رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الواحد والعشرون

انطلق قصي يقود بأقصي سرعة وهو يضع سماعات البلوتوث علي أذنه ويستمع لكل ما يدور بينهم ، قلبه كان يدق بشدة خوفاً من أمرين أن يحدث لها شيء أو أن يميل قلبها مرة أخري لهذا المدعو شريف ، كان يستمع لحقارتهما وهو يتمني بداخله .. أن لا تجزع ولا تستمع لهما .. فهي ملكاً له هو وحده ، وهو الوحيد القادر علي ان يمحي كل تلك الاحزان .. قادر علي جعلها سعيدة مرة اخري ، ظل يدعو ان لا تنصاع لكلمات شريف وان يمحي حبه من داخلها ويصبح من العدم ولا يعود ثانيةً ، ظل هكذا حتي صدم بما قالته زيلدا في النهاية .


سقط شريف جاثياً علي ركبتيه .. وجهه يعلوه الصدمة .. لا يتحدث .. فقط جاثياً .. عيناه تدوران كدوران الأرض حول الشمس .. عقله يحاول أن يعي ما قد قيل منذ قليل .. صرخات قلبه تعلو من الداخل .. تكاد تصم أذنيه .. مشاعر متداخلة ما بين أن العقاب كبير .. ولكن الذنب أكبر .


ظلت زيلدا تشاهده وهي تشعر بنشوه بالنصر ثم غادرت بدون أي كلمة واحدة ، اما شمس فكانت في حالة صدمة شديدة .. كأنها تشاهد فيلماً من أفلام الرعب الذي لا تهواها .. وتتمني أن ينتهي .. هل هذا شريف ؟.. من هذا الشخص ؟، انها لا تعرفه ، هل هذا رفيق العمر !، وشريك دربها ، هل هو من نطق قلبها بحروف اسمه قبل ان ينطق بالكلام !، كيف أصبح هكذا ؟، كيف خدعت فيه طوال سنوات عمره ؟، كيف تحول من طفل وديع لشخصاً وضيع ؟، وكيف ستستطع أن تثق في أحد مرة اخري !، بعده ... لقد كان هو الثقة ذاتها .


وقفت تراقبه في صمت وبداخلها حالة حرب لا تتوقف .. حتي سمعت صوته وهو يتمتم ويهذي : إيدز ... انا ... أنا عندي إيدز ... أنا .. وصلت لكده ازاي .. ايه اللي حصل ليا .. انا انتهيت .. انتهيت .. حياتي ضاعت عشان كام ليلة .. مستقبلي كله انهار .. أعيش ازاي وسط الناس تاني ... أقول ايه لأهلي .....للناس ... قبل ده كله أعمل ايه مع ربنا .. أقابله ازاي .. أكفر عن ذنبي ازاي .. العقاب كبير اوي .. عقاب مفيش فيه رجوع .. انا السبب .. انا السبب .


اقتربت شمس نحوه وجثت بجواره وربتت علي كتفه قائلة : اهديء يا شريف .. أهدئ واستغفر ربنا .. اطلب مغفرته وعفوه .. وعيد حساباتك تاني .. ربنا غفور رحيم يا شريف .. واكيد حيسامحك .. بس انت ترجع عن أي غلط وقعت فيه .

لم يستطع ان يواجه نظراتها .. عيناه امتلئت بالدموع .. ظل منكساً رأسه أرضاً .. يعلوه الندم علي ما فعل .. والخجل مما ألحقه بها .. والخوف مما هو قادم : انا غلطاتي كبيرة اوي .. معتقدش ان ربنا حيسامحني .. ربنا غضبان عليا اوي .. وانتقم مني اشد انتقام .

هدأت قليلاً وأجابته : وليه متقولش ان ربنا بيعاقبك في الدنيا ، عشان يهونها عليك في الأخرة ، ليه متقولش ان ده ابتلاء عشان تفوق وترجع له ... اهدأ يا شريف واستغفر الله .. وربنا قادر علي كل شيء .

أجابها بحزن : ياااه يا شمس .. ربنا خدلك حقك مني بسرعةاوي .. انتي عندك حق ، انا ما استاهلش واحدة زيك ، رغم اللي عملته فيكي لكن قاعدة بتواسيني .
_ شريف أحنا قبل اي حاجة عيلة واحدة .. مهما حصل ده مش حيمحي العشرة والعمر الطويل اللي بينا .

لحظات وفجأة عّم المكان هرج ومرج .. اصوات صارخة .. طلقات نارية .. واقدام تهرول في كل اتجاه .. كانت شمس وشريف في الغرفة المغلقة لا يستطيعا الهروب .. حتي انفرج الباب فجأة ودخلت زيلدا ومعها رجل يحمل رشاش وأشارت لهما بالإسراع للخارج ، تقدما الاثنان وشريف يضمها نحو صدره كما لو كان هكذا يستطيع ان يحميها من أي شيء ،خرج الجميع من باب الغرفة نحو باب أخر خلفي للبيت ، ليجد شريف وشمس سيارة تقف في انتظارهما ، وزيلدا ومن معها يدفعوهما للركوب .


صرخت شمس رافضة فهي تعلم ان استقلت تلك السيارة لن تري قصي او اَهلها ثانية ، صرخت وحاولت الهروب ، ولكن زيلدا استوقفتها قائلة : لو اتحركتي حركة واحدة الرشاش ده حيتفضي في جسمك انتي والبيه اللي معاكي .

ارتعدت شمس من كلماتها وتوقفت في مكانها وهي لا تعلم ماذا تفعل !، ولكنها عقدت العزم علي ان لا تنصاع لهم مهما كلفها الامر فقالت : انا مش حأركب وأعملي اللي انتي عايزاه.

قبضت زيلدا علي الرشاش بيديها الاثنان وقالت بسخرية : متأكدة .

فقابلتها شمس بنظرات تحدي وقالت : ايوه متاكدة ، وأعلي ما في خيلك أركبيه .

علمت زيلدا من داخلها أن أمرهم قد افتضح ، وانه لا يجب ان تترك شهود خلفها لذا اتخذت قرار التصفية ، والانتهاء من الأمر حتي يتسني لها الهروب سريعاً ، رفعت الرشاش وصوبته نحو شمس وهي تقول : ماشي يا حلوة .. حتوحشينا .. ثم أطلقت عدة طلقات متتالية من الآلي الذي بيدها لتنطلق وتستقر في صدر شريف الذي قفز أمامها فجأة ليتلقي الرصاص بدلاً منها .


صرخت شمس بشكل هستيري وهي تري شريف يسقط صريعاً أمامها والدماء تتدفق من جسده .. انتابتها حالة من الذعر وهرعت نحوه وجثت علي ركبتيها بجواره وعندما حاولت ان تقترب منه وتحتضنه ، صرخ بها في ضعف ومع أخر رمق في حياته قال: لا متقربيش .. بلاش تلمسيني .

لم تجد شيء سوي البكاء وهي تصرخ : ليه يا شريف .. ليه كده .. ليه !.

نظر لها بعينان تتصارعان مع الموت .. وأنفاس تحاول ان تستمر حتي للحظات الاخيرة ثم قال بخفوت : انا كده كده ميت.. خليني اعمل حاجة كويسة قبل ما اموت .. يمكن .. ربنا يسامحني ... بس ارجوكي سامحيني .. سامحيني يا شمس ... وبلاش تعرفي حد باللي حصل ليا .. بلاش اموت وهما حاسين بالعار .. احفظي سري .

_ حاضر يا شريف .. حاضر محدش حيعرف حاجة .

