ....ضغطت ايملى على شفتها العلى بانزعاج. ...تفهم نظراته لكنها لا تعلم ما الذى يجب ان تفعله ....
" حسنا " قالتها فى نفسها مصممة
وضعت يدها على جبهتها مدعية التعب وبدأت فى أخذ أنفاسها بطريقة ملحوظة ...فنظر إليها الرجل بتمعن هاتفا بضجر
" انتى ...كفى عن ما تقومين بفعله "
فقال وليد بسرعة وقلق
" يا الله انها مريضة ...يمكن أن تصاب بأزمة ان لم تأخذ الدواء حالا "
" ماذا " هتف بها الرجل مستنكرا
فقال وليد بقلق وتوضيح أكثر " انها مريضة وإن لم تأخذ دواءها يمكن أن تموت "
" ماذا ..دواء وأين ذلك الدواء " سأله الرجل
" انه معى انا فى جيب بنطالى " قالها وليد بسرعة
نظر إليه الرجل الممسك به والتفت إليه حتى يخرج الدواء ....فبدأ وليد بوضع يده فى جيبه الامامى فنظر إليهم بابتسامة ثم وضعها فى جيبه الخلفى .... فنظر إليه الرجل بضجر قائلا بغضب " هيا أيها الأحمق بسرعة "
" حسنا " قالها وليد وعلى وجهه تعلوه ابتسامة جانبية ....أخرج مديته من جيبه بسرعة ...ثم قام بضرب الرجل بقدمه فى بطنه على حين غرة....و بسرعة وضع مديته اتجاه الرجل وهو يقول بصوتا عالى " هيا تحرك وتوقف أمامى "
وكبل الرجل بيد على عنقه واليد الاخرى أمسك بها المدية وصوبها نحو رقبة الرجل
متحدثا مع الرجل الآخر " أتركها وإلا ساقطع رأس سيدك "
علم وليد من حديث الرجلان ان الرجل الذى كان يمسك به هو من يصدر الأوامر بمعنى انه هو الزعيم ...وإن الآخر لا يوجد من هو أغبى منه ...
"أتركها قلت لك " هتف بها وليد محذرا وهو يقرب سن مديته أكثر بالقرب من عنق الرجل وعندما شعر الرجل بأن وليد لا يمزح وبقرب أجله هتف به أمرا " أتركها أيها الأحمق "
تجمع القليل لمشاهدة ما يحدث ....
تحركت ايملى قليلا ....وما زال وليد يمسك بالرجل ...وما ان تحرك قليلا ...حتى ألقى به على الأرض ...وركضا الاثنان مرة أخرى ....رأى وليد ان الرجلان ما يزالا يتتبعهما ويركضان خلفهما
فتوقف وهو يقول لايملى " اذهبى انتى إلى اى قسم للشرطة وابلغيهم ..وأنا سأحاول منعهم والتصدى لهم قليلا "
" ماذا ..لا لا لن اتركك " قالتها بارتجافة وخوف
" لا تخافى ...اذهبى ...هيا ...ارجوكى " هتف بها وهو يرى أن الرجلان يقتربان منهما ....ركضت كما طلب .... وبعد ركضها لدقائق وجدت مركزا للشرطة ...دلفت إليه وهى تستنجد بمن يقابلها بهستيرية ...جلست بعد ان حاولت تهدئة نفسها ...كما ان من فى القسم بداو فى فهم ما تقصده ...وسرعان ما خرجوا وهى معهم إلى حيث المجرمين ....ما ان وصلوا حتى ترجت من السيارة ...شهقت بقوة وادمعت عيناها وهى تراه غارقا بدماءه والرجلان يمسكان به ...ما ان رأى الرجلان رجال الشرطة حتى حاولا الهرب لكنهما فشلا ... وبداوء الاشتباك مع الشرطة وانتهى الأمر بهما مكبلان بالاساور الحديدية .... جثت نحوه وهى تبكى بحرقة عندما رأته هكذا ...لقد ضحى بنفسه من أجلها ...لقد مات .....
"وليييييييييييييييد " صرخت بها ايملى وهى تبكى بحرقة ومررة وألم عليه .....وتضمه نحو صدرها ....

استيقظت وهى تشعر بذراعيه العاريان وهما يحاوطان خصرها مقربا إياها نحوه بتملك حتى شعرت ببشرة صدره العارى خلف ظهرها ....مررت لسانها على شفتاها محاولة منها لترطيب شفتاها من هذا الوضع المخجل ....حاولت إبعاد ذراعه عنها لكنها فشلت .....هل توجد اى وسيلة مهذبة يمكنها بها انتزاع نفسها منه ؟سألت ريم نفسها باحراج. ....لكن كيف تستطيع التملص منه من دون ان يشعر بها ويستيقظ....أغمضت عيناها بقوة وهى تحارب رغبة قوية بداخلها تدعوها للبكاء. ...ما كان يجب ان تستسلم لكلماته ولا لهمساته ولمساته لها التى تشعر بأنها مغيبة ما ان ينظر اليها او يقترب منها تشعر بأنها فى عالم آخر. ...عالم بعيد عن ظنونها وخوفها الذى يؤرق نومها .....لكن ماذا تفعل هى ...هل تترك نفسها لتقع بحبه ....ام انه لم يحن الوقت بعد ....يجب أن يثبت لها ولو على الأقل انه سيتمسك بها مهما كان الثمن وأنه لن يتركها مثلما تركها من هم قبله ....والديها تركاها الن يفعل هو هذا ....يا الله ياليتها تظل نائمة طيلة عمرها ولا تترك لعقلها العنان للتفكير .... بعد عناء استطاعت إبعاد ذراعه عنها وجلست على طرف السرير وهى تغطى جزء من جسدها العارى بملاءة السرير وسحبت قميصها الأسود من جانب السرير الذى سقط عن جسدها ليلة أمس ....ارتدته وتوجهت نحو الخزانة أخرجت ملابسا لها وما كادت تغلق الخزانة حتى فتحتها مرة أخرى و سحبت من بين ملابسها علبة الدواء و وضعتها بين الملابس وتحركت ببط وحذر نحو الحمام ....أخذت حماما ساخنا ارتدت ملابسها .... مدت يدها وحملت تلك الأقراص ...أمسكت واحدة بين اصبعيها وما كادت تقربها نحو فمها حتى سمعت صوته من الخارج
" ريم هل انتى فى الداخل ؟!" سألها مالك وهو يدق دقات خفيفة على الباب
" نعم ...نعم " قالتها بارتباك
ثم سمعت صوت اقدامه مبتعدة عن الباب ....أخرجت نفسا مطولا وهى تضغط على حافة الحوض العالى .....نظرت إلى العلبة التى بين يديها مرة أخرى ....وهى تتساءل فى نفسها ...هل حقا تريد هذا ...هل حقا ستحرم نفسها مما تمنته طويلا فقط من أجل بعض الخوف الذى يدور فى رأسها ....مررت يديها على وجهها بقوة ....وهى تفكر انها بحاجة للحديث بحاجة ان تتحدث مع أحد .... وضعت القرص فى العلبة ثم اغلقتها .....بعد ان حسمت أمرها انها لن تفعل هذا ستترك كل الأمور بيد الله ....وضعت العلبة بين محتوياتها الشخصية الموجودة فى الحمام فى تلك الخزانة الصغيرة ....بعيدا عن اى شى يخص مالك ....
خرجت من الحمام وجدته نائما على السرير وواضعا ذراعيه خلف رأسه مستندا عليهما ....لا يرتدى شيئا غير بنطال قصير ....
"هل نمتى جيدا " قالها مالك وهو ينظر اليها بهيام بشعرها الأحمر وعيناها المتلالة ...
" نعم جيد ...وانت "
هل يخبرها انه لم يستطع أن يغمض له جفن وهى بين يديه بعد استجابتها له و تلك المشاعر المتاججة التى كادت أن تحرقهما معا ....هل يخبرها أنه فى كل مرة كان يفكر فى ان ييقظها بقبلاته حتى يجعلها تسهر معه ليله ....لكنه فى كل مرة كان يمنع نفسه فهو يعلم جيدا انها قد تعبت فى الآونة الأخيرة غير انه أيضا يعلم انها لم تسلم من لسان والدته يعلم أن والدته امرأة شديدة صارمة ...لكن ماذا يفعل لا يستطيع الوقوف أمامها او ان يخبرها بميله الشديد نحو ريم واهتمامه بها لأن ذلك سيجعلها تعتقد أن ريم تاخذه منها وتزداد غيرة نحوها خاصة وانه ابنها الوحيد و حينها ستكون معاملتها لها أكثر سوء ...لذلك هو فضل عدم التدخل ...وهو على يقين بأن ريم تستطيع أن تأخذ حقها سواء بالكلام او بالتجاهل....
أبتسم لها باغراء وهو يبتعد عن السرير واضعا يديه فى جيب بنطاله ...مقتربا منها بخطوات بطيئة مترنحة ....حتى وقف أمامها ...وجدها تخفض رأسها محاولة ألا تنظر لصدره العارى ... مال برأسه وطبع قبلة على ارنبة أنفها ثم رفع رأسها إليه باصابعه وطبع قبلة قرب فمها وما كاد يلتقط شفتاها ....حتى وجدها تقول له برجاء وقد ازداد وجهها الأبيض احمرارا
" أرجوك ..أن هذا يسبب لى مزيد من الإحراج "
" إحراج " تشدق وجهه بتعجب
ثم تابع وهو يلف ذراعيه حول خصرها مقربا إياها إليه قائلا " لماذا ...لماذا ريم تشعرين بالاحراج الستى زوجتى ...هل فى كل مرة تبتعدين فيها عن احضانى ستكونين بهذا الوجه ...أريد ان أبعد عنك حمرة الخجل تلك ...أريدك ان تشعرى بى وإن تحترقى مثلما احترق ما ان اقترب منك ...أريدك ان تفكرى بى وقبل كل هذا ان تحبينى " نطقها بانفاس ملتهبة جعلتها تشعر بسخونة أنفاسه قرب صفحة وجهها ...
" مهما طالت مدة بقاءك بين ذراعى سأظل دائما أشعر بالشوق إليك ....ثم تابع وهو يبتسم لها ...أفكر فى ان نذهب إلى رحلة شهر عسل قريبا "
" لا لا أستطيع " قالتها بسرعة وغضب
" لماذا " سألها وهو يرفع أحد حاجبيه بحزم
بلعت ريقها وهى تلعن لسانها على نطقه وقالت بهدوء " لأننى أخذت مدة اجازتى ولن أستطيع أن أخذ مدة أخرى إلا بعد فترة طويلة بعض الشئ "
" حسنا " ثم تابع وهو يلتقط شفتيها بشفتاه ....وهو يمرر يده على شعرها مرورا إلى ظهرها وما ان وصل إلى ...حتى اتسعت عيناها وضربته بخفة على كتفه وابعدته عنها ...وهى تقول بانفاس متسارعة وتمسح على شفتاها ..." وقح " قالتها وخرجت من الغرفة بخطى سريعة ....ضحك من تصرفها وقال من بين أسنانه ..." انا لست راهبا....كيف أمنع يدى عن لمسك و واضعهما جانبا ...صدقينى قطتى لم أتعلم الوقاحة إلا على يديك "

دلفت إلى المطبخ و تفاجأت بوجود الخدم يعدون الطعام ...ابتسمتم لهم وهى تقول بسعادة " صباح الخير "
ردوا عليها التحية ثم اقتربت منهم لتساعدهم. ..حاولت إحدى الخادمات منعها ولكنها أصرت ....فهى ستقوم بأعداد الفطور ثم بعد ذلك ستذهب إلى عملها ..... انضمت إلى الجمع بعد ان أعدت الفطور على طاولة السفرة وتناولوا الطعام فى هدوء تام ...تناولت طعامها ثم تحركت متوجهة نحو غرفتها ....بدلت ملابسها ولفت حجابها وتناولت حقيبتها ...وما كادت تخرج من الغرفة حتى اصطدمت بجسد مالك الذى سألها " إلى أين ؟!"
" الى المشفى " اجابته
ضيق عيناه قائلا بهدوء منافى تماما للعاصفة المتاججة فى صدره " انتظرى ساغير ملابسى وسأقوم بايصالك " قالها ثم دلف إلى الغرفة
فضلت الصمت بعد ان رأت ملامح وجهه التى لا تعبر إلا عن غضبه فهى لا تريد اى جدال معه فى هذا الصباح.....بدل ملابسه ونزلا درجات السلم سويا ....أمسك بيديها وعندما حاولت انتزاعهما من قبضته فشلت ....فاستكانت حتى وصلا إلى السيارة صعداها. ....وانطلقا بها ....الطريق من المنزل إلى المشفى يأخذ وقتا لذا فضلت استغلاله والاتصال ب أروى فهى تحتاج إلى الحديث معها وكذلك تحتاج إلى الاطمئنان على نور فهى لم تتصل بها منذ أكثر من خمسة ايام لا تعرف عنها شيئا....
أمسكت هاتفها وضغطت على زر الاتصال ....تحدثت معها بعد ان حيا كل منهما الأخرى ...و تفاجات ريم عندما علمت بوجود اروى فى المشفى وأنها كانت على وشك فقد جنينها ....واخبرتها بأنها ستاتى إلى منزلها اليوم ما ان تنتهى من عملها عندما علمت انه سيسمح لها بالخروج اليوم من المشفى ... تنهدت بقوة وعلامات الضيق ترتسم على وجهها .... كان يراقبها مالك بين اللحظة والأخرى وما كاد يتكلم معها ...حتى وجدها تضع الهاتف على اذنيها ....فصمت حتى تنتهى من اتصالها الثانى ...لكن ما من مجيب ...زفرت بغضب وهى تحاول الاتصال بالسيدة هيام مرة واثنان لكن لا يوجد رد ....وصلا أمام بوابة المشفى ....ترجلت من السيارة بهدوء وصمت تام ... راقب خروجها من السيارة هو الآخر بصمت وما أن ابتعدت عن السيارة قليلا حتى وجدته ينطلق بسيارته بسرعة ...زمت شفتاها بملل ..وبعدها تنهدت بقوة ... "تصرفاته لا تدل إلا على طفل صغير مدلل ...ويبدو إننى ساعانى فى التعامل معه "...قالتها ريم فى نفسها بتافف ودلفت إلى المشفى



جلست على طرف السرير و انزلت قدميها على الأرضية فارتجفت ما ان شعرت ببرودتها.... بحثت عن حذاءها والدوار يجتاحها و أعينها غائمة .....
" ما زلت أشعر بالتعب " قالتها اروى فى نفسها وهى تضع أطراف أصابعها على جبهتها .... جلست والدتها بجوارها تساعدها فى ارتداء سترة صوفية على فستانها حتى يحميها من البرد ....قربت الحذاء من قدميها وساعدتها فى ارتداءه أيضا
" أرى انك ما زلتى مريضة ...أروى ما رأيك ان تأتى معى ...لكى أهتم بك صغيرتى " قالتها فريدة بهدوء وهى تراقب وجه ابنتها الشاحب
" لماذا لا تاتين انتى معى "عرضت عليها اروى
" وماذا عن والدك واخاك ....لا أستطيع تركهما....ولا أعتقد انك ستقومين بفعل اى شئ لمدة طويلة ...لذلك ان اتيتى معى ساهتم انا بك جيدا ..حتى تمرى من هذه المرحلة وتصبحين انتى والجنين بخير " قالتها والدتها بحزن وقلق عليها
" انتى قلتى لن أفعل شئ إذا لا تقلقى. ..ثم تابعت وهى تحاول عدم اغضاب والدتها وهى ترى حزنها وقلقها عليها واضح وقالت وهى تزم شفتاها بدلال
" انتى لا تريدين ترك زوجك ...وتطلبين منى ترك زوجى حتى يقول ان زوجته ما زالت طفلة و تريد الذهاب إلى والدتها ...آسفة سيدة فريدة انا أيضا لا أستطيع ترك زوجى " هتفت بكلماتها الأخيرة وهى تعقد ذراعيها أمامها بطفولية
ضحكت والدتها بشدة وقالت مقترحة وهى تبتسم
" ما رأيك ان ياتى سيف معنا أيضا "
" ماذا ...لا أعتقد انه سيوافق"
" ولماذا لن يوافق "
" أمى ...ألا تعرفين طبيعة ابن أخيك ..حتى الآن "
نظرت إليها فريدة بتفحص ....هناك شعور بداخلها ان ابنتها ليست بخير و أن هناك شئ بينها وبين سيف ....هناك شئ متوتر بينهما ... كما ان ابنتها أصبحت أكثر شرودا عن ذى قبل
"أروى "
اجفلت اروى عندما سمعت صوت والدتها و رفعت رأسها إليها متسائلة
" هل هناك شئ بينكما..انتى وسيف " سألتها والدتها
فهزت رأسها نفيا وهى موكدة ب لا
" متأكدة "
" نعم " ردت اروى وهى تنظر إلى والدتها محاولة رسم ابتسامة على ثغرها
" حسنا يا أروى لن اضغط عليك ..ولكن اعلمى إننى موجودة " قالتها فريدة بابتسامة متشككة لابنتها
راقبت دخول سيف إلى الغرفة صامتا أخذ الحقيبة
وهو يقول ببرود " هيا "
أغلقت عيناها بشدة تمنع سقوط دموعها ....منذ اليوم الأول لدخولها إلى المشفى وهو لم يتحدث معها ...منذ ان ضمها إليه وهو لم يتحدث معها وكأنه يعاقبها لفعلتها....تعلم انها أخطأت لكن صمته و ابتعاده عنها لهذه الدرجة يجعلها تشعر بالتعب اكثر واكثر ...انها حقا تحتاج إليه ...حتى تستطيع الخروج من مما هى به وطفلها بخير ... لقد كانت شعورها بأنها ستفقد طفلها فى ذلك اليوم كاد أن يحطمها إلى أشلاء ....انها تحتاجه تحتاج ان يربت على يدها وشعرها تحتاج ان يضمها إليه ويخبرها انه هنا معها ......
" هل أحضر كرسيا متحركا صغيرتى " سألتها والدتها " لا ...لا أحتاجه ...انا بخير " هتفت بهدوء
اشتد بقبضته على يد الحقيبة قائلا بصوت خافت " عنيدة "
ثم خرج من الغرفة تتبعانه.....
نظر إليها بطرف عيناه ...ما زال وجهها شاحبا ...ما زالت متعبة ... يعلم انها تحاول رسم القوة على وجهها ...عقد حاجبيه بقوة وهو يراها تترنح قليلا رغم إمساك والدتها و اسنادها لها ....زفر بقوة وغضب واقترب منهما
"أروى هل انتى بخير " سألتها والدتها بقلق
" نع...." وما كادت تنطق حتى وجدت نفسها مرفوعة بين يديه ....و قبل أن تطلق كلمة اعتراض
قال مزمجرا " اخرسى....أيتها العنيدة "
" واو أيها الفارس ...رائع. .رائع...انا لم اخطى عندما زوجتك ابنتى " ظلت ترددها فريدة بسعادة وهى تنظر إلى سيف بانبهار وكأنه فارس همام .... و أروى تزداد حمرة وجهها وهى ترى كل من فى المشفى يراقبهما ...منهم بحسد. ..ومنهم بانبهار لا يقل عن انبهار والدتها ...التى تمشى معهم وهى تكاد تصل إلى السماء من سعادتها .....
فتح السائق باب السيارة لها ما ان راى سيف ....وما ان راى سيده يحمل زوجته حتى فرغ فاها فهذه اول مرة يرى سيده هكذا .... وضعها داخل السيارة بهدوء و رفق فى المقعد الخلفى ...وجلست والدتها بجوارها...والسائق ما زال واقفا وهو يبحلق فى سيف ...فرمقه سيف بقوة فتنحنح الرجل وصعد الى مكانه ...وركب هو فى المقعد الامامى بجانب السائق ....انطلق السائق بسيارته نحو المنزل .....وصلوا إلى المنزل وما ان فتح الباب حتى وجدت نفسها بين ذراعيه مرة أخرى ...اخفضت جفنيها والتوتر والخجل يجتاحناها .... ظهرت شبه ابتسامة على وجهه ..وبتعمد قربها إليه أكثر مجبرا إياها على وضع رأسها فوق صدره ....و بتلقائية طوقت ذراعيه حول رقبته ....وما ان دلفا إلى الغرفة حتى طبع قبلة على شفتاها ...
فشهقت بقوة وهى تنظر خلفها قائلة بهلع
" والدتى "
ضحك بقوة لدرجة ان راسه رجعت للخلف" هل هذا كل ما يهمك. ..ثم قال وهو يغمز لها ....هل تعلمين ما هو أجمل شئ بعمتى"
نظرت إليه ببلاهة. ...فابتسم وقال وهو يقترب من شفتاها وهو ما زال يحملها بين يديه " انها تحبنى. ...لذا هى تفهمنى جيدا ...جدا ...جدا "
قالها و التقط شفتاها بشفتاه وهو يدور بها فى الغرفة ومشاعرهما تجعلهما كالمغيبين ...لم يبتعد عنها إلا عندما وجد أصوات أنفاسها تخرج مضطربة ....نظر إلى وجهها و جده محمر ...." هل انتى بخير ....آسف ما كان يجب ان ....انتى متعبة "
قالها وابتعد عنها ....وضعها على السرير برفق
ارجعت شعرها للخلف ... وهى تنظر نحو موضع يديها ....عندما وجدها صامتة ....
" يجب ان أبدل ملابسى ...وأذهب إلى الشركة " قالها وتوجه نحو الحمام ....خرج وهو يرتدى بذلة عملية زرقاء ....ووجد عمته تجلس بجوار أروى على السرير وصنية الطعام أمامها ....
" حسنا ...سأذهب انا وقبل أن تذهبى عمتى اتصلى بى لكى أتى " قالها وهو يرتدى سترة بذلته أمام المرآة التى فى الغرفة ...
اؤمات عمته ب نعم ...وقالت بارتباك " ما رأيك ان. ..
فضغطت اروى على يدها بشدة وهى تنظر إليها تمنعها من إكمال كلامها ....فصمتت والدتها مجبرة ...
فنظر إليهما سيف باهتمام " ماذا ...هل تريدان شئ"
" لا ..لا شئ " هتفت بها اروى بسرعة
"حسنا إلى اللقاء زوجتى العزيزة " قالها وهو يخرج من الغرفة غامزا لها ومرسلا لها قبلة فى الهواء ...تنحنحت من جرأته ومن حسن حظها والدتها لم تنتبه لما فعله او ربما حاولت إظهار عدم انتباهها لهما ....
" حقا لم تعد تفهم هذا الرجل ...هل هو يحبها ام يكرهها ام يعقبها ام ماذا ...لم تعد تفهم " ظلت تبرتم بها اروى بصوتا خافت ووجهها يكسوه الغضب ولكنها سرعان ما بدأ غضبها يختفى وهى تتذكر قبلته له ...فتنهدت بقوة وهى تقول بانزعاج
" تبا انه وسيم بهذه البذلة "
" أروى هل جننتى " سألتها والدتها بابتسامة وهى تراقب تعابير وجهها المتغيرة
" نعم أظن إننى ساجن قريبا بسبب هذا الرجل " قالتها بصوتا خافت ...



ترجلت دينا من سيارتها تبحث عن العنوان والمبنى المقصود ....لم ترى شيئا فاغلقت سيارتها فى موقف للسيارات وفضلت المشى حتى تستطيع البحث جيدا والوصول أسرع ....فبسيارتها لن تستطيع البحث ....ابتعدت عن سيارتها ووضعت نظارتها السوداء فوق عيناها ...وبدأت فى المشى على رصيف جانبى تصتطف عليه عدد من المحلات الكبيرة للأزياء وأخرى لأدوات الزينة ....توقفت فجأة عندما جذبها أحد فساتين الزفاف خلف زجاج المحل ....نظرت إليه بانبهار وهى تضع أصابع يدها على فمها التمعت عيناها سعادة ....كان الفستان انيقا وبسيطا فى نفس الوقت مثل اى فستان للزفاف ....ضيق من فوق حتى الخصر ومن الخصر حتى النهاية واسع كفساتين الأميرات ....لا يختلف عن اى فستان زفاف آخر لكنه كان له ذيل طويل من الخلف رغم انه كان طويلا ويوجد به تطريزات على حافة الفستان من أسفل ...ومن عند الصدر مطعم بحبات الياقوت بطريقة مبهرة ....وقفت مشدوهة ولم يخرجها من تاملها إلا صوت الباءعة تنظر إليها بابتسامة قائلة برسمية ولباقة "هل تبحثين عن شئ خاص سيدتى ...يمكنك الدخول واختيار وتجربة أكثر من فستان "
هزت دينا رأسها نفيا بسرعة وقالت بارتباك خفيف " لا ...لا شكرا لقد جذبنى شكله فقط" قالتها و ركضت مسرعة ...وهى تفكر انها وضعت نفسها فى موقف محرج ...وما كان يجب عليها ان تقف و تشاهد ...فهى لن ترتدى مثل هذا الثوب يوما ....قاطع تفكيرها صوت رنين الهاتف ...ضغطت على زر الإجابة واتاها الصوت الرقيق قائلا
" أين انتى ...هل ضللتى الطريق "
" لا ...ولكنى لم أصل إلى المكان الذى وصفتيه لى بعد "
أغلقت معها الهاتف ....وهى تفكر ان السيدة نوال ...سيدة عطوفة ...احبتها وكأنها والدتها ....
وصلت إلى المبنى المطلوب ...وصعدت درجات السلم حتى وصلت الى الشقة ...فوجدت السيدة نوال تنتظرها أمامها وهى تقترب منها قائلة بفرح " ها قد اتيتى ...تعالى لاريك المكان "
دلفت إلى الشقة وانبهرت من اتساعها الكبير ...
" ما رأيك " سألتها السيدة نوال بابتسامة
"جميلة من أين حصلتى عليها " سألتها مستغربة
" لقد كانت مكتبا لأحد المحاميين ولكنه انتقل وكان من حسن حظنا أننا استطعنا شرائها ....لذلك علينا أن نعدها بشكل متقن وجميل حتى نستطيع افتتاح المعرض بسرعة "
" لكن .." تشدقت بهدوء
" لا يوجد لكن ...هيا تعالى معى لاريكى باقى أرجاء الشقة " قالتها نوال وهى تضع يديها على كتفى دينا تدفعها ببط بطريقة محمسة. ...فاتسعت ابتسامة دينا وسارت معها بقلة حيلة ....



دلفت بثقة وغرور يتتبعانها وهالة مثيرة وهى ترتدى بنطال من الجينز وقميص وردى من الحرير مفتوح عند الصدر مظهرا مفاتنها ....جميلة ومثيرة وفوق هذا ذكية ...ذكاءها هذا هو الذى جعلها تستطيع الوصول إلى تلك المكانة وتلك الطبقة الاجتماعية بعدما كانت مجرد امرأة تكافح فقط من أجل لقمة العيش من محاسبة صغيرة كانت تعمل فى أحد مكاتب المحاسبة ما ان أنهت تعليمها المتوسط و دبلوم التجارة ... ومن هذا المكتب استطاعت أن تجعل صاحب العمل يقع فى غرامها وتمنيه بالكثير والكثير حتى تزوجها ... كان الرجل أكبر من ان يحتمل جمال و إغراء إمرأة أقل ما يقال عليها كتلة من الأنوثة تتحرك على الأرض فمات بعد ان تذوق القليل من عسلها....لم تكن ترحم الرجل استطاعت فى كل ليلة جعله يعطيها أكثر مما تريده ...حتى استطاعت فى ليلة ما جعله يكتب لها نصف مكتبه الصغير وجعلها شريكة له به ....ومبلغ من المال أودعه لها فى حسابها ...بعد ان ملأت رأسه انها مجرد امرأة منكسرة الجناح ولا يوجد لها سند ....و ان ما يقوم به الآن سيجعلها تعيش بعد ذلك فى أمان بعيد عن اى طامع بجمالها ....وفعلا مات الرجل ....ولأن أولاده لم يكونوا يريدون اى فضائح ...بالاضافة إلى عدم حاجتهم إلى مكتب والدهم الصغير تركوا لها المكتب .....ومن يومها بدأت عملها وأصبحت لها علاقات وروابط مع شركات كبيرة ....وهنا قابلها سيف ....فى البداية أكثر ما جذبه بها هو جمالها وإظهارها لمدى حبها لعملها والاهتمام والعناية به ....أظهرت كم هى إمرأة تستطيع الاعتماد عليها ومع مرور الأيام أصبحا صديقين ....و كاد أن يقع فى علاقة معها لولا انه علم فى الوقت المناسب علاقتها مع احد رجال الأعمال تزوجته وسافرت معه .... ومن يومها خرجت علا من حياة سيف نهائيا ....

جلست قبالته وعيناها تنظر إليه بثقة وابتسامة واسعة تزين ثغرها ....رمقها ببرود وهو يضع إحدى يديه على مكتبه ويستند بظهره على ظهر الكرسى بشموخ وكأنه ملك يتربع على عرش مملكته ....لمعت عيناها بانجذاب مهما يفعل بها سيظل هو فارس أحلامها الرجل الوحيد الذى قال لها" لا " عندما قدمت له حبها ونفسها له من دون مقابل ...الرجل الوحيد الذى تعلم انها عندما ستكون بين يديه وفى احضانه فهى ستكون فى أكثر الأماكن أمانا و دفءا....لكنه رفضها ...نعم رفضها بكل تفاخر وجبروت ....ظلا الاثنان يتبادلان النظرات لدقيقة ....
" كيف حالك " قالتها بصوت ناعم وهى تقطع ذلك الصمت بينهما
حدق بها بقوة وهو يرفع إحدى حاجبيه بتهكم .... أطلقت ضحكة رنانة ما ان رأت نظراته وسألت بصوت متهدج وابتسامتها المعتادة تزين ثغرها المغطى بطبقة من احمر الشفاه باللون الوردى ...
" هل يمكن ان أعلم سبب تلك النظرة " سألته بدلال
" لا أعتقد انك اتيتى لتسالى عن حالى " قالها بصوت اجش ....جعلتها تتوقف عن الابتسام ....
بلعت ريقها رغم أنها تعلم سبب نظراته وتحديقه بها إلا أنها شعرت ببعض الارتباك وربما الكثير وهى تجلس هكذا قبالته ....
ظلت لثوانى صامتة حتى قالت بهدوء وهى تنقر باصابعها على سطح المكتب تنظر إلى حيث أصابعها..
" سمعت ان جدك سافر ....رفعت عيناها إليه ثم تابعت وشبه ابتسامة على فمها ....وأيضا ولى مساعده أمور الشركة الكبيرة ....فنظر إليها نظرة باردة و كأنه يخبرها أن تتابع حتى تكشف عن مقصدها فهو لم يكن يوما محبا ل اللف ولا الدوران .....
أدارت رأسها إلى أحد جوانب الغرفة وتابعت و هى تحاول الابتعاد عن نظراته فلطالما اخافتها تلك النظرات و تسرى فى جسدها قشعريرة غريبة ما ان ينظر اليها ....."ألم يكن جدك خائفا من ان يتمرد عليه أحد الشركاء ...كيف يذهب هكذا من دون ان يخبر أحد او حتى يخبرك ...لم أعرف عن سليمان الحسينى الإهمال يوما " قالتها باهتمام وهى ترفع اكتافها ظهرت ابتسامة تهكمية على وجهه ثم قال بهدوء
" هكذا هو جدى يفعل ما هو غير متوقع ....ثم تابع وهو ينظر اليها باعين ثاقبة " لكن لا اعتقد انك اتيت من اجل هذا ...اخبرينى ما لديك "
" يا الله لماذا دائما تأخذ عنى سوء الظن هذا ...تعلم أننا أصدقاء حتى وإن لم نعد كما كنا ...لكننا سنظل أصدقاء ...كلا منا يهتم بالآخر ...وأنا أردت فقط ان احذرك "
صمتت وهى تراقب صوت ضحكاته يعلو ....قهقه بصوت عالى حتى كادت أنفاسه تقطع ....وقال و هو ما زال يضحك بتهكم " حقا "
بلعت ريقها وقال بتلقائية تحاول أن تخفى ارتباكها
"بالطبع "
توقف عن الضحك ....ثم قال بهدوء
"حسنا ...شكرا على التحذير "
ابتعدت عن كرسيها واتجهت نحوه ومالت بجسدها نحوه وهى تقول باغراء
" لا داعى للشكر حبى ..فلطالما ستجدنى بجوارك احذرك ...وبجانبك دائما "
نظر إليها بوجه خالى من التعبير وهو يمرر عيناه على جسدها يعلم انها تحاول اغراءه لكن كما يقولون أصبح القلب والعقل مشغولان ومهما فعلت لن تحرك به شعرة من رأسه ....ابتعدت عنه وهى تلاحظ نظراته ...فعقدت ذراعيها أمامها وهى تقول بحزن كاذب واعين دامعة وهى تضع يدها على قلبها
" حقا ...حقا لقد حزنت لما حدث ...ليس من أجل أحد بل من أجلك فقط ...لقد تألم قلبى لحزنك والمك. ...لقد كنت أصرخ لاتى إليك واضمك"
ضحك بتهكم ثم قال بقلة صبر وتحذير
" علا ...قولى ما عندك بسرعة ما الذى تقصيدينه بكلامك هذا "
اهتز داخلها من نبرته تلك لكنها حافظت على رباطة جاشها وهى تقول بنفس النبرة ونفس الحزن
" جدك و سفره ...ثم نظرت إليه بنصف عين وهى تتابع ...و زوجتك وطفلك ...لقد حزنت حقا عندما علمت بما حدث وانك كدت تفقد الطفل ....حقا لقد حزنت ...ليس من أجل أحد ...ولكن من أجلك أنت فقط ....فأنا أعلم كم انت تنتظر هذا الطفل وفى شوق كبير لضمه. ...فهو من سيجعلك تصل إلى أسهم الشركة الكبيرة " نطقت كلماتها الأخيرة بخبث و ابتسامتها تظهر لكنها سرعان ما حاولت اخفاءها ورسمت تعبير الحزن على وجهها
اشتد على قبضة يديه و أخذ نفسا عميقا ثم زفره بقوة يحاول عدم الانقضاض عليها وخنقها بيديه هاتان ....وعيناه اشتعلت غضبا وظهر على وجهه تعابير الضيق والعبوس. ...
وقال وهو يصتك على اسنانه " شكرا على اهتمامك...لكن كما قولتى زوجتى وطفلى بأفضل حال ولن يمسهما سوء طالما انا على قيد الحياة ....يمكنك الخروج الآن ...انتهت المقابلة "
كلماته كانت كدلو الماء الذى سقط فوق رأسها ...انه يخرجها من مكتبه بطريقة لبقة ...
لم يجد منها ردة فعل وهى متسمرة فى مكانها ...فاعاد كلماته مرة أخرى بحدة " قلت يمكنك الخروج "
بلعت ريقها ...وبخطى بطيئة اقتربت منه وأخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة وهى تقسم انها ستقوم بهد المعبد على رأسه ...و هى من فكرت ان تتراجع عن خططها ....لكن لا وألف لا ......ستجعله ياتى إليها شاء او أبى

ما ان خرجت من الغرفة حتى أمسك بقبضة شديدة أول ما قابلته يده على المكتب والقاها بغضب وهو يصرخ بالسكرتيرة ان تتصل ب ماجد ...ويأتى إليه فورا ....ضرب بيد فولاذية على المكتب وهو يصرخ بهياج ....أتى ماجد مسرعا و دلف إلى الغرفة ينظر بتمعن إلى سيف وإلى حالته تلك .....
وجد الغرفة فى فوضى شديدة وكل ما قابلته يد سيف تم كسره
هتف بغضب و عيناه تكاد تخرجان من مكانهما من حدة غضبه " كيف علمت علا بسفر جدى ...وما حدث لزوجتى. ..يا ماجد ...هل تنام فى العسل ...وتلك الأفعى تلتف بجسدها حولى انا و زوجتى ...أين ما أخبرتك أن تفعله ....أين .."
بلع ماجد ريقه بتوتر واقترب من سيف يحاول تهدءته
" لا أعلم كيف علمت كل هذا ....لكن لا تقلق انا اضعها تحت عينى ....اليومان فقط ما غبت أنت بهما انا فقط ربما نسيت الاهتمام بما يدور حولها "
جز على اسنانه و صدره يعلو ويهبط من شدة انفعاله وقال بحدة " لا يوجد شئ اسمه قد نسيت هل فهمت ...أريد أن أعلم كل تحركاتها "
" حسنا لا تقلق ....لكن كيف علمت بما حدث لزوجتك ...جدك وانتشر أمر سفره ...لكن ما حدث لزوجتك ..."
قاطعة بحدة " لا أعلم .... لقد حرصت ألا يعلم أحد وأنا لم أخبرك غير اليوم بما حدث كيف علمت ما حدث ...تبا لتلك الافعى ...أقسم أن مست زوجتى سيكون حينها وقت دمارها وموتها " هتف بكلماته وهو يضرب بيديه على سطح مكتبه بقوة ....
اجفل عندما دخل أسامة غاضبا وهو يهتف بنبرة حادة
" أين هى دينا "
" تبا هل هذا وقتك " هتف بها سيف فى نفسه فأكثر ما هو ليس بحاجة إليه الآن هو أسامة وبحثه عن دينا وكأنه هو من يخفيها عنه ...فنظر إليه بنصف عين ...شعر ماجد بحدة الموضوع ...وأن سيف فى غنى عن مجى أسامة فى هذا الوقت بالذات لذا قال بهدوء وهو يحاول سحبه خلفه بهدوء وإخراجه من الغرفة
" تعالى معى سأخبرك انا "

وما ان خرجا حتى تهاوى بجسده على كرسى مكتبه وهو يلعن بخفوت ..



وقفت كعادتها أمام النافذة الزجاجية لغرفة حضانة الأطفال بمعطفها الأبيض ....تراقب الزائرين الجدد لهذه الغرفة ...فكل مرة ياتى عدد من الأطفال يبقون قصيرا وبعضهم طويلا وبعد ذلك ياتى غيرهم بعد ان يرحلوا مع والديهما ....
ابتسمت لهم وكأنها طفلة صغيرة وهى ترسل القبلات الهوائية لكلا منهم .....راقبت دخول إحدى الآباء وهما يحملان طفلهما بحب وشوق وكلا منهما يقبلانه بحرارة .....
ابتسمت ريم والتمعت عيناها بالدموع وهى تراقب ذلك المشهد المؤثر ....ومن دون ان تشعر وجدت نفسها تبتسم وهى تتخيل نفسها تحمل طفلها بين يديها وبجوارها مالك يحتضنها هى وطفلها ويقبلها. ...لكنها سرعان ما نفضت تلك الأفكار عن رأسها ....
"هل حقا سياتى يوما وتحمل بين يديها قطعة منهما ....ام أن السعادة لن تدق بابها يوما "
اجفلت عندما سمعت صوت ماهر يقول ببرود
" بالطبع السيدة ريم تأخذ اجازة كما تشاء وتجلس فى المشفى الوقت الذى تريده ...وتقف وهى تراقب للأطفال ...وكأن المشفى كانت باسم والدها "
تنهدت بضعف ونظرت إليه وهى تبتسم ببرود وهى ترفع إحدى حاجبيها بتكبر وعنفوان
" ما الذى تريده يا سيد ماهر "
عدل من وضع نظارته على عيناه وقال باسف " آسفة ..ولكن انتى من تدفعينى إلى هذا ...اخذتى اجازة وبعد ذلك يخبروننى فى مكتب التمريض بأن الطبيبة ريم ستخرج بعد قليل ...وكان المشفى ..." نظرت إليه بقوة قبل أن يكمل كلامه وقالت بهدوء
" نعم سأذهب اليوم مبكرا ...أولا لكى اذهب إلى أروى وثانيا لأنى أشعر بالقلق على نور لذا يجب ان اذهب ان بقيت لن أكون بعقلى هنا "
تنهد بقوة وهو يقول بتساءل " ريم ماذا بك ..."
وما كاد يسألها حتى اجهشت بالبكاء وهى تقول بحزن وبكاء
"لا أعلم ...لا أعلم ما بى ...



