\


رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الحادي عشر

جلس قصي في مؤخرة القارب علي الدرج وأسند ظهره إلي الحافة وهي جلست أمامه علي مقعد جانبي ثم بدأ الحديث قائلاً : أكيد سمعتي عن عائلة الدالي ، انا الابن الوحيد لعزيز الدالي ، الوريث الوحيد للإمبراطورية ، ابويا عاش يشتغل ويكبر مشاريعه ، للأسف كان دايما هو وأخواته داخلين مسابقة مع بعض ، مين اللي حيبقي الأقوي ، مين رصيده اكبر ، وانا اتطحنت في النص ، من صغري وانا معاه في الشغل ، مش حأقدر اقول اني مكنتش عايش حياتي ، بس كنت دايما حاسس ان في حاجة مقيداني.


المهم كبرت ومسكت الشغل والفنادق ، كان لازم ابقي قوي اوي عشان اقدر أمسك المنصب ده ، حياتي ماشية بنظام معين ، شغل وسهر وبنات وبس ، مفيش اي حاجة مختلفة ، الفترة اللي فاتت لقيت نفسي زهقت من كل حاجة ، مبقاش في حاجة بتبسطني ، بعمل اي حاجة بشكل روتيني ، لكن مش حاسس بأي سعادة حتي لما بنجح مش بحس بطعم النجاح،من مدة قررت أني أعمل تغيير شامل في حياتي ، قررت أبعد عن كل حاجة ، وابداً حياة جديدة ، لكن واضح ان الصورة الجديدة مش عاجبة حد ، وممكن يفتكروا أني ضعيف ، لدرجة ان من يومين واحدة من البنات اللي عرفتهم الزبالة بتهددني بأنها تشهر بيا وبسمعتي ، واضح انها متعرفش هي بتتعامل مع مين !، متعرفش أني أقدر أدوس عليها زي الحشرة، بس انا مستني شوية ، أتاكد من حاجة في دماغي .


ظلت شمس تستمع له وعندما انتهي بادرته وقالت بتهكم : عشان لما أقول أنك عيل نايتي ، وتوتو في نفسك متبقاش تزعل .

حدق قصي بها وشعر بالذهول من رد فعلها ثم قال : انتي اكيد مجنونة ، ازاي تكلميني كده .
شهقت شمس باسلوب ساخر وقالت : امال عايزني اكلمك ازاي يا عينايا ، اقولك معلش يابيبي ، انت اتعذبت اوي ، وشفت اللي محدش شافه ، يا بني أجمد كده وبلاش شغل العيال ده ، تعبان من ايه ، عشان معندكش مشاكل ، زهقت من الراحة والرفاهية ، مليت من البنات ، طب ما طبيعي يحصل كده ، عشان انت بتتعامل معاهم زي ما بتتعامل مع شراباتك ، بتغير فيهم علي مزاجك ، زعلان ان واحدة وقفت قدامك ، كانت لازم تبقي زي القطيع وتسيبك تأخد اللي انت عايزوه وبعدين تسيبها ، وبعدين اوجاع ايه ومشاكل ايه اللي قاعد بتوصف فيها ، انا مش شايفة قدامي غير واحد مبقاش حاسس بطعم حاجة ، عشان عنده كل حاجة ، بص يا عّم الامور خليك في رفاهيتك وسيب المشاكل لناسها ، وبلاش تشاركونا كمان في وجعنا ، هو ايه الطمع ده كمان عايزين تشاركونا في الغلب بالعافية ، ده ايه المرار الطافح ده .

قال قصي مقاطعاً : يا بنتي افهمي ، افهمي احساسي ، واللي ....

وهنا قاطعته شمس وقالت بأسي : افهم ايه ، احساس ايه اللي عايزني افهمه ، تعرف ايه انت عن الوجع ، جربت ايه في حياتك منه ، والا حسّيت بحرمان من ايه ، عمرك جربت ان عمرك يتسرق منك ، والا ان احلامك تتكسر حلم ورا حلم قدام عينك ، جربت أن قلبك يتشرخ من القهرة ومتقدرش تقول اااه ولا تشتكي ، والا انك تضرب في ظهرك من سندك وحمايتك ، انت مشفتش حاجة غير الراحة والقوة ، عمرك ما عرفت طعم الضعف والذل ولا حسّيت بكسرة النفس .

صمتت شمس وشردت بعيناها بعيداً وبلا وعي بدأت تتحدث وترمي أثقال تحملها فوق ظهرها منذ زمناً بعيد بدون ان تشكو حالها أو تعترض : انا كنت بنت زي أي واحدة عادية عايشة حياة جميلة ، أمي الست رقية ليها واحدة صاحبتها اسمها خديجة ، من كتر حبهم لبعض اتجوزوا اتنين اصحاب ، وصمموا يعيشوا في عمارة واحدة ، الباب قصاد الباب ، اتولدت انا وشريف ابن طنط خديجة ، كنّا بنعمل كل حاجة مع بعض ، مش بنسيب بعض الا علي النوم، كان بيخاف عليا ولو حد فكر يقرب ليا كان بيتخانق ويعمل مشكلة كبيرة ، فضلنا كده لحد ثانية ثانوي ، حياتنا وأحلامنا كانت كبيرة ، وحبنا كمان .