اطمئن قلبه .. وهدأت انفاسه المضطربة .. وتلاشت رغبته في البقاء ... ثم لفظ انفاسه الاخيرة .. وسكنت روحه لبارئها .. وسط صرخات شمس وبكائها .

لحظات ثم رفعت زيلدا الآلي مرة أخري نحو شمس وهي متيقنة ان تلك المرة لن تخيب .. ليقاطعها صوت قصي الذي وصل إليهم وهو يهتف بها حاملاً سلاحه : غلطة واحدة بس .. وحتكون نهايتك .

نظرت زيلدا نحوه وضحكت بسخرية وقالت : اهلا بالباشا .. ده الحبايب كلهم هنا ، بس حلو .. انت اكتر واحد انا محروقة منه ، وأهو جيت لحد عندي عشان أخلص عليك ، بتقولها ازاي عندكم ، اتشاهد يا حلو علي روحك ، وصوبت نحوه .. لتندفع رصاصة نحوها ، وتخترق كتفها فتسقط أرضاً وهي تصرخ.

نظر قصي خلفه .. فوجد وليد صديقه هو من أطلق تلك الطلقة التي أنقذت حياته .. لم يفكر كثيراً يجب أن يهربوا جميعاً من وسط هذا الصراع القائم وخاصة ان الرجال الذين كانوا مع زيلدا ، ذهبوا للأشتباك مع أقرانهم ضد الأمن .. هتف بأسمها وهو يدنو منها وقائلاً : شمس .. لازم نهرب حالاً .. لازم نمشي قبل ما حاجة تحصل .

كانت شمس في صدمة .. لا تدرك ما يحدث حولها .. غير واعية لوجود قصي ووليد .. تجثو بجوار جثة شريف وهي تبكي ، اقترب منها قصي اكثر وجذبها نحوه واحتضنها بقوة جعلتها تنتبه لوجوده .. تشبثت به وبأحزانها اكثر وهي تنهار من البكاء .. حملها قصي وهو مازال يحتضنها ونهض ليتجه نحو السيارة حتي يغادروا هذا المكان .

لا يعلم ماذا حدث ؟، وكيف حدث هذا ؟ ، لم يستعب شيء الأ بعد عدة لحظات .. عندما شعر بدفعة من وليد قوية طرحته أرضاً هو وشمس .. ثم سمع صوت طلقات .. تبعه صوت ارتطام جسد في الأرض .. ليستدير مسرعاً نحو الصوت .. فيجد وليد ممدداً أمامه .. والملعونة قد استطاعت ان تصيبه بعد ان أنقذه للمرة الثانية ودفعه بعيداً عن فوهة سلاحها ..هب مسرعاً نحو صديقه .. وفِي نفس اللحظة صوب سلاحه نحوها وأفرغه بها .. لتسقط صريعة في الحال .. وتنتهي اسطورة زيلدا ( الشيطانة الحسناء ).

هرع قصي نحوه وهو يكاد ان يجن .. وظل يتفحصه وهو يقول : وليد .. وليد رد عليا .. أرجوك رد عليا .

نظر وليد لصديقه وقال : خدني من هنا .. عايز اشوف شاهي .. مشيني من هنا بسرعة .

استجاب قصي لصديقه ، وخاصة بعد ان استطاع الأمن ان يقضي علي أغلبية العصابة ، وتم القبض علي الأحياء منهم ، ليسدل الستار علي شبكة من شبكات المافيا الاسرائيلية المتوغلة في سيناء الحبيبة .

حمل الرجال وليد إلي المقعد الخلفي بالسيارة ، وجلس قصي خلف المقود وبجواره شمس .. ثم انطلق يسابق الرياح إلي أقرب مشفي حتي يصل بصديقه في الوقت المناسب .. وقبل فوات الاوان .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الثاني والعشرون

طائرة اسعاف خاصة تقف في مطار شرم الشيخ ، وبجوارها تقف شاهي لا تعلم من المصاب .. فقط هاتف أبلغها بسرعة الحضور إلي المطار .. وسيارة خاصة كانت في انتظارها لتقلها إلي هناك بأقصي سرعة .. وقفت لا تعلم ماذا حدث ؟، فقط دقات قلبها المتلاحقة تنبأها بأن القادم لا يبشر بالخير .. انتظرت وعيناها متعلقة بالبوابة .. وبمجرد أن رأت السيارة تأتي منطلقة وبدون وعي رددت أسم حبيبها : وليد ... يارب لا .. مش هو .. مش بعد ما لقيته ، توجعني فيه .


توقفت السيارة أمام الطائرة .. واستعد المسعفون بالنقالة الطبية .. لتشاهد زوجها يحمل بالأيدي ويوضع عليها .. ظلت في مكانها .. غير قادرة علي الحركة او حتي البكاء .. اقتربت منها شمس وقصي معها واحتضنتها وهي تقول ببكاء : حيبقي بخير .. متقلقيش .

نظرت لهما شاهي بعينان جامدتان وقالت كلمة واحدة : لو جري لوليد حاجة .. مش حأسامحكم عمري كله .

ثم صعدت إلي الطائرة بجوار زوجها .. ووقف قصي وشمس في حالة من الدهشة والصدمة ولكن أيضا يستطيعا تفهم مشاعرها وما تمر به الآن ، أحترم قصي مشاعرها ولَم يحاول ان يستقل الطائرة معها ، بل قام بالاتصال بالمدير لحجز طائرة اخري خاصة .. ليذهبا بها إلي القاهرة .. وفِي خلال نصف ساعة كانت شمس وقصي في السماء علي متن الطائرة ، جلست شمس صامتة وهي تبكي .. احداث كثيرة حدثت لها اليوم .. اوجاع وأحزان من الصعب مداواتها .. خطفها .. صدمتها في شريف .. موته ..


إصابة وليد الخطيرة .. ثم رد فعل شاهي .. الكثير والكثير الذي من الصعب احتماله مرة واحدة ... وفوق كل هذا شعور بالذنب الشديد واحساسها بانها السبب في كل هذا .. جلست تسترجع كل ما حدث ثم انفجرت باكية .. غير قادرة علي التحمل .. ماذا ستخبر والدتها ووالدة شريف ؟، كيف ستواجه شاهي لو حدث شيء لزوجها ؟، كيف ستكمل حياتها مع هذا الشعور الذي يكبلها بالذنب ويجعلها غير قادرة علي مواجهة الجميع ؟.


حدق بها قصي .. كان يشعر بأوجاعها وبما تمر به... لم يستطع تمالك نفسه ... ان يراها هكذا بدون ان يحاول مواساتها .. اقترب منها وجثا أمامها علي ركبتيه ، وأمسك وجهها بكفيه ورفعه ليواجه عيناها الباكيتان .. لم يحتمل رؤيتها هكذا .. كانت كالطفلة الصغيرة التائهة لا تجد من يحتويها .. نظر في عيناها وقال لها : أهدئ يا شمس .. عشان خاطري .. متعمليش في نفسك كده .


أجابته وهي تكاد تختنق من البكاء : أهدئ ازاي .. انا السبب في كل اللي حصل .. شريف جه هنا بسببي .. عرف الملعونة دي بسببي .. وقع في شرها وجاله الايذر ومات بسببي .. وليد بين الحياة والموت .. وصاحبتي الوحيدة بتكرهني ومش طايقة تشوفني عشان .. كل ده بسببي ، وعايزني أهديء طب ازاي .