...لكنى أحتاج إلى التكلم مع أحدا ما أرجوك يا ماهر "
" يا الله لماذا تبكين الآن ...هل تعاملك زوجة خالى كوثر معاملة سيئة " قالها وهو يناولها منديلا
مسحت دموعها بالمنديل وهى تهز رأسها ب لا ...رغم أن أحد سبب ضيقها هو السيدة كوثر فعلا ...لكن ليس هذا فقط
" حسنا ...حسنا يمكنك الذهاب "
رفعت اهدابها إليه وهى تبتسم بخجل
" شكرا لك "
نظر إلى ساعته وقال بتنهيدة
" لا داعى للشكر ...لطالما اعتبرتك مثل أروى يا ريم" قالها وابتعد عنها قاءلا " سأذهب انا الآن لدى عمل ...فأنا ليس لدى أحد لينوب عنى "
ابتسمت وهى تراقب ابتعاده
وابتعدت هى الأخرى بدلت ملابسها ....وصعدت سيارتها وانطلقت بها إلى أروى ....
.....................................................................
ما ان دلفت إلى منزل سيف حتى تفاجأت بذلك الضيف الجالس فى الصالون الكبير ....
" كاسر " قالتها ريم باستغراب
ضحك كاسر على تعابير وجهها وقال بهدوء
" ماذا ..لماذا تفاجاتى هكذا "
هزت رأسها وهى تقول " لم أقصد ولكنى علمت انك قد سافرت "
حرك يديه وهو يقول " سافرت وها انا قد عدت ...وقبل أن تسالى لماذا انا هنا ...سأخبرك اتيت من أجل سؤال سيف بعض الأشياء "
حركت كتفيها بقلة اهتمام ....ثم راقبت دنو سيف منهما وهو يحمل كوبان من الشاى بين يديه ناول كاسر واحدا ثم جلس على أحد الاراءك ناظرا إلى ريم و قبل أن تنبس ببنت شفه. ..
قال بسرعة " أروى فوق ومعها عمتى ...هل اصنع لك كوب شاى قبل ان تصعدى " سألها وهو يرتشف من كوبه
نظرت إليه ببلاهة. ..
ضحك كاسر بقوة وقال بمكر " لا تقلقى يجيد صنعه ...أظن انه تحسن فى صنع الشاى "
فنظر إليه سيف بطرف عيناه ...فابتسمت بهدوء قائلة
" كاسر ..يا الله أما زلت تتذكر ..حقا قلبك اسود "
أصدر كاسر ضحكة عالية قائلا " ومن هذا الذى ينسى مذاق أول كوب شاى صنعه سيف كاد يصيبنا بالغثيان ....فنظر إلى سيف وهو يقول ....ولا يعلم احد حتى الان كيف قام بصنعه "
بادله سيف النظرات وهو يقول ببرود " ولا تسألني حتى الان كيف صنعته ...لأنى انا الآخر لا أعلم كيف صنعته "
" لا أعتقد انه كان شايا " قالتها ريم
تنهد سيف بضعف وهو يقول بتحذير " تبا لكما هل سأكون سخريتكما لهذا اليوم ...ريم اصعدى إلى فوق هيا بسرعة ...قبل ان اطرد كلا منكما الآن "
لوت فمها بامتعاض وصعدت درجات السلم ....
فالتفت كاسر إلى سيف قائلا
" آسف ان كنت أتيت فى هذا الوقت ...لكن أردت مقابلة جدك وأعلم انك تستطيع الحديث معه ...لكى يقابلنى "
" ألا تعلم ما حدث...متى اتيت من سفرك "
رفع كاسر عيناه إليه باستفهام فقال بهدوء " اتيت اليوم صباحا ....فهز رأسه قائلا. ..ولكن ما الذى لا أعرفه "
"جدى سافر منذ عدة ايام ولا أعلم أين هو "
" ماذا " هتف بها كاسر بغضب وهو يهم واقفا
تنهد سيف ....فتابع كاسر بصوتا اجش
" سافر ...هكذا ...أين ...هل يمكن أن يكون قد ذهب إلى أخيه عزت ...هل تعتقد انه يعلم أين هو عزت الحسينى "
هز سيف كتفيه بجهل " حقا لا أعلم ...ولكن سفره جعلنى تاءها "
"تبا" قالها كاسر وهو يمرر يده على وجهه بغضب
" أما زلت لم تستطع الوصول إليها حتى الان " سأله سيف
لاحظ الحزن جلى على وجه كاسر فقال بألم
" لا لم اجدها ...بحثت ..وبحثت ولكنى لم اجدها ...لا أعلم أين هى... تركتنى وذهبت ك الطائر الوحيد "
" كاسر ...سياتى يوما ويعود الجميع ...لن تبقى طيلة عمرها مختفية ...هى ستعود ..بنفسها فى يوما ما "
" يوما ما ...متى ...لطالما سألت نفسى إلى متى ...ولم أجد جوابا حتى الان له " نطق بكلماته بضعف
" سأذهب " قالها كاسر وهو يبتعد عن كرسيه
فنهره سيف بسرعة قائلا
" لا ..لا أبقى ...فلتجلس معى قليلا لم نجلس مع بعضنا منذ فترة طويلة "
جلس بقنوط ...وهو يحاول سيف جذبه للحديث معه رغم شروده وحزنه الظاهر على وجهه .....
اجفلا الاثنان عندما سمعا صوت جرس الباب ....فتحرك سيف مبتعدا عن كرسيه ....وضيق عيناه وهو ينظر إلى ذلك الزائر الذى لم يعتقد يوما انه سيدق بابه
" لقد حان وقت تسديد الديون "
رواية عندما يعشق الرجل لشيماء محمد الفصل السادس والعشرون

الجزء الأول

جلست ريم على الجهة الأخرى من السرير بجوار أروى ما ان دلفت إلى الغرفة ....وشهقت بقوة ما ان رات تلك الابرة فى يديها والمحلول معلق بجوار السرير ....وضعت يديها على كتف أروى بحذر وهى تراقب شحوب وجهها من التعب ...وهى تقول بحزن وهلع " يا الله ما الذى حدث لك ...وكيف حدث "
هداتها اروى وهى تربت على يد ريم الموضوعة على كتفيها وتقول بصوت مهتز قليلا " لا تقلقى ...انا بخير "

حدقت بها ريم بتفحص وهى تنظر إلى وجهها باهتمام ....لاحظتها أروى فابتسمت قائلة " ريم ..انا بخير لا تقلقى ...كل ما على فعله فقط هو الجلوس فى السرير وعدم الحركة والاهتمام بوجبات الطعام ...حتى أستطيع تغذيت نفسى ....ثم تابعت وابتساماتها تتسع أكثر بنبرة ناعمة ...سأكون أما "
التمعت عينا ريم بسعادة وهى تضمها إليها قائلة بحنان " نعم ستكونين أما جميلة "
" ألم تكونى على علم يا ريم " التفتت ريم عندما سمعت صوت السيدة فريدة تسالها. ..فنظرت إليها ريم بعدم فهم وهزت رأسها تلقائيا ب لا ....فنظرت أروى إلى والدتها بعتاب. ..فزمت والدتها شفتاها وتابعت
"هل تريدين أن تشربى شيئا "
" لا ..لا داعى ساجلس بعض الوقت و سأذهب " هتفت بها ريم بسرعة ....فيبدو انها لن تستطيع الحديث مع اروى بحضور والدتها ...كما أن أيضا حالتها تبدو انها لا تسمح أبدا بالاستماع ....
اجفلن الثلاثة عندما سمعوا صوت محرك سيارة
" يا ترى من الزائر " قالتها فريدة بخفوت وهى تجلس على الكرسى الموجود بجانب النافذة الكبيرة للغرفة
التفتت أروى إلى ريم ...لو لم تكن والدتها موجودة لتحدثت مع ريم عما يشغل بالها ...عن إخفائها لحملها...عن تصرفات سيف وعن ما سمعته سابقا أثناء حديثه مع حده عن الأسهم والشركة ...تعلم انها ان تحدثت معها ربما ييستريح عقلها من التفكير فيما ممكن ان يحدث او هل سيف يحبها ام لا ام انها لا شئ فى حياته بعد ان كانت تعتقد انه أصبح يهواها حتى لو قليلا ...حينها ربما ترشدها ريم على الأقل عما يجب ان تفعله فهى تعلم ان صديقتها ذات إدراك واسع وربما ترى ما لم تستطع هى نفسها رؤيته ....وسترشدها إلى الفعل الصحيح ...لكن يبدو ان اليوم غير مناسب للحديث
نظرت كلا منهما للأخرى وعيناهما تتحدث بصمت
(انها تحتاج إلى إخراج ما بداخلها لعلها تستطيع الوصول إلى السلام والراحة )

" لقد حان وقت تسديد الديون "
حدق سيف إلى حازم بدهشة لم يستطع إخفائها وهو يعقد ما بين حاجبيه بقوة .....لم يعتقد انه سياتى ويطلب منه ذلك الدين القديم ....تشدق بابتسامة جانبية وهو ينظر إليه بتمعن .... وقفا لثوانى كلا منهما يحدق بالآخر ....
تنحنح سيف عندما لاحظ وقوف حازم على الباب ....تراجع قليلا سامحا له بالدخول بصمت ..
فمهما كان بينهما من عداء بسبب ما حدث سابقا إلا انه لن يغلق يوما بابه فى وجه زائر له....
دلف حازم بخطوات ثابتة ورأسه مرفوع لن يهتز لمجرد دخوله إلى منزل ذلك الابله.... لكن كما يقولون المثل أن كان لك حق عندك الكلب ....نظر سيف بطرف عيناه إلى حازم وقال بصوت هادى وهو يشير إلى الجانب الذى يجلس إليه كاسر
"تفضل"
اجفل حازم عندما سمع صوت كاسر هاتفا بنبرة خشنة ما ان رأى حازم
" حازم "
لم تقل دهشة كاسر ولا تعابير وجهه عن سيف ....فهو لم يعتقد يوما ان حازم سيطرق باب سيف يوما ....جلس حازم على أحد طرفى الأريكة التى يجلس عليها كاسر عاقدا اصابع يديه امامه بينما كاسر يجلس على الطرف الآخر .... وسيف قبالته على أحد كراسى الصالون المذهب ....حدقت الأربعة أعين بحازم باهتمام منتظرة سماع سبب حضوره فى هذا الوقت
حاول حازم ان يجلى حنجرته وقال بطريقة عملية وهدوء
" لقد سبق و اخبرتنى انك مدين لى .....ثم رفع نظره إلى سيف بحزم وتابع ....هل ما زلت على وعدك "
كانت تعابير وجه سيف لا تعبر عن اى شئ وهو يستمع لكلمات حازم ...باختلاف كاسر الذى حدق به بدهشة ممزوجة باستغراب .....
ظهرت ابتسامة جانبية على وجه سيف ثم قال بصوت عميق وتأكيد " نعم بالطبع ما زلت على وعدى ...ثم رفع أحد حاجبيه متابعا ....فلست أنا من يخلف وعد قطعه على نفسه "
اؤما حازم برأسه ايماءة بسيطة للغاية ثم قال بنبرة هادئة
" حسنا ....الحقيقة فى البداية كنت أريد مقابلة جدك السيد سليمان لكنى علمت بغيابه.....لذلك فكرت انك ربما تستطيع مساعدتى....قالها ثم نظر إلى عينى سيف للحظة يحاول قراءة أفكاره ردة فعله ...لكنه لم يجد غير السكون فتابع .. لذلك أعتقد انك بهذه الطريقة ستستطيع تسديد دينك "
رفع سيف حاجبيه وقال ببرود
" تابع "
تفحص كاسر وجه حازم بامعان. ..اختلف شكله كثيرا من آخر مقابلة لهما ....أكثر نحافة عن ذى قبل ...ذقنه الغير حليقة نمت وأصبحت طويلة بشكل ملحوظ وكأنها لم تمسها شفرة حلاقة منذ زمن ...حتى وإن كان لتهذيبها ....وفوق هذا وجهه مختلف ونظرته المعتادة أيضا .... بالطبع لم يكن سيف يلاحظ هذا التغير لأن كل ما يهمه هو معرفة سبب حضور حازم السيوفى بنفسه إليه ...طالبا دين قديم كاد هو نفسه ان ينساه ...لكنه أكثر من مرحب بذلك حتى يستطيع أن يأخذ ثاره القديم الذى طال ....
أخذ حازم تنهيدة طويلة جعلت كلا الرجلان يعقدان حاجبهما بتساءل....
" أحتاج فقط مساعدتك "
... قالها ثم نظر الى كلا الرجلان باهتمام ...لم ينبس اى منهما ببنت شفه منتظران ان يفضى حازم بما فى جعبته لهما .... أفضل سمة مشتركة بين هذان الرجلان هو الاستماع ...وربما نقول أن سيف أقل صبرا فى هذه اللحظة بينما كاسر يستمع وينتظر باستمتاع غريب وعيناه تومض من الإثارة ....فربما يرى معركة بين أفراد عائلة السيوفى ...سببها سيف وحازم ...بسبب ثأر واندفاع قديم ....
" أعلم انه يوجد مشاريع بينكم وبين عائلة عزيز المنشاوي ...صمت و كاسر وسيف المستند بكوع ذراعه على يد الكرسى و اسلم وجهه ليده ينظران إلى حازم بتركيز .... أخفض حازم رأسه وكأنه مجبر على قول ما سينطق به ...
تابع بارتباك حاول اخفاءه
" أريدك فقط ان تقوم ببيع قطعة الأرض التى ستقوم عليها المشروع ...و ساشتريها باى مبلغ تريده " قالها ثم رفع رأسه نحو سيف باهتمام واعين راجية
حدق سيف به والتمعت عيناه بغموض وكادت ان تظهر ابتسامة على وجهه لكنه استطاع إخفائها.... ووضع قدم فوق الاخرى بغرور
وقال بنبرة هادئة " كنت أتمنى حقا مساعدتك ...لكنها ليست للبيع "
عض حازم فمه من الداخل يحاول كتم غيظه من الجالس أمامه وقال ببرود كاذب
" إذا أنت لا تريد المساعدة "
فامال سيف برأسه لجهة اليسار ورفع كتفيه بقلة حيلة ....فنهض حازم من مكانه وأغلق أزرار سترة بذلته السوداء ورفع رأسه ناظرا إلى الفراغ بصمت وقال ببرود وعنفوان
" حسنا يبدو إننى قد أتيت إلى المكان الخاطئ "
قالها وما كاد يتحرك حتى اوقفه كاسر بسرعة قائلا
" اهداى يا حازم...الأمور لا نتحدث بها هكذا ...بالطبع سنحاول مساعدتك لكن أخبرنا فقط لماذا تريد تلك الأرض ربما نستطيع مساعدتك بطريقة أخرى "
هتف بها كاسر وهو ناظر إلى سيف....بينما الأخير اشاح بوجهه بعيدا بغضب
" سيف " قالها كاسر بهدوء
فتململ سيف فى جلسته وتافف بطريقة ملحوظة وكأنه طفل صغير يحاول شخصا ما ارغامه على شئ هو لا يريده ....
وقال من بين أسنانه " أجلس وسنرى "
نظر حازم بنصف عين إلى يد كاسر التى تمسك بذراعه وجلس بعد تفكير فى ان لا وقت لكبرياءه او لعداءه لسيف .....
أبتسم كاسر وهو ينظر إلى كلا الرجلان اللذان يحاولان عدم النظر لبعضهما وقال بطريقة عملية ودبلوماسية بحتة
" حازم ...نحن لن نساعدك من أجل دين او شى من هذا القبيل ...فأرسل إليه سيف نظرة محتقنة ما ان سمع كلمة "نحن ".....لم تمنع تلك النظرة كاسر عن المتابعة وقال ....بل نحن سنساعدك لأننا أصدقاء ...وقبل كل هذا تربطنا صلة دم ....لذلك سنفعل وسنكون بجوارك ...مهما كانت تلك المساعدة "
قالها كاسر وهو يضرب برفق على قدم حازم الذى نظر إليه كالتاءه ....بينما الآخر يتافف بحنق
فلوى كاسر فمه وقال بحدة لسيف " أليس كذلك يا سيف "
فأجاب الآخر من بين أسنانه " حسنا "
" حسنا أخبرنا " قالها كاسر بعقلانية .... فهو يعلم لو لم يكن الأمر كبيرا بالنسبة لحازم لما أتى يوما إلى هذا المنزل ..... وتابع قائلا " ما هو الأمر مع عائلة عزيز المنشاوى ...علاقتنا بهم جيدا ولا أظن أنهم سيرفضوا لنا طلبا يوما وخاصة خالد ...هو شخص جيد ومتافهم "
فنظر حازم إلى كاسر متساءلا " هل تعرف خالد "
فابتسم الآخر قائلا " نعم بالطبع أعرفه وعلى علاقة وثيقة بنا "
وأخذ كاسر يخبره كيف تعرف على خالد منذ أكثر من خمسة أعوام .... عندما أتى الى شركته لشراء بعض الآلات للغزل والنسيج ...وكيف أصبحا صديقان بعد ذلك ....
بعد ان استمع حازم إلى كاسر تيقن انه سيساعده فى أمره .... فأخذ نفسا عميقا وقال بدون مقدمات
" تقدمت إلى طلب يد ابنة المستشار ياسين المنشاوى ...لكن عمها رفض وعلمت انه سيقوم بتزويجها االى ابنه المتزوج " ظهر الغضب والضيق جلى على وجه حازم وهو يخبرهم بما حدث
استطاع حازم جذب انتباه سيف الذى حاول عدم الاصغاء إلى كلامه و صرف نظره بعيدا عنهم ....ونظر إليه وهو يراقب تعابير وجهه ....وعدل من جلسته متابعا باقى الحديث ...بينما ضيق كاسر ما بين حاجبيه وقال بهدوء وعقلانية
" ربما الفتاة موافقة "
فهز حازم رأسه ب لا وقال " حالتها سيئة و تدهورت بعد ما اخبروها بأمر زواجها من ابن عمها "
" وكيف عرفت أن حالتها سيئة " قاطعه سيف
فنظر حازم إليه بحدة و قائلا بابتسامة فاترة " مصادرى الخاصة "
فسعل كاسر بصوتا عالى وقال بهدوء " حسنا إذا أنت تريد الفتاة والفتاة تريدك"
" أظن ذلك " قالها بخجل حاول اخفاءه
فابتسم كاسر وربت على ظهره
" حسنا ...إذا أنت تريد منا ان نحاول إقناع عزيز للقبول بك " قالها ثم هم واقفا من مكانه وأغلق أزرار بذلته متابعا بخشونة
" حسنا ...هيا بنا "
" هيا بنا ...إلى أين؟!! " قاطعه سيف بحدة
فمرر كاسر يده على وجهه وقال بتافف
" تبا لك لماذا دائما تقاطعنى هكذا .... سنذهب بالطبع إلى منزل عزيز المنشاوى و نتحدث معه "
" بهذه السهولة ...تعتقد " هتف بها سيف
فاؤما كاسر رأسه بنعم وقال بإصرار وهو يسحب سيف قائلا
" اصعد وبدل ملابسك تلك ...حتى لا نتاخر. ..إذا تأخرنا ربما يقوموا بتزويج الفتاة دون إرادتها انا اعرف عزيز المنشاوى جيدا ....هيا ..هيا بسرعة ...ثم تابع مقتربا من أذنه .....ألا تريد أن تدفع دينك له ...الأمر سهل ...وهكذا لن يكون هناك ذلك الوعد الذى قاطعته له ..ام انك نسيت "
فكر سيف فى كلام كاسر ...و بدأ بصعود السلالم مرغما



الجزء الثاني

دق دقات خفيفة على باب الغرفة ثم دلف مباشرة وجد اروى جالسة تستند بظهرها على السرير وبجوارها ريم ووالدتها تجلس على أحد الكراسى تحمل بين يديها أحد المجلات ....
فقال بهدوء " سأخرج ... و ربما أتأخر او أتى غدا صباحا ...ثم تابع وهو ينظر لعمته. ..لذا هل يمكنك أن ان تبقى مع اروى اليوم لحين عودتى وسأحاول أن أعود مبكرا "
حدقت به السيدة فريدة وهزت رأسها ب نعم
" نعم بالطبع ....لكن لعله خير "
" خير ...خير لا تقلقى ....هل يمكن ان ...." قالها وهو ينظر إلى اروى
ففهمته عمته وقالت بابتسامة لريم وهى تتوجه نحو الباب
" تعالى يا ريم ...حتى نقوم بتحضير شيئا ما "
تبعتها ريم ومن ثم أغلقت الباب
نظر إليها وسعل بخفوت محاولا أن يجلى حنجرته وقال بصوت اجش
" سأذهب ولن أتأخر ....اهتمى بنفسك جيدا ...حسنا "
هزت رأسها ب نعم
وقالت بنبرة هادئة
" حسنا "
... وهى تحارب رغبة قوية لديها بأن تسأله إلى أين سيذهب....فراقبت دخوله إلى غرفة تبديل الملابس ....بعدها بدقائق خرج من الغرفة وهو يرتدى بذلة زرقاء وقميص بلون السماء ....ووضع وشاح صوفى حول رقبته .... بدى وسيما بطلته تلك شعرت معها بالغيرة تجتاح قلبها بلا هوادة ....فعقدت حاجبيها بضيق وهى تراه واقفا أمام المرآة....يمشط شعره البنى ...ويرش رذاذ عطره المفضل فانتشرت رائحته فى أنحاء الغرفة جعلتها تشعر بانقباض فى معدتها حتى كادت تتلوى وتبكى من الألم الذى تشعر به .... أبتسم لها بشقاوة وهو يراقب نظراتها له من زجاج المرآة ....
فضغطت على شفتاها السفلى محاولة ألا تصرخ من غيظها. ...وهى تفكر
"إلى أين سيذهب "
وبدون ان تشعر قالتها بصوت مرتفع من بين اسنانها ...فدار بجسده نحوها وهو ما زال يبتسم بشقاوة وقال وهو يغمز لها بعيناه اليسرى .....
" هل هذا اهتمام ...ام انه ...فضول الزوجة "
ضغطت مرة أخرى على شفتاها و حدقت به بغضب هاتفة بعدم اهتمام ولامبالاة تحاول إظهارها
" لا هذا ولا ذاك "
فظهرت ابتسامة جانبية على ثغره وقال باغراء وهو يدنو منها ببط حتى وقف أمامها مباشرة ويديه فى جيبى بنطاله
" لا تنزعجى ....أن تدللتى على سأخبرك "
فعقدت ذراعيها أمام صدرها وهى تقول بغرور
" إذا اذهب انا لن ارجو احد"
فضغط على شفتاه السفلى باسنانه وقال بابتسامة وهو يغمز بطرف عيناه لها
" انظرى إلى لقد أصبحت اضغط على شفتاى مثلك ... وربما أحاول قضمهما المرة القادمة ....وتابع وهو يجلس بجوارها على السرير ....ومن قال لك أن ترجونى. ...انا اقول ...ت..د.ل.ل.ى " قالها وهو يضغط على كل حرف يخرجه
ثم رفع رأسها نحوه باصابعه قائلا بانفاس ملتهبة
" ألا تعرفى كيف تتدللى "
فابتسمت بنعومة ...فنظر إليها مشدوها وهو يحاول بلع ريقه وهو يراقب ظهور غمازتيها التى تزين خديها عندما تبتسم ....
وقال بهيام
" يا الله ...ساقع صريعا الآن ...انطقى يا ابنة الحلال واريحينى "
فصدرت منها ضحكة رنانة من كلماته وقالت وهى ترفع إحدى حاجبيها بكبرياء
" لقد سبق وقلت لك ....وقبل أن تتابع قطع كلماتها بقبلة خطفت أنفاسها .....رفعت ذراعيها حول رقبته وقربته منها أكثر ....وبهدوء بدأت فى أبعاد الوشاح الصوفى عنه ومن توقه ساعدها هو فى ذلك وألقى بالوشاح تحت قدميه والنار تتاجج فى جسده وصدره من شوقه لها ناسيا من ينتظره فى الأسفل ...ومن ثم ألقى بالسترة التى لحقت بالوشاح على الأرض ...وما كادت تصل إلى صدره العضلى وتفتح ازار قميصه حتى وجدا الباب يفتح
ووالدتها تهتف " سيف ...كاسر ..ين..." توقفت الكلمات بين شفتى فريدة ووقفت مشدوهة من الخجل ويدها على مقبض الباب
وما ان سمع صوت والدتها حتى أبتعد كلا منهما عن الآخر وعدل من وقفته ... وبسرعة التقط الوشاح والسترة ...وخرج من الغرفة مسرعا ....و أروى وضعت رأسها على الوسادة و غطت وجهها من الإحراج والخجل لما تعرضته له من مشاهدة والدتها لهما ...متمنية أن تنشق الأرض وتبتلعها .....

نزل درجات السلم وهو يرتدى سترى البذلة ثم بعد ذلك وضع الوشاح حول رقبته ...نظر إلى الصالون لم يجد أيا منهما ...فخرج من المنزل وجد حازم يجلس فى سيارته متاففا وريم تقف إلى الجانب مع كاسر ويظهر على وجهها معالم الغضب ....و دنا منهما بخطوات واثقة
قائلا بتجهم
" هل هناك شيئا ما "
فرفع كاسر وجهه إليه قائلا بحدة
" ريم تريد الذهاب معنا ...بعد ان علمت بما حدث لصديقتها "
" ماذا ...هل جننتى. ..تذهبى مع من ..ريم كونى عاقلة ...فى هذا الوقت وماذا عن زوجك " هتف بها سيف بحدة وغضب
" ولماذا لا أستطيع الذهاب ...قلت سأذهب معكما وانتهى الأمر " قالتها وهى ترفع يديها بانتهاء الحديث
أخذ سيف نفسا طويلا ثم أخرجه بضيق قائلا
" أتركها تذهب "
قالها ثم توجه نحو سيارة كاسر قائلا
" فلتقود انت ...لن أخذ سيارتى "
ركب كاسر فى مقعد السائق وسيف بجواره بينما ريم فى الخلف ....أشار كاسر إلى حازم وانطلقتا السيارتين ...قام الأمن بفتح البوابة الكبيرة حتى تخرج السيارتان.... وما أن تحركت السيارة فى الطريق قليلا حتى وجدوا سيارة تقترب منهم بسرعة قصوى ....ودارت السيارة فى الطريق حتى استطاعت أن تكون أمامهم بمهارة وسرعة فائقة توقفتا السيارتين فى منتصف الطريق ....
خرج منها السائق بغضب عاصف ووجه متجهم. ...وتوجه نحو مقعد السيارة الخلفى و فتح بابها
" مالك " نطقت بها ريم وهى ترى مالك واقفا أمامها ووجهه محتقن من الغضب
" اخرجى " هتف بها بصوتا قاطع
ارتجفت اوصالها وانتابها الذعر من تعابير وجهه المتوحشة ونظراته التى تكاد تخرج نارا من عيناه لها
مد يده وامسك ذراعها عندما لم يجد استجابة منها وبسرعة سحبها من السيارة بقوة وهو يقول من بين أسنانه وحفيف ينذر بالخطر
"اخرجى "
سحبها خلفه وهو يمسك ذراعها بقوة وقبضة كالفلاذ جعلتها تشعر بالألم ....فتح باب سيارته ...وادخلها إلى داخل السيارة بعنف ....وربط حزامها وانطلق مسرعا وكأنه رجل سباق مخلفا وراءه طيف من ضباب الأتربة
"ما كان هذا " قالها كاسر مشدوها واعين متسعتان من الذهول
" تستحق ما حدث لها ....هيا انطلق " قالها كاسر بصوت خشن.... سارت السيارة فى طريقها و سيارة حازم تتبعها الذى كان يشاهد هو الآخر ما حدث بذهول تام ......

ضرب مقود سيارته بغضب غير ابه لنظراتها القلقة والخوف الظاهران فى عينيها ...... اشتد بيده على مقود السيارة محاولا التماسك وعدم الصراخ فى وجهها .... اخطاءها أصبحت تكثر يوما بعد يوم معه .... عدم إخباره لذهابها إلى أروى اليوم رغم انه كان بجوارها صباحا فى السيارة وهى تتحدث مع أروى. ...أخبرتها انها ستاتى إليها ....لكن المسمى زوجها لم تخبره او تستأذن منه حتى ....وفوق هذا كله تأخرها كل هذا الوقت .... وجلس كالجرو ينتظرها حتى تأتى لكنها لم تأتى او تتصل حتى ...وعندما طفح الكيل به قرر الذهاب إلى منزل سيف واحضارها. ...ويتفاجى وهو فى الطريق ان زوجته تجلس فى المقعد الخلفى مع سيف و كاسر ....وكأنه لا شئ بالنسبة لها ...لكن لا ...سيضع حدا لكل هذا اليوم تصرفاتها تلك ... سيغيرها لها
ما ان وصلت السيارة أمام المنزل حتى ترجلت منها بسرعة ....ترجل من السيارة لاحقا بها بخطوات سريعة واعين تومض غضبا ....
وما كادت تقترب من باب غرفتها بعد أن صعدت سلالم المنزل راكضة ...حتى وجدته يمسكها من ذراعها وجرها خلفه بقسوة ....دلف بها إلى الغرفة و ما تزال قبضته حول ذراعيها جعلها تتاوه من الألم ....عندما شعر بقسوة قبضته أبعد يده عنها بفتور....
نظرت إليه بوجه محمر وانفاس لاهثة ....فحدق بها بخشونة. ..نظرات أسرت قشعريرة و رعب فى جسدها فهذه أول مرة ترى هذه النظرة ...التى لو كانت تقتل لكانت الآن وقعت صريعة فى مكانها .....
مرر يده على وجهه محاولا ان يمسك زمام نفسه ....
وهتف بحدة وغضب
" اخطاك كثرت يا ريم معى ... ثم اقترب منها وهو يضع يديه على كتفيه مشتد عليهما بقوة المتها ....
لقد تماديتى كثيرا ...اصبحتى تتصرفين وكاننى غير موجود ...وكاننى لست زوجك "
نظرت إليه بقوة مقابلة نظراته الغاضبة لها ...وهى تقول بكبرياءها المعتاد وتنفض ذراعيه عنها ببرود
" أنا لم اخطى. ..لكى تتعامل معى هكذا ...وتابعت باستهزاء.... وكفى عن تلك الأسطوانة التى تقولها دائما. ..زوجك. ...زوجك ..."
حدق بها بقوة مشدوها من طريقتها وأسلوبها فى التعامل معه
وقال بهدوء منافى تماما لغضبه الذى يكاد يحرق قلبه " الا تعتقدى انك اخطاتى. ..فاجابته بهزة خفيفة من رأسها ....مرر لسانه على شفتاه وقال بنفس هدوءه .... حسنا لنقول أنك لم تخطئ فى ذهابك إلى صديقتك من دون ان تخبرينى. ..فقاطعته بحدة
" لقد كنت تستمع إلى محادثتى معها وكنت على علم بذهابى... لذا لا تظهر وكأنك زوج مغلوب على أمره "
ارتفع حاجبيه من وقاحتها التى تمادت بها ... واسكتها بنظرته الغاضبة وتابع وهو يصتك على اسنانه ...
" حسنا ..فلنتغاضة عن هذا .. وماذا عن ركوبك وجلوسك مع رجلان ...وهتف وهو يحرك يده فى الهواء بغضب مانعا إياه من التحدث .... حتى وإن كانا أقرباء لك ... وماذا عن المسمى زوجك الذى ينتظرك وكأنك انتى الرجل ...و اقترب منها بانفاس ملتهبة وسألها بنبرة خشنة
" الى أين كنتى ستذهبين معهما ....الطريق لم يكن طريق المنزل "
بلعت ريقها بتوتر وأحمر وجهها خوفا ....وصمتت غير قادرة على إخراج كلمة من فمها .....
فتابع وهو يزمجر كأنه أسد حبيس وامسك مرفقها بقوة
" انطقى ... إلى أين كنتى ستذهبين معهما "
" إلى نور " قالتها بنبرة مهتزة كاهتزازت يديها وجسدها
" الى أين " أمرها بصوت ضعيف مذهولا يحاول استعاب ما نطقت به ....
" نور " نطقتها بحشرجة
ضغطت على شفتاها بقوة محاولة السيطرة على اهتزاز جسدها من الرعب والخوف من نظراته المحدقة بها بذهول
" كنتى... س...تسا..فرين مع....رجلان ....بدون علمى " قالها بذهول وعيناه تكادان تخرجان من مقلتيها
" أنا ...انا ...فقط ...أقسم " قالتها متلعثمة
فقاطعها وهو يزمجر بحدة
" تقسمين. ..انتى ...انتى وصلت بك الجرأة والوقاحة وقلة التهذيب. ..إلى أن تذهبى إلى صديقتك ... والحيوان الذى ينتظرك فى المنزل وكأنه هو الزوجة لا يعلم شيئا.... فلماذا تخبريه...انه مجرد أحمق ..لماذا تخبريه إذا "
" كنت ...كنت " قالتها بأعين دامعة وهى تشعر اخيرا بفداحة ما فعلته ...انها حمقاء وخرقاء. ..وقليلة تهذيب كما قال لها ... لكنها كانت ستخبره. ..كانت ستتصل به وتخبره قلقها على نور ..جعلها تنساه ...نعم نسته هى لا تنكر ذلك هى لم تكن تفكر غير فى نور فقط .....
رفع رأسه عاليا وهو يضع كلتا يديه على وجهه .... راقبت تحركاته وهو يتحرك فى الغرفة كالحبيس وهو يمرر يديه على شعره وهو يكاد يقتلعه من مكانه بعد ان ابعد يديه عن وجهه
فاقتربت منه بخطوات بطيئة متعثرة ... ووضعت يدها على ذراعيه لكنه سرعان ما نفضهما عنه بسرعة وفتور ...
فحاولت ان تقول بثبات لكن رغما عنها خرجت كلماتها متحشرجة وهى تكتم دموعها
" أنا ..انا ...ا "
رمقها بقوة وهو يرفع إحدى حاجبيه و هتف بصوتا عالى
" اخرسى. ..وتابع وهو يقترب منها ... ما الذى ستقولينه أيضا لتدافعى عن نفسك به ... ثم أشار إلى نفسه قائلا بسخرية .... انا .. انا المخطئ ..انا من الذى لم أضع حدود لك منذ ان تزوجنا. .. انا المخطئ فى كل هذا وجعلت الباب مفتوحا لكى تفعلى ما تشائين ... لذا ساصحح كل هذا .... وتابع وهو يقول بحفيف قرب أذنيه ... خروج من هذه الغرفة لا ... عمل لا ... ستكونين زوجة فقط " قال كلماته و ابتعد ناظرا إليها بقرف .... تابعته بنظرها بهلع وخوف ....وهو يأخذ مفاتيح الغرفة ...خرج صافعا بابها بقوة ثم سمعت صوت إدارة مفتاح الغرفة.... واغلاقه للباب عليها ....
تهاوت على السرير بأعين متسعة ناظرة إلى الفراغ أمامها بصدمة ....و شفتاها تهتزان خوفا مما تحمله الأيام لها



شعرت بنور وهاج ياتى لها من بعيد وشخصا ما يقترب منها و يقف أمامها وهى مستلقية لكنها لا تستطيع تبين ملامحه بسبب وجود بعض الضباب حول عيناها ....شعرت بيد حنون تربت على رأسها ...خفق قلبها " انها تعرفها جيدا وصارت تفتقد تلك اللمسة على رأسها " ...رفعت رأسها تتطلع لذلك الواقف أمامها ...الذى كان مصدر قوتها ومصدر امانها. ..وقد باتت خاءرة القوة ضعيفة تفتقد إلى الأمان والحنان من بعده ....زمت شفتاها وعيناها امتلأت بالدموع من كتمها لها .... سقطت دموعها بدون إرادة منها حارة على وجنتيها ...تريد أن تبكى ...وربما تصرخ وتمسك به وتخبره ألا يتركها ....
نظر إليها بحنان افتقدته منذ رحيله عنها وقال وهو يمسح دموعها
" لم تبكين الآن ...ألم أقل لك عليك أن تكونى قوية يا نور "
" كيف أكون قوية وأنت بعيد عنى ...كيف وأنت لم تعد بجوارى " قالتها بألم فى نفسها تمنت أن تصرخ بها شفتاها ....لكن بشفاه مهتزة واعين باكية نطقت
" أنا أتألم ....بعدك عنى وتركك لى جعلنى وحيدة ومتالمة ....أنهم ..."
قاطعها وهو يضع إصبع على فمها قائلا بنبرة أبوية دافئة
" انتى لست وحيدة ...هناك عمتك ...و اصدقائى لن يتركوك صغيرتى....اتبعى قلبك وستجدين الأمان "
شعرت به يبتعد و رائحته تختفى مع انقشاع الضباب ....أرادت الصراخ وهى تغلق عيناها بقوة ....لكن يد ما ظلت تهزها برفق .... ثم تواصل ذلك الهز مرة اخرى ....حتى استيقظت بأعين متسعة فزعة .....وعمتها تقف قبالتها والحزن جلى على وجهها .... جلست بجوارها وضمتها إلى صدرها قائلة بهلع وحزن و دموعها تسقط باشفاق على ابنة أخيها الوحيدة
" ماذا بك يا صغيرتى ...طمانينى عليك ...قلبى يتألم لالمك ...تكلمى يا نور ...انا بجوارك ... انا بجوارك يا صغيرتى "
فى تلك اللحظة علمت أن ما شعرت به وما رأته لم يكن سوى حلما وأن والدها لم يعد موجودا .... شعرت بألم الفقد والحرمان...شعرت بأنها محطمة ....فتشبثت بها نور بيديها وهى تقول ببكاء يقطع نياط القلب
" نعم انتى بجوارى ...لا تتركينى. ..أبى ...أبى تركنى...مات "
ضمتها هيام إليها أكثر وبدأت تربت على رأسها بيديها تحاول تهدءتها رغم أن دموعها هى الأخرى سقطت بدون إرادة منها
" انتى أقوى من هذا ... جميعنا سنموت ..أريدك متماسكة قوية يا نور .. لا تضعفى "
فقالت ببكاء ونبرة مهتزة وهى تدفن وجهها فى صدر عمتها
" أبى تركنى. .. ياسين لم يعد موجودا بجوارى ... أبى تركنى ... لماذا انا وحيدة ... لماذا من احبهم يتركونى ويرحلون. ..لماذا "
حاولت تهداتها بنبرة حانية وهى تطبع قبلة على شعرها " انا معك ...انا معك لن اتركك يا نور"
جلست لما يقرب النصف ساعة تقراء لها بعض آيات القرآن ..... حتى هدأت ونامت

تنهد بقوة وهو يراقب تحرك مياه النهر أمامه .... وكأنه بهذه التنهيدة استطاع أن يخرج همه وضيقه الذى على قلبه فظهرت شبه ابتسامة على وجهه فهو لم يعد يعرف معنى الابتسام منذ زمن ...يشعر بمسؤولية كبيرة على عاتقه ....والدته من ناحية ...واخاه وليد من ناحية ...و نور ابنة خاله من ناحية أخرى ....
منذ ان توفى والده وهو فى ذلك الوقت شعر بأنه أكبر من عمره الذى لا يتجاوز الستة أعوام ...مسئول عن والدته وعن أخيه .... منذ ان كان صغيرا وهو يرى ابتزاز خاله لوالدته التى أعطته ما كانت تملكه وما تركه لهم والدهم شيئا فشيئا فقط من أجل أن تستطيع ان تعيش فى كنفه وتربية أولادها ....أخذ منها ما ورثته عن والدها .... بالإضافة إلى المنزل الوحيد الذى تركه لهم والده قبل وفاته ....وانتقلوا إلى منزل خاله عزيز بعد أن اقنعها ببيعه بسعر زهيد للغاية ...واهما إياها انها لم تعد بحاجة إلى هذا المنزل وتستطيع الجلوس معه فى منزله حتى تستطيع رعاية والاهتمام بابناها بعيدا عن اى طامع. ...كما انه اقنعها بأن أخوات زوجها يرغبون فى الحصول على ما تملك ويطمعون به ....فأصبحت تعاديهم وتمنعهم من رؤية طفليها .... ورغبة فى عدم إثارة المشاكل اقنطوا لقرارها ولم يعد لهم اى علاقة باى شخص من عائلة والده ....
جلس على صخرة كبيرة كانت أمام النهر ... وسند بذقنه على يد عصاه العاجية الشئ الوحيد الذى ورثه من والده ....هذه ما بقيت له ...مجرد أثر.... رغم انه لا يحتاج إليها لكنه ما ان يمسكها بين أصابعه حتى يشعر بقوة وهيبة غريبة تجعله أكبر من عمره ....
حدق خالد بأعين شاردة أمامه .... وهو يفكر فى كلام والدته له منذ عدة ايام ... أولها كان ان يتزوج نور ... لكنه لم يشعر نحوها بما يجب ان يشعره الرجل نحو امرأة من المحتمل أن تكون زوجته ...بل شعر فقط بمشاعر قوية من الحماية والدفاع عنها ...مجرد مشاعر أخوية ...وربما واجب نحوها ....لانه بنفسه رأى ضعفها وكأنها امرأة هشة قابلة للكسر فى اى وقت .... لذلك نفض فكرة الزواج تلك منها بعيدا عن رأسه ....و عندما أتى ذلك ال حازم لطلب يدها شعر براحة نحوه رغم نظراته التى كانت تكاد تتاكل ابنة خاله ... بحث حتى علم عنه كل شى ...فوجد سيرته كما يقولون لا يوجد عليها غبار ... ناجح فى عمله ...من عائلة مرموقة ....و فوق كل هذا والده كان صديق لخاله ياسين ...إذا هو لن يفرط بها او يهملها او يهينها يوما .... اتخذ قراره وسيتصل بحازم ويحدد معه موعد لياتى إليه ويحددوا كل شئ. ..فهو لن يستطيع حماية نور لوقتا طويل من يدى خاله وابن خاله ....
تنهد بضعف وهو يتساءل فى نفسه وماذا عنك يا خالد الن تجد من ستخطف قلبك ام انك ستظل هكذا ...وحيد ..الن تأتى من تخفف عنك وتقف بجوارك ....أخذ نفسا طويلا ثم زفره بقوة ....وهو ما زال على جلسته فقد أصبح هذا المكان ...مكانه السرى الذى يحاول فيه الابتعاد عن ما يؤرق نومه ....لكن مهما فعل يبدو أن الأفكار ستظل ملازمة له