في الأجازة وقبل ما ندخل تالتة ثانوي ابويا مات ، سندنا مشي وسابنا ، وماما وقتها قررت اني لازم اسيب المدرسة واشتغل معاها عشان نقدر نصرف علي اخواتي الصغيرين ،حاولت كتير اقنعها بأني اكمل تعليمي وحأساعدها ، لكن هي رفضت تماما ، وقعدتني من المدرسة ، وشغلتني معاها في الخياطة ، شريف حاول يقنعها لكن مفيش فايدة ، ولأول مرة سكتنا تختلف ، هو راح المدرسة وانا قعدت في البيت اشتغل ، صدمتي كانت كبيرة ، بس إصراري كان أكبر ، رفضت قرار أمي ، وصممت أني أغيره ، رحت لمدرستي وطلبت منها تساعدني اني اقدم ثانوية منازل ، ومعرفتش اي حد ، كنت خايفة افشل ويقولوا يا فاشلة ، بس انا كنت مصرة علي النجاح ونجحت.


ولما رحت اقول لماما سكت ، خفت اقولها اني نجحت وعايزة ادخل جامعة لأحسن تقولي اني حأبقي عبأ عليها ومصاريفي حتبقي كتير ، عشان كده قررت أنحت في الصخر ، اشتغلت معاها في الخياطة ، ورحت خدت كورسات في التصميم والاكسسوارات ، وجنب شغلي معاها عملت شغل خاص بيا ، وبدأت واحدة واحدة ، لحد ما حبيت مجال الشموع واني اعمل منها اشكال وأبيعها للمكتبات ومحلات الهدايا ، مع شغل الاكسسوارات ، دخلت كلية فنون جميلة ودرست من غير ما حد يعرف ، وكنت بشتغل ليل نهار عشان ماما متحسش بحاجة ، وعشان اخواتي ميحتاجوش حاجة.


كبرت شغلي وعملت جروب علي النت بقيت بأعرض فيه شغلي ، كل ده وشريف بيبعد عني ، بقا ملهي في حياته الجديدة وجامعته واصحابه ، عمري ما توقعت انه حيجيء يوم ويقولي احنا مش حننفع لبعض ، اليوم اللي كنت عاملة ليه مفاجأة اني كملت تعليمي واني فاضل ليا سنة واتخرج ، لقيته جاي يقولي ان سكتنا مبقتش واحدة ، وانه صعب يتجوز واحدة مش معاها شهادة ، لا والأحلي انه حب واحدة زميلته وعايز يخطبها ، يومها قلبي اتشرخ، حياتي كلها انهارت ، انا عمري ما عرفت شكل حياتي من غيره ، هو الوحيد اللي كان في حياتي ، هو كان سندي اللي كنت عمري ما اتخيل انه ممكن يكسرني ، يومها كتمت فرحتي ، وقررت اني مش حأقوله وحأخليه يندم أنه أتنازل عني بسهولة ، مكنتش بنام ، كنت مواصلة الليل بالنهار ، دراسة وشغل.


واتخرجت وبدأت في الشغل اللي حبيته ، وربنا كرمني بأني قابلت شاهي ، عملت ليها شغل واتعرفنا وبقينا اصحاب ، ولما قررت تستقر في مصر لقيتها بتقولي تشاركيني ، وفرت ليا المحل اللي في عمارتها وعملته جاليري خاص بشغلي ، وبقا براند شمس ليه اسم ومكان وفِي طريقي أني أصدر بره مصر ، ويوم خطوبته عزمني ، اصله خلاص بقا يعتبرني اخته ، رحت ولبست اشيك لَبْس وباركت ليهم في الكوشة وقلت له أني جبت له هدية جوازه ، شهادة التخرج بتاعتي ، ومشيت بعد ما شفت النظرة اللي كنت مستنياها، انا نجحت بس قلبي لسه مكسور ، عايشة بس من غير روح ، بضحك وانا كلي وجع ، ودلوقتي البيه عايز يرجع تاني ، بعد ما رماني ، بعد ما خلاني فقدت الثقة في أي حد ، اصعب حاجة ان الضربة تجيلك من البنادم اللي لا يمكن تشك فيه .


ااااه زفرتها بقوة بعد أن أخرجت كل مكنونات قلبها ، بعد ان اعترفت بكل ما قاسته في الحياة بدون أي سبب ، لا تعلم لما صارحته بكل هذا ، فهي إلي الأن لم تواجه نفسها حتي به ، ولكنها ألقت بكل ما بداخلها كأنها تلقي قنبلة كانت ستنفجر بها ، هدأت قليلاً واستعادت ثباتها ونظرت نحوه ، وجدته ينظر إليها وعلامات الصدمة والدهشة علي وجهه لا يستطيع إخفائها فأكملت قائلة بسخرية : عرفت بقا انك نايتي في نفسك ، ومحتاج تنشف شوية ، وتبطل شغل العيال التوتو دي ، وبعدين لو البت دي فعلا مش كويسة ، الموضوع بسيط اوي سجل لها كلامها وهددها بيه ، وريح دماغك يا كبير .


حاول قصي أن يخفي ارتباكه وشعوره بالضآلة أمامها ، ولكنه لم يستطع أن يخفي حيرته وفضوله الذي لا يعلم مصدرهم وقال لها : طيب ليه رافضة ترجعي ليه طالما لسه بتحبيه .