بصوت يحمل الكثير من الحب قال : اه تهدئ لأن مش أنتي السبب .. شريف هو اللي اختار يعمل كده في نفسه ، أنتي ما اجبرتهوش ، ووليد كان بيحاول ينقذنا ، والموقف اللي حصلك اصلا كله بسببي ، بيضغطوا عليا بيكي عشان أتنازل عن الأرض ليهم .. اختاروا أهم حد في حياتي عشان يخوفوني بيه .
تأملته شمس من خلف دموعها وقالت : أهم حد في حياتك .

همس لها بحب وقال : اه أهم حد يا شمس .. أنتي ، انا كنت حأموت وأنتي بعيدة عني .. مكنتش قادر أتخيل لثانية واحدة ان ممكن يجرالك حاجة ، مكانش قدامي حاجة غير أني الاقيكي .. مكنتش حأقبل أي حل تاني ، أنا بحبك يا شمس ، وده مش نتيجة موقف ولا رد فعل للضغط اللي كنّا فيه .. أنا حبيتك من قبل ما اشوفك .. حبيتك من اول ما شفتك في الحلم ، ومش ناوي أسيبك او ابعد عنك مهما حصل .


كانت شمس تنظر له في دهشة وتستمع لكلماته .. وهي لا تعلم هل يحق لها أن تشعر بالسعادة الأن ؟، أم أنها ستكون مذنبة !.

لم ينتظر قصي أجابتها أو حتي ترك لها المجال للتفكير .. بل جذبها إلي صدره واحتضنها بقوة ، كما لو كان يفرض سيطرته عليها ويقول : أنتي ملكي .
أما هي فلم تكن لديها القدرة حتي علي الاعتراض .. كانت شاردة .. حزينة .. لم تعي سوي وهي تتشبث به وتطلق العنان لنفسها في البكاء ، ولا تريد الابتعاد عنه .

وصلت شاهي الي المشفي مع زوجها ومعه طاقم من المسعفين وانتقل علي الفور إلي غرفة العمليات .. ووقفت هي في انتظاره بالخارج .. وبعد حوالي ساعة لحقها قصي وشمس .

لم تحاول شمس الاقتراب من صديقتها او الحديث معها .. هي تعرفها جيداً .. وتعرف أنها لن تتنازل ابدا .. انتظرت في صمت .. الجميع كان يقف في انتظار الطبيب .. مرت عدة ساعات .. ثم فتح باب غرفة العمليات ليخرج الجميع ومعهم وليد ممدداً علي السرير والممرضين يقومون بنقله إلي العناية المركزة .
هرع الجميع نحو الطبيب الذي استقبلهم بوجه جامد لا تستطيع أن تستشف منه أي شيء.. وجه معتاد علي تلك الحوادث الذي جعلته لم يعد يتأثر او يهتم ، كان قصي أول الواصلين فقال بلهفة : ايه الاخبار يا دكتور .
نظر الطبيب للجميع وقال : أنتم أهل المريض .

فأجابته شاهي : أنا مراته .

أجابها الطبيب قائلاً : المريض اتصاب برصاصتين واحدة لو كانت دخلت جسمه كان مات في ساعتها بس ستر ربنا أن الرصاصة جت في السلسة اللي كان لابسها ، واتسببت في خدش بسيط في صدره .
تنفس الجميع الصعداء وابتسمت شاهي قائلة : الحمد لله .. طب والتانية .
فأجابها الطبيب : التانية هي المشكلة اصابت منطقة حساسة في العمود الفقري .. وده للأسف حيتسبب في شلل ليه .. لكن مقدرش أحدد دلوقتي الشلل ده حيكون دائم والا ممكن يتعالج ، الوقت لسه بدري علي تحديد الحالة بالضبط ، احنا الحمد لله انقذناه من الموت لكن بعد كده حنعمل أشعة عشان نحدد حجم الضرر .
وقف الجميع في حالة صمت وصدمة شديدة .. إلي أن تحدثت شاهي بذهول وقالت : شلل ... وليد اتشل .. ازاي .. يعني وليد راح مني .. طب ليه .. طب اتقابلنا تاني ليه ، طالما حيحصل كده .. يعني انا قابلته عشان أعمل فيه كده .

ابتعد الطبيب بعد ان انهي حديثه ، وتركهم معا ، حاولت شمس وقصي تهدئتها وقالت : أهدئ يا شاهي ، ان شاء الله حيبقي كويس ويخف ، الدكتور نفسه قال ان احتمال يبقي كويس ، اصبري بس .

ليضيف قصي : أحنا مش حنسكت ، حيتنقل احسن مستشفي بره مصر ، وحنعمل كل حاجة عشان يقف تاني علي رجليه .
حدقت شاهي فيهما .. ورمقتهم بنظرات تحمل معاني كثيرة وقالت : أنتوا الاتنين السبب ، أنتم اللي عملتوا فيه كده .. أنتم اللي حرمتوني منه .. وحرمتوه من سعادته .. أنا بكرهكم ، مش عايزة اشوف وشكم تاني في حياتي ... ثم نظرت إلي شمس ووجهت له كلامها وقالت : انا مش عايزاكي تاني ، مش عايزة اشوفك ، ولا اسمع عنك اي حاجة ، عمري ما حأسامحك يا شمس ، مهما حصل . .. كل ما حأشوف وشك حأفتكر اللي حصلي بسببك .. مش حأقدر اتعامل تاني معاكي .. ابدا .

وقفت شمس مصدومة من كلمات صديقتها القاسية ، التي ألقتهم كالقذيفة عليها ثم رحلت مبتعدة ، كانت الكلمات حادة كطعنات السكين في الجسد ، لم تستطع ان تدافع عن نفسها ، او تحاول تهدئتها بل وقفت صامته .. ظلت ساكنة تشاهدها وهي ترحل مبتعدة بعد أن غرست بكلماتها سكيناً في قلبها وفتحت جرحاً لن يشفي ابدا .

اقترب منها قصي بهدوء وقال : متزعليش يا شمس ، أرجوكي متزعليش ، هي مش حاسه هي بتقول ايه من الصدمة ، لما تهدئ حتفوق لنفسها وحترجع عن كلامها كله .. بس أنتي متزعليش .

رمقته بنظرة حزينة وقالت : حتهدئ وترجع عن كلامها .. بعد كل اللي قالته .

أمسك قصي بيدها وقبلها وقال : صدقيني ربنا ليه حكمة ، لو كان عايز وليد يموت كان حيموت ، لكن ربنا أنقذه من الموت وانا متأكد كمان انه حيخف ويمشي علي رجليه ، بس نصبر .

صمتت قليلاً وهي تصارع العديد والعديد من الأفكار في رأسها ثم اخيرا قالت : لو سمحت يا قصي ، أبعد عني .. كلكم ابعدوا عني ، او انا اللي حأخرج من حياتكم كلكم ، محدش يحاول يكلمني ، او يتواصل معايا .. اي حاجة كانت ممكن تبقي بينا حتنتهي هنا .. علاقتي بيكم انتهت تماما ، ومش عايزة اشوف حد فيكم تاني .

أنهت جملتها ثم التفت لتبتعد عنه تماما وتغادر ولكنه جذبها من ذراعها بقوة شديدة ، ووقف في مواجهتها وقال : انتي بتقولي ايه .. انتي أتجننتي .
أجابته بحدة : لا متجننتش .. بس خلاص انا مش قادرة ، مش قادرة اكمل اللعبة السخيفة دي ، انا تعبت خلاص ، مش قادرة استحمل الاتهام اللي اتحطيت فيه ، ومش حأقدر اتعامل معاك وانا كل اللي حصل ليا كان بسببك ، انا خلاص مبقتش قادرة .

صاح بها غير عابئاً بالمكان ولا الزمان : بلاش هبل يا شمس ، متضيعيش كل حاجة عشان قدر مالناش دخل فيه ، انا مش حأسمحلك تعملي كده ، ومش موافق .