الجزء الثالث

عم الصمت والسكون أرجاء الغرفة الكبيرة فى منزل عزيز المنشاوي .... و ابنه رابح يحدق بشر إلى ذلك الجالس أمامه .... بينما حازم يحاول إبعاد الضيق عنه و إمساك زمام نفسه حتى لا يقوم بخنق ذلك المدعو رابح ...
"يحلم ان كان يعتقد بأنه يستطيع الحصول على نور ...هى له وله فقط ....لن يسمح لأحد لا باذيتها او الاقتراب منها " قالها حازم فى نفسه
سيف يجلس على الكرسى بارياحية كبيرة وصامت بينما كاسر يجلس على الكرسى الآخر الذى بجواره يراقب نظرات رابح لحازم التى تكاد تقتله والآخر لم يصمت له بل كان يرسل له نظرات أكثر شرا
"أهلا ...أهلا وسهلا "
هتف بها عزيز بسرور ما ان دلف إلى الغرفة وعلم بقدوم كلا من سيف و كاسر إليه ....فى البداية تعجب من حضور حفيد سليمان الحسينى "سيف " فى هذا الوقت ...لكنه نفض هذه الأفكار وفضل الدخول إليهم مع ابتسامة واسعة على ثغره
حياهم ورحب بهم بسرور بالغ .... وجلس قبالتهم منتظر اعلانهم عن سبب حضورهم .....
استهل كاسر الحديث عن العمل وعن ارتفاع الأسهم والمعادن والذهب فى السوق ... واندمج معه الجميع....فبدا سيف بالتحدث عن المصنع والمشاريع الجديدة التى تفكر عائلة الحسينى إقامتها فى هذه البلدة بالذات وأنهم سيبداو بها ما أن يعود جده سليمان الحسينى .... استمر الحديث عن هذه المشاريع لأكثر من نصف ساعة حتى تافف سيف بخفوت وهو ينظر إلى ساعته
وبدأ حديثه بصوتا خشن وعملية مطلقة
" حسنا ...حاج عزيز تحدثنا عن العمل كثيرا ...لكن الحقيقة نحن لم ناتى كل هذا الطريق للحديث عن العمل "
انتبه له الجالسين وحدقوا به بتركيز وتابع
" لقد أتينا لنعرف ما هو ردكم على طلب حازم" قالها ثم صمت ...وصمت معه الجميع منتظرين رد عزيز المنشاوى
تصلب عزيز المنشاوى فى مكانه وعندما طال صمته
نطق كاسر بهدوء تام وتعابير حاول جعلها هادئة
" أظن انك لن تجد رجلا مثل حازم السيوفى زوجا لابنة أخيك الوحيدة ... اعرف مدى ان تكون مسءولا عن فتاة تهتم لمصلحتها...وتفكر فقط ان تعطيها للشخص الذى سيحافظ عليها و يستحقها فعلا ...ولا أظن أن هناك أحد يقول لا لعائلة السيوفى ... عائلة عرف عنها احترامها وتقديرها للجميع "
ثم تابع بابتسامة عملية مصطنعة
" وكم سيكون راءعا ان نكون على ارتباط وثيق من خلال النسب والعمل ..ما رأيك سيد رابح ...هل تختلف معى فى شئ أعتقد أن ابنة عمك هى بالنسبة لك أخت ...والاخ بالطبع سيبحث عن مصلحة أخته ام إننى مخطئ "
قالها كاسر وهو ينظر إلى رابح ...الذى تصلب فى مكانه وحدق به بقوة يحاول بلع ريقه لكن فمه كان جافا.....
فنطق رابح اخيرا بوجه متجهم ومكفهر غضبا وبكل عنجهية
" لقد سبق و أخبرنا ردنا للسيد مراد وللسيد سليم والد السيد "
قالها مشيرا إلى سيف بطرف إصبعه ....فحدق به سيف ...واعتدل فى جلسته قائلا بحدة لم يخغيها
" ونحن أتينا لنسمع رد آخر ....لا نتمنى أن يكون لا ...لانه حينها فلتتحملوا عواقب من يقول لا لعائلة السيوفى "
هتف سيف بكلماته بتكبر واضح ووضع قدم فوق الاخرى بغرور
جعل رابح يصتك على اسنانه شاعرا بالمهانة والصغر أمام ذلك السيف ....
" ما الذى تقصده بالعواقب "
هتف بها الحاج عزيز متسائلا بحدة
حاول كاسر تهدئة الأمور رغم أن بداخله يرقص لكلمات سيف لكن كما يقولون لا يجب على الجميع ان يكون متسامحا و هادئا. ..وهو سعد لأن سيف هو من تكلم بهذه الطريقة فهذا العزيز وابنه لن ياتى معهم غير التهديد ....و لكنه بصفته الأكبر هنا بالإضافة انه لا ينيغى ان يتمادى هو الآخر مثل سيف فعليه أن يتحدث بطريقة دبلوماسية وعملية حتى لا يخروجوا من هذا المنزل خاليين الوفاض .... وحينها حازم لن يصمت فبرغم بروده وجفاءه الخارجى هذا إلا انه يشعر بأن حازم يخفى شئ وراء هاتان العينان الباردتان وذلك الوجه الذى لا يعبر عن شئ .... وسيف لكى يثبت انه لم يهان او تم كسر كلمته سيفعل اى شى سواء كان مشروعا او غير مشروع حتى يجعل ذلك الرجل هو وابنه واقفين أمامه بخشوع موافقين على ما أتى من أجله ويرجوه ان يوافق هو على ذلك وحينها ستتسع ابتسامته ويزداد غروره أكثر ....
فقال بهدوء تام
" حاج عزيز ...سيف بالتأكيد لم يقصد ذلك ...لكن ان تقول لعائلة السيوفى لا بدون سبب مقنع فبالطبع هو ليس شى جيدا "
" من هذا الذى لم يقصد بل انا اقصد كل كلمة نطقت بها .... وربما هى قليلة عما سأقوم بفعله ان خرجت من هذا المنزل من دون رد أريده واتيت من أجله ....و سيكون أول رد لى انا الآخر هو لا يوجد مشاريع بينك وبين عائلة الحسينى ...من يعادى عائلة السيوفى سيكون عدو لنا ...هل فهمت حاج عزيز " هتف بها سيف حانقا وهو يهم واقفا من مكانه مطل عليهم بطوله الفارع ...جاعلا إياهم يشعرون بمدى هيبة ذلك الرجل
" هل تقوم بالتهديد فى بيتنا سيد سيف ... لا اظن انه من غير الاءق الصراخ فى بيوت الآخرين "
هتف بها خالد بحدة ممزوجة بغضب ما ان سمع صوت سيف المهدد والعالى وكأنه يهدد خاله بقطع رزقه ...فمهما كان خاله جشع ...طامع ...إلا انه سيظل خاله وحق عليه ان يقف أمام اى شخص سيتمادى معه ناسيا فرق السن الذى بينهما لمجرد انه من عائلة كبيرة .... تعلم الا يحترم من هو أكبر منه ويتمادى فى وقاحته معه
" خالد ..خالد ..اشتقت حقا لرؤيتك. ..أين كنت يا رجل ...لم أرك منذ زمن "
قالها كاسر بسرور محاولا التخفيف من حدة الموقف .... وإبعاد خالد عن مرمى سيف الذى يكاد يقفز عليه ويمزقه بانيابه
" بالطبع سيف ...لم يقصد لقد فقط ...نحن كنا نتناقش "
قالها كاسر بارتباك محاولا تجميع جملة مفيدة
" بالصوت العالى " قالها خالد مستهزا
مرر حازم يده على وجهه وهو يتافف بضيق وغضب واضح على ملامحه وقد وصل به الصبر إلى منتهاه ....
"ما كان يجب ان أحضر هؤلاء الحمقى معى ...كان يجب ان أتصرف انا بالطريقة التى توصلت إليها ...حسنا ...حسنا لا مشكلة ....لقد حان وقت تدخلى " قالها حازم فى نفسه
" سيد عزيز ...ارجو ان نتحدث قليلا ...على انفراد " قالها حازم بهدوء مطلق بعد ان خرج اخيرا عن صمته
اؤما الحج عزيز رأسه موافقا وأشار بيده لحازم حتى يتبعه حيث مكتبه ... خرج حازم من الغرفة بهدوء ...وكل من فى الغرفة يحدق به بتساؤل ....
جلس الحاج عزيز على كرسى مكتبه بهدوء منتظرا ما سيفضى به ذلك الفتى هو الآخر ... حازم كان واقفا بثبات وعيناه الباردتان السوداوان تنظر إليه باتزان ...اقترب من مكان جلوسه وأخرج بهدوء بعض الأوراق من حقيبة عمله السوداء ...ووضعها على المكتب أمام الحاج عزيز ....
الذى قال بتساءل
"ما هذه الأوراق "
" بعض الأوراق أتمنى أن تقرأها بهدوء .... ثم تابع وهو يتقدم من الكرسى المقابل ويجلس عليه ....ساجلس هنا حتى تخبرنى ما هو ردك "
وما كاد يقراء الحاج عزيز أول ورقة حتى أمسك بها بيد مهتزة واعين متسعتان ووجه متجهم.... رفع رأسه إلى حازم وحدق به برعب قائلا فى نفسه
" كيف استطاع التوصل إلى هذا "
لكن رغما عنه خرجت كلماته من فمه مهتزة لا تخلو من الخوف
ظهرت شبه ابتسامة على وجه حازم قائلا بغرور
" ما أمامك الآن مجرد القليل مما توصلت إليه .... من ابتزاز ...رشوة ...و حصولك على العديد من الأراضى بطريقة غير صحيحة .... وكان آخرها بناء أحد المصانع بدون اى تصريح و على أرض زراعية .... وكما قلت لك هذا القليل فقط مما فعلته ... بالإضافة إلى ما فعله ابنك ....نظر إليه بنصف عين قائلا بخفوت ...سمعت انه يذهب إلى أحد بيوت فتيات الليل ...هل تريد المزيد ...."
قال كلماته بسرعة وعملية ...وما ان إنتهى حتى حدق به بقوة ...منتظرا رده
صمت ...صمت رنان انتشر فى الغرفة ....وقف حازم بعيدا عن كرسيه وقال بلهجة لا تخلو من التهديد
" أظن انك سمعت عن والدى مراد السيوفى جيدا اشتهر بمهارته الفائقة فى كسب قضاياه ....وكما يقولون الابن مثل أبيه .... لكنى للأسف لست مثل والدى بل انا أسوء منه ....حدق به بعيناه السودوان وتابع بحفيف ينذر بالخطر ...أن وضعتك فى رأسى لن تخرج منها ابدا سالما سأكون لك غراب ...لم يجلب لك غير النحس بدخوله إليك ...وخروجه من منزلك غاضبا ....حينها سأفعل انا ما أشاء .... وستكون نهايتك هى السجن ...وفى النهاية سأكون انا الرابح ...وما لم ترضى عليه بهدوء وعقلانية .... لن أحتاج لموافقتك له بعد ذلك .... أما أن تكسبنى فى هذه اللحظة او تخسرنى للأبد وحينها سأكون عدو لك "
حاول الحاج عزيز الثبات فى مكانه وقال رغم شعوره بالخوف الذى اجتاح جسده وقال بنبرة مهتزة مرتبكة
" هل تقوم بتهديدى "
"تهديد ...ابتزاز ...سميه ما شءت .... قالها وهو يهز رأسه بغرور ....وتابع .... أول شخص سيدير ظهره لك هى عائلة الحسينى ....فبالطبع انت تعرف النسب الذى بيننا وبينهم .... وحينها لن يكون الأمر خيرا ابدا "
" ما الذى تريده "
قالها عزيز وهو يخفض رأسه بخضوع لا يليق برجل حمل الكثير من الكبرياء والقسوة فى قلبه ...
" ما طلبته سابقا ....نور" قالها بانفاس مضطربة ما ان نطق باسمها
" حسنا ...لكن الأوراق ...ماذا عنها " نطق بها عزيز بقنوط
ظهرت شبه ابتسامة ساخرة على وجه حازم ....وقال بصوت عميق
" لن يعلم أحد عنها شئ. ...ثم تابع بهدوء ....و قبل أن أخرج من هنا ... اعطيكم أسبوع حتى تستطيعوا التجهيز لحفل الزفاف جيدا .... ووالدى سياتى إليك غدا حتى تتفقا على كل شئ"
قالها ثم خرج من الغرفة بكل عنفوان وابتسامة انتصار على وجهه ....لكنها سرعان ما اختفت ليحل محلها عبوس وضيق ...مفكرا فيما هو اتا
وقف كل من فى غرفة الصالون فى منزل عزيز المنشاوي ما ان شاهدو دلوف حازم إلى الغرفة
قائلا بنبرة خشنة
" لقد انتهى الأمر هيا بنا "
قالها باقتضاب وكانه يصدر التعليمات ثم خرج من الغرفة ...تبعه كلا من سيف الذى ظهر الضيق جلى على ملامح وجهه...و كاسر الذى شعر ببعض الفضول فى نفسه عما حدث داخل تلك الغرفة
وقف الثلاثة أمام سيارة حازم ....
" ماذا هل حل الأمر "
هتف بها كاسر بسرعة ...وسيف يحدق بحازم بنصف عين وقلة صبر
" نعم تم حل كل شئ ...والزفاف خلال أسبوع "
" ماذا " هتف بها كاسر بنبرة لا تخلو من التعجب ...
فقاطعه سيف بغرور تام هاتفا
" بالطبع سيوافق وهل يجرؤ على الرفض بعد ان أتيت إليه بنفسى ...يعلم جيدا انه لن يستطيع الوقوف أمامى "
تنهد حازم بابتسامة جانبية ....فقال كاسر بهدوء
" كيف حدث الأمر ...فقط ما الذى قلته لذلك الرجل جعله يوافق "
" انها اساليبى الخاصة فقط "
هتف بها حازم بانتصار
" انظر... تبا لذلك الرجل الذى يقول أساليب ...لم يوافق إلا بسببى"
قالها سيف بغضب وتذمر
مرر حازم يده على وجهه وقال بعد ان أخذ نفسا
" نعم ..هو بسببك "
" إذا تم دفع الدين " قالها سيف
" نعم ...تم " رد عليه حازم وهو يهز رأسه
" حسنا ..إذا كان هكذا ..حان وقت ان أخذ حقى انا الآخر "
قالها بهدوء وهو يرجع برأسه للوراء ثم ضرب بجبهت رأسه جبهة رأس حازم جاعلا الأخير يتراجع للوراء بترنح ما ان أخذ الضربة .... وضع حازم يده بآلية على جبهته ...واصتك على اسنانه غضبا ....وما ان كاد يقترب من سيف ....حتى اوقفه كاسر ناهرا إياه بقوة
" حسنا ...اهدأ ...ثم نظر إلى سيف بحدة قائلا ....وأنت هل جننت ...أين تعتقد نفسك "
" هكذا تعادلنا...رغم إننى لم تطفئ نارى بعد ... قالها ثم ابتعد عنهم ...وقال وهو يرفع يديه ما ان اقترب من سيارة كاسر ... هيا بسرعة لا وقت لدى لكما "
قالها ثم صعد إلى السيارة ....
"حازم ..هل انت بخير " سأله كاسر
" بخير ..بخير ...ما زال حقودا كما هو ...لم ينسى ما حدث سابقا "
قالها حازم ببرود محاولا الهدوء
" انت تعرفه لا يترك حق له مهما طال الزمن "قالها كاسر
" اعرف ..ما زال قلبه اسود ... وكما يقول جده لن يعرف يوما عدوه من حبيبه ... إلى اللقاء "
قالها حازم وهو يربت على كتف كاسر وصعد سيارته
وقف كاسر بتصلب حتى انطلق حازم بسيارته .... غير ابه لمن كانا معه ....
فاقترب من سيارته وانطلق هو الآخر ......



نزلت السلالم الداخلية للمنزل بسرعة وهى تحكم لف حجابها حول رأسها شعرت بالاضطراب والخوف ما أن وجدت اخاها عزيز يجلس على أحد الكراسى ....و خالد واقفا ....و ابناءه الثلاثة مجتمعون
"خير ...يا أخى ..خير " هتفت بها هيام
"لا تقلقى يا هيام ...لا شئ ...فقط أردت ان اقول لك شيئا هاما " قالها عزيز بنبرة جادة جعلت أخته تنظر إليه بتركيز فتابع
" بالطبع انتى استمعتى إلى طلب حازم للزواج بنور ....وأنا وافقت على أمر زواجهما وسيتم الزفاف خلال أسبوع "
"أسبوع "نطقتها الحاجة هيام بدهشة ثم تابعت بهدوء
" أسبوع ..نور ليست بخير حالتها سيئة وهى ليست مستعدة للزواج الآن ...بالإضافة ان أسبوع لن يكفى لتحضير كل شى "
" يا حاجة ...لا شأن لى بكل هذا لقد أعطيت كلمة للرجل وانتهى الأمر " قالها ثم ابتعد عن كرسيه
متابعا بهدوء ..." أن احتجتى لأى شئ اخبرى خالد بها .."
نطق بكلماته ثم تحرك مبتعدا عنهم ...وكل من فى الغرفة مندهشا ومدهوشا لسماعه هذا الخبر ... فى حين ركض رابح وراء والده
قائلا بغضب ما ان دلف للغرفة خلفه غالقا بابها خلفه بأحكام
" ما هذا يا أبى ...كيف توافق ..نور لى ...انا من ساتزوجها " قالها بغضب لم يستطع اخفاءه أمام والده نهره والده بنظرة منه وقال بحدة هو الآخر
" لقد انتهى الأمر ..ونور ستتزوج بابن مراد السيوفى ...الفتى لا نستطيع الوقوف أمامه ... لذا لا تتحدث عن هذا الأمر مرة أخرى ...الفتاة لن تكون لك ... انساها "
وقف رابح محدقا بوالده " ما الذى تقصده "
" حازم معه أوراق تستطيع جعلنا نذهب وراء الشمس ...ونحن لن نستطيع الوقوف أمامه ...لذلك أصمت ولا تتحدث عن نور مرة أخرى ...فيبدو أن تلك الفتاة لم تكن لك يوما " قالها بغضب
ثم تابع بتحذير " وإياك ان تتصرف اى تصرف متهور او أحمق أمام هذا الزواج ...ذلك الحازم ليس سهلا "
بلع رابح ريقه بخوف ثم خرج من الغرفة وهو يجر اذيال الخيبة وراءه
...............................................................................
" ما هذا الذى يقوله خالك يا خالد ... زواج والفتاة فى مثل تلك الحالة يا بنى " قالتها هيام بحزن
" هذا أفضل يا أمى ...أفضل لها أن تخرج من هذا المنزل ...انا كنت أفكر بالفعل فى الاتصال به واخباره أن ياتى ونتصرف حتى يستطيع الزواج منها ...لكنه أتى قبل ان أفعل كل هذا ...لكن هناك شيئا ما ...لا أعلم ..خالى وافق على الزواج ما ان تحدث معه حازم ..هناك شيئا ما ....قالها بتساءل. ..ثم تابع وهو يضع يديه على كتف والدته ....عليكى ان تكونى بجوارها ...و هياى لها أمر الزواج هذا بسرعة ...وإن احتجتى لأى شى اخبرينى " قالها ثم ابتسم لوالدته بخفوت
فهزت الحاجة هيام رأسها بقلة حيلة ...



انتصبت جالسة على السرير ما ان سمعت صوت مفتاح الباب يدار ...تبعها صوت إدارة مقبض الباب ودلوفه إلى الغرفة بهيئة متعبة ووجه مرهق ....تأخر لأكثر من ثلاث ساعات فى الخارج ولا تعلم إلى أين ذهب ...فالقت بجسدها على السرير ما ان خرج وتركها وهى تبكى بحرقة وألم .... تعلم انها أخطأت لكن طريقته وأسلوبه مختلف .... فلأول مرة يكون جارحا معها بتلك الطريقة ..فلطالما كان صبورا ومتمهلا فى التعامل معها ...شعرت بحزن و كآبة وهى تنتظر حضوره ...لكنه تأخر ولم ياتى إلا الآن .....
راقبت دخوله إلى الحمام بأعين ذابلة من البكاء ....
جلست على السرير وهى تضم قدميها وتحتضنها بذراعيها.... وهى تفكر عما يجب ان تفعله ...هل سيتعامل معها بغضب هكذا دائما لمجرد انها أخطأت خطأ صغير لم تقصده ...لكن بالطبع كيف يسامح ...ويهين رجولته ..فهو رجل ...حتى وإن ظل صامتا و هادئا. .فبالتأكيد سياتى يوما حتى يخرج عن هدوءه هذا ويريها كم ان فعلا نظرتها للرجال لم تكن مخطئة فجميعهم مستبدين و انانين. ..حتى وإن أظهر لها كم هو يعشقها...فسيظل دائما يظهر قوته وهمجيته عليها ...لقد كانت مخطئة عندما اعتقدت فى لحظة ما انه مختلف عن جميع الرجال وأنه حقا يحبها ...ولكن ها هو يثبت العكس بحبسها ...وربما المرة القادمة سيقوم بضربها .... ويعاملها كأنها أمينة وهو سى السيد ...الذى يجب ان يأمر هو فتنفذ هى بدون ان تنبس ببنت شفه و بطاعة مطلقة ...لكن لا ..لن تسمح له ...لن تجعل شخصا مثله يقف أمام مستقبلها وعملها لن تجعله يبعدها عن عملها الذى حاربت من أجل الوصول إليه ...لكن لا ..وألف لا لن يقف أحد أمامها ...هى لم تعد صغيرة ..حتى يامرها أحد ...هى بالذكاء والتعقل حتى يمكنها أن تعرف ما هو صواب وما هو خطأ.......
خرج من الحمام بعد ان بدل ملابسه ببنطال من القماش و تى شيرت .... انزلق بجانبها على السرير وسحب الغطاء عليه و وضع رأسه على الوسادة معطيا ظهره لها بعد أن اغلق ضوء المصباح الصغير بجواره على الكومود .....
احتقن وجهها من الغضب وهى تنظر إلى ظهره....شعر بنظراتها لظهره وهى تكاد تخترق جسده لكنه لم يهتم وأغلق عيناه محاولا النوم ونسيان ما فعلته اليوم به وكأنه ليس زوجها ....
انتصبت جالسة على السرير وفردت قدميها وهما تهزهما بعصبية وغضب ...اصتك على اسنانه من فعلتها فهم جالسا على السرير قائلا بحدة
" كفى عن أفعالك الصيبيانية تلك ...ونامى مثل البشر بهدوء "
حدقت به بأعين ثاقبة وهى تضم فمها باحتقان ثم أبعدت وجهها عنه وظلت تهز قدميها بعصبية ....
فلوى فمه مفكرا ... وتنهدت بقوة ثم وضع رأسه مرة أخرى على الوسادة ونام ....اشتعلت هى أكثر من تصرفه وبدون تفكير ...ابتعدت عن السرير وقامت باضاءة جميع مصابيح الغرفة جميعها حتى المصباح الصغير الذى بجواره اضاءته....
هم جالسا على السرير وهو يمرر يديه على وجهه وشعره قائلا بزمجرة وهو يصتك على اسنانه
" ما الذى تريدينه يا ريم فى هذه الساعة ...نامى واجعلى ليلتك تمر على خير "
وضعت يديها فى خصرها وهتفت بعناد
" ومن قال لك إننى أريدها أن تمر على خير ...بل أريدها سوداء عليك اليوم بعد ما فعلته و نطقت به "
هز رأسه وقال بخفوت واستهجان
" انا ...انا من فعلت ...انا من ذهبت ولم أخبر أحد إلى أين سأذهب ...انا من تكلمت بوقاحة ..ثم تابع بهدوء ...نامى يا ريم أفضل لك "
"لا ..لن أنام ..انا لم اخطى " قالتها ببجاحة جعلته يحدق اليها بنظرة ثاقبة لا تخلو من الغضب وهتف
" لم تخطئ ...بعد كل هذا وانتى لستى مخطئة "
قاطعته بحدة
" نعم ..انا لم اخطى ..أنت من كنت تريد أن تفرض على سيطرتك الذكورية تلك ..لكى تشعرنى بأننى ضعيفة أمامك ولن أستطيع الدفاع عن نفسى ...او أقول لك لا ...لكن لا ..يا سيد مالك ..انا اقول لك لا والآن ...ولكى لا نتعب مع بعضنا ..أفضل لنا الانفصال "
" ماذا؟؟! " هتف بها بحدة وغضب وهو يهم مبتعدا عن السرير ...وفى لحظة أمسك برسغها بقوة قائلا بحفيف قرب اذنيها ....
" اياكى. ..ثم اياكى ان تنطقى مثل هذه التفاهات مرة أخرى ...أما بالنسبة لعدم خروجك من هذه الغرفة ...فهذا فعلا ما سيحدث ....ستبقين هنا ...أشار بيده فى الغرفة حوله وهو ما زال ممسكا برسغها ....ولن تخرجى منها إلا عندما تتعلمى كيف تتعاملى مع زوجك و تحترميه جيدا "
اهتزت مقلتا عيناها رعبا .... حاولت التكلم لكنها لم تستطع .... ترك يديها و دار بجسده نحو السرير و رفع الغطاء وجلس على الطرف السرير محدقا بها بحدة
" هيا نامى " لم تتحرك من مكانها من الصدمة والخوف فاعاد كلامه بصوتا عالى جعلها تنتفض وتنزلق على السرير بسرعة معطية ظهرها له ومنكمشة فى مكانها ....راقبها لثوانى ثم نام هو الآخر ....ظلا لدقائق صامتان وما ان شعر بأنها قد نامت حتى أغلق عيناه محاولا النوم هو الآخر ...لكنه سرعان ما فتح عيناه وهو يسمع لصوت تشنجاتها وبكاءها الخافت
اقترب منها حتى وضع يده على ذراعها قائلا برعب
" ريم هل تبكين "
لم يسمع غير انينها ....فادارها إليه ولكنه وجدها تضع يدها على وجهها وتهتز من كثرة بكاءها ....حاول إبعاد يدها حتى رأى وجهها المنتفخ من كثرة البكاء وجسدها يرتجف ... حاول أن يقربها إليه لكنها منعته وهى تقول ببكاء
" أنا ..انا ..أكرهك ...أنت لا تحبنى. ..لست صبور معى ..انا أكرهك "
تنهد بضيق وهو يلعن بخفوت ...ثم بقوة قربها إليها واحتضنها بتملك وهو يمرر أصابعه على وجهها ماسحا دموعها التى جرحته وجرحت رجولته ...فرغم فعلتها الحمقاء تلك معه إلا انه لم يشعر بهذا الوجع الذى يشعر به الآن وهو يراها تبكى ... وهو سبب بكاءها ....
" تبا ...حقا أنا أحمق كبير ...كيف أجرؤ على بكاءك. ..سامحينى. ..سامحينى ولا تبكى " قالها وهو يحاول أن يقربها إلى صدره أكثر ...ولكنها ظلت تتململ بين يديه وهى تقول بصوت مبحوح من أثر البكاء
"أنا اكرهك .. لماذا تتعامل معى هكذا ...لست صبورا او حنون معى " قالتها بعد ان استكانت اخيرا على صدره وما زال على وجنتيها وفى عيناها الحمراوان بعض آثار الدموع. ...
ابتسم بخفوت وقربها أكثر قائلا وهو يستنشق رائحة شعرها
" الحنون لا يقسو إلا عندما يغار ....وأنا شعرت بالغيرة... كانت تتاكلنى ...عندما رأيت زوجتى تركب مع رجلان فى سيارة ...كدت اجن ...وكادت الدماء ان تغلى فى عروقى.... سميه تملك ...غيرة ... جنون ...سميه ما تريديه....لا أعرف ...سوى انى أعشقك منذ ان رأيتك ...فهذا خفق فقط من أجلك انتى " قالها فجعلها ترفع رأسها إليه وتحدق له باندهاش وهى تشعر بخفقات قلبها التى تكاد تتقافز خارج جسدها من هول ما تشعر به الآن .....ابتسم لها ثم بدأ بطبع قبلات عديدة بداية من عيناها ثم وجنتيها ... ثم أمسك بيدها وطبع قبلة طويلة على أصابعها ....أغلقت عيناها وطوقت يديها حول خصره ...ولأول مرة تنام وهى تشعر براحة وأمان غريبان عليها
ابتسم وهو يراقب ملامح وجهها المحببة إليه ....تنهد بقوة وهو يفكر ...بأن زوجته لم تكن يوما نمرة ذات كبرياء وعنفوان او متمردة بل هى فقط ...طفلة صغيرة تحتاج إلى الحنان وصبر طويل حتى يستطيع أن يفهمها حقا أنه يحبها ..



صعد درجات السلم الداخلية بثبات بعد ان قام كاسر بتوصيله وذهب .... وما ان اقترب من باب غرفته حتى وجد عمته تخرج من الغرفة قائلة بابتسامة
" جيد انك أتيت... يجب ان اذهب الآن ...هل تريد أن تأكل قبل أن اذهب "
هز رأسه ثم قال بخفوت
" لا ...لكن لماذا ستذهبين نامى هنا "
" لا يجب ان اذهب "
" حسنا ...هيا ساوصلك "
" لا ..لا داعى السائق بالسيارة ينتظرانى بالخارج ...ثم تابع كلامه وهى تربت على كتفه ...اذهب أنت إلى النوم ...وأنا ساتى غدا...تصبح على خير " قالتها ثم بدأت فى نزول درجات السلم
ما ان دخل إلى الغرفة حتى أبعد عنه وشاحه الصوفى ثم سترة بذلته ...نظر إلى ناحية السرير وجدها مستلقية على السرير وساندة بظهرها على ظهر السرير وفى يدها أحد الكتب ...حدق إليه فوجده عليه أحد صور الأطفال ....ابتسم بخفوت ثم اقترب منها قائلا
" والدتك ذهبت ..ألم يكن يجب ان تبقى "
أبعدت أروى نظرها عن صفحة الكتاب وقالت بهدوء
" والدتى هكذا ...لا تحب أن تبيت عند أحد "
اؤما برأسه ...ثم قال وهو يجلس على السرير محاولا جذب الحديث معها
"ماذا تقراين "
تنهدت ثم قالت بهدوء
"كتاب يشمل كل شى عن الأطفال منذ ان كان جنينا حتى سن الخامسة "
اؤما برأسه
" إذا ..هو جيد "
"رائع "قالتها وعيناها تلمعان بسرور
" انتى ونور أصدقاء أليس كذلك " سألها
أغلقت الكتاب ثم وضعته على الكومود بجوارها قائلة بتساؤل
" نعم هل هناك شئ "
" لا ...فقط هى ستتزوج " قالها وهو يهم بخلع حذائه
" ماذا " هتفت بها بدهشة
" لم يعلم أحد بعد ...لكن انا كنت عند عمها وقمنا بخطبتها لحازم السيوفى "
" حازم ....كيف ومتى " قالتها وفمها مفتوحا من الدهشة
"الزفاف أيضا سيكون خلال أسبوع " قالها بهدوء وهو يفتح أزرار قميصه
نظرت فى الفراغ وحاجبها مرتفعا بتعجب ...
" حازم ..هل يحبها " سألته.
" يبدو ذلك ...قالها ثم صمت قليلا فتابع ...فيبدو انه حقا يريدها "
"عندك حق ...حازم شخصا رائع بقدر تفاجئ بقدر ساعدتى بأن نور ستتزوج شخصا مثل حازم ... انها حقا تستحق هذا " قالتها بسعادة
فرفع أحد حاجبيه قائلا بخفوت واستهجان
"شخصا رائع "
شعرت بالارتباك من نظراته فقالت بهدوء رغم ارتباكها
" وأنت ذهبت مع حازم "
" نعم ..انه دين قديم " هتف
" دين " رددتها
" نعم ... عندما كنت فى الصف الأول الثانوى كان هناك مسابقة فى كرة السلة بين فريقى وفريق آخر .... كنت انا وأسامة وماجد واخاك ماهر ....واللاعب الخامس الذى هو كان من المفترض أن يكون معنا لم ياتى ... فاقترح حازم المشاركة معنا فى نفس الفريق حتى نكتمل....وبصفتى القائد لهذا الفريق ...وافقت ... وبفضله ...لن أكذب فزنا فقد كان أكثر من ماهر ومتفوق فى هذه اللعبة ومن يومها وانا مدين له بهذا الفوز ...واليوم انا قمت بتسديده " قالها ثم دلف إلى غرفة تبديل الملابس
خرج ثم انزلق بجوارها على السرير ...وأمسك بين يديه أحد الكتب ...شعرت أروى بالصمت المطبق بينهما وتجهمه
فقالت بهدوء
" ماذا ستقوم بتسميته "
" من؟ ! " سألها وهو يحدق بها بابتسامة ...فبادلته الابتسام قائلة
" طفلنا او طفلتنا. ..ثم اعتدلت متابعة ...ماذا تريد فتاة ام صبى "
" وهل عرفتى ان كان ذكر او انثى "سألها وهو يحدق هو الآخر بها
" لا ..لا أريد أن اعرف ..أفضل ان تكون مفاجأة ...لكن اخبرنى انت ماذا تتمنى أن يكون "
تشدق بابتسامة عذبة قائلا
" صبى او فتاة ...الاثنان سواسية بالنسبة لى ...صمت ثم تابع ...لكن الحقيقة أتمنى أن يكون صبى "
ظهر الحزن على وجهها ...فتابع بسرعة
" لا ..لا اياكى ان تحزنى. .انا لم أقصد ..لكن أتمنى أول مولد لى صبى ...حتى ...صمت لحظة ثم تابع بحزن ....حتى امنحه ما حرمت انا منه ...أتمنى أن ألعب انا وهو الكرة ونركض ... أن أعلمه السباحة.... أتمنى أن نكون انا وهو أصدقاء فيكون هو أخى و صديقى. .. وأنا سأكون له الأب والحامى كما يجب ان يكون "
من دون ان تشعر نزلت دمعة خائنة من عينا أروى لكن مسحتها بسرعة باصابعها قائلة بحنان
" نعم ستكون أبا راءعا انا متأكدة .... تصبح على خير " قالتها ثم قامت بإغلاق ضوء المصباح على الكومود بجوارها
نظر إليها بحب ثم أغلق كتابه ونام هو الآخر ...فاليوم كان طويلا
رواية عندما يعشق الرجل لشيماء محمد الفصل السابع والعشرون

الجزء الأول

وقف مراد ما ان دنا حازم منه وهو يراقب ملامحه التى تكون عادة هادئة ..
يظهر عليها الوجوم والكدر ....سأل والده بهدوء واتزان
" أين كنت ؟!...وما هذه الرسالة التى أرسلتها لى !؟...لماذا طلبت منى عدم ذهابى إلى عزيز المنشاوي اليوم ؟!!... وقلت انك ستقوم بحل الأمر! "
فجلس حازم على أول كرسى قابله وقال بصوتا متزن " لقد حللت الأمر "
" كيف ؟؟" سأله والده مستفهما وهو يحدق به باهتمام

" ذهبت إلى السيد عزيز ... واعطانى موافقته ... وهو ينتظرك غدا حتى تعرف ما هى طلباته كاملة ...والزفاف سيكون الاسبوع القادم " قالها حازم بسرعة ثم ابتعد عن كرسيه واقفا بجسد متصلب....و ما كاد والده يفتح فمه حتى قاطعه حازم قائلا بنبرة متعبة
" أبى انا متعب اليوم ...أعدك سنتحدث عن هذا فى أقرب وقت ممكن" قالها ثم ابتعد عن نظر والده الذى اكتست ملامحه الكثير من التساؤلات ....
صعد مراد هو الآخر درجات السلم ... و دلف إلى غرفة نومه ..وجد زوجته نورا تمسك بعض الصور فى يديها و أعينها دامعة.... اقترب منها وهو يهتف برعب وخوف
" ماذا هناك لماذا تبكين الآن؟!! " قالها وهو يقترب منها ويجلس بجوارها على السرير وهو يمسح دموعها عن وجنتيها ....
زمت شفتيها وقالت بنبرة حزينة وضيق
"فقط أخرجت بعض الصور القديمة لحازم عندما كان صغيرا" ...فتوجهت نظراته نحو احدى الصور التى كانت لحازم عندما كان فى عمر الثالثة وهى تقف بجواره تضمه إلى صدره وتضع قبلة على وجنته. ..
ضمها إليه وقال بنبرة حنون هادئة
" وهل هذه ذكريات تجعلكى تبكين "
هزت رأسها ب لا وقالت بصوت متهدج
" فقط عندما تذكرت ... أن ابنى يكبر يوما يوم .... تابعت بابتسامة هادئة على ثغرها رغم عيناها الممتلئ بالدموع
" اتمنى حقا أنه أراه سعيدا وإن يكون له عائلة وأطفال تركض من هنا وهنا وأنا اركض وراهم.... فضحك مراد ما ان تخيل شكلها وهى تركض وراء احفادها الصغار ومن دون ان يشعر تخيل نفسه هو الآخر يركض وراء إحداهما وهو يصرخ من شقاوته. ...
" لكن يا ترى هل سيكونوا هولاء الاشقياء مثل حازم ام مثل نور ...فحدقت به بدهشة من ما سمعته فاتسعت ابتسامته أكثر وتابع ...ام مثل جدتهم "
ضيقت ما بين عيناها للحظات ثم هتفت بسعادة
" هل وافق عزيز ...على زواج نور وحازم "
فهز رأسه قائلا بتأكيد " نعم ..ومن هذا الذى يرفض ابن مراد السيوفى " قالها بغرور مصطنع وهو يضع قدم فى الاخرى بتعالى
" حقا...كيف.!؟؟.. " هتفت تساله
" هكذا لا أعلم غدا سنذهب انا وانتى لتتكلمى مع الفتاة وتعرفى ما تحتاجه بأكمله لكى تحضريه لها قبل موعد الزفاف الذى سيكون فى خلال أسبوع إن شاء الله "
"ماذا ؟!!...اسبوع" هتفت بكلماتها ببلاهة وهى تحاول استيعاب ما قاله زوجها ....الذى صدرت منه ضحكة مجلجة لم يستطع كبتها وهو يراقب تعابير وجه زوجته المندهشة والمصدومة فى آن واحد ....