لمعت عيونها بالدموع وقالت : في فرق كبير بين الحب والعشرة ، انا كنت بحبه ، كنت بحب صورة في خيالي كنت راسماها عنه ، لكن الصورة دي اختفت وظهرت بدالها شخصية ما أعرفهاش ومش بحبها، انا مش بحب البنادم ده ، انا ما أعرفوش ، ولا عمري قابلته ، الانسان اللي حبيته اختفي وبقا بداله واحد غريب عني ، انا الوجع اللي جوايا من الغدر ، وجعي بسبب عمر طويل عشته وانا عارفة انا واقفة فين ومع مين ، كان صعب بعد كل السنين دي أغير كل ده بسهولة ، اكيد حأتجرح واتوجع، لكن رجوع تاني لا ، الثقة لو اتعكرت بالخيانة عمرها ما حترجع تاني ، زي المياه لو اتعكرت بتراب لا يمكن ترجع نقية تاني ، وانا لا يمكن اثق فيه تاني ، ولا قادرة اغفر له اللي عمله ، هو انتهي بالنسبة ليا ، لكن جوايا لسه محتاج وقت عشان ينسي .

لا يعلم ما سر السعادة الذي شعر بها والابتسامة التي علي وجهه ، لقد كان يتمني ان يسمع منها تلك الأجابة ، لا يستطيع تفسير لماذا؟ ، ولكنه شعر بالسعادة ولأول مرة منذ زمن ، ثم نهض من مكانه وقال : يلا تعالي ساعديني عشان نرجع الفندق ، عشان لسه حاسس بدوخة .

بعد مرور ساعة وصل القارب إلي المرسأ وصممت شمس ان يذهبا إلي الطبيب اولاً وبعد الاطمئنان عليه وأنه فقط يحتاج إلي بعض الراحة ، هرعت نحو غرفتها حتي تجد شاهي ، ولكنها عندما وصلت لم تجدها هناك ، أخرجت هاتفها وقامت بالاتصال بها ، ولكن لا مجيب ، شعرت بالقلق والغرابة ، أين هي ؟ ، وماذا حدث ؟ .

رنين الهاتف أزعجها وجعلها تستيقظ من نومها ، فتحت عيونها ببطء شديد، كانت تشعر بالكسل ولا تريد النهوض ، ألقت ببصرها علي الفراش بجوارها ، وجدته مازال مستغرقاً في النوم ، ظلت تتأمله ، كم هو وسيم .. جذاب .. مدت يدها تتحسس كتفه بأناملها ، ثم اقتربت منه ووضعت رأسها علي ظهره العاري واحتضنته وهي تشعر بنشوه وسعادة كانت تفتقدها منذ زمناً بعيد ، كانت متشبثة به لا تريد أن تفترق عنه ، تريد ان تظل ملاصقة لقلبه ، فهذا هو مكانها الطبيعي ، أحضانه التي لن تمل منها ابدا .


استيقظ من اثر لمستها ، شعر ببشرتها الناعمة علي جسده ، فتح عيونه فهو مازال في شوقاً كبير لها ، لم ولن يرتوي منها ابدا ، يشعر انه في حلماً جميل لا يريد الاستيقاظ منه ابدا ، ادار جسده سريعاً لتسقط علي صدره ، واحتضنها بقوة كأنه يرسل لها رسالة بأنكِ ملكاً لي ، ثم بدأ يطبع قبلات رقيقة علي وجهها وأذنها ورقبتها : صباح الخير يا أميرتي ، صباحية مباركة .


تورد وجهها وشعرت بالخجل ، دفنت وجهها في صدره وقالت : صباح الخير حبيبي .

عاود الهاتف رنينه مرة أخري ، فالتقطته شاهي من جوارها ونظرت إلي اسم المتصل ثم صرخت قائلة : شمس .. ياربي أنا نسيتها خالص ، ثم نهضت بذعر من الفراش وهي تبحث عن ملابسها وصرخت به قائلة : يلا بسرعة قوم البس .

كررت شمس محاولة الاتصال اكثر من مرة ، ثم قررت أن تستحم وتغير ملابسها وتذهب للبحث عنها، وبالفعل أنهت حمامها وارتدت فستاناً قطنياً أبيض سريعا ومشطت شعرها واتجهت لباب الغرفة للمغادرة وبمجرد أن فتحت الباب شهقت من الفزع ثم صرخت قائلة : خضتيني ، كنتي فين يا مصيبة ؟.

عبرت شاهي الباب وجلست علي الفراش ، نظرت لها شمس بتعجب وأغلقت الباب ثم سارت نحوها وقالت : ايه اللي حصل !.
نظرت لها شاهي ورفعت يدها اليسري وأشارت علي إصبعها وقالت : انا اتجوزت امبارح .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الثاني عشر

وقفت شمس في ذهول ، لا تستطيع استيعاب ما قالته شاهي للتو : اتتت... اتجوزتي .. امبارح ... ازاي ، فين ، ومين ، انا مش فاهمة حاجة !!.

ضحكت شاهي وقالت : اقعدي وانا حأحكيلك كل حاجة ، جلستا الصديقتان في الشرفة ، وبدأت العروس تروي ما حدث ليلة أمس : امبارح وليد خدني الشاليه ، لقيته مجهز ليا شموع وورد في كل مكان، قعدنا مع بعض اتكلمنا ، اتعاتبنا واتخانقنا واتصالحنا وفِي الاخر قالي انه عايز يتجوزني .

فلاش باك ليلة أمس .