فصرخت به في عناد وتحدي وقالت : وانا مش بحبك وعمري ما حبيت حد الا شريف ، ومش ممكن افكر في حد تاني خلاص ، شريف مات .. وانا قلبي مات معاه.
حدق بها قصي بغضب شديد ، وزاد من ضغطه علي ذراعها حتي شعرت أنها ستسحق تحت وطأة قبضته ثم قال : لا ده أنتي أتجننتي رسمي ومحتاجة تتعالجي ، شريف مين اللي بتحبيه ، فوقي لنفسك وبطلي كلام فاضي ، متخلنيش اتعامل معاكي بغباء .

وقفت امامه وبحدة أشد قالت : حتعمل ايه يعني ، ولا تقدر تعملي حاجة ، وأحبط دماغك في الحيطة .

اشتعلت عيناه بنار الغضب وانتفضت عظام فكيه وقال : اخبط دماغي في الحيطة ، ماشي يا شمس ، انا حأوريكي ، ثم حملها علي كتفه ، كما يحمل الشوال .. ومضي بها مخترقاً طرقات المشفي وسط صراخها وضرباتها المتتالية علي ظهره ، لا يعبأ بنظرات الجميع الصادمة وهمساتهم .. شق طريقه نحو البوابة بدون ان يعترضه احد .. كان الجميع يشاهد كما لو كان مشهد من فيلم يتم تصويره في المشفي ، حتي ان البعض أخرج هواتفهم والتقطوا الصور والفيديوهات .
انطلق للخارج ، وألقي بها داخل السيارة ثم جلس بجوارها وأمر السائق بأن ينطلق إلي البيت .

ماذا سيحدث ؟ وهل سيستطيع قصي ان يجعلها تلين ؟
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الثالث والعشرون

وصل السائق أسفل العمارة بعد طريق كان مفعم بالمشاحنات ، والضرب المتتالي من شمس ومحاولتها الهروب أكثر من مرة ، ولكن قصي لم يترك لها المجال ، ثم فعل مثلما حدث في المشفي ، جذبها من السيارة وحملها علي كتفه وصعد بها إلي البيت ، بدون أن يكترث للجيران او المارة .


عبر قصي باب البيت ، ثم اغلقه ثانية بالمفتاح بعد أن أخبر السائق ان يعود مرة اخري للمشفي ، ويوافيه بالمستجدات أول بأول .

دخل البيت ووضعها أرضاً بعد ان احكم غلق الباب جيداً، ثم وقف أمامها متحدياً أن تستطيع فعل شيء .
كانت تشتعل من الغيظ ، لم يأبه باعتراضها او صراخها ورفضها لما يفعله .. كما لو كانت غير مرئية ... هي ترفض تماما التقليل منها ، او فرض السيطرة عليها ، ترفض الاستهانة بها وبرغبتها ... لذا ليستعد للمواجهة ، وليحتمل جنونها وعنادها، فهي لن ترضخ ابدا ، وهذا الصراع لن تكون هي الخاسرة فيه ، يكفيها ما فقدته حتي الأن .
وقفت امامه بتحدي وغضب وقالت بحدة : افتح الباب حالاً وخليني امشي احسنلك .

نظر لها وقال بثقة : مش فاتح ، واخبطي دماغك في الحيطة .

رمقته شزراً والشرار يتطاير من عينيها وقالت : لا انا مش حأخبط دماغي أنا حأخبط حاجة تانية ، .. ثم بدأت تنظر حولها وتكتشف المكان .. شقة فاخرة جداً تمتليء بالأثاث الفخم والتحف والمقتنيات الثمينة ، ابتسمت بخبث واتجهت نحو مزهرية من الكريستال .. تبدو باهظة الثمن ، وتناولتها بيدها ووقفت تنظر نحوه وقالت بتحدي : مش ناوي ترجع في كلامك .

رمقها بقليل من القلق .. ولكنه لن يخضع بسهولة وأجابها بحزم : لاااااا.

_وبدون اي مقدمات قذفتها نحوه ، ليفاجأ بفعلتها وينحني سريعاً قبل ان تصيبه فتتحطم علي الحائط خلفه ، وقف قصي مذهولاً مما فعلته وصاح بها قائلاً: يا مجنونة كان ممكن تموتيني .
ضحكت بسخرية وهي تلتقط منفضة سجائر من الكريستال أيضا وتقول : وده المطلوب .. ثم قذفتها مرة أخري نحوه .. لتصيبه تلك المرة في ساقه .. ويصيح متألما منها ، لتهتف به قائلة : كفاية والا نكمل .

لم يجيب بل تقدم نحوها وجذبها من ذراعها وهو يقول : معاكي للأخر ، بس استحملي أنتي .

ثم اتجه نحو غرفة نومه وهي يجرها خلفه ، واغلق الباب عليهما ، وقال : براحتك بقا هنا .. اصل دي الأوضة الوحيدة اللي مفيهاش حاجة خالص ، فنعرف نتعامل براحتنا من غير أصابات .
وقفت شمس مفزوعة من جرأته ، كيف يفعل هذا !، كيف يحجزها معه في غرفة النوم ؟، وقفت صامتة .. انتابها الخوف قليلاً، فهي لم تعتاد علي هذا ، لا يمكنها ان تتقبل فكرة تواجدها مع رجل غريب عنها في شقة بمفردهما وداخل غرفة نومه .. وقفت تضم ذراعاها حول جسدها وتتراجع للخلف .. كأنها تحمي نفسها منه .

شعر قصي بخوفها .. وبأنها ترتعد من الداخل .. فما كان منه سوي ان تقدم نحوها ببطء شديد بطريقة درامية .. توحي لها بأنه يستعد للأنقضاض عليها ، وهي تتراجع للخلف حتي أصبحت ملاصقة للجدار ، تحتمي به ، وهو مازال يقترب منها حتي أصبح في مواجهتها .. لا يفصله عنها سوي القليل ، ثم رفع يده وأسندها علي الجدار ليحيطها تماما حتي لا تستطيع الفرار ، واقترب بوجهه منها ببطء شديد .. جعل الدماء تجف في عروقها ، وأمال رأسه نحو وجنتها ومد شفتيه يقبلها ، وهي تكاد تنهار لا تقوي علي الفرار أو الاعتراض .. لا تعلم هل استطاع السيطرة علي مشاعرها ؟، ام فقط هي ضعيفة نحوه الأن ، ظل يقترب بشفتيه ثم فجأة همس بأذنها قائلاً : انا لو عايزك مفيش حاجة تمنعني ، بس أنتي لا ، انا بحبك ولا يمكن أعمل معاكي كده .. بس متهيألي واضح اوي انك انتي كمان بتحبيني وعايزاني يعني بلاش مكابرة ... وأسمعي الكلام وبلاش الكلام الفاضي بتاعك ده .


اشتعلت وجنتاها خجلا .. وحرارة انفاسه علي وجهها تصيبها بالدوار .. لقد فضح أمرها ، استطاع ان يستشعر ضعفها نحوه ، لمس ما تخفيه بداخلها وتحاول ان تقيده بقيود من حديد ، ولكن لا سبيل للرضوخ .. علاقتهما محكوماً عليها بالفشل ، لم تعد تقوي علي تحمل خيبات أخري .. يكفيها ما حدث .. قلبها اصبح مهلهلاً من كثرة الندوب.. كالخرقة التي بها ثقوب ولَم يعد لها فائدة .. يجب ان ترحل بعيداً عنه ، يجب ان تنساه تماما ، لعلها تستطيع العيش بعد ذلك .