أبعدت يده عن خصرها تحاول الابتعاد عن دف جسده ما ان استمعت لنداء ربها ....ابتعدت عن السرير ببط شديد تحاول عدم إيقاظه ... وما ان ابتعدت عن السرير حتى وجدته يهمهم بخفوت و يشد الغطاء عليه أكثر محاولا أن ينعم نفسه بالدف الذى افتقده ما ان ابتعدت عنه ....فتحركت بهدوء ...توضات ... وارتدت اسدالها ...و خرجت من الغرفة وتوجهت إلى الغرفة التى توجد بجوار غرفتهما مباشرة ... يوجد بها تلفاز كبير حديث واريكة كبيرة...وضعت خصيصا حتى يستطيع مشاهدة مباريات الكرة ... وبعض الألعاب الخاصة بمالك التى ما زال يحتفظ بها منذ ان كان صغيرا .... ومكتب كبير فى احد الزواية يوجد عليه تصمماته الهندسية وأدوات الهندسة .... ومكتبة على عرض وطول أحد حوائط الغرفة يوجد بها عدد من الكتب لوالده .....
فردت سجادتها فى زواية الغرفة صلت السنة ثم ركعتى الفجر ...وجلست وهى ترفع يديها تناجى ربها بقلب متضرع ومنكسر...حزين ... تحمده على نعمته ....تخبره عن وحدتها التى ما زالت تشعر بها ... تخبره عن مشاعرها المتخبطة وانه هو الوحيد القادر على انقاذها من مما هى به ...هو الوحيد القادر على اخراجها من ضيقها ... تريد ان تنعم بالسكينة والطمأنينة التى لم تصل إلى روحها منذ كانت صغيرة ....عندما كانت ترى شجار والديها وسب كلا منهما للآخر ... منذ كانت صغيرة وتولدت لديها عقدة كانت تكبر يوما بعد يوم .... وأصبحت حفرة عميقة يملاؤها السواد والضيق عندما انفصلا .... وجدت نفسها أكثر وحدة و اختناقا عاشت مع جدتها ووالدتها تزوجت بعدما انتهت شهور عدتها بأول شخص طرق بابها ورحلت ....ام والدها ربما لم يكن مثل والدتها فى انانيته لكنه أصبح بعيدا عنها ...كانت قليلا جدا ما كان يتحدث معها او يشعرها بأنه بجوارها .... عاشت حياة صعبة خالية من الحب و الاحتواء التى كان يحتاج اليه اى طفل من والديه حتى يستطيع أن يكون إنسان سوى خالى من العقد والخوف .... لم تكن تعرف يوما معنى الحب كيف تعرفه وهى لم تشعر به يوما من والدتها .... لم تكن يوما محبة للدراسة كانت حياتها رتيبة مملة ومحبطة أصبحت أكثر تمردا عدوانية تتشاجر مع زملائها فى المدرسة حتى جدتها وجدت صعوبة كبيرة فى كبح تمردها لم تكن معها قاسية لأنها كانت تشعر بها .... معظم لياليها كانت تقضيها فى غرفتها المظلمة ضامة ركبتيها إليها تبكى حرقة وآلام و شوقا إلى شئ كانت تراه عندما كانت ترى أحد من زملائها يمسك بيد والده او والدته لاصطحابه إلى منزله حيث الأمان والسكن ... كانت تشعر حينها بألم حارق يدب بين اوصالها كره ...كره فظيع اجتاح قلبها جعلها تتحسر على حياتها .... ما زالت تتذكر أول مرة عندما رأت جدتها تصلى وتبكى بتتضرع جعل اوصالها ترتجف .... ركضت ما ان رأت جدتها انتهت من صلاتها .... لكنها لم تكن تعلم ان الحاجة زينب قد شعرت بها فابتسمت بحبور وقررت تنفيذ خططها .... استغلت عدم قرأتها للحروف بشكل جيد وتعللت بالصداع الذى أصبح يؤرق عليها يومها وطلبت من ريم ان تقرأ لها ما تيسر من القرآن الكريم ومن يومها رغبت فى الاقتراب أكثر من ربها ...ولم تعد تترك فرضا وهى تناجى ربها أن يعوض لها عما فقدته من دف وأمان فهل استجاب لها ربها .....
نزلت درجات السلم و توجهت مباشرة نحو المطبخ بعد أن شعرت بالجوع ومعدتها تصرخ طالبة للطعام فهى لم تتناول غير وجبة واحدة طوال اليوم بالإضافة إلى بكاءها المستمر الذى انهك روحها ...
لذا فهى بحاجة إلى وجبة دسمة تعيد لها قوتها بعد هذا اليوم الطويل ..... وضعت أصابعها على زر إضاءة الغرفة وتوجهت نحو الثلاجة فتحتها لم تجد بها غير أنواع مختلفة من الجبن وبيض ...أخرجت إحدى أطباق الجبن ووضعته على الطاولة فى غرفة المطبخ ... وسحبت ثلاث بيضات ... وما كادت تغلق باب الثلاجة حتى وجدت ما سال لعابها لأجله ....موس الشوكولاتة ....التمعت عيناها وكأنها وجدت كنز .... عادت بكل ما أخرجته وعاودته مكانه ... وأخذت إحدى أطباق الصينى وسحبت الطبق الكبير الموضوع فيه عدد من قطع الموس الشهية ... ووضعته أمامها ... وضعت فى الطبق الخالى الذى أمامها قطعة من موس الشوكولاتة وهى تعد نفسها بأنها لن تأكل غير قطعة واحدة فقط .... وبدأت رحلة استمتاعها والغرق فى الطعم الرائع للموس الشهى...
تململ فى نومته ويده تبحث عنها ففتح عيناه بسرعة ما أن شعر بعدم وجودها ... ضيق ما بين عيناه بانزعاج واضح ... أبعد عنه الغطاء دق على الباب الحمام لكنه لم يسمع صوتها بحث عنها الطابق بأكمله وعندما لم يجدها نزل درجات السلم ... لمح ضوء ياتى من غرفة المطبخ فتوجه إليه بخطوات ثابتة ....
وقف مشدوها أمام الباب وهو يراقب تعابير وجهها وهى تقرب الشوكة إلى فمها وتتذوق ذلك الشئ الغامق ... وعيناها تنغلقان باستمتاع جعله يشعر باضطراب ضربات قلبه ... نظراته كانت منجذبة لشفتيها التى تضغط عليهم باسنانها مستمتعة بطعم ذلك الشئ الذى عرف بعد ذلك انه عبارة عن شوكولا ... بدون وعى منه بلع ريقه و خرج لسانه ليرطب شفتيه الجافتين.... وفى لحظة وقعت عيناه الخضراء على بحر عيناها وهى تنظر إليه باستغراب ... طار عقله ما ان رأى ابتسامتها الموجهة إليه ... فابتسم هو الآخر وقال بخفوت ومكر وهو يضيق بجفنيه
"لص"
فنظرت له بنصف عين وتابعت رحلة استمتاعها لتذوقها تلك الشوكولا غير ابهة لوقوفه ....فضحك بخفوت واقترب منها بحركات بطيئة ثابتة قائلا من بين أسنانه
" أرى انك مستمتعة ... ألم تكونى حزينة وتبكين منذ فترة ليست بطويلة!!"
زمت شفتيها بعد ان وصلت إليها ما كان يرمى إليه ... انها كانت تبكى بين يديه ... فرفعت حاجبيها وقالت بصوتا ناعم ذهب بعقله
" أنا لست من النوع الذى يضرب عن الطعام عندما يحزن ... فما ذنب جسدى بحزنى "
أطلق ضحكة مجلجة وانخفض إليها بجسده يستند بيد على ظهر كرسيها واليد الاخرى على حافة الطاولة مما حبسها بجسده ... جعلتها تشعر بقطعة الموس الصغيرة تقف فى منتصف حنجرتها وهى تشعر بحرارة جسده قربها .... بلعت ريقها تحاول منع ارتجافة عيناها او يقشعر بدنها وهى تشم رائحة جسده الذى جعلت دقات قلبها تزداد
وقالت بصوت حاولت جعله ثابتا لكنه رغما عنها خرج ناعما
" مالك "
لم تقل ضربات قلبه عنها وقال باغراء
" عيون مالك ... وقلبه "
شعرت بحرارة غريبة تجتاح جسدها وبيد مهتزة ابعدته عنها ... فتراجع بجسده للوراء قليلا و فمه يتشدق بابتسامة جانبية عذبة .... وباصابع مهتزة مررت يديها على وجهها ... و كمحاولة منها لإخراج نفسها من هذا الإحراج تابعت أكلها للموس ... رغم أنها شعرت بالتخمة ما ان اقترب منها هكذا ...
أخذ نفسا عميقا ثم زفره بهدوء وقال بصوت هادى
" هيا لتنامى ما زال الوقت مبكرا "
بلعت ريقها وقالت بتوتر وخفوت
" مالك ... العمل ... انا سأذهب للعمل ... ساحضر نفسى وأذهب "
لمحت نظرة غاضبة ... لكنها سرعان ما اختفت وقال بنبرة منخفضة باردة لكنها تحمل بين طياتها الغضب والحنق
" لا ... لقد سبق واخبرتك لا عمل ... صمت ثم تابع وهو يهم بالخروج من الغرفة .... ربما لهذه الفترة فقط "
ألقت بالشوكة التى بين اصابعها بغضب وهى تزفر باختناق وجلست وجسدها متصلب لدقائق... ثم تحركت بسرعة ....
دلفت إلى الغرفة وجدته مستغرقا فى النوم ...نادت باسمه لعدة مرات لكنه لم يجيب عليها ... فجلست على السرير وهى تزفر بحنق...
فتح عيناه ما ان شعر بثقل جسدها على السرير ... يعلم انه أخطأ بادعاءه النوم ولكنه ليس لديه رغبة فى التحدث عن هذا الأمر مرة أخرى ...
بقيت على جلستها حتى بلغت الساعة الثامنة منتظرة استيقاظه ... قربت يدها ببط من ظهره وهى تحارب رغبة قوية فى إيقاظه فهى لن تجلس هادئة فى حين هى تشتعل غضبا وحنقا من أسلوبه وتعامله معها ... فبدأت تهزه ببط لكنه لم يستجب فزادت حركتها حتى استيقظ وهو يهتف بانزعاج و صوتا عالى
"هل هكذا يتم إيقاظ البشر "
بلعت ريقها وقال مبررة بارتباك
" انها الثامنة ... و عملك "
تشدق بسخرية رافعا إحدى حاجبيه قائلا بسخرية لم تخلو بها نبرته
" حقا ... إذا ها هو انا استيقظ"
... قالها ثم تحرك مبتعدا عن السرير ... و دلف إلى الحمام
وبعد دقائق جلست وهى تراقب تمشيطه لشعره ... فحسمت أمرها ودلفت إلى الحمام وهى تدعو فى نفسها ان يذهب حتى تتمكن من الذهاب لعملها ....شهقت بقوة ما ان خرجت من الحمام ووجدته يقف واضعا يديه فى جيب بنطاله ووجهه خالى من اى تعبير ... وقبل أن تقترب من خزانة الملابس قال بصوت هادى
" ارجو ألا تاخذى كلامى كسخرية بالنسبة لكى ... وإن تثبتى لى ان كلامى لن يكون هباء لكى "
هتفت بتلعثم وعيناها متسعتان
" ما الذى تقصده "
نظر إليها بنصف عين قائلا بتهكم
" أقصد انه لا يوجد عمل "
"انت لست جادا .. هتفت بها بحنق ثم ضغطت على شفتاها ما ان رأت نظرته الغاضبة التى يحاول سبر اغوارها "
ماذا !؟... إلى متى؟؟ " صرخت بها وهى تقترب منه بأعين قطة غاضبة
لوى فمه وقال بهدوء جليدى
" لحين أشعر انك زوجتى ... عندما أشعر أن لدى قيمة عندك .. عندما أشعر انك تحترمينى وتقيمين لكلماتى وزنا لك ... وتحترمينى بالقدر الكافى ... عندما تفعلين كل هذا يمكنك الذهاب إلى عملك " قالها بسخرية ثم خرج من الغرفة صافعا بابها بقوة ... وهى تقف فى مكانها بتصلب وكأنها تمثال من الشمع ملامحه باهتة



الجزء الثاني

اتسعت عيناها وامتلاتا بالدموع حتى اصبحتا شفافتان كالزجاج وغصة مولمة ألمت قلبها شعرت بجرح غاءر فى ثنايا روحها ..وهى تستمع لحديث عمتها ... زواج ... كيف ووالدها مات ... تتزوج ... تتزوج ... كلمة ترددت فى راسها ... تصبح عروس ووالدها ليس بجوارها ... لن يكون معها كما تمنت دائما ستكون عروس بدون أب او سند ... وفوق كل هذا ... تم الإعداد والتخطيط لكل شئ وهى لا تعلم ... كيف عمها وافق ... وهى تعلم جيدا أن رابح لطالما أرادها وتمناها لكن والدها كان سابقا يقف أمامهم يبلغهم برفضه ورفض صغيرته... والمفاجأة الكبرى ان العريس هو رئيسها فى العمل ... أكثر شخص مغرور قابلته فى حياتها بارد وتعامله جاف مع من حوله ... تذكرت انها كانت جالسة عندما أتى هو و والده والسيد سليم أول مرة ووالده يعلن انه يريدها لابنه ... لكن عمها قابله بالرفض ... وفى خضم مشاحنتهم الكلامية وقعت هى مغيبة ... ومن يومها هى لا تعلم ما الذى حدث بعدها .... كل ما تعلمه الآن هو ما أخبرته به عمتها بعد تنحنحها وارتباكها فى الحديث ... تخبرها انها فى خلال أسبوع ستتزوج بحازم السيوفى ... أغلقت عيناها بقوة تاركة العنان لبعض من دموعها بالسقوط حتى لا تختنق بسبب كتمها لها ... لا يوجد لديها قدرة على الكلام ... ولا الصراخ ... قوتها خارت تماما ولم تعد قادرة على الجدال او الوقوف فى وجه أحد فهى على يقين انها لن تستفيد تعلم عمها لن يعتبر رفضها حرية لها بل سيعتبره قلة تهذيب ... وسيصر ان أخاه لم يعرف كيف يربى ابنته ... وهى لن تتحمل أن تسمع اى شى عن والدها ... حتى وإن استطاعت رفض حازم والتخلص منه ... فستجد نفسها فى براثن رابح ... الزواج ... نعم الزواج من حازم ستستطيع من خلاله الخروج من هذا المنزل ....الفرار من كل شى ....الزواج منه سيحررها. .. ستتزوجه وبعد ذلك ستهرب تاركة كل شى ورائها. .. هى لن تبقى هنا .... اتسعت عيناها إصرارا .... وجفلت عندما استمعت إلى صوت دقات على الباب تبعها دخول تلك المرأة التى لطالما شعرت نحوها بشئ رائع دف غريب يجتاحها ما ان تضمها إلى صدرها .... وفم المرأة يتسع بابتسامة دافئة ... اقتربت نورا من نور واخذتها بسرعة بين احضانها وهى تهتف بنبرة ناعمة لا تخلو من السعادة والفرح
" حبيبتى ... لو تعلمين كما انا سعيدة بموافقتك على الزواج ... لو تعلمين كم تمنيت هذا اليوم ... لو تعلمين كم سيكون حازم سعيدا .... لو تعلمين كم هو ... قطعت نورا عبارتها فهى لا تريد أن تخبر نور بشعور حازم نحوها وكم هو يحبها ... ستترك هذا الأمر له ... طوال الأيام الفائتة وهى تدعو ربها ان تكون نور تحب حقا ابنها ... وكم كانت سعيدة عندما علمت بموافقتها وبموعد زواجهما ....
" يا الله ... من اليوم سنذهب انا وانتى ونجهز لك كل شئ ... أريد أن يكون الزفاف اسطوريا. .. أريده ان يكون رائعا. .. رغم أن حازم وضعنى فى موقف صعب ... فسبعة ايام لن تكفى لإعداد كل شئ ... لكن لا ... حتى لو تطلب منى الأمر عدم النوم فسافعل كل شئ على أتم وجه ... وأحسن صورة " هتفت نورا بكلماتها بسعادة مطلقة تظهرها وكأنها شابة صغيرة تخطط لزفافها. .. ولما لا ليس زفافها فهو لابنها الوحيد ... الذى انتظرت طويلا حتى اتى هذا اليوم اخيرا.... لم تستمع نور لأى من كلمات نورا فقد كانت تشعر بالتيه والقلق .... اجفلت عندما شعرت بيد عمتها توضع على كتفها .... فاستعمت لباقى حديث نورا العفوى وهى تقول بنفس السعادة
"مراد فى الأسفل ... انا وانتى و عمتك سنبدأ من الآن لتجهيز كل شئ.... ثم وجهت نظرها نحو الحاجة هيام قائلة بلهجة امرة مرحة
" هيا عليكى ان تستعدى سيدة هيام انتى ونور لكى نستغل كل دقيقة ... بسرعة "
قالتها فاطعتها عمتها وخرجت من الغرفة لتجهيز نفسها ... لبدا رحلتهم هم الثلاثة لشراء كل ما تحتاجه العروس .... وما ان خرجت الحاجة هيام حتى جلست نورا بجوار نور ... وهى تقرب إليها كتالوج ما يحتوى على ألوان للحائط ...
قائلة بهدوء وهى تهم بفتحه ."انظرى ... ما الذى يعجبك اى الألوان أفضل "
فتح فم نور ببلاهة وهى تقول بخفوت
" ماذا! ! "
ابتسمت نورا بدف وقالت بهدوء
" هيا اختارى لونا وساعدينى "
قالتها بإصرار فقالت نور بقلة حيلة وتلقائية
"أزرق " فاتسعت ابتسامة السيدة نورا وابتعدت عنها قائلة. ..
"سأخرج حتى تستطيعى الاستعداد ... لا تتاخرى" قالتها وأغلقت الباب خلفها
تنهدت نور بانزعاج وهى تشعر باختناق ... و دفنت وجهها بين يديها وهى تبكى بحرقة وألم...

زفر حازم بملل وانزعاج وهو واقف يراقب العمال وهم يبدأون رحلة عملهم فى غرفته ... اليوم صباحا تفاجأ بوالدته فى غرفته ما ان دلف إلى الغرفة بعد ركضه ومشيه لأكثر من ساعتان .... وجد والدته جالسة على السرير فى انتظاره ... وطلبت منه او بالأحرى امرته.... ان يقوم بتغير ديكور الغرفة بأكمله من اثاث و لون الحائط فبالطبع لن يتزوج فى غرفة قاتمة كتلك التى يجلس بها ... وارته عدد من غرف النوم الجميلة ذات الألوان الفاتحة والغامقة. .. ورغم انها ارته كلاهما إلا أنها أصرت على الون الأبيض قائلة انه أفضل وأجمل لون مناسب لغرفة عروسان .... واختارت معها عدد من الارءك ... وأيضا طلبت منه كسر الحائط الذى بين جدران غرفته وغرفة مكتبه حتى يستطيع توسيع الحمام وأيضا حتى تتسع الغرفة لكل شئ ... وبالفعل ما ان رحلت هى ووالده اليوم حتى أتى العمال وبداو فى رحلة ازعاجهم وتكسيرهم للحائط.... جفل عندما استمع إلى صوت رنين هاتفه معلنا عن وصول رسالة تضمن .... صورة للون الذى اختارته والدته
" أزرق " قالها بنبرة خافتة لا تخلو من التهكم ولكن غصب عنه تشدق فمه بابتسامة عذبة .....
وأمر العمال ببعض التعليمات وخرج ... وبعد ذلك رن هاتفه
وضع سماعة الهاتف إلى أذنيه .... واغلقه ما ان استمع لكلمات والده ... التى تخبره انه تم الاتفاق على أن يقام الزفاف فى حديقة منزل الحاج عزيز فهو أصر هو وابن عمة نور خالد على أن يقام الزفاف فى منزله ... يجلسوا بعض الوقت ويتم عقد القرآن هنا وبعد ذلك يستطيع أخذ عروسته والذهاب بها أين ما يريد ... بالإضافة إلى اخباره انه لا داعى لكى يحجز اى صالة للأفراح وإن يجهز فقط حديقة منزلهم لاستقبال العروس .... وأنه لن يستطيع العودة اليوم هو و والدته ....
وضع هاتفه فى جيب بنطاله ... وعاد إلى العمال يصدر إليهم بعض التعليمات ....

انزلقت بقدميها فى حوض الاستحمام .... وهى تغلق عيناها باستمتاع واضح من رائحة الصابون المنعش وسخونة المياه ... جسدها مرهق للغاية رغم أنها لم تتحرك من على السرير إلا فقط للضرورة ...إلا انها شعرت بأن جلوسها هذا سيسبب لها الخمول والتعب فهى غير معتادة على عدم التحرك لمدة طويلة ... والدتها وزوجها يهتمان بها للغاية ... دفنت وجهها بخجل وهى تعيد بانفاس مضطربة زوجها ... نعم سيف زوجها ... الذى أظهر فى الأيام الفائتة طوال فترة جلوسها فى السرير ...اهتمامه الشديد بها ... تتذكر فى إحدى الليالى عندما حاولت التحرك من السرير عندما شعرت بالجوع وحاجتها الشديدة لتذوق شئ مالح او حار وجال فى فكرها انها يجب ان تطلب من ريم حتى تحضر لها (محشى ورق العنب )الشهى فهى لم تذقه منذ وقت طويل ووالدتها لا تجيد صنعه او حتى لديها الصبر لتحضيره ... فاوقفها بصوته الحاد هاتفا
" الى أين ستذهبين؟!! "
تفاجأت عندما وجدته ما زال مستيقظا فقالت بصوت خافت
"أريد أن أكل "
قفز من على السرير واقفا وقال وهو يمرر يده على وجهه بتعب وهو يتثاءب
"ماذا تريدين أن تاكلى؟! "
فقالت بسرعة
"اى شى ... وربما بيتزا "
ارتفع إحدى حاجبيه بتعجب
"بيتزا!! "
فحركت رأسها بنعم
أغمض عيناه قائلا " بماذا تريدينها "
" الجبن "
ما ان استمع حتى تحرك مبتعدا عنها وخرج من الغرفة .... وبعد ما يقارب الربع ساعة أتى وهو يحمل بين يديه علبة ... و وضعها أمامها وهو يراقب استمتاعها الواضح لتذوقها ....
ضحكت بسعادة وهى تتذكر كل موقف يقوم به يدل على اهتمامه وحرصه الواضح على راحتها ... ابتعدت عن حوض الاستحمام بعد ان أنهت حمامها المنعش ... وارتدت روب قطنى وردى ... وقبل أن تخرج من الحمام لمحت قميصه معلقا فمدت يدها وسحبته وقربته من أنفها تسنشق رائحة عطره التى دغدغدت حواسها ... جعلتها تبتسم بهستيرية وكأنها مجنونة ... وضعت القميص مكانه و خرجت من الحمام... قامت بتنشيف شعرها ثم مشطته جيدا ... وما ان لمحت ذلك الكارت الصغير على طاولة الزينة ... حتى امسكته وبدأت تنظر إليه فى سعادة ... يوم ونور ستتزوج ... رفعت رأسها عاليا تشكر ربها لانه رزق فتاة كنور بشخص كحازم و هى متأكدة بأنه أكثر شخص يستحقها ... دعت ربها بأن تبدأ حياة نور بسعادة و الا يعكر صفو حياتها اى شئ فهى تستحق السعادة .... جالت بخاطرها فكرة وهى تتذكر انها يجب ان تقيس الثوب الذى سترتديه غدا فى الزفاف فوزنها قد ازداد ومعدتها أصبحت منتفخة بشكل واضح ... كانت لديها رغبة شديدة فى ان تسافر إلى نور اليوم وتقضى معها اليوم لكن سيف لم يوافق متعلل بحالتها وإن السفر ليس جيدا لها فى هذه الفترة بالذات من حملها وإن الطبيب قد أكد على كلماته ... ففضلت الصمت ... ارتدت الفستان ... ونظرت فى المرآة ودارت بجسدها ... تحاول رؤيته من جميع الزواية ...
وقالت بتفكير وهى تقف وواضعة يديها على بطنها المنتفخة
" ضيق "
" للغاية "
اجفلت عندما استمعت للصوت الآتى من خلفها وسيف واقفا مستندا على الحائط ويضع يديه فى جيب بنطاله و نصف أزرار القميص مفتوحة ... و شعره مشعث وكأنه خرج من حرب ضارية .... بلعت ريقها وهى تراه بهذا الشكل المغرى ....
واخفضت رأسها ما ان رأته يقترب منها بخطوات بطيئة ...
قائلا وعيناه تلتمع باغراء
" قميص النوم يبدو راءعا عليكى "
رفعت إحدى حاجبيها وقالت بحدة
" انه فستان سهرة "
تشدق فمه بتهكم قائلا وهو رافع احدى حاجبيه " ثوب " ثم تابع
"الثوب مغرى للغاية ... ثم تابع وهو يقترب منها ويضع يده على ظهرها الشبه عارى ..... كما انه يظهر أشياء لا يجب عليها الظهور ... قد تسبب خطرا على الأمن العام "
اقشعر جسدها وشعرت بخدر وهو يمرر إصبع يده على كتفها العارى ...
" لم أكن اعرف انك بهذا الجمال... ثم لوى فمه قائلا بسخرية .... لما أصبحت اثواب السهرات تشبه قمصان النوم هذه الأيام "
اتسعت عيناها وقالت بحدة وغضب
" قميص نوم ... ثوبى هو آخر صيحة من صيحات الموضة " هتفت بها بغرور
ضحك بقوة وقال وهو يقترب من اذنها بصوت منخفض مغرى
" لا مشكلة ثوب سهرة .. قميص نوم .. لا مشكلة عندى طالما سترتدينه لى وفى هذه الغرفة "
شعرت بجسدها يخرج منه حرارة تكاد تحرقها وبدأت قلبها يضطرب لكن رغم نبرته المغرية تلك إلا أن وجهها احتقن وقالت بتعالى وهى تعقد يديها أمام صدرها
" تحلم ... انا سأذهب به الزفاف غدا "
ظهر الغضب على وجهه واصتك على أسنانه و قال بهدوء وبنفس برودها رغم غضبه
" تحلمين ... أن كنتى تعتقدين انك تستطيعى الخروج من هذه الغرفة بهذا الثوب "
" ماذا؟ ! ...وماذا إذا ارتدى غدا!!؟ " هتفت بها بحنق
" ارتدى اى شى... صمت ثم تابع ... اى شى واسع ومستور زوجتى العزيزة ... فانتى لن تذهبى ولن تخرجى بهذا القميص من هنا " قالها بنبرة غاضبة صارمة وقاطعة وهو يخلع سترة بذلته تبعتها قميصه ثم دلف من الغرفة غير عابء بغضبها الظاهر ....
نظرت اروى إلى انعكاس صورتها فى المرآة وهى تمرر يديها على ثوبها بحزن ... كان ثوب قصير عارى الكتف ياتى من عند الصدر بفتحة تشبه حرف الV وأسفل الصدر ضيق ظهر معالم أنوثتها بشكل واضح ...
" لم يكن هكذا قبل أن أكون حاملا " قالتها فى نفسها فقد ارتدت هذا الثوب عدد من المرات ولكنه لم يكن عليها هكذا يوما ... لقد أظهرها هذه المرأة بشكل رائع ....
"أما زلتى ترتدينه إلا تريدين أن يمر يومك على خير " قالها سيف وهو يضع منشفة على وجهه ...
"حسنا " قالتها باحتقان ودلفت إلى الحمام وقبل دلوفها وتعمدت الاصطدام به ... فهتف بتهكم وتعجب ما ان تحرك بجسده قليلا بسبب اصطدامها به
" تبا ... يبدو أن غضبك ليس سهلا ... يا زوجتى العزيزة "



جلست على السرير وهى تفرك يديها بتوتر واضح منتظرة حضوره ... منذ الليلة التى تحدثوا بها وأخبرها برفضه ذهابها إلى عملها وهو لم يتكلم معها غير قليل جدا وكأنها ليست موجودة ... أصبحت تنزعج بطريقة غريبة من ابتعاده عنها لم يعد يفرض نفسه عليها كالسابق بل يبتعد عنها و يناى بجانبه لا يحاول التكلم او فتح اى حديث معها ...وكم ازعجها هذا ... لا تعلم كيف تفاتحه وتقنعه ان تذهب إلى نور اليوم حتى تستطيع قضاء هذه الليلة معها ... فنور بالنسبة لها ليست مجرد صديقة فقط بل هى أخت... تشعر بها ومتأكدة أن صديقتها بحاجة إليها اليوم... فلا يوجد بجوارها لا ام ولا أب ... فحالاتهما متشابهة فكل منهما يعتبر يتيم الأب والأم ... رغم أن نور فعلا هكذا يتيمة ... أما هى فوالديها مازالا على قيد الحياة ...
مسحت ريم بسرعة دمعة خائنة نزلت على وجنتيها ... وهى تتساءل فى نفسها .. لماذا ما زال هذا الأمر يؤثر بها رغم أنها تعودت على الأمر منذ زمن ... لقد عودت نفسها منذ صغرها ألا تبكى على أحد وكان اولهما والديها الذان لم يهتما بها ... والآن هى قد كبرت لماذا ما زالت تبقى عليهما ... ألقت بجسدها على السرير وهى تكتم شهقاتها قائلة بختناق يؤلم القلب .... ما زلت بحاجة إليهم رغم كبرى .. ما زلت أحتاج إلى ام تكون بجوارى ... لو كانت بجوارى لما حدث لى كل هذا ... لو كانت معى لكانت اخبرتنى كيف أتعامل مع مالك ... كيف أكون زوجة بحق كما يقول ... مسحت دموعها ما ان سمعت صوت إدارة مقبض الباب وجلست برأس منحنى ...
رفع إحدى حاجبيه ونظر إليها بتعجب وهو يراها تجلس على السرير ...القى بمفاتيح سيارته على الطاولة .... وتوجه نحو الخزانة أخرج ملابس بيتية وما كاد يدلف إلى الحمام حتى قالت له بسرعة ونبرة متحشرجة
" مالك ... أريد الحديث معك "
استدار بجسده نحوها ونظر إلى وجهها متفحصا باهتمام ... فظهر الغضب على وجهه عندما وجد وجهها محمر وعيناها منتفخة ...
" هل كنتى تبكين ؟!"
فهزت رأسها بلا وهى تحاول كتم دموعها ...
أغلق عيناه وهو يزفر بقوة قائلا بحدة
" إذا لماذا وجهك وعيناك منتفخان هكذا؟! "
كتمت شهقة وغصة فى حلقها و قالت بثبات وهى تخفض وجهها إلى الأسفل
" أريد أن اذهب إلى نور اليوم .. غدا زفافها ويجب أن أكون معها "
ألقى مالك بملابسه وقال بهدوء منافى تماما لغضبه الذى يكاد يعصف بهما ... فهو ليس لديه القوة او القدرة على الجدال معها
" حسنا ... ارتدى ملابسك وساوصلك "
رفعت نظرها إليها بتعجب وهى تهتف فى نفسها
" هكذا بسهولة ... وافقت ... من دون ان تقول اى شئ "
قطع أفكارها قائلا بصوت منخفض
" هيا حتى أستطيع توصيلك.... وأعود مبكرا "
اؤمات براسها وهى تقول بهمس
" حسنا "



ألقت بجسدها بتعب بعد تسوقها الذى أخذ منها منتصف يومها .... لم تكن تنوى الخروج لكن بعد إصرار والدها لم تستطع الرفض وخضعت لرغبته وذهبت واشترت ثوب مناسب لها ولابنتها فستان جميل من أجل زفاف الغد ..... اجفلت عندما استمعت إلى دقات على باب غرفتها تبعها دلوف والدها إلى الغرفة بوجه مبتسم قائلا
" قمتى بشراء ما سترتديه "
اومات براسها ... ثم قالت بهدوء
"ما رأيك هل تريد رؤيتهم "
هز سليم رأسه بسرعة ... وظهرت السعادة على وجهه وهو يمسك بين يديه فستان الصغيرة ميا ... راقبته بثينة بفرح وهى تلمح تلك النظرة فى عينى والدها ... ولكنها سرعان ما ضيقت بين حاجبيها بتساؤل وهى ترى ملامح وجه والدها تغيرت وظهر الحزن جلى عليها .... وربما لمحت دمعة تتلألأ بين مقلتيه
وقال بصوت منخفض مختنق وعيناه تهيمان فى الفراغ
" أنا .. انا لم أكن بجوارك انتى او أخاك ...حرمت نفسى من رؤيت ابناءى الصغار ومراقبتهما وهما يكبران ... حرمت نفسى من شئ يتمناه اى رجل ... من رؤية ابنه الصغير يكبر ويكبر حتى أصبح رجل يافعا لا يحتاج لمساعدته ... و ابنته كبرت وأصبحت امرأة جميلة ... لم امسك بيديكما عندما كنتما صغيران إذا ... كيف ساطالب بحقى عندما أحتاج اليكما فى شيبتى.... حاولت بثينة مقاطعته ولكنه قال بسرعة وبنبرة هادئة محاولا الحفاظ على رباطة جاشه
" سيف زوجته حامل "
فظهرت شبه ابتسامة على وجهها تتذكر اخاها .. اخاها الذى لم تره غير عدد قليل للغاية من المرات وجميعها اما كان يحاول عدم النظر إليها أو لم يلمح وجودها ... كيف تلومه وهى أيضا تشعر بجفاء بينهما ... كل ما يربطهما فقط هو اسم الأب " سليم " وربما الدم ...
" بثينة ... ألم يحن الوقت " سألها والدها بهدوء
فالتفتت إليه وهى علم تماما بما يقصده والدها بالتأكيد هو يقصد موضوع حسام ... وأنها يجب ان تعود إلى زوجها ... وألا تحرم أب من ابنته ... أخبرها والدها فى الأيام الماضية ان حسام أصبح يتصل به باستمرار ... يرجوه ان يخبره عن مكانهم ... لكن والدها رفض وقال انه لن يستطيع أن يخبره طالما هى ليست موافقة ... ابتسمت بخفوت ... وهى تعلم ان والدها بجانبها ويناصرها رغم عدم علمه حتى الان بسبب بكاءها و توسلها ان يأخذها بعيدا عن حسام ....
" لا لم يحن الوقت بعد " همست بها بثينة وهى مخفضة رأسها ... ابتعد عنها والدها قائلا بهدوء وهو يخرج من غرفتها
" حسنا .. انا لن اضغط عليك ... لكن ... لكنى لا أتمنى أن تكبر الصغيرة بعيدة عن والدها ... وبالذات انه لايكف عن السؤال عنها باستمرار "
قالها ثم خرج من الغرفة ... فتنهدت بثينة بضعف وهى تنظر إلى الهاتف بجوارها .... منذ ان وعدته بأنها لن تغلق الهاتف ... وهو يتصل بها كل يوم ... يرجوها ان تستمع له وفى كل مرة ... يخبرها ان حياته أصبحت رتيبة بدونها هى وميا شعر بالحزن والاختناق وهو بعيد عن صغيرته. .. يرجوها ان تعود فهو لا يريد لصغيرته ان تبقى أكثر من هذا بعيدا عنه ... يظل يتحدث ويتحدث وهى صامتة تستمع فقط ... هل تخبره ان الغيرة تأكل احشاءها. .. هل تخبره أنها أصبحت تخافه ... لم يعد امانها كما كان ... انها منذ ان رأت تلك الصورة والغيرة تنهش قلبها وهى تجد زوجها يحتضن امرأة غيرها ... انها فى البداية تحملت من أجل صغيرتها. .. وهى الآن غير قادرة على الاحتمال .... صمتت ...
ثم تنتهى المكالمة وهو يستمع لهمهمات صغيرته غير المفهومة او لضحكاتها وهو يحاول كتم غصة فى حلقه .... يتمنى لو يستطيع المرور عبر الهاتف حتى يقف أمامها ويأخذ صغيرته بين احضانه ... اشتاق إليها ولم يعد يستطيع تحمل بعادهما. ... كلمات ... وكلمات كان يقولها ... لكنها كانت تستمع فقط ثم تغلق الهاتف منهية حديثهما الذى كان المتحدث به هو فقط ... والمستمع هى ... هى المسلوبة غير القادرة على فعل شئ ... تتارجح بحيرتها يمينا ويسارا ... لا تعلم هل تطلب الانفصال ... انفصال مجرد التفكير فى هذه الكلمة يشعرها بالألم ... ام تبقى وتتحمل وتستمر حياتها من أجل ميا ... ام ربما من أجل نفسها
رواية عندما يعشق الرجل لشيماء محمد الفصل الثامن والعشرون

بداخلى ألم .... بداخلى وجع ... وجع على ما مضى ...وجع على من رحل وتركنى... روحى منكسرة و ضائعة تبحث عن من تركها ....
الابيض رمز النقاء والصفاء .... الابيض اللون الذى تحلم به اى فتاة ... وهى .. وهى كانت واحدة منهن تتمنى هذا الثوب وهذه الليلة ... لكن لا ... لم تعد تتمناها ...
أبعدت يدها بسرعة عن قماش ذلك الفستان الأبيض وكأنه نار احرقتها... لا تشعر بالسعادة التى طالما حلمت بها ... لا تشعر غير بالضيق والحزن والغضب .. حزن كبل قلبها ... لم تتمنى يوما ان ترتدى هذا الثوب وهو ليس معها ... كانت تحلم بهذا اليوم ولكن ليس وهى وحيدة ... ليس بدونه ... ليس وهو ليس معها حتى يلبسها بيديه كما وعد ويعطيها لزوجها ... آه ..وألف آه... لقد شعرت فقط فى هذه اللحظة كم هى يتيمة بدون أب ...بدون سند

تراجعت بجسدها وهى تنظر بجزع لذلك الثوب القابع على السرير ... حتى اصطدمت بالحاءط ... وسقطت ... سقطت وهى تضم ركبتيها إلى حضنها تبكى بحرقة وألم ... تبكى من كل قلبها ... وقلبها يصرخ أبى ... أريد أبى ...
بالتأكيد ما تشعر به الآن هو مجرد حلم ...حلم طويل ..لكن لماذا هى لم تستيقظ منه حتى الان ...هل تصرخ لعلها تستيقظ ....لكنها صرخت وصرخت حتى وقعت فى دوامة من السواد ...ما تعيشه الآن ليس حلما بل هو حقيقة وحقيقة مرة ... لم تتمنى يوما ان تعيشها ...او أن تكون بها ...
شعرت بجسد يضمها إلى صدره ... وما كان هذا الصدر والدف إلا ريم ...
" آه... يا نور .. انسى .. انسى ... لا تقومى بتعذيب والدك هكذا ... اريحيه وكونى سعيدة ... ادعى له أن يرحمه الله ويغفر له ... لا تعذبيه ببكاءك هذا "
قالتها ريم وهى تبعد نور عن صدرها وتنظر إلى عينا صديقتها التى تملاهما الدموع ... صدمت عندما دلفت إلى الغرفة و وجدت نور تجلس هكذا ...
" لا أستطيع ... لا أستطيع انا أتألم ... اشتاق إليه ... كيف أتزوج وهو ليس معى "
"نور .. ارجوكى حاولى البدء من جديد من أجل نفسك ومن أجل والدك ... هيا أريدك قوية ... قالتها وهى تمسح دموع نور ثم همت واقفة وامسكت بيديها مشجعة ... هيا لا تخافى ... ظلت ريم ممسكة بيد نور حتى اطاعتها الأخيرة وابتعدت من مكانها ...
وبعدها بدقائق دلف إلى الغرفة ... طقم أرسل خصيصا لتجهيز العروس كما أمر حازم من اجل مساعدتها فى كل شئ
أما فى منزل عزيز المنشاوي وتحديدا فى الطابق السفلى فكل شخص به يعمل على قدم وساق ....
وفى الحديقة أنتهى العمال من تعليق الزينة والاضواء الملونة .....