تشبثت به ودفنت وجهها في صدره ، وضمته اكثر لها ثم قالت : انا بحبك يا وليد .. عمري ما حبيت حد غيرك ، ولا حأحب .
رفع وليد وجهها وتشابكت الأعين في نظرات طويلة مليئة بالحب والشوق والرغبة ، لم يكن بحاجة لأكثر من هذا لينحني ويلتهم شفتاها في قبلة طويلة ، قبلة انتظرها ثمان سنوات ، بها العديد والعديد من المشاعر والرغبة المكبوتة ، لينصهر الاثنان معا سوياً لدقائق طويلة لا يعرفا عددها ، وبعد ان انهكهما الشوق ، وشعرا انهما لن يستطيعا الانتظار أكثر من ذلك ، نظر وليد لها وبأنفاس لاهثة قال : يلا نروح نتجوز .

حدقت شاهي به وقالت : ازاي ، دلوقتي ، طب وبابا ومامتك .

أمسك وليد بيدها وجذبها واتجه نحو العربة وقال : الاتنين عطلونا كتير ، انا حياتي كانت المفروض تبدأ معاكي من زمان ، ضيعوا مننا ٨ سنين ، المفروض نضيع ايه تاني ، وانا خلاص مبقتش قادر استني اكتر من كده ، انا لو متجوزتش النهارده حأصور قتيل .
حاولت شاهي أن توقفه ولكنه لم يردع او يتراجع عن رأيه : طيب استني نكلم شمس ونجيب حد من أصحابنا .
توقف وليد وأمسك وجهها بكفيه ونظر في عيناها وقال : انا دلوقتي مش عايز غيرك انتي ، دلوقتي حنتجوز ، وبعد كده حنعمل كل اللي انتي عايزاه حتي لو عملنا كل يوم فرح ، بس دلوقتي أنت ملكي وبس .

ذاب قلب شاهي من كلماته ، لم تستطع أن تقاوم رغباتها اكثر ، كانت تحاول ان تتماسك ولكن كل دفاعاتها انهارت ، ولَم يتبقي سوي شوقها وحبها له ، لذا قبلت وتم الزواج ليتوج قصة حبهما ويكملا سويا ما قد توقف من قبل ، تم عقد القرآن ليعود وليد مع عروسه الجميلة إلي الكوخ الذي بني بالحب ، لتبدأ فيه قصة الحب الوحيدة التي كانت دائما وابداً .


عودة مرة أخري للحاضر ، جلست شمس تستمع في دهشة وذهول ، لم يكن يدور في مخيلتها أن صديقتها قضيت ليلة كهذه ، لقد كانت تظن أن ليلة أمس خاصتها مثيرة وغريبة ولَم يدر بذهنها أن ليلة صديقتها هي الأكثر أثارة ، شعرت شمس بالسعادة الغامرة لها ، فهي تعلم كم كانت في حاجة شديدة للحب ، وها هي الأن عادت إلي قلبها القديم ، نهضت وأسرعت باحتضان صديقتها وظلت تقبلها وهي تقول : الف مبروك .. مبروك حبيبتي ، انا مش مصدقة ، بجد حاسه اني بحلم ، بس انا مبسوطة اوي اوي .


_ يعني انا اللي مصدقة انا مش قادرة اتخيل اني بقيت زوجة ، وان وليد بقا جوزي ، كده بين يوم وليلة ، بجد انا مبسوطة اوي اوي اوي ، مش متخيلة وليد بيحبني ازاي وحنين عليا ازاي .

_ سيدي .. يا سيدي ، ايوه يا عّم عقبالنا .
ابتسمت شاهي قائلة : يارب يا شمس ، ربنا يوفقك وتلاقي اللي يستاهل حبك .

مرت فترة الظهيرة واستعدت شمس للعمل ، وقامت بالاتصال بمكتب قصي لتحديد موعد معه اليوم ، وعندما تم ابلاغها بالحضور في خلال نصف ساعة ، اتجهت إلي بهو الفندق وجلست هناك في المقهي الملحق له وتناولت قدحاً من القهوة قبل موعدها ، ثم ذهبت مباشرة إلي مكتبه ، وهي عازمة علي البدء مباشرة في العمل وأن لا تترك مجال لأي احاديث جانبية ، بدأ الاجتماع واستطاعت ان تديره بمهارة عالية ، وتم الاتفاق علي كل التصاميم المقترحة بعد ان قامت بعمل جولة تفقدية للفندق حتي يتم اختيار التصميمات التي تتماشي مع الديكورات الموجودة ، وانتهي الاجتماع علي انها ستقوم بالبدء في العمل بأسرع وقت ممكن مع المصنع الذي سيقوم بتنفيذ كل التصاميم المطلوبة ، وقد استطاع قصي أن يقنعها بالمصنع الذي سيقوم بالتنفيذ القابع في المنطقة الصناعية بشرم الشيخ ( منطقة الرويسات )، بعد إلحاح منه شديد بأنه من أفضل المصانع ، كما ان هذا سيقلل من تكلفة الإنتاج والنقل ، ووافقت علي ان تتفقد المصنع لتري علي أرض الواقع .


عادت شمس إلي غرفتها وحيدة بعد ان انتقلت صديقتها إلي منزل الزوجية لتبدأ حياتها ، كانت تشعر بإرهاق شديد فمنذ امس وكانت الاحداث سريعة ومتلاحقة ، ولَم تنم بالقدر الكافي ، لذا فضلت ان ترتاح قليلاً حتي موعد العشاء .