أزاحت يديه من حولها ، وابتعدت عنه وهي تهرب بنظراتها بعيدا. وقالت : لا مش حينفع .. انا وانت مش حننفع لبعض ، ومهما قلت وعملت ده مش حيغير رأيي .

استشاط غيظاً من عنادها وصلابتها ، رفع يده نحو شعره في حركة عصبية وقال : ليه مصممة توجعيني ، ليه !.
صمتت وهي تردد بداخلها : وجعك مش حاجة جنب وجعي ، بس خلاص مش قادرة استحمل تاني .
اقترب منها وقال : انا مش حأستسلم يا شمس ، مش حأسلم وأوافق علي كلامك ، انا متأكد انك ليا ، لكن مش حأضغط عليكي اكتر من كده ، اتفضلي معايا أوصلك .
رمقته بنظرات متألمة .. كانت تود لو تهرع صوبه وترتمي بين ذراعيه وتبوح بما لا تستطيع ، ولكن لم تفعل .. فقط غادرت بدون كلمة واحدة .

وصلت شمس منزلها بعد معاناة شديدة من ألم الفراق ، واستعدت لألم أكبر ، كيف ستخبر الجميع بما حدث ، كيف ستروي لهم ما حدث دون أن تلطخ سمعة شريف ؟، ماذا تفعل ؟.

دخلت المنزل وبحثت بعيناها عن أمها ، لتجدها في المطبخ ، هرعت نحوها وارتمت في صدرها وجهشت في البكاء ، لم تدري والدتها ماذا تفعل سوي انها احتضنتها بقوة وانتظرت ان تهدأ .. دقائق وجلستا الاثنتان في غرفة النوم بعيداً عن أعين وأذان الجميع وبعد أن أقسمت السيدة رقيه علي الحفاظ علي السر .. روت لها شمس كل ما حدث في الايام الماضية .. ظهور شريف ثم اختفاءه المفاجيء .. اختطافها وبعد ذلك ظهوره مرة اخري واكتشاف ما قام بفعله .. وفِي الاخير التضحية بنفسه لكي ينقذ حياتها .

جلست السيدة رقية تتجرع الألم من رواية ابنتها .. تبكي علي ما ألم بهما ، قلبها يكاد يموت رعباً من مجرد تخيل ما كان قد يحدث لأبنتها لولا شريف وقصي .. ولكنه انفطر بالفعل علي موت ولدها ، فهو لم يكن فقط ابن صديقتها وحبيب ابنتها ، بل كان ابنها ، نشأ علي يدها وتربي في بيتها .. ظلت تبكي وهي لا تعلم كيف ستخبر صديقة عمرها بمقتل ابنها.


شاركت شمس أمها البكاء ، ثم قررت ان تذهب بمفردها إلي والدة شريف تروي لها عن بسالة ابنها وشجاعته ثم تطوي تلك الصفحة تماما ، وبالفعل غادرت البيت وذهبت إلي بيتهم القديم ، تحديداً شقة الخالة خديجة ، ولكن بمجرد وصولها اكتشفت انها ليست بحاجة لأخبارها ، لقد وصل لهم النبأ من الأخبار وقامت السلطات بالاتصال بهم ليقوموا باستلام الجثة ، جلست شمس تروي لخالتها قصة مغايرة عن شجاعة شريف وبسالته ، وعن اخلاقه ووطنيته حتي تحاول رأب الصدع الذي في قلبها ، لعل هذا يهون عليها موت ابنها عندما تعلم انه مات بطل وسيلحق بركب الشهداء ، أنهت المهمة وقامت بمواساتها ، ثم توجهت علي الفور إلي الجاليري ، و قامت بالاتصال بأكرم وبمجرد وصوله بدأت في جمع كل المعروضات حتي ترحل عن المكان بلا رجعة ، فلم يعد يناسب ان تظل في المحل الذي تملكه شاهي .. قضت شمس يوماً كاملاً مع الصبي في جمع كل شيء في الجاليري ثم طلبت شركة شحن لنقل الصناديق إلي المخزن الخاص بها .. وعندما انتهي كل شيء ، طلبت من أكرم أن يبحث معها عن مكان أخر للأنتقال ، ثم عادت للبيت .


جلست شاهي في المشفي بجوار زوجها الذي مازال غائباً عن الوعي من تأثير المخدر ، كانت دموعها لا تتوقف من شدة الحزن ، لا تتخيل مجرد فكرة ان تفقده مرة اخري .. قلبها لا يتحمل كل هذا ثانيةً .. لحظات وسمعت طرقات علي الباب ثم وجدت قصي أمامها ، لم تعد تتقبل أن تري أياً منهما ، هي تحملهما الذنب ولن تغفر لهما ابداً .

وقف قصي يواجه نظراتها الغاضبة المليئة بالكره ، اقترب بهدوء وقال لها بوضوح : أنتي حرة تحبيني او تكرهيني ، تقنعي نفسك ان أنا وشمس السبب وتنسي ان في حاجة اسمها نصيب وقدر ، براحتك ، بس فكرة انك تقرري مين يبعد ومين يبقي جنب وليد دي تنسيها ، وليد ده أخويا ، ومش ممكن اسيبه ، وحأفضل جنبه لحد ما يوقف علي رجله ، بمزاجك او غصب عنك .

رمقته بشزر وهبت لتهاجمه ولكن صوت وليد الذي وصل لمسامعها وهو يحاول ان يتحدث طالباً كوباً من الماء ، جعلها تعود إلي رشدها ، وتهرع تجلب له ما يريد وهي تبكي وتحدثه : وليد حبيبي .. انت كويس ، أنت بخير يا قلبي .

تجرع وليد المياه بنهم ثم بدأ يحاول أن يسترجع ما حدث وقال : أنا فين ؟، ايه اللي حصل ؟.
اقترب قصي من صديقه وابتسم له قائلاً : انت في المستشفي ، والحمد لله ربنا نجاك من الموت وده أهم حاجة .. واللي بعد كده أن شاء الله خير .
التفت وليد لزوجته وشاهد دموعها التي حولت عيناها إلي كتلة حمراء وقال : حبيبتي متقلقيش ، عمر الشقي بقي ، انا وراكي ومش حأسيبك ، تفتكري بعد العذاب اللي اتعذبناه ممكن اموت وأسيبك لحد غيري ، ليه هو انا مجنون !.

ابتسمت شاهي ثم ارتمت علي صدر زوجها وهي تبكي وتقول : ولا انا ممكن اسيبك تاني ابدا .

ابتسم قصي وقال : طيب انا حأسيبكم تعيشوا لحظات الغرام وأروح أجهز للسفر عشان تعملوا شهر عسل جديد وكمان تكمل علاج بره .

في الصباح الباكر كانت شمس تجلس في الاتوبيس الذي يتجه إلي مدينة شرم الشيخ ، يجب ان تنهي عملها سريعاً قبل ان يعود قصي إلي هناك ، فهي لم تعتاد ان تترك المهام الموكلة إليها قبل ان تنهيها ، والمتبقي لن يستغرق سوي يوماً واحداً أو أثنان علي اكثر تقدير ، وبالفعل وصلت إلي هناك وبدأت علي الفور في العمل وظلت تنتقل ما بين المصنع والفندق طوال اليومين حتي انتهت تماما من مهمتها ، فحزمت حقائبها جميعاً ، وقامت بالمرور علي الأدارة المالية لأنهاء كافة مستحقاتها .. فهي لا تريد أن يجد قصي أي ثغرة يستطيع النفاذ منها إليها .. بل ستقطع كل الطرق الذي قد يحاول استغلالها .. وها هي تركت الجاليري أيضا .. وستبحث عن مكاناً أخر حتي لو خارج البلاد .