لندن
تاوه بخفوت وهو يحاول تحريك يده ... التى أصيبت منذ ذلك اليوم الذى اشتبك فيه مع هؤلاء المجرمين ... حرك جسده ببط وهو يستمع لصوت جرس الباب المستمر ... تحرك حتى وصل أمام الباب وما ان فتحه حتى هبت ايملى مقتربة منه بفزع ...
"هل أنت بخير .. هل أصابك شى " هتفت بها ايملى بسرعة وهى تتفحصه باهتمام وخوف شديد ...
" لا ...لا تقلقى انا بخير " أخبرها مطمئنا ...
تنهدت براحة وتحركت نحو المطبخ ... وهى تحمل بين يديها بعض الأكياس التى لم يلاحظها عندما فتح لها الباب ....
" ما هذا؟ " سألها وليد
" بعض الاغراض يحتاجها المطبخ ... وغداء اليوم أيضا " اجابته مبتسمة ....فرد إليها الابتسامة وقال بهدوء
" ما كان يجب ان تتعبى نفسك ... انا لا أحتاج لشئ ... سأخرج من المنزل غدا ... لقد تعبت حقا من الجلوس فى المنزل "
" لا ..يجب عليك أن تجلس فى المنزل كما أمر الطبيب فأنت تحتاج إلى الراحة ... إصابتك لم تكن سهلة " هتفت بها بهدوء ثم بدأت فى وضع الاغراض كلا منها فى مكانه ....
وقف يراقبها باهتمام... وهو يتذكر ما حدث له ... بعد اشتباكه مع المجرمان... واصابته الشديدة التى جعلتها تظن أنه سيموت لولا الطبيب الذى طمانها ما ان وصلوا إلى المشفى ... بأنها كسور فى بعض أنحاء الجسد ورضوض بسيطة ...
ظهرت ابتسامة على وجهه وهو يتذكر بكاءها المستمر على صدره عندما لم يفق وهى تلوم نفسها انها هى السبب فيما حدث له ... والأيام جميعها التى قضاها فى المشفى لم تتركه للحظة كانت معه كظله ... تساعده فى كل شئ ... ربما لشعورها بالذنب ...حدث وليد نفسه بذلك ...
وما ان خرج من المشفى حتى أصبحت كل يوم... تحضر بعض الأغراض وتساعده فى تناول طعامه ... تنظف له شقته الصغيرة وتنظم كل شئ بها وبعد ذلك ترحل بعد ان تتأكد انه أصبح فى سبات عميق ...
شعور غريب أصبح يشعر به وهى بهذا القرب منه ... هل هو حب ام سعادة لانه وجد شخص يهتم به ... لا يعلم .. ولا يريد أن يعرف ....
قربها الشديد هذا منه ... جعله يعلم كم هى نقية ... وكم هى بريءة كالأطفال ...وإن ما كان سيقوم به حتى يشبع رغباته منها ... علم انها لا تستحق ان يفعل بها هذا ... سيبعد هذه الفتاة لا يجب ان تدخل عالمه الاسود .... الذى لن تخرج منه إلا محملة بالسواد ... لا يجب ان يؤذيها سيبعدها عنه ... مهما كانت الطريقة ... هى لن تتحمل ما سيفعله بها ... وهو غير مستعد لايذاءها ....
بعد ذلك الحادث ومحاولة الملثمان اختطاف ايملى ...استطاعت الشرطة القبض عليهما ... وارغامهما على الاعتراف ... واعترفا ان زعيمهم الذى تم القبض عليه وسجنه بسبب مرافعة ايملى ... ارادا الانتقام منها لما فعلته بسيدهم و محاولة قتلها....
تنهد براحة فالشرطى اتصل به ليلة أمس وأخبره أن القضية تم غلقها وإن السيدة ايملى سيتم مراقبتها تحسبا لأى شئ قد يفعله أحد التابعين لذلك المجرم ...لكنها حتى الآن فى أمان
حدق بها وهى تقترب منه بخطوات هادئة ... تحمل صينية متراص عليها بعض الأطباق ... وضعتها أمامه
" حسنا هيا لكى تتناول فطورك " قالتها بابتسامة عذبة اذابت قلبه
بلع ريقه وهو يحدق بها بقوة ... لا يجب ان تقتربى منى ستتاذين.... أراد الصراخ بهذا لكنه لم يستطع
وقال بهدوء
"ايملى ... لا داعى لما تفعلينه لى انا أصبحت بخير لا تقلقى ... وأستطيع الاعتناء بنفسى جيدا "
قالها ثم نظر إلى عيناها ... للحظة شعر بأنه قد رأى دموعا تتلألأ فى عيناها ... ولكنها قالت بانزعاج يحمل بعض العتاب
" ألا تريد منى ان أحضر إلى شقتك ؟!!... انا فقط اساعدك ... لأنك ....صمتت ثم تابعت بارتباك ... ساعدتنى وكدت ان تموت بسببى "
" لست مجبرة على تسديد الدين ... ما فعلته كنت سأقوم بفعله مع اى شخص كان سيكون فى مكانك " قالها بسرعة وحدة لم يقصدها جعلت جسدها يتصلب فى مكانه ....
لكنها سرعان ما أعطته ظهرها وهى تقول بثبات رغم نبرتها المضطربة والمهتزة
" سا. .. سأقوم بالانتهاء من رص الأشياء فى المطبخ وساذهب. .. لا تقلق سيد وليد ..انا لن أبقى فى منزلك كثيرا"
وبالفعل تبعت كلامها بأن تحركت متجهة نحو المطبخ
مرر كفه على وجهه من الغضب ... محاولا أخذ نفس مهدء .... فهو لم يكن يقصد ان تكون نبرته حادة معها .... أراد فقط أبعادها عن نطاقه حتى لا يؤذيها ....
وقف مستندا على حافة باب المطبخ وهو يراقبها تقوم بترتيب المطبخ بعصبية وحدة مبالغة ...اجفل عندما قامت بإغلاق أحد أبواب الخزانات بقوة ثم أخذت حقيبتها وخرجت من الشقة كالعاصفة بعد ان صفعت بابه بقوة ...
ابتسم بخفوت قائلا فى نفسه ... انها حقا عاصفة يجب ان تخرج من حياته قبل أن تقوم بتدمير الأخضر واليابس على أرضه ....
خرجت من المصعد وهى تمسح بقايا دموعها ... قائلة بشهقات متتابعة
" تبا له ... ما كان يجب ان أتى ... انه أحمق انا أكرهه ... تبا له ..." صرخت بها بقوة غير ابهة بمن حولها ... فما ان صرخت حتى وجدت جميع الأعين عليها ... طاطات رأسها بخجل وتوجهت نحو سيارتها... وما كادت تدير مفتاح السيارة حتى وجدت هاتفها يرن ...
ضغطت على زر الإجابة ثم وضعته على اذنها حتى أتاها صوت والدتها الدافئ
" ايملى ... أين انتى؟ .. هل انتى مشغولة !؟" سألتها والدتها بسرعة
" لا ... لست مشغولة " قالتها بسرعة
" حسنا تعالى بسرعة... روز تنتظرك حتى تقومى بايصالها " قالتها والدتها ثم أغلقت الهاتف
" حسنا " همست بها ايملى وانطلقت بسيارتها
.......................................
فرد جسده على الأريكة فى شقته ... وهو يفكر ان ما فعله هو الصواب بعينه ... حتى أخرجه من أفكاره صوت رنين الهاتف ... الذى لم يكن المتصل غير أخيه خالد ...
ضغط على زر الإجابة وما ان وضع السماعة على أذنه حتى أتاه الصوت غاضبا
" تبا لك يا وليد .. لماذا لم ترد على اتصالاتي ... لقد كدت تجعلنى اجن من القلق عليك "
ابتسم وليد لقلق أخيه الأكبر فهو يعلم أن أخاه يعتبر نفسه أبا له رغم انه لا يفصل بينهما غير عاما واحد
فرد بهدوء
" لقد كنت مشغولا "
" مشغولا لدرجة ألا ترد على اتصال واحد لى!! ... ثم تابع محذرا ... إياك ان يكون قد أصابك شيئا وأنت لم تخبرنى "
فاتجه وليد بسرعة بنظره نحو يده المصابة و التى تلتف بضمادات طبية ... ومعلقة نحو رقبته ...
فقال بنفى كاذب
" لا تقلق انا بخير "
ابتسم وليد عندما أستمع لنهدات أخيه التى تعبر عن راحته او ربما زوال قلقه
فقال بهدوء
" ابنة خالك ياسين ستتزوج اليوم .. كنت أتمنى حضورك .. وخاصة ربما قد تكون على معرفة بالعريس "
فقال وليد بفرحة
" مبارك لها ... لكن من يكون العريس؟! "
" حازم السيوفى "
"ماذا ؟؟؟!"هتف بها وليد باستغراب ودهشة ثم تابع ...
" حازم مراد السيوفى !...ام أحد آخر؟! "
" نعم حازم مراد السيوفى ... هل هو شخص سى ام ماذا؟!! " سأله خالد
" لا ... لا ... لكنى تفاجأت فقط ...حقا هذا العالم صغير .. هل يعلم بأننا أخوة " قال كلماته بسرعة وما زالت ملامح الدهشة جلية على وجهه
" لا أعلم لكنه لم يسأل ... ولم يقل " رد عليه خالد
" حقا ذلك النذل لم يخبرنى ... خالد يجب ان أغلق معك الآن سأتصل بك لاحقا وربما بعد الزفاف ... وما كاد يغلق الهاتف حتى تابع وليد بسرعة وتأكيد وربما ليريح أخيه فهو قد شعر بقلقه. ..ولا تقلق نور لن تجد لها شخص أفضل من حازم " قالها ثم أغلق هاتفه وما ان أغلق مع أخيه حتى اتصل بحازم يهناه ... تفاجأ حازم من معرفة وليد بزواجه فهو لا يتذكر انه قد تحدث معه لأى شئ يخص زواجه من نور ...
ولم تقل مفاجأة ودهشة حازم عن وليد عندما علم بأن نور هى ابنة خاله ... ظلا يتحدثان لدقائق وهو يستمع لفرحة وليد لزواجه من نور ... وهو يخبره لو انه كان بخير لكان صعد أول طائرة وأتى إليه .... وأخبره وليد عن الحادث الذى تعرضت له ايملى ... وطمانه انها بخير ولم يحدث لها شئ ...
" وماذا عنك انت وايملى؟!! "سأله حازم فى وسط محاداثتهما ...
بلع وليد ريقه بتوتر ورغم انزعاجه قال بهدوء وصوت حازم
" ايملى ... أفضل لها الا تكون معى "
شعر حازم بالقلق من نبرة صديقه غير المبالية ... يعلم أن وليد يحبها لكن لا يعلم مما هو خائف. .. لماذا هو خائف من الزواج ... وربما هو خائف من الحب ... اغلقا مع بعضهما على وعد كلا منهما ان يتصل بالآخر ما ان تتيح له الفرصة

راقبت ايملى صعود السيدة روز درجات سلم الطائرة الحديدى .... فها هى روز من ظلت تنتظر لأكثر من خمس وعشرين عاما قد غلبها الشوق إليه ... فهل حقا ستجده منتظرها كما تمنت ام ستجده قد كون عائلته ولم يعد يفكر بها ... هل سيخبرها عندما يراها انها مجرد ماضى ام سيكون الأمر مختلفا



وقفت ريم إمام المرآة وعيناها معلقة على صديقتها التى تبدو غاية فى الجمال بفستانها الأبيض ... الذى يشبه نقاء قلبها ... ابتسمت بسعادة وهى تضع على رأسها تتلك الطرحة البيضاء المخرمة....
ترددت ريم لبرهة ثم همست بصوت منخفض قرب أذن نور قالت
" تبدين غاية فى الجمال ..يا نور "
نظرت نور إلى انعكاس صورتها فى المرآة مشدوهة وكأنها ترى شخصا آخر غيرها ... هل تلك المرأة التى تراها أمامها هى ام انها شخص آخر؟! ... ربما ملامحها سعيدة ... لكن لم تعكس روحها المتعبة الحزينة ... ابتسمت بخفوت تحاول ألا تظهر ما تشعر به من ضيق ....
جفلتا الاثنتان ما ان سمعا صوت الزغاريد المتواصل والدقات المتتالية على الباب ... ودلوف الحاجة هيام وخلفها السيدة نورا ورائها.... عمتها التى لم تتركها للحظة ... ونورا التى عاملتها وكأنها ابنتها ولم تتركها غير امس ... ولكنها ما ان استيقظت اليوم حتى وجدتها أمامها ... لم تكن تجلس لحظة كانت تتحرك هنا وهناك بغير هدى ... حتى استطاعت جعل كل شئ يتم وفق ما أرادت ... نعم بالطبع أليس زفاف ابنها الوحيد إذا كيف لا تفعل ولا تهتم بكل صغيرة وكبيرة .. انها ام وتريد أن تجعل عرس ابنها اسطورى كما قالت سابقا ...
الزغاريد تتواصل فى المنزل بأكمله والاضواء الملونة تزين حديقة المنزل ... ومنذ الصباح وبدأ المدعون بالقبول ... وكان يتم خدمتهم بأفضل ما يكون بعد ان تم ذبح ما يقارب الثلاثة عجول ليلة أمس غير الذى تم ذبحه صباحا ... كل هذا تم وفق إرشادات و أوامر خالد ابن عمتها الذى لا تعتقد بانه حصل على الراحة منذ ان أعلن موعد الزفاف ...
كل شى تم وفق ما يريده الجميع .. لكن ليس وفق ما تريده هى ... الجميع يقول بأن الزواج هو الأفضل لها ... وخاصة عندما علموا من هو العريس ...
حازم السيوفى ... وهل يوجد أحد يرفض شخص مثله ...
استمعت من البعض ومن والدته انه كان يريد أن يقوم بتوصليهم عندما كانوا مستعدون للخروج من أجل شراء الأغراض النهائية للزفاف ... لكن خالد رفض وبشدة ... كما انه أراد رؤيتها لكن خالد قابل طلبه بالرفض أيضا ... فهى حتى الان ليست زوجته ... عندما تصبح كذلك فهو حر بها هذا كان كلام خالد وما وصل إليها من ما حدث ....
ظلت تمرر اصبعها على تلك الرسمة السوداء التى تزين أصابعها ويديها.... فهى قد رسمت على يديها بعد إصرار من عمتها التى قامت بتحضير حفلة حناء صغيرة اجتمعن بها عدد من الفتيات ليلة أمس بعد حضور ريم ... فوافقت قانطة....
أمسكت ريم بيد نور وعلى وجهها ابتسامة تعبر عن سعادتها الغامرة ... ونزلت بها إلى أسفل حيث النسوة مجتمعات ...يغنوا ..ويرقصوا..فى داخل منزل عزيز المنشاوي حيث تم تجهيز غرفة كبيرة فى المنزل خصيصا للنساء... اجلستها على أحد الكراسى وجلست بجوارها ....
تشعر ريم بصديقتها تعلم بحزنها وربما أيضا برفضها... لا تعرف حازم ولم تره غير مرات قليلة ...لكن كل ما سمعته عنه انه شخص ذو خلق ... كما انه كان صديق لزوجها ولسيف و لكاسر ابن عمها ... تدعو ربها ان يكون حقا ذلك الحازم يستحق نور وان يستطيع أن يخرجها مما هى به ....
أما فى الحديقة الكبيرة فقد اجتمع الرجال وحضر كبار هذه البلدة لتهنئة عائلة السيوفى و المنشاوي بهذا الدمج والقرب الذى تم عن طريق الزواج معبرين عن فرحتهم الشديدة بهذا الزفاف ....
وقف حازم يستقبل كل من أتى له والفرحة تغمر روحه ... فرحة من زواجه ممن دق لها قلبه ... أراد وبشدة التحدث معها قبل الزفاف ... ربما كان ليستطيع من خلال الحديث معها ان يمهد لها وان يحاول التقرب منها ... لكن ابن عمتها خالد رفض ... ففضل حازم الصمت وأن يحدث كل هذا فى بيته ...عندما تكون هى زوجته .... رغم انه لم ينم من التفكير بسبب تذكره لحديث ذلك المعتوه مازن ...يتمنى ويدعو من قلبه ان يكون كل ما قاله سابقا مجرد تراهات وربما كان كل ما تفوه به لكى يمنعه من أن يفكر بنور او يقترب منها ....
أبتسم حازم بحبور ما أن وجد كاسر ومالك مقبلين إليه ... وقام كل واحدا منهم بمعانقته وتهناته بسعادة ....كم حضر أيضا أسامة و ماجد للتهنئة ...
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما فى خير "
ما ان نطق المأذون بجملته المعتادة حتى انطلقت الزغاريد .... واطلاق عدد من الرصاصات فى السماء تعبيرا عن فرحتهم المطلقة ....
جلست بين النساء وكأنها مغيبة لا ترى شئ ولا تشعر بشئ ... فقط ألم وضيق .... وعيناها عصرتهما بقوة حتى تمنع عبراتها من التسلل ... فقط ما جعلتها تخرج من تلك الدوامة هو تربيت ريم المستمر على يديها وهى تتحرك بسعادة فى المكان ... تدافع عنها من اى كلمة تطلقها إحدى النساء ... و ترفع كفها فى وجوههن ما ان ترى نظرات الحسد لها ولصديقتها .... حاولت رسم ابتسامة على وجهها بعد ان رأت نظرات النساء من حولها ... لسبب تجهله نور فى نفسها أرادت أن تعطى لنفسها فرصة من هذا الزواج .... ربما عندما شعرت بحنان تلك السيدة الحنون نورا وكم كانت معها كام لها ... عقلها أخبرها أن لا ترفض ذلك الزواج غامرى ربما كان فعلا حازم هو نصفك الثانى كما تمنيتى.... أليست كاى فتاة تحلم منذ صغرها بهذا اليوم ... تنهدت بقنوط ... حتى رفعت نظرها بعد ان رأت أن معظم الفتيات يقفن فى النافذة الكبيرة ينظرن منها وهن يصدرن أصوات تعبر عن دهشتهم و فرحتهم برؤيتهن للرجال وهم يقومون بالعروض فى الحديقة ....
لم تهتم ولا لواحدة منهن ... وتابعت مشاهدتها لبعض النساء الآتى يرقصن بسعادة ....
وقفت ريم تحاول أن تحارب رغبة فى نفسها للركض نحو النافذة الكبيرة والرؤية منها لعلها تلمح طيفه او حتى ظهره ... منذ أن قام بتوصيلها البارحة وهو لم يكلف نفسه حتى عناء الاتصال بها ... ورغم انها سمعت انه قد أتى مع ابن عمها كاسر ... واعتقدت بأنه ربما يحاول رؤيتها ولكنه لم يفعل ... وهذا ما زاد جنونها. ...هل يا ترى ما زال غاضبا منها ... نعم انها تتوقع رد فعله هذا فهى قد لاحظت العبوس فى وجهه عندما كانا فى السيارة حتى اوصلها إلى هنا ... تبا له ... انه يشغل بالى ... فى حين هو لم يعد يهتم لى كالسابق ... هل يا ترى مل من حبها ولم يجد فائدة بعد الآن من الاستمرار فى ارضاءها والوصول إلى قلبها كالسابق ...ام ماذا ... صرخت ريم بكل هذا فى نفسها ...
اجفلت عندما سمعت صراخ إحدى الفتيات القابعات عند النافذة وهم يراقبن الرجال واحداهن تهتف بإعجاب
" يا الله انه وسيم ... انظرن إلى طوله "
بينما الاخرى ردت عليها بهيام وفخر وكأنها تعرف من يتحاورن لأجله
" وماذا ستفعلى ان رايتى عيناه؟! "
بينما غيرها تسالها
" وكيف عرفتى لون عيناه؟؟! "
فاجابتهن بشجن " رأيته صباحا عندما كنت سادخل إلى المنزل وكدت أقع فقام بامساكى بسرعة ... ان لون عيناه خضراء "
" خضراء ... إلى هنا وكفى ...صرخت ريم فى نفسها... واقتربت منهن وابعدتهن عن طريقها ووقفت تشاهد ... وكانت الصدمة الكبرى بالنسبة لها ....
زوجها ... زوجها الوقور ... يمتطى إحدى الاحصنة وكأنه فارس ... ويرقص ويتحرك بالحصان بمهارة وكأنه ولد على ظهره ....مالك ... يمتطى حصان ويجذب الفتيات إليه ...
" انه مالك يا ريم " قالتها نورا بسعادة من خلف ريم ما ان رأت مالك يمتطى أحد الاحصنة ....
حسنا انه وقتها ... فقالت بغرور وهى تلف إحدى خصلات شعرها على اصبعها
" نعم .. انه زوجى مالك ... صاحب العينان الخضراء " قالتها ريم بدلال وهى تنظر إلى الفتيات اللاتي كانوا يتغزلن بزوجها وخصيصا إلى تلك التى كانت تتحدث عن عيناه ... ظهرت السعادة على وجهها ما ان رأت معالم الدهشة والغيرة على وجههن وشهقاتهن ... ومرت من أمامهم بغرور ورأس مرفوع ... وملامح منتصرة ..... لكن بداخلها هناك نار مستعرة تهدد بإحراق ما حولها ... ستهدا حتى ينتهى الزفاف ويمر اليوم على خير ... وبعد ذلك ستفكر بطريقة للانتقام منه ... حمدت ربها داخلها على عدم حضور حماتها العتيد كوثر ... وأن حماها هو من حضر فقط ولم يحضر معه زوجته ... فهى فى غنى عن رفع ضغطها فى هذه المناسبة بسبب حماتها التى لن تترك فرصة حتى تهينها...
أما عند الرجال فى الخارج فقد احتفلوا بهذا الزفاف بطريقة مختلفة أما عن طريق امتطا الاحصنة او من خلال إطلاق بعض طلقات فى الهواء ... او من خلال الرقص بالعصا ...
ما ان نزل مالك عن حصانه ... حتى وجد خالد بدأ رقصه بالعصا ... والجميع كان يراقبه بإعجاب وانبهار كبير ... و أصبحت الأصوات عالية والجميع يهتف بتشجيع ما ان قام خالد بإلقاء إحدى العصيان إلى كاسر ... الذى التقطها بمهارة ولم يرفض المواجهة بل وقف بثبات ... وبدأ الاثنان يوديان ما يسمى " بالتحطيب" وكانت المنافسة شديدة .... وقوة كلا منهما تزداد وتزداد حماستهما من أصوات الرجال المشجعة ... حتى اسقطا الاثنان ... عصا كلا منهم ... ومن بعدهم توالى الرجال فى الرقص وتاديت بعض الاستعراضات المضحكة ...
" ألم تستطع إحضار راقصة تقوم حتى بترطيب هذا الجو الخانق ... رجال .. رجال وفقط " قالها كاسر بعبوس وتانيب لخالد الجالس بجواره
فضحك خالد بقوة وقال ينهره بعد ان هدأت ضحكته
" حقا يا كاسر لن تكبر وتعقل يوما .. ستظل كما أنت مهما كبرت "
فرد عليه الأخير مونبا
" هل هذه جلسة يستطيع الرجل ان يجلس بها ؟؟!... كنت اخبرتنى وأنا كنت سأقوم بأعداد كل شى "
" وما الذى كنت ستقوم به؟!! " ساله خالد وهو يحاول كتم ضحكته
"كنت سأقوم على الأقل بإحضار راقصه ما " قالها كاسر بعبوس. .. فرد عليه خالد بضحكة مجلجلة وفضل الصمت ومراقبة الرجال ....
انتهى الزفاف على خير ما أراد فى منزل عزيز المنشاوي ... وحان وقت العريس ان يصطحب عروسه لمنزلهم ...



من قال ان القلوب لا تحزن ولا تتألم مهما طال الزمن ..... كاذب من قال ان الزمن ينسى ... كاذب من قال ان الألم ينتهى مع الزمن ... لم يكن يعلم أن مهما تناسى العقل الذكرى والألم سيظل القلب محتفظا بها ....
وهى هل أخطأت كما قالوا لها ... هل أخطأت عندما أحبت من لم يكن لها ... هل أخطأت عندما لم تهتم لكلام أحد ... وفكرت فقط فى نفسها ... فكرت فى قلبها ... تزوجت وخاطرت.... لكن مع أول عاقبة وقفت امامهما تركها ... بعد ان كانت تعتقد بأنه لن يفعل يوما ...
هل هواء هذه الأرض يختلف عن غيرها ... لماذا تشعر بقشعريرة غريبة تسرى فى جسدها ما ان لفحها هواءها ... لماذا تشعر بضربات قلبها تزداد وكأنها نزلت إلى أرض ليست أرضها ... نعم هذه الأرض لم تكن يوما أرضها ...
خرجت روز من صالة الاستقبال فى مطار القاهرة الدولى بعد رحلة استمرت لما يقرب الست ساعات ... أنهت أوراقها واستقلت السيارة الخاصة التى جهزتها مع أحد الشركات على الشبكة العنكبوتية ... كل ما تتذكره بعد أكثر من خمس وعشرون عاما من رحيلها هو عنوان سليم السيوفى ... تعلم ومتأكدة انه المكان الوحيد الذى لن يتغير ... وتعلم انها ان وصلت إلى سليم ستستطيع الوصول إلى الباقى وأولهم ياسين ... املت السائق العنوان ... وانطلق بها السائق كما أمرت ....

لوت اروى فمها بحنق وهى تراقب خطوات سيف الهادئة وهو يقف أمام المرآة ويرتدى ملابسه على مهل وبرود ازعجها ...
أخذت نفسا عميقا ثم زفرته بغضب ... نظر إليها بنصف عين وهو يراقب تململها المستمر وهو يرتدى ملابسه ... أغلق أزرار قميصه وكمى القميص ثم التفت إليها وهو يرفع إحدى حاجبيه قائلا
" ماذا بك ؟!!... لماذا لا تتوقفين عن التململ؟؟! "
" ألم يكن يجب علينا الذهاب اليوم صباحا ... لكنك رفضت وقلت أننا سننتظر هنا ... و صديقك أخبرك أنهما فى الطريق ... لذا يجب علينا الإسراع قبل أن يصلوا يجب أن ننتظرهم عند منزل السيد مراد " قالت كلماتها وهى تهم من مكانها بسرعة وغضب
راقب سيف غضبها باستمتاع واضح ... وقال بهدوء وهو يحرك كتفيه بعدم مبالاة
" لا تقلقى ... سنصل قبل ان يصلوا هم " ثم تابع نظراته إليها وهو يتفحصها من رأسها حتى أخمص قدميها بثوبها الأحمر الواسع ربما ليس واسعا كثيرا لكن من وجهة نظره هو أفضل من الثوب الآخر القصير ... ظل يتفحصها ... بطريقة جعلت الحرارة تسرى فى جسدها ... اقترب منها بخطوات بطيئة وثابتة للغاية وكأنه ذئب يعلم أن فريسته لن تستطيع الهرب من براثنه ...
وعيناه تلتمع بمكر ... مد أصابعه ووضعها على خدها سرت قشعريرة فى جسدها ما ان شعرت بملمس أصابعه ...حاولت إغماض عيناها تحاول إبعاد ذلك الشعور عنها ... لكن صوته خرج أمرا إياها
" افتحى عيناك ... ثم تابع وهو يضع يده الاخرى حول خصرها مقربا إياها نحوه برفق شديد ... وضع يده التى كانت على خدها أسفل ذقنها مجبرا إياها للنظر إلى عيناه وقال بصوت متهدج ضعيف و دافئ
" جميلة " ثم أعقب كلمته بطبع قبلة على ثغرها ...
أغمضت عيناها وشعور من السعادة يجتاح جسدها ... لأول مرة ينطق بكلمة كهذه لها ... مررت لسانها على شفتها السفلى ... تنحنحت أروى وقالت بنبرة ضعيفة " سنتاخر "
قالتها وهى تحاول إبعاد يده التى تحاوط خصرها ... لكنه رفض أبعادها ... وقربها إليه أكثر و رغبة قوية لديه فى لحم جسدها بجسده وعدم تركها و هتف بانفاس لاهثة
" اقتربى منى أكثر ... دعيني اشتمه "
فرفعت نظرها إليه مستغربة ... فابتسم شبه ابتسامة وعيناه تمتلان إغراء ...وهتف وهو يدفن وجهه فى عنقها
" عطرك ... كم أتمنى أن اسكنك فى روحى واحتويكى ... واحبك كم لم يحب رجل ... بل ان أعشقك "
ذابت من كلماته ... بل قدميها لم تعد تتحملانها وهو يمرر شفتاه على وجهها ... بلعت ريقها وقالت بصوت منخفض للغاية
" سيف ... يجب ان نذهب سنتاخر "
" فلنتاخر... لا داعى لذهابنا " رد عليها بخفوت
فتحت عيناها و ابعدته عنها بسرعة ... وهى ترى تحول ذلك الدف الذى كان فى عيناه إلى غضب من تصرفها الاهوج بابعاده عنها ... وراقبت تحركه فى الغرفة وهو يمرر أصابعه على وجهه
" هيا حتى لا نتاخر " قالتها اروى وهى تلتقط حقيبتها الصغيرة وخرجت من الغرفة ... نظر إليها بتعبير غريب لم تفهمه وتتبعها بهدوء منافى لغضبه



دقات .... و دقات على الباب ... جعله ينتفض فى مكانه أثناء جلوسه منتظرا ابنته لتنزل حتى يستطيعان الذهاب إلى منزل مراد ... فهو لم يستطع الذهاب اليوم معهم حتى لا يترك ابنته وحيدة ... بالإضافة الى بعض الاعمال التى كان يجب ان ينتهى منها .... استند على عصاه وتحرك بخطوات بطيئة نحو الباب ... فلا يوجد أحد من الخادم اليوم فجميعهم فى اجازة ... فتح الباب وتسمر مكانه وهو لا يصدق عيناه مما يراه ....
" روز !" نطقها سليم بنبرة منخفضة وحشرجة وتعبير وجهه مصدومة ...
وكان أول ما ردت به روز عليه
" أين هى ابنتى؟! ... أين هو ياسين؟! "

نزلت درجات السلم الداخلية لمنزل والدها وهى تحمل ابنتها بين ذراعيها بعد ان قامت بتبديل ملابسها والبستها فستانها الجديد ... عقدت بثينة بين حاجبيها وهى تستمع لصوتا عالى ياتى من باب المنزل ...
وقفت مندهشة وهى ترى والدها يقف مع امرأة ... وهى تصرخ به ...اقتربت منهما أكثر وأول ما التقطته اذنيها هو هتاف المرأة بغضب
" أين هى ابنتى يا سليم ؟!؟؟؟.... أقسم إننى ساقتلع قلوبكم ان لم تخبرنى أين هى ؟" قالتها بصراخ هستيرى.... و والدها فقط يقف صامت أمامها لا ينطق بشئ
التفت والدها إليها وقال بصوت هادى تماما
" بثينة ... انتظرينى فى السيارة "
ما ان نطق والدها بكلماته حتى وجدت أنظار تلك المرأة الغريبة موجهة إليها ... ثبتت بثينة فى مكانها لكنها تحركت ما ان رأت نظرات والدها المحدقة بها ...
خرجت من المنزل وصعدت إلى السيارة وهى تتساءل فى نفسها من هذه المرأة ... اتسعت عيناها بقوة حتى ان عيناها التمعتا بالدموع وهى تفكر هل يمكن ان تكون تلك المرأة هى والدتها ... نعم ... نعم ممكن فهى قالت أين ابنتى ...
بعد ما يقارب النصف ساعة و انتظارها فى السيارة ... وجدت والدها يقترب منها وتلك المرأة خلفه ... فتح لها باب السيارة وصعدت بجوارها بينما والدها ركب بجوار السائق وانطلقوا حيث منزل مراد السيوفى ....ظلت بثينة جالسة فى مكانها بتصلب وابنتها تجلس على قدميها ... و المرأة التى بجوارها تبدو من ملامحها الغضب الشديد .... أبعدت فكرة انها من الممكن أن تكون والدتها ما ان رأتها لا تلتفت إليها ... رغم أن هذا ألمها ... لكنها ظلت تفكر عمن تكون ابنتها التى أتت تسأل عليها والدها ... وما علاقة والدها بذلك ...


تم تجهيز حديقة منزل مراد السيوفى على أبهى صورة ... فكما تمنت وأرادت والدة العريس ان يكون زفاف ابنها اسطوريا وفعلا تحقق لها هذا ... فقد أصرت على إلا تكتفى بالحفلة التى ستقام فى منزل عزيز المنشاوي وصممت على أن تحتفل بزفاف ابنها كما تمنت دائما ورغم صغر المدة التى استطاعوا التجهيز بها إلا أنها كانت تعمل وتتحرك بغير هدى حتى استطاعت تجهيز الجناح الخاص بابنها ... وكذلك بطاقات الدعوة ودعوت شخصيات مهمة اصحاب مكانة مرموقة فى البلد ... فقامت بترتيب الطاولات التى تم ترتيبها وتجهيزها بطريقة أنيقة وعصرية ... وبالفعل قبل أن تصل العروس بدأ المدعون بالوفود ....
دلف سيف هو واروى التى تتباطا ذراعه والسعادة تملاها رغم ما حدث بينهما قبل خروجها لكنها فضلت تناسى ما حدث حتى تستطيع الاحتفال بزفاف صديقتها ...
وصلت السيارات من البلدة ... التى كانت إحداها تجلس بها العروس .... التى تشبثت بيد صديقتها غير قادرة على منع ارتجافها ... رغم أن ريم حاولت تهدءتها إلا أن نور لم تكف عن الارتجاف. .. ربما من الخوف .. وربما من القلق ...
بعد ان أعلنوا خروج العروس وهم فى منزل عزيز المنشاوى حتى وجدت نور ترجوها بشدة ان تصعد معها فى السيارة وإن تجلس بجوارها وألا تتركها ... وبرغم نظرات مالك المسلطة عليها بحدة إلا أنها أبعدت هذا عنها وصعدت بجوار صديقتها بعد ان طلب منها حازم ذلك بنفسه ... ما ان رأى الخوف جلى على وجه نور. .. رغم ان ريم رفضت فى البداية فهو ليس من الذوق إلا انه أصر عليها بطريقة لبقة ... فخضعت لهما و صعدت معهما السيارة ... بينما هو جلس فى المقعد الامامى بجوار السائق....
وقبل أن يقتربوا من المنزل توقفت السيارة وتم تبديل المقاعد بين حازم وريم ... وجلس هو بجوار نور .... وما ان وقفوا أمام بوابة المنزل التى فتحت للمدعوين حتى ترجلوا من السيارة ...
ما ان امسك حازم بيد نور حتى شعر بارتجافها الشديد وربما شعر أيضا بدقات قلبها المتزايدة ...أخذ نفسا عميقا ثم زفره بهدوء وأمسك يديها وهو يربت عليهما برفق ... اتسعتا عينا نور بعدما أمسك بيدها ووضعها بين ذراعه ... وربت عليها برفق ... نظرت إليه مشدوهة ما ان شعرت بملمس أصابعه ....
سارت ريم خلف نور مباشرة وعيناها تبحث عنه ... لمحته يسير بعيد عنها مع والدته التى حضرت أيضا ... حدق به بقوة فالتقت نظراتهما لكنه سرعان ما اشاح بوجهه بعيدا عنها فشعرت بنغزة قوية فى قلبها من تصرفه معها ...
جلس العروسان فى المكان المخصص لهما بهدوء تام بعد ان رحب بهما المدعون بتصفيق حار...
ترجلت بثينة من السيارة وتبعها والدها لكنه نظر إلى المرأة التى كانت تجلس بجوارها بهدوء ...
" ابقى هنا ... ساتى إليك " قال كلماته وأمسك بيد بثينة و توجه نحو الحفل ... ما ان دخلا حتى اجلسها على الطاولة التى كانت تضم عمها محمود وزوجته كوثر ومالك ...
"محمود اريدك" قالها سليم بهدوء لأخيه محمود ... وتتبعه الأخير بقنوط .... راقبت بثينة تحركات والدها حتى وصل إلى حيث يقف والد بثينة الذى هو الآخر تتبعه بهدوء ومن بعده كان السيد مراد ... وما ان تجمعوا الأربعة حتى تحركوا مبتعدين عن الحفل ...



" تبا لك .. كيف تحضرها إلى هنا يا سليم "هتف بها مراد بحدة
" ما الذى كنت تريدنى ان أفعله لقد أتت إلى منزلى وهى تصرخ ولم تهدأ إلا عندما أخبرتها إننى ساوصلها إلى ياسين وابنتها " رد عليه بحدة مماثلة
" تبا ما الذى أحضرها إلى هنا .. و كيف عرفت أن ابنتها لم تمت " صرخ بها محمود
" ما الذى سنفعله. .هل ستخبرها أن ياسين مات " سالهم عادل
" سليم ... اذهب بها إلى الجانب الخلفى للمنزل ... وأنا سأحاول إبعاد نورا عن المكان حتى لا تشك بالأمر " قالها مراد وتحرك مبتعدا عنهم ....
جلست روز على أحد المقاعد الموجودة فى الجانب الخلفى من المنزل وهى تضع قدم فوق الاخرى وتنظر لكلا من محمود وعادل وسليم بقرف واشمءزاز ....
" ما الذى أتى بك " سألها محمود بغضب وحدة
همت من مكانها وكأن كلمات محمود هى القشة التى قسمت ظهرها وتحركت كالمجنونة وهى تهتف بغل ونار مشتعلة بين عيناها
" ألم تكونوا تريدونى ان اعرف بجريمتكم التى فعلتوها...
وتابعت كلامها وهى تمسك بياقة قميصه بقبضة مشددة وهى تهز جسده وهى تقول بصوتا عالى كأنها لبؤة تزمجر عاليا بأعين تشتعل غضبا وكرها لهم
" لماذااااا؟!!!!!....ما الذى فعلته لكم لتفعلوا معى هذا ....انا ...انا من جعلتكم هكذا ...انا من ساعدة كل واحدا منكم وجعلته يستطيع الوقوف على قدميه ....انا من اعتبرتكم اخوتى....لكن مقابل كل هذا قمتم بطعنى وراء ظهرى....لماذاااا.؟!!..لماذا أخذتم ابنتى منى وحرمتونى من رؤيتها....ساقتلع قلوبكم أنتم الخمسة....أقسم أنى ساجعلكم تندمون على ما فعلتوه معى ....أخذت أنفاسها تعلو أكثر وتركت قميصه ووضعت يدها على فمها وأطلقت العنان لدموعها وهى تقول بحسرة وألم ....لماذا اخذتوها منى ....لماذا!! .....ثم نظرت الى سليم بأعين حزينة منكسرة. ..هل هذا جزاء مساعدتي لكم ...هل هذا مقابل صداقتنا ....قمتم بحرمانى من طفلتي ...
ثم تابعت بنبرة تهكم .... أين هو زعيم العصابة ... الرجل الذى أحببته وتركنى... طعننى وراء ظهرى وأخذ منى روحى ورحل ...
ثم صرحت بأعلى ما لديها من قوة وصوت ... أين هو ياسين ... أقسم ان اقتلع قلبه لما فعله معى ...
" مات " نطق بها مراد ببرود
.... نظرت روز حيث مصدر الصوت وعيناها تتسع من الصدمة ... جاهدت نفسها حتى لا تقع ولكنها لم تستطع الثبات وتمثيل القوة أكثر من هذا وتهاوت إلى الأرض فى غيمة من السواد .... بينماالأربعة رجال كلا منهم ينظر إلى الآخر بهدوء تام ....
رواية عندما يعشق الرجل لشيماء محمد الفصل التاسع والعشرون

الجزء الأول

يا خلي القلب .. يا حبيبي
لو فى قلبك قد قلبي حب .. يا حبيبي
لو بتكوي النار نهارك .. لو بتسهر زي ليلي
لو صحيح بتحب .. كنا نحضن حبنا ونبعد بعيد
عن عيون الدنيا عن كل العيون
لو في قلبك قد قلبى حب
كنا نمشي الف ليله وليله ليل ونهار
لما نوصل نجمه ما لهاش اي جار
والا نسكن لؤلؤه فى ابعد بحار يا حبيبي

شعرت ريم وكأن برقا ضربها وهى فى مكانها تراقب زوجها ملتفا حوله مجموعة من النساء الجذابات والانيقات وكل واحدة منهن تحاول جذب انتباهه نحوها ... لثانية تلاقت اعينهما وهو ينظر اليها بغموض لكنها حاولت رسم عدم المبالاة على وجهها واشاحته بعيدا ... اضطربت وهى تشعر بارتجافة يدها و دقات قلبها السريعة ... ضيق .. انزعاج ... قلق ... وربما غيرة كل هذه مشاعر اجتاحتها ما ان رأت زوجها محاط بالفتيات من كل جانب ... أرادت الصراخ بأنه زوجها ... وهو لها وحدها لكن كبرياءها منعها ... افاقت من مشاعرها المضطربة تلك على صوت أروى الجالسة بجوارها قائلة بعتاب أقرب منه نصيحة
" اذهبى إلى زوجك قبل أن تخطفه فتاة ما منك وحينها ستبكين على حظك المنحوس "
رفعت إحدى حاجبيها وهى تقول من بين أسنانها بعدم مبالاة ...
" من هذه التى ستنظر إليه!! ... فلتخطفه ...تابعت وهى تحرك كتفيها بكبرياء وبصوت منخفض ..انا لا أريده "
فغرت أروى فاها وقالت بتأنيب
"حمقاء زوجك وسيم .. وما أن تتركيه هكذا ستركض خلفه آلاف الفتيات ... مالك لا يعوض أيتها المخبولة "
حدقت بها ريم بقوة وهى تزم شفتيها و تقول بانزعاج
" زوجى وسيم ... وهل انا قبيحة أمامك ؟!!... ثم نظرت نحوه بطرف عيناها قائلة بعدم اهتمام ...انا لن أركض وراء أحد "
قالت كلماتها باقتضاب ثم حاولت اشاحت وجهها بعيدا عن اروى ومن دون ان تقصد عيناها استقرتا على بطن اروى المنتفخة.... شعرت بنغزة قوية فى قلبها و بلعت ريقها بحزن ... تتمنى حقا لو كانت مثل صديقتها ... التمعت عيناها بالدموع وهى ترى ابتسامة اروى العذبة ما ان اقتربت منها والدتها وهى تطبع قبلة حانية على جبهتها وتضع يدها على بطنها و اقتربت من أذن اروى تهمس لها ببعض النصائح وتبتسم لها ...
اعتصرت ريم عيناها وهى تحاول عدم البكاء وهى تنهر نفسها بقوة ... فهى لن تكره السعادة لصديقتها ... ولكنها حقا تمنت لو كانت مثلها ... متزوجة برجل تحبه بل تكاد تكون عاشقة له ... وهى الآن حامل بطفل منه هل يوجد ما هو أجمل وأروع من هذا ..حدثت ريم نفسها بهذا ... وهى تدعو فى نفسها .. بأن يرزق الله صديقتها الذرية الصالحة .. وأن تكون بخير هى وطفلها دائما. ..فهى لن تكره الخير يوما للصديقة التى اعتبرتها اختا لها ...
" يارب ارزقنى بطفل " قالتها فى نفسها برجاء ودعاء خرج من قلبها ... تتمنى حقا ان يرزقها الله بطفل ... تحبه وتحميه تعطيه وتمنحه ما فقدته هى ... لكن ...هى بغباءها أبعدت مالك عنها بدلا من ان تقربه ... لكنه يستحق ... هتفت بها فى نفسها بانزعاج .. لقد تركها ولم يحاول حتى الاقتراب منها كما كان دائما يفعل ... لقد كانت تشعر سابقا وكأنه ظلا لها ... ام الآن فهو لم يعد كما كان ... هل هو مل منها ولم يعد يريد الاقتراب ... أفكار وأفكار دارت فى عقل ريم من دون ان تتركها بسلام ... فالطالما كانت عدم الثقة و الوحدة مرافقان لها ....
لم يستطع أن يبعد عيناه عنها وهى تجلس بعيدة عنه يراقبها بطرف عيناه ... يريد أن يقترب .. لكن كلما يتذكر ما تفعله معه ... جفافها... عنفوانها الحاجز الذى يمنعها عنه .. يتراجع ... يشعر بخوفها ما ان يقترب منها لكن مما هى خائفة؟!!... لماذا كلما يقترب منها ميلا تبعده هى عنه آلاف من الأميال؟ !!... منذ ان قابلها أول مرة وهو على يقين ان الاقتراب منها ليس سهلا وأنه كلما سيقترب منها كلما ستبعده هى عنها لكنه لم يعتقد انه سيأخذ كل هذا الوقت...حتى يستطيع الاقتراب و تملك قلبها وروحها ... منذ ان رآها وهناك رغبة واحدة تجتاحه و سلبته النوم ..ان تكون له.. زوجة ...و بين يديه ... عنفوانها هذا اراده له فقط رغم انه الحاجز الأكبر بينهما إلا انه يعشق تمردها... يعشق دلالها عليه الغير مقصود ... يعشق كل شى تفعله و تصدره ... طريقتها التى يعتقدها البعض غرور وتكبر وسماجة... إلا أنها لم يكن تعاملها الجاف مع من حولها إلا قشرة صلبة فقط حتى تستطيع حماية نفسها مما هى خائفة من خوضه ... زوجته طفلة صغيرة تفتقر إلى الأمان ... لكن لا يعلم ماذا يفعل حتى يشعرها حقا بحبه؟؟! ... آفاق مالك من شروده على صوت إحدى الفتيات الملتفات حوله أخذ نفسا عميقا ... ثم لم يعد يتحمل أكثر البقاء معهن وتحرك مبتعدا عنهن .. ما ان راء سماءه تتجاوزه غير ابه به تتحرك بقدها الممشوق وهى رافعة رأسها بتعالى وعنفوان وكأنها اوزة تتهادى فى مشيتها بكسل ... رغم أنها ترتدى فستان فضفاض وطويل إلا أنها ما زالت جميلة ومغرية فى نظره ... فملابسها المحتشمة تلك لم تستطع إخفاء أنوثتها ... تحرك هو الآخر مبتعدا عن هؤلاء الفتيات وتوجه نحو مجموعة الشباب ...المكونة من كاسر وخالد وسيف وأصدقاء سيف الاثنان ماجد وأسامة ...
وقف وأخذ يتبادل معهم الحديث ...