حزمت شاهي حقيبتها وانتقلت للعيش في بيتها الجديد ، الذي لطالما حلمت به ، كانت تشعر بسعادة كبيرة ، لذا قررت ان تقوم بمهاتفة والدها وأخباره بالأمر ، وكما توقعت لم يلق بال او اهتمام كبير ، هنأها بالزواج وتمني لها السعادة كما لو كانت انسانة غريبة عنه ، لم يوبخها او يغضب لأنها تزوجت بدون علمه ، لم يخبرها أنها حرمته من اللحظة التي ينتظرها أي أب ، لم يهتم حتي ، ولكن كل هذا لا يعنيها ولن تترك له الفرصة ليجعلها حزينة مرة اخري ، لقد وجدت سعادتها الحقيقية ولن تتنازل عنها ثانية ، كانت جالسة في الشرفة تتأمل البحر ، تشعر بالراحة والسكينة ، أغمضت عيناها قليلاً ، تنتظر عودته لها من العمل ، كانت في شوق كبير له ، فهي لم تكتفي بعد منه ، ولن تكتفي ابدا ، ظلت شاردة في ليلة امس تراها بعينين مغمضتين ، تشعر بنشوه الحب التي لم تكن تتخيل أنه سيعود من اجلها ثانية ، ثم فجأة قالت وهي لا تزال مغمضة عيناها : وحشتني .


وقف وليد مذهول ، كيف علمت أنه عاد ، فتحت شاهي عيناها وقفزت في احضانه وقالت : وحشتني اوي .

احتضنها بقوة ثم حملها سريعاً وهو يدور بها قائلاً : بحبك ... بحبك ... بحبك ، ودخل معها إلي غرفتهما ليضعها علي الفراش ، ثم توقف قائلاً : أنتي عرفتي منين أني جيت .
ابتسمت له وهي تداعب ذقنه وقالت : البرفان بتاعك ريحته مميزة اوي يا بيبي .

جاء موعد العشاء وارتدت شمس فستان سهرة رقيق بلون الكشمير يتناسب مع لون بشرتها البيضاء ، يظهر كتفيها وينساب علي جسدها بنعومة وقامت برفع شعرها لأعلي ، وارتدت قرطين الماظ أصرت شاهي أن تتركهم لها ، وذلك للأحتفال بزواج صديقتها كما هو متفق عليه ، ووضعت مكياج اظهر جمالها ورقتها ، ثم اتجهت نحو القاعة المقام بها حفلة العشاء احتفالاً بالعروسين .


وصلت شمس وشاهدت شاهي تجلس مرتدية فستان ابيض قصير رقيق وتضع تاجاً صغيرا في شعرها ، كانت رائعة الجمال ، اقتربت منها واحتضنتها وباركت لهما الزواج هي وزوجها ثم جلست معهما علي نفس المائدة ، كانت الأجواء جميلة ومبهجة ، المكان مزين بالورود والإضاءات الملونة ، الموائد رصت علي شكل قلب ، والعديد من ضيوف الفندق والعاملين حاضرين ، بحثت بعيناها عن شخص معين ولكنها لم تراه ، كانت تعتقد انه سيكون أول الحاضرين ، ولكنه لم يحضر بعد ، أدعت امام نفسها أنها غير مهتمة وتابعت بعيناها صديقتها وهي تنهض لترقص علي أنغام الموسيقي الهادئة مع زوجها .


كانت شاهي في قمة سعادتها وهي مع زوجها وحبيب عمرها ، ظلت تتمايل علي الموسيقي بين احضان وليد ، وهو يهمس في اذنيها اجمل عبارات الحب ، لم تكن تريد أي شيء اخر ،فهي الأن في عالمها الذي كانت تتمناه ، عالمها الذي كان من درب المستحيلات ، والأن اصبح حقيقة ، لذا لا تريد سوي ان تظل هكذا ، بين ذراعي حبيبها ، معشوقها الوحيد ، حبها الاول والاخير .


كان شمس تتابعهما وهي تشعر ببهجة كبيرة ، عيناها تلمعان ،من السعادة ، وقلبها يداعبه الأمل انه لا يوجد شيء اسمه مستحيل ، وأنها قد تعاودها الحياة مرة اخري ، ويدخل الحب قلبها من جديد ، بعد ان يلتئم من جرحه الغائر ، ظلت مستمتعة بهما .. شاردة في خيالاتها الخاصة ، إلي ان انتبهت علي لمسة يد علي كتفها وصوت تعرفه جيداً يقول : تسمحي ليا بالرقصة دي .

رفعت شمس بصرها نحو الصوت وشهقت من المفاجأة قائلة : شششش.. شريف .

كان قصي يتابع كل ترتيبات الحفل ، ينظم الموسيقي ، والطعام ، وفقرات الحفل ، أراد أن يقدم لصديقه حفلة مميزة ، لذا كان يهتم بكل التفاصيل بنفسه ، ولكن ذلك لم يمنعه من ان يختلس النظر بين الفينة والأخري باحثاً عنها ، لا يعلم لما كل هذا الاهتمام الزائد بها ؟ ، هو لا ينكر أنه معجب بها كثيراً ، ارادتها ، قوتها ، كبريائها ، رقتها ، ضعفها ، براءتها ، انه معجب بكل شيء بها ، كل تفاصيلها ، حتي تفاصيل وجهها لا يمل منها ، يريد ان يستمر في مشاهدتها طوال الوقت ، ظل يتابع العمل في الخلف ، وهو يراقب القاعة حتي يراها ، وبمجرد أن وقعت عيناه عليها وهي تعبر بوابة القاعة وتتجه نحو العروسان ، كان يتمني أن يهرع نحوها ، ولكنه لم يستطع ، شعر بالخوف ، ليس منها ، بل من نفسه عليها ، فهو مازال لا يعلم ماهية مشاعره الحقيقية نحوها.