وفِي المشفي كان قصي يبذل كل جهده للبحث عن أكفأ الأطباء حتي يستطيع نقل وليد وبدء العلاج .. مر أسبوع وهما جميعاً في المشفي ، كان قصي يلازمه هو وشاهي وخاصة بعد أن علم بحالته الصحية .. الذي قابلها بهدوء شديد وتقبل للأمر ، بل أنه كان يشجع زوجته علي التفاؤل والأمل لأنه علي يقين أنه لن يستمر هكذا .

استطاع قصي أن يجد الدولة والمشفي المناسبة لحالة وليد وبدأ في أجراءات النقل .. ثم قام بالاستئذان منهما للسفر إلي شرم حتي يباشر بعض الأجراءات .. ويقم بتوكيل مهمة الادارة إلي المدير المالي ويعود سريعاً للأستعداد للسفر .. وبالفعل توجه قصي بالطائرة إلي هناك .. وبعد بعض الاجتماعات والمقابلات ، اكتشف من المدير ما حدث وأن شمس أنهت عملها تماما وغادرت الفندق منذ ما يقرب من خمس أيام ، وأنه أنهي معها كل المستحقات .. شعر قصي بالخيبة وبأنها تحاول أن تغلق في وجهه كل الأبواب جميعاً ، وعزم علي أن يمر عليها في العمل قبل أن يسافر مع صديقه .. وبالفعل بعد ان اطمئن علي كافة الاعمال .. عاد مرة اخري إلي القاهرة.. وتوجه مباشرة إلي الجاليري لملاقاتها .. ولكنه اصاب بخيبة جديدة عندما علم من المقهي المجاور أنها أغلقت المكان للأبد وانتقلت منه .

هل انتهت قصة شمس وقصي من قبل ان تبدأ ؟، وكيف سيجد الطريق لها ثانية ؟.
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الرابع والعشرون والأخير

مضت عدة أشهر منذ أخر لقاء .. لم يحاول أحداً منهما أن يصل إليها أو حتي يهاتفها ، انقضت الأيام بطيئة ..مؤلمة ...ومزعجة ، لم يكن لديها الحق في الرفاهية ، أن تغلق عليها باب حجرتها وتلعق جراحها حتي تشفي .. لا ، فهي تحمل علي عاتقها مسئولية هذا البيت وتلك الأسرة ، فلا وقت للحزن .. او حتي لاستعادة النفس ، بل يجب أن تستمر في طريقها بلا توقف..


متناسية الآلام قلبها ، وكبريائها .. حاولت أن تنغمس في العمل لعلها تجد السلوي وتقوي علي النسيان .. ولكن كلما مرت الأيام وزاد عددها .. زاد معها يقينها أنها بالفعل أحبته .. بل غرقت في حبه ، لا تعلم لما قدرها هكذا دائما في الحب .. لا تكتب لها النهايات السعيدة ، فقط يجب أن تتألم .. كما لو كانت ملعونة والحب هو لعنتها .. حاولت كثيراً خلال تلك الفترة أن تستقصي أي معلومات عنهم وخاصة عن صحة وليد ، ولكن كان الأمر عسير ، لم تستطع ان تصل لأي شيء ، فقط كل ما تعلمه أنهم خارج البلاد ... كانت دائما تتسائل .. هل ما زال يذكرها ؟، هل مرت في مخيلته ؟، أم أنه أيقن بعد كل هذا البعد أنها ليست من أراد بالفعل ... لماذا تجلد نفسها ؟، يكفيها ما هي فيه !، يجب ان تستمر حتي ولو بلا روح ولكن يجب عليها الاستمرار ، ليس لديها بديلاً أخر .


بالرغم من أنها رحلت عن الجاليري .. وتعقدت مسيرتها قليلاً ، ولكنها استطاعت الوقوف علي قدميها سريعاً ، وإيجاد مكاناً أخر ليصبح مقر عملها الجديد ، وبالطبع لا تنكر أن صفقة فندق الدالي فتحت لها أبواباً كثيرة ، ورفعت أسم براند شمس إلي الأعلي ، حتي أن الفرص أصبحت تنهال عليها .. أخرهم دعوة من الهند لحضور مؤتمر الفن الراقي ، بمشاركة العديد من الشركات التي أصبح لها بصمة سريعة في مجالها ، وسيتضمن عدة ندوات ومحاضرات وأيضا أمكانية فتح مجال للتبادل الاقتصادي ، وهذا قد يفيدها كثيرا. .. كما أنها بالفعل في حاجة إلي تلك الدعوة، فالبعد الأن سيكون في صالحها... بعيداً عن كل ما يحيط بها .. لتستطيع تصفية ذهنها وقلبها ، ومحاولة اخماد كل تلك الصراعات التي بداخلها ، وقد تجد لها متنفس جديد يعوضها عما سلب منها .

لم تتردد في قبول الدعوة رغم محاولات والدتها بإقناعها عن العدول عنها ، ولكنها قررت السفر فكما تسمع دائما ان في السفر سبع فوائد ، فلعل يكن لها حظاً تلك المرة وتنل فائدتين أو أكثر.

اقلعت الطائرة إلي مدينة نيودلهي بالهند ، المدينة الملقبة بالهند الصغيرة باعتبارها واحدةً من مُدن العالَم الأولَى التي اشتُهرت في كافّة المَجالات؛ كالفُنون، والتّجارة، والأزياء، والمال والأعمال، والسّياحة، والتّنمية، وغيرها الكثير من المَجالات.


كانت رحلتها طويلة ولكن اخيراً وصلت إلي المطار لتجد سيارة بانتظارها تقلها إلي فندق ( تاج بالاس_ نيودلهي )... عالم اخر به سحر الشرق انتقلت اليه .. وجوه جديدة مختلفة .. مدينة تشع بالجمال والالوان .. ملابس تضج بالبهجة .. كانت مستمتعة بالمشاهدة من نافذة السيارة .. شعرت بأنها بدأت تستمد طاقة جديدة ، ورغبة في العودة مرة أخري للحياة .. وأن يعود لها الاحساس بالبهجة والسعادة .


اصطفت السيارة أمام مدخل الفندق وترجلت منها شمس لتجد في انتظارها مضيفة تحمل الأزهار وتقودها إلي الداخل .. عبرت البوابة متجهة إلي الاستعلامات .. وفِي لمح البصر وجدت من يجذبها من ذراعها بقوة ، ويجعلها تستدير رغماً عنها وهو يهمس لها : وحشتيني .

حدقت شمس في دهشة .. عيناها لا تستطيع تصديق ما تراه أمامها همست بدون وعي : قصي .
ليكرر مرة اخري ما قاله : وحشتيني .

كانت مشدوهه .. قدماها لا تستطيع حملها من المفاجأة .. قلبها يدق بعنف ، لم تدرك شيء سوي أن الكلمات انسابت من فمها بدون وعي وقالت : وأنت كمان وحشتني.

لحظات طويلة من الصمت .. والعيون لا تقوي علي الافتراق ، إلي ان فجأة ودون سابق إنذار ، جذبها قصي واحتضنها بقوة ، قوة حنين وشوق للأيام والأشهر الذي لم يراها فيها ... لم تقاوم او تعترض ، فقط استكانت بين ذراعيه ، وهدأت نفسها التائهة بعد أن عادت إلي موطنها الوحيد .