وقف بين أصدقاءه بشموخ وهو يضع يديه فى جيبى بنطاله يستمع إلى احاديثهم التى لا تنتهى عن الأعمال ... أذنه كانت معهم ... لكن عيناه كانت عليها هى فقط ... يراقب كل حركة منها صغيرة او كبيرة ... وضع جسده موضع الاستعداد للركض إذا لاحظ فقط ابتعادها عن كرسيها...لم يكن يريد أن ياتى ولا حتى ان يحضرها ... لكنه لم يستطع الرفض وهو يرى اهتمامها وحرصها الشديد على حضور زفاف صديقتها ... منذ سقوطها ورؤيته لها غارقة بدماءها ذلك اليوم وهو لا يريد منها ان تفعل اى شى وخصوصا بعدما أخبره الطبيب ان اى حركة غير صحيحة ربما سيفقدا بها الطفل ... فاهتم فقط بأمر راحتها حتى طعامها كان حريصا ومهتما به ... خلال الأيام السابقة كان يشعر بنظراتها المؤنبة التى تخبره انه فقط لا يهتم بها إلا من أجل الطفل وليس لشئ آخر ... نعم هو يهتم للجنين الذى تحمله بين احشاءها ... يهتم به فقط من أجلها ... من أجلها فقط ... دموعها وهى بين يديه ترجوه حرقت قلبه ... كل ما فكر به فى هذا الوقت هى ... رغم انه كان سيحزن لفقدانه أول طفل له ... لكن أن يرى انهيارها ودموعها تسقط من مقلتيها كان سيصبح الامر أكثر إيلاما له ... ظهرت شبه ابتسامة على وجهه وهو يتذكر لياليه السابقة التى كانت توقيظه طلبا لأحد الأطعمة التى تشعر وكأن رائحتها فى أنفها ...
أخبرهم الطبيب منذ يومان ان حالتها شبه مستقرة وأنها ما ان تتجاوز الشهر الرابع حتى نستطيع أن نقول أن كل شى أصبح بخير ... ابتعد بنظره عنها وهو يوجه كل حواسه للاستماع لاحديث كاسر ... ولكنه لم يتحمل أبعاد نظره عنها أكثر .. وتوجه بنظره نحوها ...
غامت ملامحه بالسواد وهو يراها تبتعد عن كرسيها وتتحرك بخلاء مع رجلا ما ...وتحرك نحوها بخطوات سريعة ...
شهقت اروى بقوة وهى تشعر بيديه تقبض على رسغها ... وقربها منه بتملك واضح ... وأكد على ملكيته لها وهو يضع يديه حول خصرها ...وكأنه يخبر ذلك الغريب بتحذير... إياك ان تقترب انها ملكى ...
طبع قبلة حانية على جبهتها فاحمر وجهها خجلا و زميلها ينظر إليهما باستغراب ودهشة وقليل من الخجل وهو يلاحظ تلك الحميمية بينهما ... وكأن سيف فهم نظراته ...
وقال بنبرة رقيقة جعلت أروى يتسع فمها وتنظر إليه ببلاهة ...
" عرفينى .... عرفينى ...ألن تعرفينى به " كررها وهو يلاحظ نظراتها المستغربة ويحرك جسدها برفق حتى تنتبه له .... فتنحنحت بهدوء وقالت بنبرة هادئة
" تامر ... صديق وزميل قديم ايام الدراسة ... ثم تابعت وهى تنظر إلى زميلها لكن سيف منعها وهو يقربها أكثر إليه حتى يحتكر كل النظرات له هو فقط وقاطعها بنبرة لا تخلو من الحدة وقال
.... سيف السيوفى زوجها ووالد طفلها "
تشدقت بابتسامة جانبية وهى تنظر له باستغراب
" أهلا ... أهلا سيد سيف وهل يخفى القمر سيادتك شهرتك وسمعتك سابقة لك " ومد بيديه لكن سيف
ضحك بقوة وقال بتكبر وغرور ونظرة ازدراء موجهة نحو ذلك التامر..وربما غيرة
" أهلا "
تراجع الآخر بيده وابتسم بخفوت وانسحب بعيدا عنهم ووجهه يكسوه الحرج .... وما كاد أن يبتعد حتى قرب سيف فمه نحو أذن اروى قائلا بغضب مكتوم
" هل تحاولين استفزازى زوجتى العزيزة ؟!!"
فنظرت إليه بتساؤل.... فتابع وعيناه ترسل شرارات من الغضب نحوها
" كيف تتحركين من مكانك هكذا ؟!!... وفوق كل هذا تقفين مع رجل ... لقد تماديتى "
" ماذا؟!! " هتفت بها بحدة وتابعت " تماديت بماذا؟؟!"
ونظرت له بشر وابعدت يديه عن خصرها بحركة سريعة عبرت بها عن غضبها ...وتحركت مبتعدة ... شعرت بنظراته التى اخترقت ظهرها ... وحركته نحوها ... فسارت بخطى سريعة بين المدعوين حتى وصلت حيث تقبع والدتها ... وجلست بجوارها لعلها تحتمى بها من غضبه المحتم....
أخذ سيف نفسا عميقا ثم زفره بقوة...وهو يمرر يديه على شعره بهدوء ... وعاد ناحية أصدقاءه ... وهو ينهر نفسه عن تسرعه فى الغضب هكذا منها ...
" ما رأيك .. ان نذهب للعب الاسكواش بعد الزفاف " سأل كاسر سيف الذى كان شاردا ورد عليه بخفوت
" نعم ... حسنا " وعيناه تتجه حيث تقبع أروى



راقب الأربعة رجال سقوط روز ... ولثواتى ظلوا ينظرون إلى جسدها المسجى على الأرض بهدوء ... حتى تحرك عادل اخيرا نحوها وأثنى ركبتيه وهو يصفعها على وجنتيها بهدوء يحاول افاقتها ...
" هل ماتت ؟!!"
ساله محمود بوجه متجهم
فرد عليه عادل بهدوء وهو يحرك رأسه
" لا .. اغمى عليها فقط .. يبدو انها لم تحتمل الصدمة "
" يا ليتها تموت ونرتاح منها ومن أخيها " هتف بها مراد بحدة
تنهد سليم براحة ثم قال بنبرة حادة
" مراد ..نحن لا نريد مشاكل .. ثم وجه الكلام نحو عادل قائلا... أحملها وادخلها إلى المنزل بسرعة ..حتى تفيق "
" ماذا ؟!!" هتف بها مراد مستنكرا
" لا .. لا لن تدخل منزلى "
" إذا ماذا سنفعل هل نحملها ونخرج بها هكذا حتى يراها الناس!!؟ ... وحينها ما حاولنا اخفاءه لسنين سيكشف اليوم ... سندخلها للمنزل حتى تفيق وبعد ذلك سنخرجها مثلما ادخلنها " هتف بها سليم
فاوما الثلاثة رؤوسهم موافقين... وبالفعل حملها عادل وادخلها إلى المنزل ...
وضعها عادل على السرير فى الغرفة التى دخولها كأنهم لصوص حتى لا يشعر أحد بشئ ...
بعد محاولات عادل فى ايقاظها ...رفرفت روز برموشها اخيرا ...فظهرت الراحة جلية على وجه كلا منهم ... راقبوها باعين حذرة وثاقبة وهى تتململ فى مكانها وتضع يديها على رأسها تتاوه بخفوت من الألم والصداع الذى داهمها الآن فقط وهى تشعر براسها ثقيلة غير قادرة على تحريكها ....لدقيقة كانت هكذا ...حتى امتلأت الدموع فى عيناها وهى تتذكر آخر ما سمعته ... كذبت عقلها واذنيها... فتحت عيناها ورأت الأربعة رجال حولها ...
" ياسين " قالتها بنبرة ضعيفة متالمة
ثم تابعت بنبرة تقطر حزنا والما على ما مضى وهى تتذكر ما سمعته منهم وبصوت متحشرج
" أنتم كاذبون هو لم يمت ... ثم تابعت باعين غاضبة وهى تمسك بياقة قميص عادل ... هو لم يمت ...هذا بالتأكيد لعبة من العيبكم حتى ترحموه منى ومما سافعله به وبكم ... جميعكم كاذبون ... ابتعدت من السرير بسرعة وهى تقول بصوت هستيرى غاضب رغم شعورها بالدوار إلا أنها تحاملت ووقفت بثبات كأنها نار متتاججة ... مهما فعلتم او اخبرتمونى سآخذ ابنتى وأذهب هل فهمتم ...لن يمنعنى أحد "
و للمرة الثانية خارت قواها وسقطت جاثية على الأرض وهى تبكى وتراقب صمتهم المميت بالنسبة لها ... نظرت إلى سليم تستجديه ان يكذب ما سمعته ... لكن لم تجد فى عيناه غير الحزن والألم ... نظراته لا تعبر إلا عن ان ما سمعته صحيح ... أن ياسين مات ... مات ... قبل ان تصرخ به وتنتقم مما فعله بها ...
جثى مراد على ركبته واقترب منها قائلا بصوت حاد وحفيف وهو يمسك بذراعها بقبضة شديدة قوية المتها
" لماذا سنكذب عليكى ... روز اذهبى ... ارحلى وانسى ان لديك فتاة ... ياسين فعل كل هذا فقط من أجل نور .. ضحى بكل شئ من أجلها ... و لحمايتها ... وانتى ان اقتربتى منها ..ساقف انا لكى بالمرصد ... هل فهتمى "
عيناها غامتا بالدموع زمت فمها بقوة وهى تكتم شهقة قوية تهددها بالخروج ... وهى تشعر بنبرة التهديد فى صوته ... تترك ابنتها ... كيف
اجفل الأربعة رجال عندما استمعوا لصوت تكسر شيئا ما ... فادارو رؤوسهم نحو الباب ... واتسعت اعيناهم عندما شاهدوا نورا تقف عند الباب ... عيناها متستعا من الصدمة ... جسدها متصلب و أصابعها على فمها
وهى تقول ببحة من الصدمة وصوت متحشرج
" روز !!!!"
وجهت روز نحو الصوت الذى نادى باسمها ...وردت عليها بصوت ضعيف يماثل صدمتها
" نورا!!!! "
بلع مراد ريقه وهو يراقب تعابير وجه زوجته المصدومة من رؤية من كانت تعتقد انها ماتت ...
" انتى ...انتى ...ألم .. ألم تمو...ت ؟؟!!" همست بها نورا بصوت ضعيف ودهشة لم تستطع اخفاءها
شخرت روز وظهرت شبه ابتسامة على وجهها تعبر عن ألمها وسخريت القدر منها وهى تنظر إلى الأربعة رجال باشمءزاز
" اخبروك إننى مت ... يا لهم من وحوش ... قتلونى بالحياة وأخذوا منى ابنتى ... ثم نفضت ذراعها وهى تبعد يد مراد عنها بقوة و وقفت بشموخ ... وكأنها نمرة لا يستطيع أعتى الرجال الوقوف أمامها ... عكست ضعفها بقوة ظهرت فى لحظة واحدة فقط ...
وهتفت بصوت عالى غاضب وهى تحرك باصبعها نحوهم جميعا وعيناها تلتمع شرا
"أقسم أن انتقم منكم... ساحرق قلوبكم أنتم الأربعة مثلما احرقتوا قلبى ... ساريكم غضب الأم بحق .. ساجعلكم تندمون على اليوم الذى فكرتم فيه بخداعى فقط ... صديقكم الخامس ورئيس عصابتكم رحمه الموت منى و مما كنت سافعله به ... صمتت لثوانى وهتفت وهى تكشر عن انيابها ... لكن أنتم لن يرحمكم أحد منى ... وقبل كل هذا ساخذ ابنتى منكم "
هتفت بكلماتها وصدرها يعلو وينخفض من أوج مشاعرها وغضبها ... وجهت نظرها حيث تقف نورا ...التى ركضت بأقصى سرعة لديها وزوجها يلحق بها ...
استطاع مراد جعل خطواته سريعة أكثر وأمسك برسغها وهو يدير جسدها نحوه ... لكنها نفضت يده عنها
فقال برجاء " أرجوك اسمعيني... اعطينى فرصة لكى أشرح لك"
نظرت له بقوة وقالت بصوت عميق و هو يراقب اهتزازة مقلتيها من الغضب ...
" لا تخف سنتحدث ... لا تقلق ...عاجلا او آجلا سنتحدث ... وتابعت من بين أسنانها ... بعد زفاف ابنى ... ابنى الوحيد .. بعد زفافه الذى لن أسمح لأحد بتخريبه او أن يكسر سعادته ... هل فهمت ... لن أسمح لأحد " نطقت بكلماتها وابتعدت عنه وهى ترسم ابتسامة على وجهها .. فهى لن تسمح بأخطاء زوجها الذى تكتشفها شيئا فشيئا ان يكسر فرحة ابنها ... الذى اخيرا قد وجد حبه ...
استدار مراد بجسده نحو الغرفة .... دلف إلى الغرفة رفع حاجبيه وقال بحدة وصوت عالى وهو يمسك بيد روز
" هل تريدين أن ترى ابنتك ؟!... حسنا تعالى وساوريكى إياها " قال كلماته ثم جذبها خلفه ... حتى توقفا أمام أحد نوافذ المنزل الكبيرة المطلة على الحديقة الكبيرة حيث الزفاف
" انظرى... انظرى جيدا " هتف بها بشراسة
وجهت روز نظرها إلى ما يشير إليه مراد ... أول ما استقرتا عليه عيناها ... كانت فتاة بثوب ابيض رقيق ... فوجهت نظرها إليه مرة أخرى باستغراب
فتابع من بين أسنانه
" هل تعلمين من هى العروس؟؟! ... هل تعلمين زفاف من هذا؟؟! "
بلعت ريقها ... وهى تحاول تجميع الكلمات حتى تستطيع النطق لكن عقلها خانها وتوقف عن التفكير ... راقب صمتها ببرود
حتى همس نحو اذنيها بخشونة
"زفاف ابنى الوحيد حازم .. أظن انك شهدتى مولده .. لكن هل تعلمين من هى العروس ... اسمها ... نور ... نور ياسين المنشاوي "
اهتزتا حدقتا روز وفمها مفتوح عاجز عن النطق ... أرادت الصراخ ونعته بالكذب لكنها لم تستطع وهو يدير بجسدها أكثر حتى تستطيع النظر إلى تلك الفتاة. ..
وأخيرا همست بضعف وصوت مختنق
" كاذب "
قالتها ونظرت إلى الفتاة ... دقات قلبها تسارعت وهى تلمح وجه تلك الفتاة ذات الوجه البرئ ... عضت فمها من الداخل حتى لا تبكى وتصرخ من القهر وهى تجد أمامها نسخة مصغرة منها ...
لكنها رغم هذا همست مرة أخرى بصوت أكثر قوة
" كاذب ...كاذب ...كاذب يا مراد "
أدار جسدها نحوه ويده تقبض على ذراعيها بقوة جعلتها تتلوى من الألم ...
" من اليوم يا روز نور هى ابنتى وزوجة ابنى. .. لن أسمح لكى ان تدميرى سعادتها او حياتها بسبب حضورك هذا ... انسى أمر نور ... نور عانت أثناء موت ياسين ... ولن أسمح لأى شخص فى هذا العالم ان يؤلمها ... هل فهمتى" نطق كلمته الأخيرة بتحذير ... جعلتها ترتجف ... ترتجف من القهر ...وحتى وابنتها أمامها الآن هى لا تستطيع احتضانها او لمسها حتى ...
" أن كنتى تحبينها حقا ابتعدى عنها يا روز ... ابتعدى واثبتى لى حقا انك ام كل ما يهمها هو مصلحت ابنتها ... ابتعدى يا روز اجعليها تعيش بسلام ... بعيدا عن حياتك " هتف بها بصوت عميق متزن ...
تترك طفلتها ... وهى من كانت تتألم لأكثر من خمس وعشرين عاما لمجرد انها لم تستطع احتضانها ورؤيتها أمامها وتقبيلها و تفريغ بها امومتها التى احتفظت بها من أجلها هى فقط ... رمز حبها وعشقها لياسين.... ابنتها ..ستظل بعيدة عنها ... ستظل دائما سراب حلم لن تستطيع لمسه. .. ابنتها ... ابنتها ... نور ... نور ... التى لم تعرف اسمها إلا منذ مدة ... ابنتها التى كبرت بعيدا عن عيناها ... نور ... آه يا نور .... ام آه يا روز لقد كتب عليكى فراق من احببتيها.... كتب عليك الوحدة والتعاسة طيلة عمرك ... منبوذة حتى من قبل الأشخاص الذين اعتقدتى أنهم أخوة لكى ... خانوكى ... لكن الآن هل ستركضين إليها وتحضنيها وتخبرينها انك والدتها ... ام ستقفين هكذا تشاهدينها من بعيد ...
" روز ... لا تكونى أنانية أرجوك ... ابنتك مرت بظروف صعبة الفترة الأخيرة وأخذت وقتا طويلا حتى تستطيع التعافى من موت ياسين " قالها مراد بصوت خشن وهو يراقب دموع روز التى سقطت على وجنتيها
" أنانية!!! .. ياليتنى كنت أنانية ... ما كان سيحدث لى كل هذا ...همست بها بحزن وألم تابعت وهى تمسح دموعها بهدوء ... سأذهب ... لكنى ساعود ... سأعود لن أبقى طيلة عمرى الام المتوفى بالنسبة لابنتى "
قالتها وتحركت بخطوات متعبة مترنحة وهى تحاول غرز كعب حذاءها العالى فى الأرض حتى لا تسقط ... وتبعها سليم حتى يستطيع إخراجها مثلما أدخلها ... ما ان ابتعدت روز حتى تنفس مراد الصعداء ...

لم يتحركا من على كرسيهما منذ ان اتيا إلا فقط ... وهما يستقبلان تهنئة المدعون والمهنءين بابتسامة فاترة ... منذ ان وصلا وحازم يراقب كل ردة فعل تصدرها نور بهدوء تام ... عيناها على الأرض ترسم شبه ابتسامة على ثغرها ما ان يقترب منهما أحد تختفى باختفاء الشخص الذى كان يهناها ...تشدق بابتسامة وهو يفكر بأن زوجته ممثلة بارعة ... زوجته ... نور زوجته ... رنت تلك الكلمة فى عقله وهو يتمنى الصراخ بها حتى يستطيع الاستمتاع بتذوق تلك الكلمة ... لكن حقا هل ستكون زوجته فى تلك الليلة ام انها سيحتاج للوقت حتى يستطيع فقط الاقتراب .... او ربما سيفشل فى الوصول إليها ...
" حسنا ... لقد انتهى الأمر يكفى جلوسا هكذا ... سيأخذ عروسه وسيذهب. .. ضحك فى داخله ... وهو يهتف فى نفسه ... هل أنت مستعجل حقا لما سيحدث بعد ذلك فى هذا اليوم ... ام انك تحاول الهروب حتى تخبر المدعوين ان عروستك لم تغصب على الزواج بك ... وأنت تلاحظ نظراتهم نحوك المتساءلة والهمسات التى تصدر من بعض النسوة عن أسباب هذا الزواج السريع ... وبعضهن ذهبت خيالتهن إلى ان زوجته خلاصة حق ... والبعض قال تزوجها ... لأن والدها هو صديق والده ... لذلك فالصديق أراد أن يزوج ابنة صديقه من ابنه الوحيد ... والبعض علل زواجه منها انها مجرد صفقة حتى يستطيع الوصول إلى أموالها فهى ابنة أبيها الوحيدة وقد ترك لها الكثير ... ثرثرن بالكثير والكثير ... لكن ولا واحدة منهن قد توصلت إلى انه تزوجها لحمايتها وفوق كل هذا لانه يحبها ...أخذ حازم نفسا عميقا ثم زفره بقوة ... وتحرك مبتعدا عن كرسيه وهو يغلق أزرار بذلته الامامية ...
نظر إلى أحد العازفين القربين منه ... بإشارة فهمها الرجل فقط الذى اؤما برأسه وبدأ فى تنفيذ ما أمر به ... فعندما أتى أخبر حازم الرجل .. بأنه ما ان ينظر إليه حتى يقوم بإيقاف الموسيقى ويبدأ بتشغيل تلك التى تعبر عن انتهاء الحفل وانصراف العروسان...
قرب يده منها وأمسك بيدها التى شعر ببرودتها وتشنجها المفاجئ ما ان امسك بها
" هيا يجب ان نذهب " قالها حازم بهدوء وهو يحاول بث الطمأنينة إلى نفسها ... ألمه قلبه عندما وجدها ترفع وجهها إليه تنظر إليه بخوف ...
لكنه حثها مرة أخرى على التحرك ...حتى استجابت اخيرا ووقفت بقدم وجسد يرتجف خوفا ...
وقف المدعون ما ان وجدوا العروسان مستعدان للرحيل ... حتى استطعا الخروج والابتعاد عن انظارهما ... اصعدها للسيارة وأغلق بابها ووقف ما ان رأى والدته تقترب منه ...
" مازال الوقت مبكرا " قالتها نورا وهى تحتضن حازم بقوة ... وتقبله على وجنته... فابتسم هو بخفوت وطبع قبلة على جبهتها وقال بهدوء
"تعلمين إننى لا أحب هذه الأجواء "
قاطعته والدته وربتت على كتفه بحنان وقالت بسعادة
" أتمنى لك يا نور عين نورا حياة سعيدة دائما... خالية من الآلام....
همست بجملتها الأخيرة التى لم يستمع إليها حازم وهو يفتح باب السيارة وجلس بجوار عروسه بهدوء ....وودعته وهى تراقب ابتعاد السيارة إلى حيث الفندق الذى سيقضى به حازم ليلته مع عروسه ....
وكالعادة ما ان يرحل العروسان حتى يبدأ المدعون بالرحيل متمنين للعروسان الحياة السعيدة والذرية الصالحة ..



بحثت بثينة بعيناها عن والدها لكنها لم تجده ...فقررت الخروج والبحث عنه بالخارج فربما كان فى السيارة مع تلك المرأة ...وما كادت تخرج من منزل مراد السيوفى حتى وجدت ماهر أمامها ... يعرض عليها ايصالها فوالدها بالداخل ولن يذهب الآن وربما يتأخر ... وهو بنفسه طلب منه ان يوصلها ... أرادت الاعتراض ولكنها لم تستطع أمام إصرار ماهر ...فتحركا نحو السيارة وما كاد يفتح ماهر لها الباب حتى تسمرت فى مكانها ...
" بثينة "
بلعت ريقها وهى تستمع لذلك الصوت الذى تحفظه عن ظهر قلب ....
التفتت بجسدها وهى تحمل طفلتها بين يديها ما ان استمعت لصوته بأعين متسعة ذاهلة تحاول تكذيب اذنيها وقلبها تزداد ضرباته حتى كاد أن يصمها و يديها تضغط بشدة على جسد طفلتها التى شعرت بتململها الواضح ما ان رأت والدها أمامها ... وهو وقف وكأنه صنم ووجه يكسوه الغضب ... ذقنه الغير حليقة وهياته المتشردة والتى تظهره وكأنه طفل ابتعدت عنه والدته التى كانت تهتم به ....
... اشتاق إليهما ... اشتاق إلى أخذ حبيبته وطفلته بين يديه واشباعهما بحبه ... اشتاق ... واشتاق... وهل تصف تلك الكلمة ما به من لوعة...
"با.."
نظرت بثينة لابنتها ذاهلة متفاجاة هل تبكى فرحا ام حزنا ... هل تبكى لسعادتها فابنتها ها هى للمرة الثانية تحاول أن تنطق اسم والدها ... تعبر له عن اشتياقها وحاجتها لحضنه فى هذا الوقت ...
وقف ولا يفصل بينهما غير القليل من السنتيمترات ولكنه شعر كأنها أميال بينهما ... حدقت به وهى تحاول بلع ريقها ... رؤيتها له اليوم كانت مفاجأة بالنسبة لها... كيف أتى وعلم بحضورها ...
حمد الله فى نفسه لمجيءه فى الوقت المناسب ... لولا الصدفة التى استمع فيها بحديث أحد موظفيه يتحدث عن زواج المحامى حازم السيوفى اليوم ... لما كان سيستطيع الوصول إليها بعد ان اخذها والدها بعيدا عنه ... اقترب منهما ببط حتى وقف أمامهما مباشرة مد يده واخذ منها ميا منها ...التى تهللت اساريرها ما ان حملها والدها وظلت تردد وتنطق ببعض الاشياء التى لم يفهمها ....
تنحنحت بثينة فى مكانها ونظرت حيث يقف ماهر الذى وقف فى مكانه بجسد متصلب ويراقبهما بملامح غامضة ...
" هيا "
التفتت براسها نحو حسام ... وهى تلاحظ نظراته ولهجته التى تعبر عن غضبه المكتوم
وقفت فى مكانها ولم تتحرك رغم انه تحرك بعض الخطوات نحو سيارته ولكنها لم تتحرك ... هل ترفض وحينها سيعلم ماهر انها هى وزوجها على خلاف ومنها من الممكن أن تحدث مشاجرة بين ماهر وحسام ... وستكون هى الخاسرة ... فهى تعلم جيدا وتشعر بغيرة حسام نحو ماهر الغريبة ولا تفهم سببها رغم أنها منذ ان كانت صغيرة وهى تعتبر ماهر أخا لها ...
ام تذهب معه بهدوء ... لكنها غير مستعدة حتى الان باى مواجهة بينهما ... هى اشتاقت إليه ...ولكنها كلما تتذكر تلك الصور يتألم قلبها وتشعر بالخيانة والغدر من الشخص الذى تحملت منه كل شى ... لكن خيانته كانت بالنسبة لها كالقشة التى قسمت ظهرها ...
وبخطوات هادئة اقتربت منه ... فتح لها باب السيارة جلست وأعطاها ميا ... ثم دار للجهة الاخرى و فتح باب السيارة ... وقبل أن يصعد داخلها ... نظر إلى ماهر نظرة سوداء حادة عبر بها عن غضبه وكرهه ... صعد للسيارة وأغلق بابها بقوة وانطلق بسيارته بأقصى سرعة لديه ...
لم تطأ قدميها هذا المنزل منذ ما يقرب الاسبوعان... ارتعاشة خفيفة سارت فى جسدها ... ورهبة ألمت قلبها ما ان وصلت رائحة هذا المنزل الممتزجة برائحته هو فقط لانفها ... رغم بقائها فى منزل والدها و هناك وجدت كل سبل الرائحة لها ولميا... إلا أنها لم تجد الطمأنينة والراحة إلا فى هذا المنزل ... الذى عاشت فيه أجمل ايام حياتها رغم ما بها من ايام وجدت فيه نفسها تبتعد او بالأحرى يبتعد هو عنها شيئا فشيئا... هل حان وقت المواجهة بينها وبينه اخيرا ؟؟!... هل ستنهى كل شئ بينكما يا بثينة ... هل ستتخلى عن كل شئ؟!!... وماذا عن أحلامك التى حلمتى بها ما ان وطات قدمك لهذا المنزل أول مرة وانتى عروس بفستانك الأبيض ؟!!... ألم تحلمى بحياة سعيدة وزوج محب وطفل يملأ هذا المنزل بضحكاته!!.... ألم تحلمى بعاءلة !!... نعم تمنيتى ان يكون لك عائلة... اردتى وطنا ... ولكن هل هو وطنك ... هو هو من تستطيعين أن تحتمى به ... هل هو حقا يستحق أن يكون أبا لاطفالك؟!!... نعم ... نعم يستحق ... صرخت بها بثينة فى نفسها ... انه افضل اب لابنتك الان ..نعم ... رغم انه لم يكن يلتفت او يهتم بها عندما ولدت ... ولكنه منذ ان بدأ يقترب منها وهو أصبح ملاصقا لها ... رغم أنها لم تكن تفهم سبب ابتعاده عن الصغيرة فى البداية إلا أنه عوضها عن بعده عنها بطريقة مختلفة ... عندما كان يتصل بها كل يوم كانت معظم المكالمة يستمع بها فقط إلى صوت صغيرته... حتى الان يحملها بين يديه بحرص شديد وهو يقبل كل انشا بها عيناها جبهتها وجنتيها وشفتاها... وهى تضحك ببراءة من قبلاته التى تدغدغها ... توقف ونظر إلى طفلته بسعادة واعين دامعة... المت قلبها وهى ترى صغيرتها تنظر إلى والدها بحب وسعادة تماثل سعادته وكأنها افتقدته وافتقدت صوته ... دمعت عيناها وهى ترى هذا المشهد هل أخطأت فى الابتعاد وحرمان صغيرتها من دف واحضان والدها التى لطالما حلمت هى بها ...
" فلنتحدث"
اجفلت عندما استمعت إلى صوته الاجش ...
"نعم فلنتحدث " همست بها باختناق
للحظات ظل ينظر اليها بطريقة مبهمة وكأنه يبحث عن الكلمات ... شعرت به وهو يأخذ نفسا عميقا ثم زفره بقوة محاولا تهدئة نفسه ... او ربما يحاول استعادة رباطة جاشه ...
"لماذا هكذا فجأة ؟!! ...هل اذيتك؟؟ " سألها بنبرة اربكتها
أغمضت عيناها بقوة محاولة منها للتفكير حتى لو لثوانى حتى تستطيع الكلام ...هل تخبره بمعرفتها لخيانته لها ... هل تصرخ فى وجهه من ألمها ... تخبره أنها لم تعد تستطيع التحمل والثبات أكثر ... ام تصمت وهى ترى انتقامها منه ظاهرا على وجهه ...هياته ...وحرمانه من ميا لعدة ايام ... هل يكفيها معرفتها انه كان يبحث عنها كالمجنون فى كل مكان ... هل تكتفى بهذا كتحذير له ... ام تتكلم وحينها ستكون النهاية ... هل تعطيه فرصة أخرى وتصمت... تصمت فقط من أجل ميا التى أصبحت اخيرا تنعم باحضان والدها الدافئة ... ام تطلب الابتعاد وحينها ابنتها ستتربى مثلما هى تربت .. بعيدة عن دف و احضان والدها ...وحينها سيكون فراقهما مؤبدا ...هل تعطيه فرصة أخرى ... ظللت ترددها فى رأسها. ..
وفى لحظة انتصر القلب على العقل ... واقتربت منه وهى تلاحظ نظراته المشتاقة إليها ... عيناه تكاد تطبق على جسدها بين جفنيه... ونطقت اخيرا بنبرة ناعمة مهتزة
" كنت بحاجة فقط إلى الابتعاد "
تنهد بضعف وهو يحدق بها بسخط ... أخذت منه ميا وعلى وجهها ابتسامة غامضة ... ووضعتها على الأرض ...والتفت بذراعيها حول رقبته وهى تقول بحميمية
وتلمس أنفها بانفه وهو وقف كالصنم مكانه وهى تقربه بذراعيها نحوه أكثر
وقالت باغراء ونبرة غامضة
" فلنبدأ من جديد "
ظهرت شبه ابتسامة على وجهها وهى تشعر بتردده فى وضع يديه حول خصرها ...
" بثينة ... انا يجب ان ...."
لكنها منعته وهى تضع اصبعها على شفتيه تمنعه من المتابعة ....
وتابعت وهى تطبع قبلة على وجنته قائلة بنعومة
" سامحنى... سامح طيشى ... فلنبدأ من جديد "
نبرتها وقربها أسقط كل دفاعته... حطم كل غضبه الذى كان كالمرجل المشتعل ... ثورته التى كان سيطلقها فى وجهها ... كل هذا اخمدته...
احتضنها وعانقها بقوة المتها....
لكنها ستسامح من أجل طفلتها ... او ربما من أجل نفسها



الجزء الثاني

ضربة ثم اثنان ثم تلتها الثالثة ..والعديد من الضربات على ذلك الحائط المتين الذى لولا متانته لتصدعت جدرانه من قوة الضربة ... يضرب الكرة الصغيرة بالحاءط فى صالة الاسكواش المغلقة بكل قوة لديه ... يحاول أن يفرغ كل طاقته السلبية بها ... وقف للحظات محاولا أخذ أنفاسه ... وهو يراقب كاسر الذى لم يتعب بعد ما زال يضرب بمضربه الكرة التى كانت تعود إليه بقوة مماثلة لقوة ضربته ...
" فلناخذ استراحة " اقترح سيف ... و جلس على أحد المقاعد الموجودة خارج الصالة الزجاجية ... تبعه كاسر الذى التقط إحدى زجاجات المياه المعدنية ... وجلس على الطرف الآخر من المقعد ...
" لا يوجد أفضل من هذا المكان لتفرغ به كل طاقتك السلبية وتريح نفسك من الأفكار "
قالها سيف وهو يتنهد براحة
أطلق كاسر ضحكة مجلجلة على تعليق سيف وقال بتهكم من بين ضحكاته
" أنا أفكر بزوجتى او بالأحرى زوجتى السابقة التى تركتني ... لكن أنت بماذا تفكر؟؟! .. وما الذى يشغلك حتى يجعلك تترك زوجتك مع والدتها وتأتى معى ؟!"
هز سيف برأسه بسخرية وهو يتشدق بابتسامة كاذبة يتساءل بنبرة غريبة جعلت كاسر يعقد ما بين حاجبيه
" نعم ما الذى أتى بى؟!! ... هل تعلم !!... انت فعلا على حق ما الذى جعلنى أترك زوجتى .. وأتى معك لكى أبكى على الأطلال مثلك ... ثم نظر إليه يسأله ... هل توصلت إلى اى شئ عنها!!؟ .. هل عرفت أين هى؟؟! "
" لا " هز كاسر رأسه وتابع ساخرا محاولا إبعاد محور الحديث عن زوجته السابقة ...
" يبدو ان جدك ... ربما قد ذهب إلى أخيه عزت "
"هل تعتقد هذا؟؟! " ساله سيف بتمعن وتفكير
" لا أعلم!! " رد عليه كاسر بضيق
نظر إليه سيف بحزن فهو يعلم أن كاسر ما زال يتألم لفقدانه قمر والانفصال عنها ... يعلم جيدا أكثر من غيره ان كاسر ما زال يحب قمر ... تزوجها رغم رفض الكثير له ... لعدة أسباب وكانت ان قمر أصغر بكثير من كاسر والأخرى لانه عرف عنه عدم جديته وأنه كان دائما شخص مستهتر كثير المشاكل لن يعتمد عليه فى إنشاء منزل او عائلة يوما ... ولكنه رغم كل هذا تزوجها رغم أنف الجميع وهى كانت متمسكة به أكثر منه .. لكن سبب تركها له بقى غامضا حتى الآن ...
... غامت ملامح سيف وهو يرى عينا صديقه التائهة... كاسر كان صديقا له منذ ان كان صغيرا رغم فارق العمر الذى بينهما ... إلا انه كان دائما يقف بجواره ولم يشعر يوما بأنه شخص منبوذ من قبله بل عامله كاخ أصغر له مثلما يعامل أخاه الأصغر حمزة ....
تابع كلامه وهو يتحرك مبتعدا عن مقعده ... ألقى الزجاجة التى كان يحملها هو الآخر بإهمال وتحرك مبتعدا عنه ...
وهو يقول بصوت عميق
" انسى أمر قمر يا كاسر ... ستنتظر طويلا وهى لن تعود "
القليل من المشاعر ظهرت على وجه كاسر ... ما ان ذكر سيف قمر وتركه وحيدا بمشاعره المتخبطة هل يستطيع نسيانها ... المرأة الوحيدة التى أحبها حقا ... المرأة الوحيدة التى شعر بأنها ملكه ... معها فقط شعر وكأنه طفل صغير وهى والدته الحنونة ووطنه الذى كان دائما يركض إليه ليحتمى به من اى شئ وكل شئ قد يزعجه ...
تركته هكذا بدون سبب ... بدون ان تتكلم ... او تبرر او حتى تخبره بماذا أخطأ معها لكى تذهب ؟؟!....
أرجع رأسه على الحائط وهو مغمض العينان يتذكر آخر شئ تكلمت فيه معه ...
بعدما جلس مع جدها عزت ... ووافق أخيرا على أن يقابلها لمرة واحدة قبل أن يتم الطلاق ...
تشدق بسخرية وهو يتذكر حديثه معها الذى تم من وراء الباب ... حدثته من وراء باب الغرفة التى كانت تجلس بها ... رفضت ان تواجهه وجها لوجه .. رفضت ان تتقابل اعينهما ولو للمرة الأخيرة ...
فقط كلمة واحدة نطقتها ولم تقل غيرها
" طلقنى "
هاج وأصبح كالثور وكاد ان يكسر الباب التى تحتمى به منه وهو يضرب بقبضة يده على خشب الباب الذى تأكد من ضرباته القوية له انه تم أحكام غلقه من الداخل جيدا ... غضب وصرخ بالرفض ولكنها ترجته بطريقة ألمت قلبه وهو يستمع لشهقاتها المتلاحقة ... يعلم انه أخطأ بفعلته معها عندما أخذ حقوقه الزوجية منها بطريقة هو نفسه كره نفسه بسببها ... لكن ماذا يفعل هى من اضطرته لهذا؟؟! ... وهى كان يجب عليها ان تتحمله ... لا أن تتركه مع أول خطأ حدث بينهما ... لماذا لا تسامحه لهذا الخطأ؟؟!!! ... وهو ألم يسامحها رغم أنها قامت بقتل ابنه الذى أنتظره طويلا كسرت قلبه ... غضبه أحرق كل شى حوله هدم حصون هدوءه... وحطمها معه ...
كلماتها التى كسرت ظهره و كانت كالسكين التى غرست فى قلبه ...
وهى تقول بكل أنانية وبرود
" أنا لم أحبك يوما يا كاسر ... زواجى منك كان فقط مجرد طوق نجاة حتى يخرجنى من هذا المنزل ... حتى أستطيع أن اكون حرة بعيدة عن سيطرة وتحكمات والدى ... وعالم والدتى الضعيف ... أردت أن أكون قوية معك ولكنك اضعفتنى والمتنى... اخبرتنى بطريقتك ان أحلامي الوردية التى تمنيتها لن أصل إليها ابدا وأنها مجرد وهم وأحلام سخيفة ... هراء ...كل شئ هراء ... كل ما تمنيته هراء ... كل ما حلمت به معك هراء ... حتى وعدك لى كسرته .... عشت معك ... وكل يوم تثبت لى انك نسخة مصغرة منه ... انك مثله وأنا لن أستطيع العيش مع شخص مثل والدى ... لأننى لن أكون والدتى ... لن أكون ضعيفة ... هل فهمت انا لن أكون ضعيفة ... لذا طلقنى ... وابتعد عنى.. طلقنى "
شعر بسقوطها منهارة على ارضية الغرفة ... تمنى كسر هذا الباب وضمها إلى صدره حتى يخبرها ... انه أحمق ... أخطأ وهى يجب ان تسامحه ...
فهمس بصوت مختنق وهو يرجوها
" سامحينى "
نطقت بصوت محطم ضعيف من بين شهقاتها
"لا أستطيع ... طلقنى "
"انتى طالق "
كبرياءه اللعين منعه من التذلل لها أكثر حتى تسامحه ... حقق طلبها بقلب يبكى ألما ... وهو يستمع لشهقاتها التى حاولت كتمها...
وقالت بقوة هو حتى لا يعلم كيف وصلت إليها
" بالثلاثة "
" لا أستطيع ... لا أستطيع ... اتركى لى حبل واحد يمكنى من الوصول إليك مرة أخرى "
قال كلمته وتركها ... فى نفس اليوم وقع أوراق الطلاق بعد ان أصر ان يعطيها كل حقوقها التى هى نفسها رفضتها ... ومن يومها وهو لم يعلم عنها شى ....
دمعة واحدة خائنة نزلت من عيناه مسحها بقوة ... فهو لن يستسلم ... وسيظل يبحث عنها ... سيبحث حتى لو اضطر ان يجوب هذا العالم ... سيبحث حتى يجدها وحينها لن يتركها ابدا ولن يمنعها أحدا منه ... مهما كانت الطريقة والثمن ....
أمسك بقبضة مشددة بمضربه وتحرك يكمل ما بدأه ... فهو لا يريد العودة إلى منزله البارد الآن الذى لا يذكره إلا بها ... بعد ان ضغط على زر التشغيل بالمسجل الصغير يستمع إلى أغنيته المفضلة التى لا تعبر إلا عن شوقه لها ... سمراءه التى تركته متخبط بمشاعره لها ...
اه يا اسمرانى اللون حبيبى يا الاسمرانى ...
يا عيونى نسيانى عيون ..حبيبى الاسمرانى
آه..تحت الرمش عتاب وحنين..وعذاب وعيون ما تنام
آه.. دوقت معاك طعم الأيام .. والوقت تغيب ياسلام
جونى سألوني ... جاوبتهم عنى دموع عينى
علشانك امشيها بلاد ... حبيبى يا اسمرانى
من غير ولا مياه ولا زاد ...يا حبيبى يا اسمرانى
آه... يا اسمرانى اللون .... حبيبى الاسمرانى
آه... ياللى عيونك شمعة
وضحكة وبحر ونسمة صيف
آه... أنت رسيت وأنا وسط الشوق
حيران من غير مجاديف
جونى ... و سالونى ...جاوبتهم عنى دموع عينى
يا طير يا مسافر لبعيد
روح قول للاسمرانى
ليه سافر ونسى المواعيد
يا حبيبى يا اسمرانى
آه.. يا اسمرانى اللون .... حبيبى يا الاسمرانى