قد يكون مجرد انجذاب لن يستمر ، لا يجب ان يظهر توقه الشديد نحوها ، انها رقيقة جدا ، لا يجب ان تجرح ابدا ، ظل يتابعها وهي تسير بهذا الفستان الخلاب الذي يظهر جمالها ببراعة شديدة ، كانت كالحورية لا يضاهيها أحد ، مميزة ، مختلفة ، حاول أن يتابع عمله ولكن عقله كان مشتت بها ، يفكر فيها ، ويختلس النظر إليها كل دقيقة ، ظل هكذا إلي أن شاهد هذا المتطفل الذي يقترب منها وتجرأ ووضع يده علي كتفها العاري ، شعر ان الدماء تغلي في عروقه وانه لا يستطيع الاحتمال اكثر وتقدم نحوهما بخطوات واسعة ليسمع أسم اكثر أنسان لم يكن يتمني ان يكون متواجد هنا الأن ، حبيبها السابق (شريف) .


حدقت به شمس وهي لا تصدق انه هو الذي يقف أمامها ، ظلت في ذهول حتي أمسك بيدها وجذبها نحوه لتقف علي قدميها وقال : وحشتيني يا شمسي .

بدأت تستعيد ثباتها فابتعدت عنه قليلاً وسحبت يدها من يده وهي تقول : انت بتعمل ايه هنا يا شريف ! .
نظر لها بعينان عاشقتان وقال بحب : وحشتيني ، مقدرتش استني لما ترجعي .
ضحكت بتهكم وقالت : وحشتك وده من أمتي !، أظن احنا كنّا قفلنا الموضوع ده قبل كده .
أجابها بهدوء : موضوع ايه اللي اتقفل ، هو اللي بيني وبينك موضوع ممكن يتقفل .

ببرود شديد قالت : والله ، يعني اللي بيني وبينك مينفعش يبقي موضوع ويتقفل ، لكن ينفع فيه الغدر والخيانة والندالة صح .

تحدث لها متوسلاً : أرجوكي يا شمس سامحي ، سامحي وانسي ، أنا مش قادر أعيش من غيرك ، حياتي كلها وقفت ، مش متخيل ان ممكن يجيء يوم ومنبقاش لبعض ، انا غلطت بس صدقيني ندمان ، ولو قعدت عمري كله أحاول أني أعوضك مش حأقدر ، بس ارجوكي اللي بيني وبينك اكبر وأغلي بكتير .

فتحت شمس فمها لتتحدث ولكنها وجدت يد توضع علي كتفها وتضمها ، وصوت يقول : اسف حبيبتي اتاخرت عليكي ، كنت لازم اتابع كل الترتيبات بنفسي .

نظر شريف نحوها وهو يكاد يجن ونظرات عيناه تحولت من الحب إلي الغضب الشديد وقال : مين ده يا شمس .
حاولت شمس الحديث ولكنه مد يده نحوه وقال : اهلًا بيك ، أنا قصي الدالي ، خطيب شمس .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الثالث عشر

خطيب شمس ... هل ما قاله حقيقي !، هل أنا أهذي !، أم ماذا ؟ ، تسمرت شمس في مكانها فاغرة فاهها وقد جحظت عيناها من الصدمة ، لم تستطع استيعاب ما قاله للتو ، ولَم تعلم بماذا تجيب شريف عندما سألها قائلاً : خطيب مين ؟، شمس ، ازاي ، الكلام ده حقيقي يا شمس ! ، انتي ارتبطتي بيه !.


تلعثمت واختنق حلقها بالكلمات التي لا تريد الخروج ، حاولت ان تتماسك وظلت تهذي بكلمات : ايه ... ها .. مين .. اصل .. يعني .

شدد قصي قبضة يده علي ذراعها وقال بصوت حمل لها بعض من الرهبة : ايه ياحبيبتي مالك ، انا اسف اني خالفت اتفاقنا وقلت قبل ما اروح أتقدم لماما ، بس من فرحتي مقدرتش استني .
وقفت شمس تستمع له وهي مصدومة وقالت : مين ؟.. تتقدم لماما .. واتفقنا .. ااه ...

وهنا جذب شريف ذراعها من قبضة قصي وقال : خطوبة ايه ومين اللي حيتقدم ، الكلام ده مش حيحصل ومش حقيقي اصلاً ، انت شكلك بتخرف ، شمس دي تخصني انا وبس ، مش لحد تاني ، واحنا حنتجوز قريب ، وانت مالكش مكان هنا اصلاً .

ثورة من الغضب والغل انتفضت بداخلها ، احساس شديد برغبتها في الانتقام تغلب عليها ، وشعور بالأهانة وبأنها ليست دمية في يديه انتابها وجعلها تجيبه وهي تجذب يدها من يده بعد ان أمسكها بعنف وقالت: كلام ايه اللي مش حقيقي ، انا وقصي اتفقنا علي كل حاجة ، وانا مش ملك حد يا استاذ شريف ، ولا يمكن افكر أتجوزك في يوم من الايام .