لحظات واستمعت إلي صوت تعرفه جيداً ، فابتعدت سريعاً لتشاهد شاهي أمامها وبجوارها وليد وهو يقف علي عكازين .. تبدلت ملامحها من الفرحة للحزن مرة اخري .. لا تعلم كيف سيكون الحديث ؟، سوي انها وجدت صديقتها تهرع نحوها وتحتضنها وهي تقول : سامحيني .. انا اسفة ، انا كنت غبية وحمارة ، انا عارفة اني وجعتك اوي ، بس والله ما كنت حاسة بنفسي .


كان عناقهما قوياً يحمل الكثير والكثير ، لم تعاتبها شمس أو تتجادل معها ، فقطاحتضنتها وكأن هذا العناق قد أذاب كل ما كانت تمر به طوال الشهور الماضية .

بعد انتهاء تلك اللحظات المليئة بالمشاعر الجارفة، جلسوا جميعاً في المقهي التابع للفندق .. وبدأت شاهي تروي ما حدث ، وأنهم وصلوا إلي الهند منذ عدة أشهر لوجود أفضل جراحي العمود الفقري وأفضل المراكز ، وأن زوجها مر بعدة عمليات والآن يخضع للعلاج الطبيعي ، وحالته في تحسن مستمر .

ثم تحدث قصي قائلاً : للأسف انا حاولت أوصلك قبل السفر بس لقيتك سيبتي الجاليري وعرفت انك روحتي الفندق وخلصتي الشغل ، حسّيت انك مصممة علي البعد ، وفضلت اسيبك شوية تهدي .. ومن وقت ما جيت وأنا عمال أخطط أوصلك ازاي ، وأخليكي تيجي هنا ، لحد ما عرفت بموضوع المؤتمر ورشحتك فيه ، وتابعت كل الأجراءات عشان اعرف وقت وصولك ... والحمد لله انك وافقتي .


ظلت شمس تستمع إليهما ثم التفت نحو وليد وقالت : عامل ايه دلوقتي يا وليد .

ابتسم لها بامتنان وقال : زي الفل ، الحمد لله قدرت احرك رجلي ومع الوقت حأطلع أجري زي الخيل ، معايا مراتي حبيبتي القمر دي .. وصاحبي اللي حيجيب أجلي بعمايله .. وقاعدين في بلد من اجمل بلاد العالم .. اكيد مش عايز أكتر من كده .
ابتسمت له بدورها وقالت : سامحني مالحقتش أشكرك علي اللي عملته معايا .. وأسفة علي اللي حصلك بسببي .
أجابها : اولا اللي حصل ده مش بسببك .. أنتي اتخطفتي عشان كانوا عايزين يضغطوا علينا بيكي .. يعني أنتي الضحية في الموضوع .
ثانياً أنا مقدر اللي أنتي كنتي فيه ، وكمان شاهي جت ونيلتها خالص .

ضحك الجميع ثم اضافت شمس : اهم حاجة أنكم بخير ، بجد انا مبسوطة أني شفتكم تاني .

فابتسمت شاهي بخجل وقالت : وحتتبسطي اكتر لما تعرفي مفاجأة صغيرة ، ثم وضعت يدها علي بطنها وقالت : أنا حامل .
قفزت شمس من السعادة واحتضنت صديقتها قائلة : مبروك ، الف مبروك يا قلبي ، ياااه يا شاهي حتبقي أم ، وأحلي أم .
انحني قصي نحوها وقال بصوتاً منخفض : عقبالنا ، وياريت بقي بسرعة عشان أنا مستعجل جداً .
احمرت وجنتاها وتملك منها الخجل وقالت : تقصد ايه .
فأجابها بسعادة : نتجوز بأسرع وقت .. وياريت لو نعمل فرحنا هنا .

نظرت له شمس وقالت بتوتر : ايه ... لا طبعا مينفعش ، مش قبل سنة من دلوقتي .

رمقها قصي بغضب وقال : سنة .. ليه أن شاء الله ، محتاج أكون نفسي ، والا لسه حندور علي شقة ، في أيه يا شمس ، أنتي مش عايزاني والا ايه .
زاد خجلها وخاصة أن العيون كلها تتسلط عليها في انتظار أجابتها فقالت بعفوية : لا لما أنا أكون نفسي الاول .
زفر قصي بقوة وقال : يا مثبت العقل يارب ، تكوني ايه يا حبيبتي !، تكوني نفسك ليه يا ماما ، حد قالك أني مش لاقي أكل .
انزعجت من طريقته وأجابته بعصبية : لا بس أنا مش حأتجوز قبل ما أرتب حياتي ومستقبلي ، ومينفعش أتجوزك والفرق الكبير دا بينا ، انا لازم أكبر شركتي الاول وأقف علي رجلي كويس .

وضع قصي يديه علي رأسه وقال : يا دماغي .. اتفضلوا اتكلموا أنتم ، قولوا حاجة للمجنونة دي .

رمقته بغضب وقالت وهي تضع يدها في خصرها : مين اللي مجنونة يا قصي بيه ؟.
فقام بتقليد حركتها وأجاب : أنا اللي مجنون يا حلوة .. انا .. أنا اللي غلطان اصلاً ، بقا انا قاعد اخطط عشان تيجي ونتجوز ، عشان في الأخر تقوليلي بكون نفسي ، عليا النعمة أنتي واحدة نكدية وغاوية نكد .

انتفضت شمس من مكانها وقالت : كده انا نكدية ، طيب يا قصي ، بلاش تدبس نفسك معايا ، أنا حأريحك مني ، ثم انطلقت مبتعدة عنهم جميعا. .

نهض قصي بغضب ليلاحقها ولكن شاهي منعته وقامت هي بالإسراع خلفها .
استلمت شمس غرفتها وصعدت معها شاهي وجلستا الاثنان ثم قالت لها : مالك بقا !، ايه الكلام الأهبل ده ، يعني ايه تكوني نفسك .
تنهدت شمس وبدا علي محياها أنها تشعر بالحيرة والقلق وقالت : مش عارفة يا شهيرة ، بس صعب اوي الفرق بينا ، مش عايزة احس قدام اهله اني قليلة ، مش عايزة أحس بالضعف ، ده غير أن عندي طموح أني أكبر شركتي وتبقي ليها أسم كبير ، عشان كده عايزة استني شوية لحد ما اثبت نفسي أكتر .

صمتت شاهي قليلاً ثم قالت : بصي يا شمس ، طبيعي اوي انك أتفاجئتي ، ومكنتيش متخيلة ان ده حيحصل .. الصدمة والمفاجأة مع الفترة اللي فاتت اللي عيشتيها، انا من رأيي بلاش تتكلموا في الموضوع ده دلوقتي ، اصبروا شوية ، وانا حأكلم قصي يصبر شوية . اتفقنا .

أؤمات شمس برأسها بأنها موافقة ، ثم تركتها شاهي ترتاح قليلاً علي ان يجتمعوا في المساء ، وذهبت إلي قصي لتتحدث معه .
ارتدت منامتها واستلقت في الفراش ، وهي شاردة في كل ما حدث ، بالأمس كانت حزينة .. تشعر ان الجميع رحل وتركها وحيدة ، فؤادها مجروح .. وروحها تائهة ، والأن كل شيء تبدل ، كأنها في حلم يصعب تصديقه ، قصي عاد ..شاهي لم تعد ناقمة عليها .. كل شيء تبدل للأفضل .. أغمضت جفونها وهي تحلم بما هو أت .