اقترب منها بخطوات مدروسة وهو يراقب جسدها المتصلب و يديها التى تشتد قبضتها ...ركضت حيث غرفتهما مع خروج آخر شخص من المدعوين ... يعلم انها فى أوج غضبها وأن ما رأته اليوم لن يمر بسهولة ... ولكنه يجب عليه ان يمر ... دنا منها حتى وقف خلفها مباشرة وهو يشعر بتنفسها المضطرب .... قرب يده وما ان لامست أصابعه ذراعيها حتى ابتعدت عنه كالمصعوقة ونظرت إليه نظرة احرقت قلبه ... نظرة خوف ...
" نورا...!!" همس بها برجاء
لكنها ابتعدت عنه أكثر وهى تنظر إليه بحذر وخوف ...
قال بصوت هادئ يحاول إبعاد تلك النظرة عن عيناها
" نورا ... ما حدث اننى فقط ..."
" ما حدث إننى أصبحت أخاف منك !... ما حدث إننى لم أعد أعرفك!! ... من تكون ؟؟!... لماذا كل فترة اعرف عنك شيئا مختلفا عن سابقه؟؟! ... هتفت بها نورا وهى تتراجع للخلف مع كل جملة تقولها وعيناها تهتزان رعبا ...
اقترب منها محاولا تهدءتها حتى يستطيع الحديث معها ولكنها صرخت بقوة وهى تبكى بحرقة
" لماذاااا ؟!!... لماذا تفعل أشياء تجعلنى اخافك!! ... لماذا تثبت لى إننى دائما على صواب فيما أشعر به واحساسى بعدم الأمان نحوك !؟؟... أصبحت اخافك!! ... قالتها وهى تضع يديها على ذراعيها وهى تنظر إليه بحيرة تحاول البحث فى وجهه عن اى شى .. اى شى يجعلها تشعر بالأمان .. لكنها لم تجد غير نظراته الصلبة التى يحاول جعلها لطيفة ولينة معها ... ولكنه مهما فعل سيظل ... مراد السيوفى ... الرجل الذى رغم عشقها له إلا أنها تخافه ... سلطته وهالته... عدم وجود أحد يستطيع الوقوف أمامه يجعلها ضعيفة خائفة.... اتخذت قرارها منذ بداية فترة زواجهما أمر الانفصال عنه ولكنها لم تستطع ... كبلها ... وارغمها على البقاء معه ... تحملت .. تحملت فقط من أجل حازم ... وشعرت ببعض الراحة ما ان أقسم لها أنه سيبدأ من جديد معها ... لكن المحامى النذل ما زال يسكنه ... سيظل كما هو لن يتغير ... الكذب والخداع والمؤامرات ما زالت فى دماءه... لن تختفى إلا باختفاءه ...
بلع ريقه .. وأخذ نفسا عميقا وقال بثبات ولم يطرف له جفن ...
" ما الذى فعلته؟! ... أمر روز وياسين لا شأن لكى بهما ... وكل ما حدث من أمر وفاة روز وأخذ نور من والدتها كلها كان بتعلمات من ياسين ... نحن لم نقل له ... حتى لو ... هتف بها بصوتا عالى ... حتى لو نحن الذين اقترحنا عليه هذا ... لماذا انتى منزعجة ... لا شأن لكى بما يحدث ... هل فهمتى "
عيناها اهتزتا مقلتيها وهى تنظر إليه مشدوهة ...
وقالت بصوت متحشرج عالى ومتقطع بسبب رجفة جسدها التى لم تستطع التحكم بها
" نعم ... لا شأن لى .. أخذ طفلة وحرمانها من والدتها ليست جريمة لكى أتحدث ... انها مجرد خطة من خطط زوجى أمير الدهاء ... قالتها بسخرية جعلته ينظر اليها بوحشية ... تابعت ... تابعت بقوة أكثر وكأنها كانت تنتظر كل هذا ان يحدث ...
" مراد يجب ان ننفصل "
" بمعنى " سألها وعيناه تلتمع غضبا
ردت بثبات وقوة
" بمعنى طلقنى ... انا لم أتحمل كل ما مضى إلا من أجل حازم فقط .. وأبنى كبر وتزوج إذا لا داعى من استمرارنا هكذا ...
فى ثانية كان يقبض على ذراعيها بقوة وهو يصتك على اسنانه ...وينظر إليها لتصمت ولكنها لم تفعل ولن تفعل ...
" بينى وبينك شرخ كبير ... منذ اليوم الذى استمعت فيه إلى والدتك وتزوجت ... تزوجت من دون علمى ... و أتيت إلى المكان الذى اعتقدت انه جنتى ومملكتى انا فقط ... مع زوجتك ... بعد ان كنت ترى معاملة والدتك لى وتصمت ... بعد ان كنت أرى احتقار الجميع ... لأننى غير مناسبة للمحامى الكبير مراد السيوفى ... بعد ان كنت أرى صديقتى الوحيدة تسقط أوراقها وتذبل بسبب ترك سليم لها لمجرد انها أرادت أن تكون ام ...بدلا من ان يكون بجوارها ويساندها تركها .. تركها وهى ماتت حتى لم يلتفت إلى طفله ... وعندما أرى تعاونكم أنتم الأربعة عندما تضعون فقط أحد ما براسكم... تسحقوه بأقدامكم وكأنه ليس بشرا ... وعندما أدخلت الرجل الذى فكر فى الزواج بى فقط الى السجن لتتزوجنى .... والآن عندما وجدت وعرفت كم أنا اكرهكم أنتم الأربعة "
تركها وهو ينظر اليها بذهول
" كل هذا فى قلبك يا نورا "
" نعم " صرخت ثم تابعت وعيناها حمراء من البكاء ومن أوج غضبها
"تعلم إننى لم أكن أحبك ... من أجل ابنى فقط تحملت ورضيت من أجل حازم فقط قبلت بكل شئ "
" كاذبة ... كاذبة يا نورا انتى لم تحبى رجلا مثلما احببتى مراد ... انه والد ابنك الوحيد هل يوجد أفضل من هذا ... لكنه كاذب ... دهاءه وذكاءه أصبح يخيفنى... ما زال ماضيه وما فعله سابقا يطاردها يمنعها السلام ... فيتسرب الخوف والرعب إليها ... تخافه .. تهابه... رغم أنها تحبه .. إلا أنها تخافه ..." حدثت نورا نفسها بذلك وهى تغلق عيناها بقوة ودموعها تسقط على وجنتيها تحرقهما....
" لن اطلقك" همس باختناق
ثم تابع بتبرير يحاول أن يفهمها كل ما فعله ....
" لماذا تظلين تتحدثين عن الماضى زواجى السابق تعلمين سببه .. أما بما حدث بين فيروز وسليم انا لا شأن لى به ... وما فعله ياسين وأخذه لابنته فأنا لست مضطرا لكى أخبرك عن السبب ...قالها بثبات ... ثم تابع ببرود ... أما طلاق فلن أطلق يا نورا ... لا شئ سيفصلنى عنك غير الموت "
هتف بها وخرج ... وهى تركت العنان أكثر لدموعها ...



وقفت بجسد واهن فى وسط الجناح ما ان دلفا إليه وراسها منخفض تستمع برعب إلى صوت تنفسه من شدة الصمت والسكون بينهما ... نظر حازم إليها للحظات ... ثم همس بخفوت
" يمكنك ان تجلسى علينا أن نتحدث "
ثبتت فى مكانها للحظات لكنها سرعان ما جلست على الأريكة التى كانت خلفها مباشرة ... وكان سماحه لها بالجلوس أتى مناسبا فهى لا تكاد تشعر بقدميها وتقسم بانها ربما تسقط على الأرض فى اى وقت ... جلست وهى تفرك يديها بتوتر واضح وضيق جلى على وجهها العابس و الخائف فى آن واحد تحارب رغبة قوية لديها فى إغماض عيناها والهروب من ما هى به الآن
... تنهد بخفوت وحاول أن يزدرد ريقه وهو يراقب حسنها أمامه ... الفستان الأبيض الذى علم من والدته انها صمتت على اختياره هكذا رغم رفض الجميع و دهشتهم لاختيار ثوب كهذا عكس الذى تتمناه اى عروس ... هو ليس سيءا ولكنه ليس بالروعة ... ابيض كحال اى فساتين الزفاف ... ولكنه خالى من اى شى قد يجعله لامعا... يشبه ربما فساتين الزفاف التى كان يشاهدها فى الأفلام القديمة ... فستان بحملات عريضة على الكتفان ... قصير إلى ما بعد الركبة... ضيق و ملتف حول جسدها وكأنه جلد ثان لها ... لولا قماش الثوب الثقيل نوعا ما لكان أظهر الكثير ... بالإضافة إلى قطعة القماش الطويلة المخرمة التى تلتف حول خصرها مفتوحة من الإمام ... ومن الخلف تشبه الذيل بسبب طولها وافتراشها الأرض ...
هل صح بوصفه لهذا الثوب ام انه مخطئ ... تساءل حازم فى نفسه ...
ضيق عيناه وهو لا يعلم من أين وكيف يبدأ الحديث معها ... هل يؤدى دوره فى هذا اليوم وينهى الأمر؟؟!... ام ينتظر!! ... لا يعلم ماذا يفعل؟؟! ... لو كان تحدث معها قبل الزفاف لكان أفضل ... تبا ... تبا ... هتف بها فى نفسه ... وهو يشعر بالحيرة والتساؤل .... لأول مرة يشعر بأنه فى مأزق لا يعرف كيف يخرج منه ... او كيف يتصرف ... تنهد بضعف وهو يمرر يديه على وجهه يحاول تجميع كلمات مناسبة ...
شعر بتصلبها المبالغ به أثناء جلوسها ... جلست وكأنها تمثال للشمع لم تتحرك مطلقا ... فقط ضمت قدميها الممشوقة... ووضعت يديها اللتان تقبضانهما ببعضهما بتوتر فى حجرها ...
جلس بجوارها على بعد مسافة بينهما وقال بنبرة حاول عدم إخراجها مضطربة
" ما رأيك ان تذهبى وتبدلى هذا الفستان أولا " اقترح
همت من وقفتها بسرعة وبخطوات حاولت جعلها ثابتة تحركت ... اقتربت من الغرفة التى عرفت بحدسها انها غرفة النوم ... وما كادت تضع يديها على المقبض حتى لم تعد تشعر بنفسها أكثر وقدميها تحولتا لهلام ... ابتسمت بخفوت وهى ترحب بتلك الغمامة التى اجتاحت رأسها ... وسقطت مغشيا عليها ....
ركض نحوها وجثى بركتيه إليها برعب وهو ينظر إلى ملامحها الشاحبة ...
" تبا .." صرخ بها حازم وهو يحملها ويسب ببعض الألفاظ التى خرجت دون قصدا منه ...

دلف إلى غرفة النوم بخطى متعبة خالعا سترة بذلته .. أنار الأضواء ... بحث بعيناه عنها فى أنحاء الغرفة لكنه وجدها خالية منها ... ضيق ما بين حاجبيه ... دلف إلى الحمام مباشرة لكنه وجده خاليا أيضا ... اجفل عندما سمع صوت هاتفه يرن ... أخرجه من جيبه ... فتحه وهو يقراء محتوى الرسالة التى وصلت إليها بوجه محتقن
" آسفة ... والدتى مرضة فجأة وأنا معها الآن "
" حسنا ساتى لاخذك حالا " أرسلها ... ولم ينتظر ردها وخرج من الغرفة بخطى سريعة متعجلة....
وقف بسيارته أمام منزل عمته ... وما ان ترجل منها حتى أرسل لها رسالة مختصرة ...
" اخرجى انا أمام المنزل "
وقف وهو يستند باحدى يديه على مقدمة السيارة ...لمحها وهى تخرج من المنزل ببيجامة النوم وواضعة على كتفيها شال من الصوف كبير ... حدق بها لثوانى ... وهو يلاحظ شحوب وجهها وعيناها المتعبة ...
" كيف حال عمتى؟!... هل أصبحت أفصل!! " سألها سيف ...
" بخير " أجابت بخفوت
ضيق ما بين عيناه وهو يراقب محاولتها حتى تبعد عيناها من النظر إليه وكأنها تحاول إخفاء شئ ...
فقال مستغربا
" هل بها شى ؟!!"
" لا .. لا ..انها فقط تحتاج للراحة لعدة ايام ... قالتها اروى ثم صمتت قليلا قائلة بخفوت ... وكما تعلم انا ابنتها الوحيدة ... ولا يجب ان أتركها ... لذا سأبقى معها حتى تشفى تماما ..."
" إلى متى؟؟@ " سألها وهو يرفع أحد حاجبيه
" لعدة ايام فقط " قالتها بسرعة
حدق بها بقوة وهو يشعر بشئ غريب بها ...وكأنها تخفى شيئا... او ربما زوجته كاذبة ... تكذب عليه .. لكن لماذا قد تكذب؟؟ ...
نظر إليها بتمعن ... وهو يراقب توترها وحركة يديها التى تعبر عن ارتباكها... تنهد بقوة وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره البنية بنفاذ صبر ...
وقال بهدوء رغم ضيقه
" ادخلى يا اروى ... وعندما تريدين العودة انتى تعريفين جيدا عنوان منزلك "
قالها وهو ينظر اليها بحدة ... رفعت رأسها بسرعة نحوه ...ناظرة إليه تستجديه ان يستمع إليها بعد نبرته تلك التى تعبر عن نفاذ صبره
" سيف ... انا .. فقط .."
قاطعها بسرعة بنبرة متزنة تحمل بعضا من العصيبة
" انتى لا تعرفين الكذب ... لقد أصبحت أعرفك أكثر مما تعرفين انتى نفسك ... ادخلى يا اروى .. عدة ايام فقط .. وساتى لاخذك .. ربما انتى حقا بحاجة إليهم ... ولكن بعدها انا لن أسمح بصمتك ... يجب ان اعرف كل شى .. هل فهمتى "
" سيف .. فقط " قالتها برجاء
ولكنه قاطعها مرة أخرى قائلا بتبرة لا تحمل الجدال تعبر عن غضبه
" ادخلى يا اروى .. الجو بارد ... اذهبى ... حتى أستطيع الذهاب انا أيضا "
نظرت إليه بأعين دامعة لكنه تجاهلها ... وأعطاها ظهره ... فابتعدت عنه بخطوات بطيئة للغاية ... وما ان كادت تقترب من باب المنزل حتى استدار بجسده ينظر إليه بخيبة كبيرة ... وفمه يتشدق بابتسامة ساخرة
" يبدو أن عائلة السيوفى بأكملها لديها عادة الهرب ... لكننى لن أسمح لك .. لقد اصبحتى منى وانتهى الأمر ... عدة ايام فقط وسأعود ..."
ما ان دلفت إلى غرفتها حتى تهاوت على السرير وهى تلتف بذراعيها حول كتفيها ... وهى تبكى بقوة وجسدها يهتز من شهقاتها المتتالية ... هل أخطأت بقرارها بالابتعاد لعدة ايام فقط ... حتى تستطيع ان تجمع شتات نفسها ... و ترتب كلماتها ... رغم اهتمامه بها إلا انها ما زالت لا تشعر بحبه ... ما زال كما هو ... خائفة من ان يكون بقائها معه مجرد ورقة حتى يستطيع الوصول إلى ما يريده ... أفكارها تكاد تسلبها عقلها من التفكير ... انزلقت بجسدها تحت الغطاء وهى ترتجف من البرد ...
وقف لدقائق وهو ينظر إلى نافذة غرفتها وما ان وجد ان الأنوار أغلقت حتى صعد لسيارته ... منطلقا بسرعة أحدثت سحابة من الغبار خلفه .....
دلف عادل إلى غرفته وهو يفك ربطة عنقه بتافف واختناق وعيناه شبه مغمضة ... لقد كان هذا اليوم اسطوريا بحق اولا بحضور روز المفاجئ الذى لم يتوقعه ولا واحدا منهم ... وفوق كل هذا معرفة نورا بأنها ما زالت على قيد الحياة ولم تمت وان ما قالوه للجميع كانت مجرد أكاذيب ... بالتأكيد ستقوم بحرقنا نحن الأربعة قريبا ... بعد ان كانت تنظر إلينا بكره وكأننا عصابة او مجموعة من مصاصين الدماء ... تمتص دماء البشر ... ألم تنعتنا بالفعل روز بهذا .. عصابة حمتها ابنتها ... لن يبرر أخطائهم ولكنه أيضا لن يقول أنهم أخطأوا ... احيانا كثيرة كانت بعض المشاكل التى يواجهوها كانت تحتاج منهم إلى الدهاء وربما أيضا بعض المكر والقسوة ... لكنهم تعهدوا الا يفعلوا اى شى قد يؤذى من حولهم منذ ان عاد سليم ... وعادوا جميعا بنور ...
خلع سترته والقاها بإهمال على كرسى الزينة .. وما ان دار بجسده حتى فزع ... وهو يجد زوجته فريدة تجلس على السرير مستندة بظهرها على ظهر السرير ... وتجلس وكأنها كانت بانتظاره...
" ما هذا يا فريدة ما زلتى مستيقظة !!؟... لماذا لم تقولى شيئا لقد فزعت من جلستك؟؟! "
رفعت إحدى حاجبيها وقالت بهدوء
" أنت من كنت شاردا ماذا بك ؟!... بماذا تفكر؟؟ " سألته بمكر
حدق بها من خلف نظارته الطبية وهو ينظر اليها بتفحص فهو يشعر بأن جلوسها هذا وراءه شئ .. فقال محاولا تغير الموضوع
"لقد رأيت سيارة زوجة ابنتك بالخارج ... ويبدو وكأنه منزعج "
" ربما لأن اروى أخبرته انها ستبقى هنا لعدة ايام " ردت بنفس هدوءها
" هل تشاجرا؟؟!!" سألها
" لا ...لا أعتقد هذا " إجابته بخفوت رغم أنها تشعر ببعض التوتر بين ابنتها وزوجها ... لكنها ستدع أمر اروى الآن وغدا ستتصرف ... والآن يجب عليها ان تعلم بشئ سيمنعها النوم ان لم تتوصل إليه
" لقد رأيت روز " قالتها بسرعة
التفتت إليها وهو يبلع ريقها بتوتر سرعان ما اخفاه ... وقال بنبرة متزنة وهو يضحك بسخرية ..
" نعم رأيتها ... ربما فى أحلامك ... نامى يا فريدة لكى تستيقظى وتتحدثى مع ابنتك فربما كان بينها وبين زوجها شيئا مهما.. صمت ثم تابع بتركيز ... ام أخبرك ..اذهبى إليها الآن "
همت من السرير غاضبة وهى تهتفت بحدة
" عادل .. لا تحاول تغير الموضوع ...أخبرك لقد رأيت روز بأم عينى كما أراك الآن "
ضحك بخفوت وقال بنفس السخرية ...مما ازعجتها
"نعم ... لماذا لم تتحدثى إليها إذا ؟!"
" لقد كانت تمشى بسرعة ... ثم تابعت بهدوء ... روز لم تمت صحيح "
نظر إلى عيناها لثوانى ثم قال باتزان وهو يدلف إلى الحمام ...
" نامى يا فريدة انا متعب "
حدقت بظهره وهى تهتف بأعين متسعة
" أقسم إننى رأيتها ... انها هى .. انا لم أكن أحلم "
ظلت ترددها وهى تجلس على السرير ... إلى أن خرج عادل من الحمام ... وهو يظهر مدى تعبه ... وانزلق تحت الغطاء بسرعة ... ونام بعد أن طبع قبلة على جبهتها.... وهو ما زال يرى جلوسها وشرودها. .. متمنيا ان يغط فى نومه بسرعة ... ويخرج من حلقة تسالتها لليوم فهو غير قادر على مواجهة غضبها او التحدث معها فى اى شى فى هذه اللحظة ...
تنهدت بضعف وأغلقت إضاءة المصباح الصغير بجوارها على الكومود.... وهى تعتزم على معرفة كل شئ

ينفث من سيجارته مرة ثم الثانية ... ثم لم يعد يحتمل أكثر والقاها على الأرض بتململ و ضغط عليها بقدميه ...شعر ببرودة الطقس الشديدة لهذا اليوم ... وتنهد بضعف وهو يتذكر كل حركاتها المغرية وهى تسير ذهابا وعودة امامه طوال فترة الحفل ... التى تكاد تجعله يهيم كالمجنون فى الطرقات وافعالها التى تجعله على وشك شد شعره ... حبيبته مدللة وطفلة .. وتحتاج إلى التأديب ...نعم ... حدث مالك نفسه بذلك وهو يهم واقفا مبتعدا عن كرسيه ... عازما على الصعود إليها وحينها فليحدث ما يحدث ... فهو لا يستطيع مخاصمتها او الإدعاء بالانزعاج والغضب منها أكثر من هذا ... سيذهب ... نعم سيذهب .. ويجب أن يحصل منها على اعترافها بحبها له اليوم مهما كان الثمن والطريقة وهو يعرف جيدا ما هى الطريقة ... صعد درجات السلم بسرعة ووقف أمام الغرفة وما كاد يدير المقبض ... واحدة ثم اثنان ... ومع محاولاته المتكررة وجد الباب يرفض ان يفتح ... ظل يديره بغضب ... حتى وجد صوتها يخرج ناعما وهى تسأل بدلال مقصود
" من؟؟!"
تشدق بسخرية ... وكأنها لا تعلم من هو
" افتحى يا ريم انا مالك "
" مالك من ؟؟!!!!!!.." قالتها بادعاء كاذب وهى تحاول استفزازه.... لكنه حافظ على رباطة جاشه ...وقال بهدوء
" افتحى يا ريم ... كفاكى أفعالا صبيانية انا متعب واحتاج إلى النوم "
" لماذا أين كنت ؟؟!!!!!.. سألته لكنها سرعان ما قالت ببراءة
" آه لقد كنت مع هؤلاء القبيحات ... فلتذهب إلى واحدة منهن ... بالتأكيد منازلهن مفتوحة لأجلك فى اى وقت ومهما كانت الساعة "
" ريم ... افتحى .. وكفاكى... غيرتك هذه غير مقبولة انا لم أكن مع أحد " هتف بها بحدة وقد نفذ صبره منها ومن أفعالها ...
" لا ..." قالتها وهو يستمع لصوت خطواتها التى تبتعد عن باب الغرفة ...
شدد من قبضته ثم ضربها بقوة على الباب ... مما جعلها تجفل فى مكانها ...
" حسنا انتى من بداتى " همس بها مالك من بين اسنانه
دلفت إلى الحمام وفمها يتشدق بابتسامة واسعة ... فهى ستحقق انتقامها منه لتجاهله لها طوال اليوم .. بالإضافة لرؤيتها لهؤلاء الفتيات حوله وكأنه شهرايار وهن جواريه ... طوال الحفل كانت تراقبه من بعيد وهى تكاد تميد من الغيظ .. لولا انها حافظت على الجزء المتبقى من عقلها لركضة إلى هولاء القبيحات وكانت شوهت وجه كل واحدة منهن باظافرها.... لكنها ستنتقم منه هو فقط ... وهذا بالنسبة لها خير انتقام ... ستجعله هكذا عدة ايام ... حتى يعرف من هى ريم .. وبعدها ستفكر ان كانت ستسامحه ام لا ... وما زاد غيظها هو عودتها مع والدته ... بدلا من ان يعودا لكنه رحل بسيارته أولا ... وعندما عادت لم تجده ... فازداد قلبها اشتعالا ...وهى تفكر انه قد ذهب مع إحداهن ...
خرجت من الحمام ...وهى ملتفة بمنشفة قطنية حول جسدها الأبيض ... وهى تتحرك بخلاء وغنج ... وتمتم باغنيتها المفضلة وتلحنها بدلال ...
" إللى شوفته قبل ما تشوفك عنيا عمرى ضايع ... يحسبوه ازاى عليا ... إللى شوفته ... "
" الله عليك يا سيدتى الجميلة "
اجفلت عندما استمعت إلى الصوت الاتى من خلفها ... التفتت وصعقت عندما وجدت مالك جالسا على السرير بكل أريحية ... وضعت يديها بسرعة حول خصرها غير ملاحظة لتلك المنشفة التى تلتف على جسدها كاشفة الكثير منه ... وقالت بحدة
" كيف دخلت؟؟!! .. كيف تجرؤ على الدخول هكذا!! "
ضحك بسخرية وهو يصفق بيديه بقوة ...
" نكتة رائعة.... سيدتى... لكنها غرفتى "
فضربت بقدميها على الأرض بقوة وهى ما تزال واضعة يديها حول خصرها
" تبا لك ... كيف دخلت "
تحرك مبتعدا عن السرير و بدأ فى فك أزرار قميصه ...قائلا وهو يقترب منها بخطوات مدروسة وهادئة للغاية
" أخبرك بمكانى السرى الذى ادخل منه وحينها ستمنعينى من الدخول ... لا هذا ليس عدلا ... إلا إذا ... صمت وهو ينظر اليها بمكر ... ففرغت فاها وسألته ببلاهة..
" إلا إذا ماذا؟؟!! "
فتابع وعيناه تلتمع مكرا وهو ينظر لكتفيها العاريان وشعرها الاحمر الهائج باغراء
" إلا إذا قمتى برشوتى... قالها وهو يقترب منها للغاية لكنها وضعت يديها حاجزا بينهما ... فتابع بهمس أكثر ... أقبل بجميع الرشاوى أيا كانت ... ربما ... قالها ثم صمت وهو يحدق ب المرآة التى خلفها ... وعيناه تتسع ذهولا ... فعقدت حاجبيها بقوة وسألته بسرعة تحثه على المتابعة ...
" ماذا ؟؟!..."
" هناك " قالها ثم صمت وعيناه ما زالت متسعة ...
" ماذا هناك ؟؟!!!" هتفت بها بنفاذ صبر
" لا ... لا تتحركى... هناك ... هناك .. شيئا اسود على كتفك "
قالها وهو يبلع ريقه بتوتر وخوف ظهر جلى على وجهه ... فارتبكت وتسرب إليها هى الاخرى وهى تراقب عيناه المحدقة للمرآة ...
" ما هو؟؟!! "
" انه شى ... اسود وكبير ... إياك ان تتحركى .. حتى ابعده عنك "
" لكننى لا أشعر بشئ "
" انه ...لا يتحرك ... ابقى فقط حتى ابعده "
" حسنا " قالتها بسرعة
فوضع يده على كتفها وهى تغلق عيناها بقوة تشعر بلمسات يديه التى وصلت إلى ظهرها ... انتظرت وانتظرت ...
حتى قالت بنفاذ صبر ...
" هل ابعدته ؟؟!!!!"
" انتظرى فقط انه يتحرك إلى أسفل ظهرك ... لا تتحركى " حثها بنبرة ناعمة
شعرت بأنفاسه عند رقبتها ... و قبلته التى طبعها على كتفها ... جعلتها تنتفض من مكانها و موجهة نظرة حارقة إليه قائلة بغضب
" كاذب ... لقد كنت تخدعنى "
احتقنت ملامحه وقال بهدوء
" انا لا أكذب هناك فعلا شيئا اسود اللون عند أعلى ظهرك "
دارت براسها محاولة ان تنظر أعلى كتفيها لعلها ترى ما يقصد ... حتى وضعت يديها بسرعة على وجهها من الخجل قائلة بهمس ... ما أن تذكرت الرسمة التى رسمتها على ظهرها ليلة أمس ...
" هل رايتها؟؟؟!! "
ضحك بقوة من خجلها ...
" نعم ...جميلة ... " قالها باغراء ...ثم تابع ...
" هل هى لى؟؟!!! "
أحمر وجهها خجلا ... وهى تتذكر مصيبتها الأكبر المنشفة التى تكاد لا تغطى شيئا ونظراته السابقة لها ... فلتنشق الأرض .. دعت فى نفسها ... نعم فلتختفى او فلتقع ويغمى عليها حتى تستطيع الهرب من نظراته ...
دنا منها ... حتى حاوط جسدها بذراعيه... قائلا بصوتا اذابها
" هل هذا من أجل مصالحتى... أخبرك لقد فزتى انا دائما خاسرا أمامك ... لا أستطيع أن اهزمك سحرك هو نقطة ضعفى...أحبك " همس بها بصوت أشبع غرورها... لكنها قالت بدلال وهى تخفض رأسها التى لامست صدره
" لا انا لن اصالحك... اذهب إلى هولاء الحمقاوات ... أنهن حتى لسنا جميلات ... أذهب إليهن ألم تقضى معهن الوقت بأكمله ... إذا اذهب إليهن "
ضحك بخفوت وهو يراقب غيرتها الجلية على وجهها لكنه بالتأكيد لن يخبرها بغيرتها تلك لانه يعلم انها ستكابر وتنكر غيرتها ...
فهمس بنعومة واغراء
" وهل يوجد من هن أجمل منك؟؟!!! .. انتى فقط ولا أحد غيرك .. يستطيع أن يملئ عيناى هاتان .. انتى فقط " وتبع كلامه وهو يلتقط شفتيها ويعانقها بحنان جعلتها تذوب بين يديه ... تخبره انه هو فقط ولا يوجد غيره من يستطيع ان يجعلها طفلة صغيرة بين يديه ... تحتمى بصدره هو فقط ... كما هى فقط من تستطيع ان تملئ عيناه ....

تسللت أشعة الشمس الذهبية إلى غرفة النوم فى الفندق الذى قضى به ليلته يراقبها وهى ما زالت نائمة وكأنها اتخذت من هذا النوم مكانا للهرب منه ومن العالم ... لم تفتح عيناها منذ ان سقطت مغشيا عليها ... حاول أن يجعلها تفيق لكنه فشل ... فسارع بسرعة بطلب الطبيب ... الذى أخبره انه مجرد إرهاق ... وتحتاج فقط إلى الراحة والنوم ... وأخبره انه من الأفضل أن يحاول أن يرفه عنها قليلا ... استمع حازم إلى كلمات الطبيب بانصات شديد واهتمام ... تنهد بضعف وهو يقف يراقب حركة صدرها التى تعلو وتنخفض ...
رفرفت بجفونها... وهى تحاول أن تستوعب مكان تواجدها ... تدعو فى نفسها ان يكون كل ما حدث لها مجرد حلم وهى اخيرا استفاقت منه ... لكنها وجدت رجل واقفا بثبات ومرتديا بذلة سوداء .... انتقلت عيناها إلى وجهه ... وصدمتها نظرته وعيناه السوداء المحدقة بها ... وحينها تذكرت ان كل ما حدث لم يكن حلما ... بل هى فى الحقيقة ... و المسمى زوجها يقف بجسده أمامها ...
" هل انتى بخير؟؟!! " سألها بنبرة ناعمة ... ناعمة للغاية وبها بعض القلق ...
بلعت ريقها وظلت تنظر إليه لثوانى حتى استطاعت تحريك لسانها وشفتيها اخيرا وقالت بهمس وتعب
" نعم .. انا ..و "
قاطعها بنظراته ثم دار بجسده ناظرا إلى النافذة التى خلفه ... محاولا الابتعاد عن نظراتها ...
" نور .. ما حدث البارحة انسيه... و يجب ان تعلمى شيئا واحدا .. انا على علم بأن هذا الزواج كان ضغطا عليكى ... صمت للحظات ثم تابع ببرود ... وأنا لن اضغط عليكى بالمقابل .. لن تكونى زوجتى إلا عندما تريدين انتى ذلك ... الزواج أتى مفاجأة لكى انا أعلم ... و لن تكون بين يدى أى امرأة لا ترغب بى ... انا وانتى لا نعرف بعضنا بشكل كافا إذا فلنعطى لكل منا فرصة لكى تعرفينى واعرفك جيدا ... وحينها تستطيعين البقاء او تستطيعين الرحيل ...
نظرت إلى ظهره مشدوهة وهى تستمع إلى كلماته حتى التفت اليها وتابع وهو ينظر اليها باهتمام ...
ومقابل هذا انا لا أريدك إلا أن تكونى بخير ..."
نطق بكلماته وخرج من الغرفة وهى تنظر إلى أثره مشدوهة مما سمعت
رواية عندما يعشق الرجل لشيماء محمد الفصل الثلاثون ( النهاية )

وقفت أمام نافذتها الصغيرة تراقب باستمتاع وابتسامة عذبة تزين وجهها مجموعة من الأطفال ما بين السادسة والعاشرة من العمر ...
وهم يمررون الكرة الصغيرة المهترئة بينهم ... بينما هناك على بعد منهم صبى فى عمر التاسعة واقفا على وضع الاستعداد لصد الكرة إذا حاولت الاقتراب من مرماه وعيناه الحازمة تتابع تحرك الكرة بين أقدام اللاعبين الصغار ....