وقف الاثنان في ذهول ، شريف مما يسمعه من حبيبته وتؤام روحه ، وقصي من انها وافقت علي كلامه ولَم تكذبه .

ثم اخيرا تحدث شريف قائلاً : انتي بتقولي ايه يا شمس ، ازاي تقولي كده ، وإزاي تفكري ترتبطي بحد تاني غيري ، انتي عارفة احنا لبعض ايه ، احنا مينفعش نعيش من غير بعض ، مينفعش تكوني لحد غيري .

اجابته بتحدي : احنا لبعض اخوات يا شريف ، انت زي اخويا ، مش دي كانت كلمتك ليا من سنتين ، ان انا اختك ، وموضوع ان مينفعش اني اكون لحد غيرك ، ما افتكرش انك تملك عقد ملكية ليا او احتكار ، وإزاي افكر ارتبط بغيرك ، أظن ده حقي اللي حضرتك مارسته بكل حرية قبل كده ومحدش اعترض ، ودلوقتي انا بأمارس حقي ، اللي مالكش فيه حاجة .

عاد قصي مرة أخري للتدخل وأحاط كتف شمس بذراعه ، ولكنها نظرت له نظرة حادة وقالت بصوت منخفض : متسوقش فيها ، بدل ما افرج عليك الناس ، ابتسم بخفه واخفض ذراعه وأمسك يدها وقال : متهيألي كده أنت اللي مالكش مكان هنا دلوقتي ، وياريت تتفضل من هنا حالا وكفاية ازعاج لحد كده ، يلا يا شمس نشوف حفلتنا ،انهي كلماته وجذبها ليغادر المكان معها ويتركه بمفرده .

حاول شريف التماسك وان يسيطر علي أعصابه ولكنه لم يعد يحتمل ، فانقض علي قصي من الخلف وظل يسدد له اللكمات ، تفاجأ قصي فأفلت يد شمس واستدار نحوه لتدور معركة بينهما بالأيدي ، ويحتشد الجميع للمشاهدة ، وهناك من حاول التدخل ولكن قصي رفض ذلك ، وصرخ بهم جميعاً الا يتدخلوا ، وظل الاثنان يسددان اللكمات لبعضهما البعض بقوة ، كان شريف يصرخ وهو يتشاجر معه ويقول : شمس مش لحد تاني ، انت سامعني مش لحد غيري .

وقصي يجيبه بنفس الصياح : انت غبي .. غبي ضيعتها من ايديك وفاكرها حترجعلك وقت ما تحب ، انسي شمس مش ليك ومش حتبقي .

وقفت شمس مصدومة..تبكي من هول الموقف ..تضع يدها علي فمها تحاول اخفاء وجهها ولكنها في الاخير لم تحتمل وصرخت قائلة : بسسس... كفاية ... بس ، ايه اللي بتعملوه ده ، ايه الجنان ده ، بس ، انا مش بتاعة حد ، مش لحد خالص ، سيبوني في حالي ، كفاية بقا .

ظلت تصرخ حتي انقطع صوتها ، ثم ركضت بعيداً عن الجميع ، توقف الاثنان عن الشجار ، وشعرا بالخجل ، اخفض شريف عيناه في الارض ، أما قصي فقد كان كل ما يشغله هي شمس ، فأشار لشاهي انت تتبعها هي ووليد ، ثم نظر نحو شريف وقال : امشي حالا من هنا ، بدل ما اخلي الأمن يرميك بره ، ومش عايز اشوف وشك تاني ، ولا تقرب ناحية شمس خالص ، ثم أشار للحرس وقال : توصلوا استاذ شريف الريسيبشن عشان هيعمل شيك اوت من الفندق ،نظر له شريف بحقد شديد ثم غادر .

ظلت شمس تركض حتي وصلت إلي غرفتها ، وانهارت علي الفراش من شدة البكاء ، استطاعت شاهي اللحاق بها ودخلت الغرفة بعد ان طلبت من وليد ان ينتظرها بالخارج ، وبمجرد أن رأت صديقتها هكذا هرعت نحوها واحتضنتها وهي تحاول تهدئتها : بس .. بس حبيبتي ، ليه كل ده ، اهدي شوية .. بس .

ظلت شمس تبكي بحرقة شديدة ، فهي لم تعد تحتمل كل ما بداخلها من الم ثم قالت بأنفاس متقطعة : انا ... انا .. اسفة ... اسفة .. عشان فرحك ، سامحيني .. بوزت .. عليكي ليلة العمر .

نكزتها شاهي في كتفها وقالت : بس بطلي هبل ، اسفة ايه وعبط ايه ، وبوزتي ايه ، ده انتي عملتي ليا أحلي شو في الدنيا ، جو اكشن علي سابنس ، علي اثارة ومتعة محصلش .

ابتسمت شمس من وسط دموعها ، فأضافت شاهي بسخرية لتخرجها من كآبتها : لا بس الصراحة الواد قصي طلع جامد طحن ، شفتي رزع الواد كام بونيه كان حيكوموا ، انا كنت قاعدة فطسانة علي روحي من الضحك .
ضحكتا الفتاتان ثم قالت شمس : بس يا بنتي مش قادرة اضحك ، سيبيني في همي .