مرت الأيام وهي في سعادة بالغة .. بين المؤتمر الذي استفادت منه بالفعل .. واستطاعت ان تخرج منه بافكار جديدة وعلاقات بالتأكيد ستفيدها كثيراً ، وقصي الذي كانت تشعر معه انها في عالم خيالي لا تريد ان تصحو منه ، كان يبذل كل ما بوسعه لإسعادها .. كانت تنتهي من عملها .. ويبدأ التجول في المدينة مع الجميع ، شاهدت الكثير من الأماكن الرائعة ، كانت تشعر انها أميرة في عالم الروايات ، وان هناك عصا سحرية قد لونت حياتها وحولتها إلي ما هي فيه .


انقضي اسبوع كامل وهي في الجنة ، وذات يوم في الصباح ، استيقظت واستعدت لحضور اخر ايام المؤتمر ، ولكن قبل ذلك يجب ان تتناول الفطور مع قصي ، هكذا كان الاتفاق ، هبطت إلي المطعم وبحثت بعينيها عنه ، لتفاجأ به يجلس علي مائدة كبيرة ، ومعه والدتها وأخواتها ، ورجل وامرأة من هيئتهما تظن أنهما والداه .

وقفت مصدومة لا تعرف ماذا تفعل ؟، لم تعي ما يحدث !، إلي أن نهض قصي وتوجه نحوها بعد ان رآها ، وقادها إليهم وهو يقول بصوتاً منخفض : ابتسمي حتفضحينا.

تحدتث وهي مغلقة فمها وقالت : انت بتدبسني .

فابتسم لها وقال : اه الصراحة .
وصلت للمائدة وألقت التحية علي الجميع ، وتم التعارف بين الأسرتين ، وكان الإعجاب متبادل بينهما ، فقد أغرمت والدة قصي بشمس ، وفِي نفس الوقت أحبت والدة شمس قصي كثيراً وشعرت بحبه الكبير لأبنتها .
لم يعد هناك سبيل للرفض او التأجيل ، لقد اتفق الجميع عليها ، وتقرر إقامة الزفاف هنا في الهند ، وانتهي اللقاء علي أن يجتمعوا مرة اخري للتحضير للترتيبات ، ولكن قصي ألقي بالمفاجأة ان كل شيء قد تم ترتيبه وأن الزفاف بعد ثلاثة أيام .

جلست مذهولة مما يحدث حولها ، كما لو كانت ليست هي العروس ، كأنها تستمع لحديث عن شخصاً أخر ، ولكنها اخيرا قررت الانصياع والتخلي عن عنادها ، يكفيها ما مرت به .. فقط لمرة واحدة تحاول ان تستمتع بما يقدمه لها القدر .. بدون ان تفكر أو تقلق او تتصارع مع مخاوفها .. هي فقط تريد ان تكون سعيدة .


جاء الموعد المحدد وكان زفاف أسطوري بكل ما تحمله الكلمة من معني ، لقد كان بالفعل قصي صادق فيما قال عن انها قام بكل الترتيبات ، لم يترك شيئا واحد ، بل علي النقيض لو كانت هي من حاولت أن تعده لن تفكر فيه هكذا ، تم إقامة الزفاف في قصر تاج محل ، مكان تشعر فيه انك بداخل عالم من الأساطير .. الأزهار كانت تزين المكان بأكمله .. الطابع المبهج الذي أضفي علي الزفاف .. كان زفافاً علي الطراز الهندي .. ولكن يتخلله بعض اللمسات المصرية ، الفستان كان مصمم خصيصاً لها ، لا تستطيع وصفه كان فائق الجمال بذيله الطويل الذي يمتد خلفها عدة أمتار .. السعادة التي تشعر بها مختلفة ، ولكن اجمل ما فيها ، انها بالفعل عاشقة حتي النخاع ، نعم هي تحبه بكل جوارحها .. ولا تريد الابتعاد عنه يوماً واحداً ، كانت تمشي في الممر المؤدي إلي العريس وهي تشعر بالخجل الشديد والسعادة الأكبر كانت تتباطأ يد والده وعيناها تتعلق عليه ، يقف هناك في انتظارها .. ظلت هكذا حتي وصلت إليه ، ليمد يده إليها ويقترب منها ويرفع خمارها من علي الوجه ، ثم ينحني ليقبل فمها في قبلة تذهب العقول .. ليصفق الجميع وسط اجواء جميلة من الاحتفال .


وبعد مرور عام من يوم الزفاف .. في القاهرة ، فيلا صغيرة فاخرة بالتجمع الخامس .. تصدر منها اصوات عالية ، واشياء تتحطم .

_ استهدي بالله يا شمس ، واستعيذي بالله من الشيطان وغيري هدومك وأقعدي .
_ لا يا قصي مش حأقعد ، وحأنزل اروح الشغل .
_ تروحي فين يا مجنونة ببطنك اللي قدامك مترين دي ، انتي هبلة يا بنتي .

بنظرات غاضبة تكاد تشتعل من الغيظ وعصبية شديدة ، قذفت الوسادة من يدها نحوه وهي تقول : أنا مجنونة يا قصي ، دي أخرتها ، طبعا ما خلاص اتجوزتني وخلتني احمل وعايز تقعدني في البيت تحت رجليكي ، بس ده مش حيحصل ابدا ، حأشتغل يعني حأشتغل .

وقف قصي يحاول ان يكون صبوراً ويراعي حالتها وقال : يا بنتي أفهمي حتشتغلي ازاي وأنتي علي وش ولادة ، وبعدين يا حبيبتي انا قصرت في حاجة ، مخليكي محتاجة حاجة ، انا حتي سايب شغلي وقاعد جنبك .

زفرت بقوة ثم اجابته بحدة : ايوه شغل أسطوانة السهوكة ، ما انت مشغلها من اول الجواز ومقعدني جنبك في البيت من أول يوم ، انت السبب .. خلتني سيبت شغلي وشركتي .. وأهملت نفسي لحد ما بقيت شبه الدبة .. انا بقيت دبة بسببك .. انا بكرهك ... انت اللي عملت فيا كده .. انت السبب ، انت كل شوية تثبتني بكلامك وتصرفاتك لما خلاص قربت ابقا زي اي ست مصرية اصلية قاعدة في البيت تأكل وتنام

أجابها قصي وقال : انا اللي بثبتك ، يا بنتي ده انتي مثبتانا كلنا ، وبعدين انا غلطان يعني اني بحبك وخايف عليكي .

صاحت به قائلة : لا ده مش حب .. ده تحكم ، وانا بكرهك .. بكرهك يا قصي .

اقترب منها قصي ، وهو يحاول ان يمتص غضبها ونظر في عيناها بحب وقال : بذمتك بتكرهيني .
تلعثمت قليلاًوقالت بنبرة أقل حدة : اه بكرهك .
فأردف : طب ولو قلتلك وحياتي .
تنهدت بنفاذ صبر وقالت : يعني هو مش كره اوي يعني .. شوية غيظ علي حقد كده .

فأضاف : طب لو قلتلك .. بحبك وبموت فيكي .

شردت مع كلماته ونبرة صوته وعيناه : هااا ... ايه ، صمتت قليلاً ثم فجأة قالت : شفت مش قلتلك اهو السهوكة اشتغلت ، شايف بتثبتني كل مرة ازاي .. انا لا يمكن أتنازل ابدا المرة دي ، وحاشتغل يعني حأشتغل ...
لم يجد سبيل سوي الوسيلة التي تفيده في كل مرة ، فقطع سيل كلماتها المندفعة بقبلة منه، جعلتها تغرق معه في بحر عشقهما الذي لا ينتهي .. وتنسي حالياً ما كان يدور بينهما .. حتي موعد أخر .

تمت بحمد الله

iklan banner

Abdulrhman Sayed
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع قصص وروايات .

جديد قسم :