حتى حانت اللحظة اخيرا واستطاع أحد الأطفال التحكم والإمساك بالكرة بقدميه وهو يتحرك بين باقى الأطفال حتى وصل بعد عناء إلى المرمى ... وهناك قام بضرب كرته... التى لم تكن بالقوة المطلوبة و استطاع حارس المرمى الصغير الدفاع عن مرماه وعيناه تلمع فخرا وسعادة ما ان امسكها بيديه ... بينما الآخر اعتلى وجهه العبوس والكدر
... الذى رفع يديه إلى شعره ومررها عليه وهو يكاد يقتلعه ثم هتف بصوتا عالى عابس
" لن ألعب "
فتجمع حوله أصدقاءه واحدهما يقول بنبرة منزعجة
" ماذا هناك؟؟!! ... لماذا دائما تفعل هذا إجعلنا؟ نستمتع باللعب يا محمود ... لماذا دائما تعبس ما ان يتمكن زياد من صد كرتك ؟؟!!"
" أنا لا أحزن احذر من كلماتك ... انا سأذهب "
قال كلماته وتحرك
وما ان كاد يتحرك المدعو محمود .... حتى اوقفه حارس المرمى الصغيربسرعة
قائلا بحزن وعيناه نحو الارض عكس نظرته الحازمة منذ قليل ...
" محمود ان كنت منزعجا يمكننى أن اجعلك تدخل كرتك ولن اصدها"
ولكن محمود كان أكثر من متكبر ونظر إليهم بتعالى وتحرك مبتعدا عنهم غير مهتما لأى من كلمات أصدقاءه الآخرين ... بعد ان قال بتعجرف زائد
" أنتم مجرد أطفال انا لن ألعب معكم مرة أخرى "
تنهدت دينا وظهر الحزن جلى على وجهها من تصرفات ذلك الصغير ...الذى لا يبدو أن لديه اى روح رياضية كما يقولون ...بل انه أكثر من متعالى على أصدقاءه ... منذ عدة ايام وهى تراقب لعب هؤلاء الأطفال كل يوم وفى نفس المكان والموعد.... يتجمعوا ثم ينتهى الأمر بانزعاج وعبوس ذلك الصغير المدعو محمود ما ان يستطيع حارس المرمى الصغير التصدى لكرته... حتى يخبرهم انه لن يلعب ... و يحومون هم حوله حتى يحاول كل منهم إقناعه باللعب معهم مرة أخرى فيقابل هو الحاحهم بالرفض بمنتهى التكبر والغرور ... ثم يتركهم ويذهب ...
تراقبهم حتى ينتهوا تماما من لعبهم وذهاب كل واحد منهم إلى منزله والانزعاج جلى على وجهه ... بعد ان كانت الابتسامة و بريق الفرحة يلمع فى أعين كلا منهم ....
فترتدى هى ملابسها وتذهب حيث معرضها الصغير الذى تعمل فيه بيديها واسنانها حتى تستطيع الانتهاء منه تماما ... وضعت به القليل من اللوحات ... فى بادئ الأمر كانت تشعر بسعادة غامرة لكنها بعد ذلك بدأت تنحدر أكثر وأكثر ... فهناك شعور داخلها يخبرها انها لن تنجح ... لكن تلك السيدة الرائعة التى كانت بمثابة أكثر من والدة لها كانت تشجعها باستمرار ولم تكف عن بث الإصرار فى نفسها ...
نظرت برضا للمرآة التى تقف امامها وهى تلتفت يمينا مرة ويسارا مرة أخرى ما ان انتهت من ارتداء ملابسها ...
اجفلت ما ان استمعت إلى رنين هاتفها معلنا عن وصول رسالة ما ... عقدت ما بين حاجبيها وهى ترى رسالة من ماجد محتواها
" دينا ارجو أن تقابلينى فى المطعم المعتاد خلال ساعة "
أغلقت هاتفها وهى تفكر عن سبب هذه الرسالة ولماذا يريدها ماجد ... ربما يكون هاما ... قالتها فى نفسها وهى تغلق باب شقتها ...
شهقت بقوة ما ان استدارت بجسدها ورأت رجل كان يقف ورائها مباشرة ... تفحصته بامعان وهى تراقب نظراته نحوها التى لم تعجبها او تشعرها بالراحة ابدا ... رجل ليس بقصير ملامحه خشنة واسنانه صفراء جعلتها تتقزز من ابتسامته التى يمنحها إياها ... ولم تتوانى دينا عن إرسال نظرة قرف إليه ... ولكنه رغم هذا لم يتحرك من مكانه وظلت نظرته كما هى لها ... حتى تنحنح الرجل اخيرا و قال بابتسامة مقززة
" هل انتى الجارة الجديدة ... الشقة والمبنى بأكمله نور بمجيءك .. اخيرا سيسكن فى هذا المبنى امرأة بحق .."
ثم حدق بها بجرأة جعلتها تتراجع للخلف من نظراته لها
عقدت دينا ما بين حاجبيها ... وتحركت ببط نحو السلم وركضت بأقصى ما لديها ... ركضت وهى تشعر بخوف يتسلل إلى قلبها لما هو قادم

جلس على كرسى الطاولة وهو يرتشف بهدوء من فنجان قهوته السوداء ... التى أصبح يستمتع بمذاقها و مرارتها أكثر من المعتاد ... فلقد أصبحت قهوته تتشابه مع سمراءه كثيرا نفس اللذة والمرارة ونفس الإدمان ... لقد ادمنها... فهى أول شئ تذكره ما ان وطات قدمه أرض هذه البلد .. وهل نساها يوما ... حدث أسامة نفسه بذلك ... لا لم ينساها ... لم يستطع أن ينساها ... لقد كانت حب مراهقته وشبابه .. او من قبلها وأول من ضمها إلى صدره ... لذلك هو لا يستطيع أن يفكر باى شخص آخر قد يسمح له بفعل ذلك معها... اشتد بقبضة يده على فنجان قهوته و وجهه يكسوه الغضب والوحشية ما ان فكر بأنها من الممكن ألا تكون له ... بحث عنها ... بحث لدرجة انه كاد أن يفقد عقله ... لم يذق طعم النوم الهناء منذ ان علم بتركها للشقة وتنقلها ولا أحد يعلم أين ذهبت ... وما ألمه أكثر عندما أستمع لها فى تلك الليلة وهى تخبر سيف بحبها له ... رغم أنها لم تعترف بهذا بشكل مباشر إلا أنها أظهرت ذلك من خلال كلماتها ... وهو شعر وكأنه كان قطعة ثلج ثم تحطمت بمطرقة عظيمة تحول على إثرها إلى قطع ...
لم يكن أمامه إلا شئ واحد بعد ان استطاع الوصول إلى رقم هاتفها وعدم إجابتها على اى من اتصالته ولا حتى رساءله إلا أن ينتظر ... واليوم صباحا طلب من ماجد ان يرسل لها الرسالة حتى لا تشك بشئ وهو على يقين بأنها لن ترفض طلب ماجد بالحضور إليه ... وها هو ينتظرها منذ ساعة من إرسال الرسالة ...
ظلت عيناه محدقة بباب المطعم منتظرا او بالأحرى متاهبا لدخولها ...
وقف متصلبا ببلاهة ما ان رأى ولوجها إلى المطعم ... وهالة من الإثارة تتبعها ... ببنطالها الأزرق وبلوزتها الصفراء وكأنها عصفور كنارى جميل يشع جمالا وبريقا ...
سيظل اللون الأصفر هو رمز أنوثتها هى فقط لا غيرها ... لن تستطيع ان تنافسها أخرى بارتداء او إظهار جمال هذا اللون غيرها ... وقف يتاملها بنفس البلاهة وهى تبحث بعيناها عن من المفترض أن يكون بانتظارها ... حتى شعر بالنار تتاجج فى صدره ... ما ان ركزت بعيناها عليه ... ووقفت بجمود لا يختلف عنه ... ووجهها خالى من اى تعبير ... لحظات وكل منهما يحدق بالآخر ....
ثانية ...
واثنان ثم
..ثالثة..
ورابعة ...
وحثت قدميها على التحرك لكنها لم تستطع .. وكأن كعب حذاءها قد غرس فى الأرض الواقفة عليها ويأبى ان يطيعها حتى تتحرك ... احتاجت لحظات حتى تحرك قدميها وبخطى بطيئة للغاية ومتراجعة... تراجعت بجسدها للوراء ... وهو ما ان استوعب عقله محاولة ركضها وهروبها.... حتى ركض هو الآخر ورائها... لن يسمح لها بالهروب ... لانه غير قادر على الانتظار او الصبر أكثر يجب ان يننهى ويطوى صفحة الماضى او سيقوم بتمزيقها كاملا وسيبدأ صفحة جديدة بيضاء للغاية حتى يستطيع فيها ان يسطر حروف عشقه وحبه لها فقط ....
أمسك بيديها وهو يحارب التحكم فى حركة يديها التى تحاول التخلص من قبضته ولكنه لن يسمح لها ...
وقال بصوت خفيض للغاية و نبرة حاول جعلها ثابتة بقدر ما يستطيع
" يجب ان نتكلم "

نظرت إليه بعبوس ووجه محتقن غضبا وعينان متسعتان بحدة ...
سحبها وراءه واجلسها بنعومة لكنها لم تتقبل فاضطر إلى ارغامها بالقوة على الجلوس ... ابتعد ما ان استكانت وجلست أخيرا ... جلس وهو يراقب محاولاتها المضنية فى أبعاد نظراتها عنه وهى تزفر بقوة و اختناق ... نصف ابتسامة ... ولمعان ظهر فى عيناه وهو يتفحص ملامح وجهها حتى قال اخيرا بهدوء ولوعة.....
لوعة لم يستطع اخفاءها أكثر من هذا لو كان الشوق يعبر بالكلمات لكان صرخ به فى مكانه ... ولكن شوقه لا يمكن أن يعبر عنه إلا بشئ واحد ... وهو اخذها بين احضانه ... أن تكون له وملكه...
" دينا ... اشتقت اليكى "
ارتجفت ... نعم ارتجفت من نبرة صوته ... لكنها رغم هذا لم تستطع إلا أن تظهر نظرة تهكمية وسخرية على ملامحها ... رحل و عندما ياتى أتى وهو على يقين بأنها ستكون بانتظاره...
" تبا لغرور الرجال ... الذى لو كانت تستطيع لقتلته لكنه اولا واخيرا ينتمى إليهم هم فقط "
هتفت بها دينا فى نفسها وهى تحدق به بقوة ...
راقب نظراتها الساخرة ... لكنه لن يستسلم سيتابع يجب ان يصل إلى حل معها ... ام ان تكون له .. او تكون له ... فهو لن يرضى بشئ ثالث بينهما ...
وبدون أى مقدمات نطق لسانه اخيرا بما كان دائما يتمنى البوح به ....
" دينا .. أحبك لم أستطع أن أنساك ... انا لم أنساك يوما حتى .... لقد كنت مضطرا ... مجبرا لذهابى .. لم يكن بيدى .." ثم تابع كلامه وهو يضع يديه برفق على يديها حاولت إبعاد يديها لكنه منعها ... فاغمضت عيناها وهى تستمع لباقى حديثه
" أنا أحبك ... كل منا يعلم انه يحب الآخر ... لذا فالننسى "
أبعدت يديها عنه بقوة وهى تهتف فى نفسها
" تبا له "
ثم رمقته بقوة وهى تستمع إلى باقى حديثه الذى يبرر فيه تركه لها ... مضطر .. حسنا كان مضطرا إلى الرحيل ... لكنه كان يستطيع على الأقل ان يتصل بها ولو كان اتصال واحد وهى تقسم بأنها كانت ستتفهم... لكنه لم يفعل ... ظلت سبع سنوات وحيدة ... وحيدة متالمة ... هو أول شخص اعتقدت انه كان سيكون معها يسندها يضمها ويحتويها لكنها لم تجده .. ولم تجد رساله ولم تجد اى شى يدل فيه بأنه سيعود ....
"حب ... "
هتفت بها دينا مستنكرة ...ثم تابعت بنبرة سخرية
" أن تحب يعنى إلا تهمل ..الا تغيب ... إلا تبتعد ... وانت ... صمتت ... فعلت كل هذا ... اهملتنى... غبت.. وابتعدت ... كيف تنتظر منى ان أكون على أهبة الاستعداد حتى أكون مستعدة لرجوعك .. وكأنك كنت متأكد بأننى سأنتظرك ... من أين جلبت كل هذه الثقة .. انا أستطيع أن انسى و ان احب غيرك أيضا ... "
اسودة ملامحه بل أصبحت وكأنها ملامح أسد ...
أسد يدافع عن امرأته التى يرغب بها غيره ... يقسم انه لو كان فكر فقط أحد فقط بهذا لكان أخرج عيناه من محجريهما وحينها كانت ستبكى على من كانت تعتقد انها كانت تحبه .... وهل هو سيسمح لها ... هتف بها فى نفسه وهو يحاول تهدئة نفسه وإبعاد تلك الأفكار الشيطانية عن رأسه ...فهى تتلاعب به فقط ... هى تحبه لكنها تكابر... تحاول وأد حبه فى التراب ...او ربما هى قامت بواديه فعلا منذ زمن ... لكن لا هو سيقوم بالحفر بيديه حتى يستطيع ان يحصل على حبها له مرة أخرى ... لن تكون لغيره ...
" لقد تغيرتى "
لم يستطع ان يمنع هذه الكلمة من ان لا تخرج من فمه ...
ولعن نفسه بالمعنى الحرفى عندما وجد ملامحها تبهت ويظهر الحزن جلى بين مقلتيها ...
" نعم انا تغيرت ... من الذى قال إننى لم أتغير "
قالتها بنبرة قوية ..حازمة ..
" نعم تغيرت ... ولكن هل تعلم لماذا ؟؟!!!.." سألته
فنظر إليها مشدوها
فتابعت بنصف ابتسامة
" أنا تألمت كثيرا ... اضطريت لفعل ذلك لكى أعيش ... "
قالت كلماتها ثم صمتت .. وهو صمت معها لا يعلم من أين يستطيع ان يحضر كلماته التالية .. منذ ليلة أمس وهو يحضر كلماته التى سيقولها... لكنها من نظراتها من نبرتها .. من مظهرها ... جعله لا يتذكر اى مما كان سيقوله.... هل ألمها لهذه الدرجة من ابتعاده ام ان بعاده عنها وتركها وحيدة هو فعلا ما جعلها هكذا ... نعم انه يعلم بكل ما مرت به ... كان على علم بكل شئ ... لذلك هو طلب من سيف عدم تركها ... لكنه لم يكن يعلم انه قد وضعها مجبرة لعشق غيره ...
لكنه لا لن يتركها ... لا يستطيع
نظر إليها لثوانى ... حتى قالت بنفس نصف الابتسامة " لقد انتهى كل شئ .. لا داعى لجلوسنا .. فمهما سيحدث انا وانت لن نكون لبعضنا أنت شئ وأنا شئ آخر "
" لا لم ننتهى.... " هتف بها ماجد ثم تابع وهى تنظر إليه يتعجب
" ان لم نستطع أن نعود حبيبان إذا فلنعود أصدقاء "
صمت وهو يراقب ملامح وجهها ....
تابع حتى لا يتراجع بكلماته
" نعم أصدقاء ..فقبل ان نصبح احباء كنا أصدقاء كل منا يساعد الآخر .. وإن كنت أستطيع أن أتخلى عن حبك .. فأنا لن أستطيع أن أتخلى عن صداقتك ... تابع وهو ينظر إلى عيناها وهو على يقين انه أصابها فى الصميم ... نحن أصدقاء .. هل تتذكرين انا وانت وسيف وماجد ... أتمنى أن أعود صديقا قديما معك ... هل تسمحين لى!! "
عقدت دينا ما بين حاجبيها وهى تنظر إليه ببلاهة لا تعرف كيف وصلت إليها ... هل يطلب منها ان يكونا .. او أن يعودا أصدقاء بهذه السهولة ... كيف ... كيف ... هو وهى أصدقاء ... مجرد أصدقاء ...
وكأنه كان يستمع لندات قلبها وعقلها
وقال بمكر وابتسامة تتشدق على ثغره
"ام انك غير واثقة من نفسك ومن مشاعرك ... خائفة من ان تسقطى بين يدى ... وتتذكرين حبك لى "
ظهر الامتعاض على وجهها وهى ترمقه بنظراتها تلك التى تذهب بعقله ... وهو يراقب ردة فعلها بترقب و أعين ثاقبة ....
***********************************
أخذت تدنو رويدا رويدا من بهو الشركة الفسيح... وهى تتمختر بجسدها بثقة واغراء وتكبر يكاد يصل إلى عنان السماء ... وكعب حذاءها يصدر صوتا رنانا من ملامسته للأرض ... و الرؤوس تنظر إليها بعضهم بانبهار والبعض الآخر بتفحص لما ترتديه وهالتها المثيرة التى ترافقها ... سارت بينما اذنيها تلتقط بعض من همسات النساء عن سحرها وجمالها وانوثتها الاخاذة التى أخذت بعقل الرجال ... فبعضهن يحسدنها على عيناها الخضراء واخريات على جسدها الذى يماثل عارضات الأزياء فى الرشاقة والجمال ....
وابتسامة زهو و غرور ارتسمت على وجهها وهى ترى الوجوه المحدقة بها ... فزادها هذا غرور تعمق أكثر وأكثر ....فيجب أن تكون هى اللافتة للانظار على الدوام... التفاخر والغرور حليفيها الملاصقان لها ...
وأخيرا وبكل عنجهية وغرور ولجت بقدميها وحذاءها ما زال يصدر صوته فانتبه لها الجميع وكلا منهم فرغ فاها ما ان راءها ...
بعضهم وقف ببلاهة واندهاش والبعض الآخر نظر إليها بتملق يحاول أن يخفى تلك النظرة التى تعبر عن جوعه لهذا الجسد المثير الماثل أمامه بكل عنجهية ... والبعض الآخر او ربما القليل أظهر عدم اهتمامه بجسدها واثارتها... و وجه فكره وانتباهه للتفكير عن سبب حضورها ... لكن رغم هذا لم يختفى عن وجوه اى منهم الاعجاب ...
وضعت حقيبتها الصغيرة بحركة اغراءية على المكتب الكبير الذى التف عليه اهم اصحاب الأسهم فى هذه. الشركة ... صمتت ... وصمتوا
تعلم أنهم الآن مجتمعون حتى يعلموا من هو حليفهم الأخير الذى سيستطيعوا من خلاله أبعاد عائلة الحسينى تماما او بدقة أكثر أبعاد سليمان الحسينى وحفيده من طريقهم ... كلا منهم يعتبر سيف منذ ان ظهر شوكة فى ظهره...
راقبت كلمات مساعد سليمان الحسينى بأعين ثاقبة ...حليفها الذى وافق على خيانة سيده الرجل الذى ساعده و من عليه ... بل وجعله ذو منصب له شأن فى الشركة ... ها هو يقف ويلقى بكلماته حتى يستطيع أن يضم إلى صفه المزيد ... أحمق ان كان يعتقد بأنها ستبقى عليه ما ان تستطيع إزاحة سليمان وسيف من طريقها ... بل سيكون هو أول شخص تلقى به بعيدا خارج هذه الشركة ... فمن خان سيده من أجل بعض المال بالتأكيد سيخونها من أجل المال أيضا ....
انتبهت له بشدة وهو يقول كلماته التالية
" السيدة علا ... أحد المساهمين ..."
بترت عبارته بسبب الهمهمات التى ازدادت أكثر وأكثر تعبر عن تعجبها الشديد ... حتى ان أحدهم ابتعد عن كرسيه و فى نيته الخروج ... لكن نظراتها له جعلته يقبع فى مكانه مرة أخرى ...
قطع مساعدة سليمان همهماتهم وهو يقول بصوتا عالى
" ارجو منكم الهدوء التام .. يجب ان نتفق على كل شئ اليوم "
فتابعت هى بدلا عنه وهى تقول بنبرة ناعمة ...لكنها حازمة للغاية
" أعتقد أن بعضكم صدم عندما علم بأننى من المساهمين ... ولكنهم كما يقولون هذا من حسن حظكم....
ضحكت باغراء وهى ترى وجوه الرجال التى اعتلاها العبوس ... ولكنها رغم ذلك تابعت ... بطريقة عملية بحتة
" سليمان الحسينى اختفى ولا أحد يعلم أين ذهب ... فعلينا أن نضرب ضربتنا قبل أن ياتى ...
صمتت وعيناها تدور فى المكان تراقب تعابير وجه كلا منهم ... وما ان لمحت الموافقة على وجوهمم
حتى تابعت
" بما انه غاب لأكثر من شهران ... وكما العادة سيتم اختيار رئيس تنفيذي آخر لهذه الشركة عن طريق المساهمين ... أعتقد أن نصف المساهمين هنا والباقى رفض الحضور خوفا من معاداة سليمان الحسينى ...
قاطعها أحد الجالسين بنبرة لا تخلو من الخوف والاهتزاز
" ونحن أيضا ...لا رغبة لدينا فى معادته رغم انه غير موجود ... نحن لم ناتى إلى هنا إلا خوفا على مصالحنا ... وبالطبع الرئيس الجديد لن يكون من بيننا ...
تشدقت بانتصار ...فها هو قد أتت الكرة فى ملعبها اخيرا ...
تنهدت وهى تعقد يديها أمامها وتابعت بخبث تام
" استطيع الوقوف امامه ... فانا لست وحدى معى احد اكبر المساهمين القدامى فى هذه الشركة ...
ارتفع صوت همهماتهم أكثر وكل منهم يتساءل من يكون هذا المساهم ...
فتابعت هى بصوت جهورى واثق ...
" أنه أحد المساهمين الأجانب ... ولقد سمح لى بالتكلم نيابة عنه "
وقبل أن يتراجع اى منهم عن كلماته او يهتز فى قراره ... تابعت بحنكة ...وهى ترفع أحد الأوراق عاليا ...
" هذه الورقة تحتوى على توقيع المساهم الاجنبى سيتم الآن تمريرها على كل منكم حتى يقوم بتوقيعها... لاختيار الرئيس التالى "
وما ان صمتت حتى هتف أحدهم "ومن سنختار"
فقاطعه الآخر بسرعة " بالتأكيد هى"
وبدأوا فعلا فى كتابة موافقتهم جميعا لاختيارها الرئيس الجديد ...

كانت عيناه شبه مغلقة وهو يراقب خروجها من الحمام ووقوفها كالعادة أمام المرآة وهى تدندن بأغنيتها المعتادة وكأنها أصبحت ملازمة لها ... شقت ابتسامة واسعة وجهه يتخللها بعض المكر ... وبهدوء وحذر شديد بدأ يتحرك مبتعدا عن السرير وهو يحبس أنفاسه مقتربا منها بخطوات مدروسة للغاية ... يراقب يديها التى تتخلل بها خصلات شعرها الحمراء ... التى لا يتذكر عدد المرات التى دس أنفه بها ليستنشق عطرها ... ظل يتقدم منها بخطوات حذرة ... حتى أصبح خلفها مباشرة وفى ثانية طوق خصرها بذراعيها القويتين ورفعها عاليا عن الأرض ... شهقة صارخة خرجت منها وهى تجد نفسها فجاة تطير فى الهواء .... وهى تستمع لضحكاته المتتالية ...
وفى لحظة وجدته يديرها إليه حتى أصبح وجهها مقابل وجهه ... وابتسامته العبثية تزين وجهه الرجولى وهو يستمتع بتذمرها الذى ظهر وهى تزم شفتيها بقوة دليلا على انزعاجها ....
فهدا من صوت ضحكاته ما ان رأى صمتها ...
وقال بصوت عابث
" ما هذا لما انتى صامتة "
ولم يجد منها غير مزيد من الصمت و فمها تزمه بشدة أكثر ... التمعت عيناه ما ان رأى شفتاها تتحرك فتمنى لو استطاع خطفهما بقبلة طويلة حتى ينسى اسمه ...
" انزلنى "
صاحت بها بحنق
ولكنه رد عليها بمكر التمع بين عيناه الخضراء
" حسنا ... لكن بشرط "
راقبها وهى ترفع إحدى حاجبيها ....ولكنها أخيرا هتفت بتذمر
" شرط .. وما هو هذا الشرط "
قرب وجهه منها وقال بهمس واغراء قرب شفتاها
" ق...ب...ل..ة "
فاتسعت عيناها ...وحاولت إخفاء خجلها منه
وقالت بغضب حاولت تمثيله واظهاره
"قليل الحياء ... وان لم أفعل "
" لن تنزلى "
قالها بسهولة وهو يتعمق فى لون عيناها الزرقاء وكأنها أمواج عاتية ...
نظرت له بقهر طفولى ... وبعد لحظات من تحديقها بأصابع يديها انحنت بوجهها قرب وجنته وطبعت قبلة دافئة عليها ... جعلته يقربها من جسده أكثر ...
ابتسمت وهى تقول بسعادة وكأنها أنهت المهمة ما ان ابتعدت عن وجهه
" لقد قبلتك انزلنى ..الآن "
لكنها عبست ما ان رأت نظرته لها ... وهو يقول وحاجبيه معقودان بتلذذ
" وهل هذه تعتبر قبلة "
تبع كلمته بطبع قبلة على وجنتها... ثم وضع إحدى يديه خلف رأسها وقربها منه وهو يلتقط شفتيها بفمه... شعر بحركتها ومحاولتها المضنية فى ابعاده ولكن عبثا لن يبتعد عنها إلا عندما يكتفى ..وهو يشك بأنه يستطيع الاكتفاء منها ... ابتعد عنها وهو ينظر اليها باغراء وهو ما زال يحملها بين يديه ... ويقترب بخطوات سريعة نحو السرير ...
ثلاثة ايام وهو يعيش معها فى النعيم ... تغيرت العلاقة بينهما فى تلك الأيام ...فأصبحت قريبة منه للغاية ... كانت فيها مستكينة ومحبة له للغاية لدرجة جعلته يتعجب من تصرفاتها وهى تحاول التقرب منه ... وكأنها كانت تريد تعويضه عن ايام العسل التى لم يقضيها معها فى بداية زواجهما ... لكنها عوضته عن كل هذا فى ثلاثة ايام فقط ... احتوته وأظهرت أنوثتها وجمالها له مع بعض الخجل ... بقيت فقط تدلله بطريقتها وأسلوبها الانثوى المغرى... وهو مقابل هذا أثبت لها كم هو يعشقها ... لثلاثة ايام كان ملازما لها لم يتركها ولم يذهب حتى لعمله ... ليذهب عمله إلى الجحيم طالما هى بين يديه .. همس بها مالك فى نفسه
تشدق وجه مالك بابتسامة عذبة ... وهو يضمها إليه بقوة يغرقها فى عناق حنون ...
نظرت إلى وجهه وهو محدقا بها بهيام وهى تبتعد عن احضانه ... لكنها اخفضت رأسها بخجل
وقالت ريم وهى تزم شفتيها
" مالك ... هل يمكننى أن اذهب إلى المشفى؟؟!! "
أبتسم ابتسامته المعهودة التى لم تفارق وجهه منذ ان استكانت وأصبحت أخيرا بين يديه خاضعة بإرادتها التامة له ...
وقال وهو ينظر اليها بابتسامة فاتنة
" وهل يستطيع مالك أن يقول لك لا "
تهللت اسارير ريم وطبعت قبلة حانية على ذقنه ومن ثم ابتعدت مسرعة عنه وهى تتحرك عن السرير بقميصها المحتشم ... محتشم ... هتف بها مالك فى نفسه ... رغم انه محتشم إلا انه سيظل قميصا وسيظهر مفاتنها ... حاول معها لكى ترتدى اى من القمصان القصيرة تلك ولكنها كانت تقابل عرضه بأعين محتقنة ووجه غاضب ... ينتهى بمحاولة ارضاءها ... وكأنه اجرم بطلبه هذا ...
راقب حركاتها السريعة فى الغرفة وهى تسحب بعض من ملابسها من الخزانة ... وقبل ان تدلف إلى الحمام ...
هتفت ريم بسرور
" سأذهب الآن "
فهم هو من السرير بحركة سريعة قائلا بتذمر وهو يحاوط خصرها
" لا لم نتفق ان تذهبى الآن ... ما زال يجب ان نكمل أسبوع العسل ... بقى منه أربعة ايام "
دارت بجسدها بحركة هادئة ووضعت يديها على صدره قائلة بتذمر واضح
" ولكنك وافقت .. إذا لا تراجع "
قالتها وابعدت يديه عن خصرها ... وبسرعة دلفت إلى الحمام ...
وهو يلوى فمه بامتعاض واضح ...
أحكمت لف حجابها حول رأسها وهى تحارب ابتسامة تكاد تصل إلى اذنيها حتى لا تظهر على وجهها ... وهى تراقب تذمره الطفولى وهو مستكين على السرير كالطفل الصغير ...
التمعت عيناها وهى تتذكر كلمات اروى لها فى حفل زفاف نور ...
" مالك مثل الطفل ان دللتيه ستحصلين على عيناه وسيكون مثل الخاتم فى اصبعك... ولن يرفض لك طلبا يوما "
وفعلا كانت اروى محقة فى كل كلمة نطقتها ... وما ان تبتعد عن احضانه وتطلب منه طلبا إلا وهو يلبيه لها بسرعة البرق ...
والحق ليست كلمات اروى وحدها ما جعلتها تسمح لقربه أكثر منها ... بل لأنها أيضا أرادت هذا ... وفوق كل هذا بدأت تحلم ببيت وأسرة مكونة منه ومنها والعديد من الأطفال ... التى ان شاء الله سيرزقها الله بها ... حقا تتمنى وتتضرع إلى ربها حتى يحقق امنيتها الأخيرة ...
وقفت ما ان إدارة مقبض الباب وأرسلت إليه قبلة هوائية وخرجت ... تاركة إياه فى سعادة غامرة وهو يراقب صغيرته ... تخرج عن قشرتها السميكة شيئا فشيئا....
.............................................................
أخذت الغرفة ذهابا وايابا وهى تكاد تحترق قهرا ...
راقب تململها وحركتها الغير هادئة فى الغرفة ... أبعد نظره عن كتابه وهو يتافف بملل
" كوثر ...كفى ماذا بك لا تكفين عن التحرك؟؟!! "
أخرجت زفرة طويلة وقالت بغضب و حنق حاولت اخفاءه
" مالك ... لم يخرج من غرفته منذ حفل الزفاف ... ولم يخرج حتى لتناول الطعام معنا ... و كلما كنت اطلب منه الخروج يرفض "
صدرت ضحكة رنانة من محمود وهو ينظر إلى زوجته بنظرة مغرية
" ما زال ابنك فى بداية زواجه .. اجعليها يتمتع قبل ان يمل "
ارتخى فك كوثر بعبوس وهى تحدق به بحنق
" ما الذى تقصده يا محمود ... وهل أصبحت تمل منى؟؟! "
زفر بقوة يحاول ان يعاود نظره نحو الكتاب الذى كان بين يديه ... ولكنها أنزلت الكتاب بيديها وهى تساءله مرة أخرى لكن بنبرة أكثر ارتفاعا وحنقا
" اخبرنى ... اخبرنى يا محمود .. هل أصبحت تكرهنى ؟!!"
" كوثر انا لا أكرهك بل أكره تصرفاتك .. وغيرتك على مالك التى لا داعى لها ... اتركيه يعيش حياته مع زوجته بهناء"
بلعت ريقها وقالت بحزن لم تستطع اخفاءه
" انه ابنى الوحيد ... وأنا ... وأنا والدة ..."
قاطع استرسالها فى كلماتها صوت رنين هاتف زوجها ...الذى التقطه وخرج من الغرفة ... ظهر الشك بين مقلتيها وانتابها شعور بالضيق وحثت قدميها على تتبعه ...
اهتزت مقلتيها ما ان استمعت لاسمها.... اسمها يخرج من فم زوجها ... هل ما زال يشتاق لحبه الأول... أصبح يتحدث معها ... نار ... نار ...نار اشتعلت بداخلها ... وهى تستمع لنبرة صوته معها ...ما زال يحبها ... نعم ما زال يحبها ... رغم السنون والزمن ما زال يحبها ... تراجعت للوراء بضعف ... تحاول ألا تسقط قهرا والما ... على الرجل الذى أحبته ... الرجل الذى اعتقدت انها قد ملكت قلبه منذ ان اثبتت له حبها وانجبت له مالك ... الرجل الذى كان يقترب منها ويضمها اليه وكانه واجب عليه يجب عليه تقضيته ... آه مؤلمة خرجت من بين شفتيها ... و بقوة ... وبقوة وكبرياء ... كبرياء أنثى مجروحة ومنكسرة... حبست دموعها ورسمت ابتسامة على وجهها ما ان رأته يدلف إلى الغرفة ويجلس فى مكانه يتفحص كتابه باهتمام ... وكأنه منذ ثوانى لم يفعل شيئا .....

وقفت أمام المرآة وهى تحاول بتانى غلق قفل السلسال الذهبى ... لكنه فشلت فتاففت بنفاذ صبر ... حتى وجدت يده التى تعرفها ... تمسك بطرفى السلسال وفى ثانية كان يغلق قفل السلسال ... حاولت التحرك ولكنه منعها بيديه التى قبضت على معصمها
" نورا ... إلا يكفى ما تفعلينه !!... ثلاثة ايام .. وانتى تعتكفين فى غرفتك ... رافضة الجلوس او حتى النوم معى .. وكاننى اجرمت... ما حدث كان خطأ اغفرى لى .. اخطاءى "
قال بنبرة عميقة وهو يقترب منها محاولا إحاطة خصرها بذراعيه.. لكنها لم تسمح له
" لقد فاض بى ... لا أستطيع أن اتحمل واتغاضى عن كل اخطاءك... لقد تعبت من السماح .. انا بشر ... بشر يا مراد ... هتفت بكلماتها وخط رفيع من الدموع ينساب على وجنتيها ...لكنها تابعت بنبرة قوية
" ستعود إلى هذه الغرفة ..لأن حازم قد عاد ..."
لمحت نظرته السعيدة ... فتابعت بنبرة قصدتها قاسية " جهز اوراق الطلاق ...لانه ما ان تستقر حياة ابنى .. سأترك هذا المنزل "
قالت كلماتها ونفضت يده عنها بسرعة ... هربت من امامه وهى ترى عيناه ووجهه الذى احتقن غضبا ... وهو ينذر بالخطر ...
نزلت درجات السلم بسرعة وهى تخبر نفسها بإصرار وقوة ان وقت خضوعها آن ان ينتهى ... يجب ان تخرج من هذا المنزل لن تتحمل ... لن تتحمل أكثر البقاء ... بعد سلسلة كذبه التى لا تنتهى ... ما زالت مجروحة من طعنته لها بزواجه .... ما زالت تشعر بالشرخ الذى بينهما رغم أنها حاولت مدارته من أجل ابنها حتى يستطيع أن يتربى بين ابوين محبين ... وبيئة سوية ...
ستقابل روز .. نعم يجب ان تقابلها ستعرف كل شى منها ... ستعرف الحقيقة منها هى فقط ...
وقفت أمام باب المنزل الكبيرة وعلى وجهها ابتسامة واسعة فى انتظار حضور ابنها وفلذة كبدها ... وهى كام لا تريد غير سعادته هو فقط ... ضحت بالكثير من أجله ... وهى على الاستعداد لفعل أكثر من هذا له فقط ...
.............................................................
جلس بجوارها وهو يشعر بانفاسها التى تخرج مضطربة ... تماثل حركة يديها التى تفركهما بشدة ... وعيناها الزاغتان بخوف ... لقد حاول عدم الاقتراب منها او الاختلاط بها طوال الثلاثة ايام ... إلا أنها ما زالت كما هى صامتة منعزلة ومنطوية على نفسها أكثر وأكثر ... وهو لم يعد يطيق هذا ... بعد حديثه معها ... ظل يفكر لأكثر من ألف مرة هل ما فعله خطأ ... هل ان يعطيها الفرصة بالابتعاد عنه وإعطاء الاختيار لها لتقترب صحيح ام خطأ ... إلا انه ما زال حائرا وتاءها فيما سمعه من فم حبيبها السابق ... حاول أن يبعد كلماته التى ما زالت تترنن فى أذنيه حتى الآن ... ولكنه لم يستطع ... حاول ان يفكر بعقل رجل لا يهمه مع من كانت او من كانت تحب سابقا ... اهم شئ انها معه الآن هو يملكها زوجته وقيد بنانه. ..لكنه لم يستطع ... أول امرأة عرف معها كيف يحب ... رغم انه لا يعلم متى سقط قلبه صريعا فى هواها...
بلعت ريقها وهى تشتم رائحته التى ملأت جو السيارة ... منذ ان خرج من غرفتها وهو يخبرها بأنه لن يقترب من امرأة لاتريده... وهى تتساءل فى نفسها ..لماذا يقول هذا ... هل هو أيضا لا يريدها ... قبعت هى لمدة الثلاثة ايام فى غرفتها فى الجناح ولم تخرج منه ... لكنها كانت تراه عندما كانت تقف فى نافذة الغرفة ... تراقبه وتراه لأول مرة شخصا آخر غير الرجل الذى تعرفه ببذلته السوداء الأنيقة التى كأنها صممت له ... يرتدى ثوب السباحة الذى أظهر جسده الذى كانت تعتقده نحيلا ... رشيقا لدرجة جعلتها تشهق من منظره ... وبكل مهارة وكأنه سمكة تحرك فى حوض السباحة ... بينما تلتفت حوله بعض الشقراوات ... وكلا منهم تستغل الفرصة لجذب انتباه ونظرات الإعجاب والانجذاب ظاهرة على وجوههن ... فهو بالنسبة لهم هو الفرعون المصرى ذو البشرة الخمرية الماءلة للسمار ... وعيناه السوداء التى تأثر اى امرأة تنظر إليه ... وشعره شديد السواد ... ملامحه حادة ورجولية للغاية تجعل اى إمرأة تنظر له بهيام ... احتقن وجهها وهى تلمح يد المرأة التى تتسلل إلى بشرة صدره تلمسها بجرأة غير معهودة ... و بحميمية شديدة طبعت قبلة على فمه ... اتسعت عيناها ولوت فمها من تصرف تلك الوقحة ... وهى تلقب كلا منهما بلقب مختلف ... هى أجنبية وقحة عديمة حياء ... وهو زير نساء ...
نعم لهذا هو قال فليتصرف كل واحدا منهم على راحته ... فهو لن يهتم لامرها وهى لن تهتم لافعاله. ..وهكذا تكون معادلة متساوية من جميع الأطراف ....
اجفلت عندما سمعت صوته الذى أتاها منبها لها بوصولهم وأنها يجب ان تخرج من السيارة ...
ترجلا من السيارة وهو يحاول رسم شبة ابتسامة على وجهه أن كانت تعتبر حقا ابتسامة ... وما ان لمح والدته تقف فى البهو وتنظر لهما بسعادة ... حتى وضع يديه على كتفيها يقربها إليه بطريقة جعلت جسدها يقشعر ... اقتربت منهما نورا ... وهى تشع بالسعادة وفمها لا يكف عن ترديد كلمات الترحيب والسعادة برؤيتهما ... فاحمرت واخفضت عيناها من ترحيبها المستمر بهما ...
والتى عانقت ولدها بفرحة غامرة ... ثم اخذتها بين أحضانها بسعادة و دف اموى شديد ... جعلت عيناها تترقرقان بالدموع ... لكنها حبستها فى مخدعيها....
وبصوت خفيض ونبرة حازمة كاسمه .... استأذن منهما للذهاب إلى الشركة فهو بحاجة لمراجعة بعض القضايةالهامة ... لم تظهر اى ردة فعل من نورا من كلام ولدها ... بل أمسكت بيد نور خلفها ... وتركته بدون ان تهتم لأمره ...
راقبت ابتعاد السيارة وهى تدلف إلى المنزل بأعين حزينة ... وهو يصعد سيارته غير مهتما بها
التمعت عيناها بانبهار واضح وهى تتجول بنظرها فى غرفة النوم الكبيرة ... وهى مطلية باللون التى تعشقه... الأزرق ...
خشب غرفة النوم بأكمله باللون الأبيض ... أما بالنسبة لطلاء الغرفة فهو مزيج بين اللونين الأزرق والأبيض ... ثلاثة من حواءط الغرفة مطلية بالأزرق بينما واحدة فقط مطلية بالأبيض تحتل منتصفها فراشة كبيرة لامعة من اللون الأزرق ... الثرايا تلمع من ضوء النهار الذى يقتحم الغرفة من خلال النوافذ ... وأمامها ستائر باللون الأبيض الشفاف ... لقد كانت وكأنها غرفة ملكية ذات طابع رقيق للغاية ...
انتبهت لصوت حماتها السعيد وهى تشرح لها كل شى ... وتخبرها بسعادة انها أكثر من سعيدة بهذا الزواج فلطالما تمنت فتاة مثلها لابنها ...
حجزت دموعها بشق الأنفس وحماتها تضع كفيها على وجه نور ...أسألها بترقب
"هل انتى سعيدة؟؟!! "
تحشرج صوتها من نبرة تلك المرأة ... هل تخبرها انها ليست سعيدة وأنها تكاد تكون مختنقة... وأنها تفكر فى الهرب ... لكن كيف ستهرب وهذه المرأة أمامها تخبرها عن سعادتها ... هى لا تعلم ... حقا لا تعلم ... قلبها جريح و متالم ... تحتاج ان تتكلم ان تفهم ان تصرخ حتى تخرج ما بين جفونها من دموع لعلها ترتاح لكنها مهما فعلت لن ترتاح يوما ...
فقالت بنبرة ضعيفة ضعيفة للغاية
" نعم "
" حسنا ساتركك ...لكى ترتاحى.. ويعد ذلك انا لن ارحمك... لن اتركك للحظة طالما حازم غير موجود ... فانتى من الآن ابنتى "
قالتها نورا بابتسامة وهى تضم نور إلى صدرها ... ثم خرجت من الغرفة ....
سقطت بجسدها على طرف السرير ... ووجهها قابعا بين يديها

أخضر ....أزرق ... أحمر ...أصفر .....اسود
ألوان ... وألوان تضيفها إلى تلك اللوحة التى كانت بيضاء منذ قليل فقط قبل ان تفرغ جام غضبها بها ... تعبر عن حنقها.... غضبها ... المها ... وجعها ... اشتياقها ... عشقها ... حيرة... حسرة ..........
مشاعر ... ومشاعر اضطربت بداخلها أكثر وهى تضرب بفرشاتها بقوة ... وهى جالسة على ركبتيها وساندة بيديها على تلك اللوحة الكبيرة ... تحاول ان ترسم ... أن تصرخ بفرشاتها الصامتة لتعبر عن ... عن شئ لا تعرف ماهيته ...
وفى لحظة سقطت دموعها من مقلتيها لا اراديا على لوحتها التى تعبر عن مشاعرها ... بكت وصرخت بينما تتعالى أكثر وأكثر صوت موسيقاها التى تعبر عن جنون صاحبته ...
وكلماته لها منذ عدة ايام تمر أمامها كالشريط ...
" ان لم نستطع أن نعود حبيبان إذا فلنعود أصدقاء "
صمت وهو يراقب ملامح وجهها ....
تابع حتى لا يتراجع بكلماته
" نعم أصدقاء ..فقبل ان نصبح احباء كنا أصدقاء كل منا يساعد الآخر .. وإن كنت أستطيع أن أتخلى عن حبك .. فأنا لن أستطيع أن أتخلى عن صداقتك ... تابع وهو ينظر إلى عيناها وهو على يقين انه أصابها فى الصميم ... نحن أصدقاء .. هل تتذكرين انا وانت وسيف وماجد ... أتمنى أن أعود صديقا قديما معك ... هل تسمحين لى "
عقدت دينا ما بين حاجبيها وهى تنظر إليه ببلاهة لا تعرف كيف وصلت إليها ... هل يطلب منها ان يكونا .. او أن يعودا أصدقاء بهذه السهولة ... كيف ... كيف ... هو وهى أصدقاء ... مجرد أصدقاء ...
وكأنه كان يستمع لندات قلبها وعقلها
وقال بمكر وابتسامة تتشدق على ثغره
"ام انك غير واثقة من نفسك ومن مشاعرك ... خائفة من ان تسقطى بين يدى ... وتتذكرين حبك لى "
ظهر الامتعاض على وجهها وهى ترمقه بنظراتها تلك التى تذهب بعقله ... وهو يراقب ردة فعلها بترقب و أعين ثاقبة ....
وهى لكى تثبت له انها نست... وأنها لن تتقدم منه مهما فعل
" حسنا انا موافقة "
قالتها بإصرار و اعين متحدية .... تريد أن تثبت لنفسها قبل ان تثبت له انها ستنسى وأنها لم يعد يشكل فارقا بالنسبة لها ... وهو ظهر على وجهه الإصرار لكى يثبت لها عكس ما تظنه... فكما يقولون لا توجد صداقة بين رجل وامرأة ... خصيصا ان كانوا احباء سابقين مثلهما...
وهى ارتجفت داخليا بطريقة جعلت قلبها يتراقص بين اضلعها بغير هدى ....
عادت إلى واقعها التى لن تعيشه غير مره ... لن تذق منه يوما عسله...
أصدقاء دينا وأسامة سيكونوا مجرد أصدقاء ...كيف ... ومتى ... تساءلت فى نفسها بتهكم وسخرية ...

وبزفرة وحركة تململية ألقى بأوراق الملف القابع بين يديه ... ليس لديه رغبة فى العمل ... أصبح يختنق من الأوراق والعمل ... ينتظر وينتظر عودتها لكنها لم تأتى ... لم تحن عليه وتحضر ...
هو الأحمق ما كان يجب عليه تركها هناك ... كان يجب ان يسحبها وراءه ...وإن رفضت ... كان يجب ان يقوم بربطها ثم يضعها فى سيارته ...
لكنه كان ينتظر حديثها معه .....
بتر حديثه مع نفسه دلوف ماجد إلى غرفة مكتبه بطريقة افزعته
قائلا بنبرة عالية واعين تائهة
" مصيبة ... لقد تم عقد اجتماع و أختيار رئيس تنفيذى للشركة الرئيسية "
أغمض سيف عيناه بقوة يحاول ان يتماسك ويثبت فى وقفته
" وكأنه كان بحاجة إلى المزيد من المصائب "

iklan banner

Abdulrhman Sayed
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع قصص وروايات .

جديد قسم :