فقالت شاهي ممازحة : اضحكي احسن ما تعيطي ، وبعدين هم ايه انتي بتستهبلي ، رجلين زي اللوز بيتخانقوا عشانك ، عايزة ايه تاني ، ده الاتنين اتطحنوا تحت ، مبقاش فيهم حته سليمة ، بقوا مزرقين من كتر الضرب ، دول محتاجين عمرة كاملة عشان يرجعوا لطبيعتهم تاني .

انفجرت شمس من الضحك علي حديث صديقتها ثم قالت : أحسن يستاهلوا ، واحد عامل نفسه لسه بيحبني وعايزني وهو باعني في اكتر وقت كنت محتاجاه فيه ، والتاني حشر نفسه في اللي مالوش فيه وطلع عليا إشاعة اني خطيبته ، اللهي اشوف فيه يوم البعيد .
ضحكت شاهي قائلة : اكتر من اللي شفتيه تحت ، ما اظنش ، الواد عدي عليه كل الايام مش يوم واحد وكله بسببك .

شهقت شمس قائلة : ليه بقا ان شاء الله ، كنت قلت له يعمل فيها سبع رجاله ويتدخل في اللي مالوش فيه ، بس اسكتي عشان انا مفروسة منه ، واللي فارسني اكتر اني أكدت كلامه ، ابن الدايخة ده ، اعمل ايه دلوقتي في المصيبة دي .

قهقهت شاهي وقالت : يا ختي حد يطول يتجوز قصي ، ده انا كنت جاية مخصوص عشان اعلقه لولا وليد حبيبي مكانش حيفوت من تحت أيدي ، بطلي هبل قصي مفيش راجل زيه ، وعمره ما ركز مع واحدة ست ، وانا ملاحظة انه مركز معاكي اوي ، ودي حاجة جديدة عليه ، بلاش عبط بقا .

هتفت شمس قائلة : يركز والا يولع .. ميخصنيش ، انا اللي يهمني سمعتي وشكلي ، وبعدين انا ايه اللي يخليني افكر في واحد من عينة سي قصي ، كل يوم مع واحدة شكل ، وحاجة كده مسخرة وقلة أدب ، انا ماليش في الجو ده ولا ده لوني ، انا عايزة واحد بيخاف من ربنا ، عشان يخاف عليا ، لكن سي قصي ده لو انا عاجباه النهارده ، بكره تيجي واحدة تانية تعجبه .

استمعت شاهي لصديقتها ثم قالت : طيب ممكن تهدي كده شوية ، خلاص سيبك من كل ده وانسي وخلينا نفكر في اللي جاي .

كان حسناء تتابع كل تلك الاحداث بترقب شديد ، وبمجرد ان غادر شريف واتجه نحو بهو الفندق ، ذهبت خلفه ، وقالت للحارس الذي معه ، ان يتركه لها وهي ستنهي كل شيء ، ثم توجهت نحوه وقالت : اهلا استاذ شريف ، انا حسناء شكري سكرتيرة مستر قصي الخاصة ، القي شريف نظرة مطولة عليها تفحصها فيها من قمة رأسها إلي قدميها ، وهو يحدث نفسه قائلاً : طالما معاك الفرسة دي عايز ايه من شمس .


كانت حسناء ترتدي ملابس كالعادة مثيرة تكشف اكثر ما تخفي ، قميص شفاف يظهر حمالات الصدر الحمراء التي ترتديها من الأسفل ، تعقده تحت الصدر لتظهر جسدها وشورت قصير جداً من الجينز لا يكاد يخفي شيء منها ، كانت نظراته لها تلتهمها ، فهي امرأة مثيرة ، مفعمة بالأنوثة ، وبمجرد أن شاهدت كيف ينظر لها ، علمت انها ستصل إلي مبتغاها ، وبدأت تحيك لعبتها ، وكبداية بدأت بإثارته بحركات ناعمة من أناملها علي صدره وهي تتحدث حتي تجعله يرضخ لها : انا محتاجالك يا استاذ شريف اوي اوي ، وياريت لو تقدر تساعدني .


حاول شريف ان يتماسك وقال : محتاجاني ازاي ، وفِي ايه .

نظرت حولها ثم قالت بدلال : لا مينفعش هنا ، حضرتك حتعمل شيك أوت ، وتيجي معايا علي اوضتي ، ونتكلم براحتنا خالص وعلي أقل من مهلنا ، والا انت وراك حاجة أهم مني .
أجابها والرغبة بدأت تتملكه وقال بخبث : نتكلم براحتنا مفيش مشكلة ، بس المهم ابقي علي راحتي فعلا .
نظرت له بجرأة وقالت : متقلقش خالص ، حتكون براحتك علي الأخر .
انهي شريف أجراءات الخروج وأخذ حقيبته ، وخرج من الباب الرئيسي ليعود مرة اخري من الخلف ويعبر الحديقة ليصل معها إلي غرفتها الخاصة ، فتحت الباب له ودعته للداخل ثم أغلقته بهدوء وهي تنوي فعل كل شيء لتصل إلي غايتها .

أما قصي فقد أسرع نحو غرفة شمس وشاهد وليد يقف بالخارج ، فاتجه إليه وقال : ايه الاخبار .

اجابه وليد في ضجر : ولا اعرف ، الاول سمعت صوت عياط ، وبعد كده صوت ضحك عالي ، وأهو واقف زي الأهبل مش عارف حاجة .
فأجابه قصي ممازحاً وهو يبتسم بألم من أثار الكدمات : وليه زي !.
حملق وليد فيه ثم قال مستهزئاً : يا بني ، اتلم ، انت مفيش فيك حته سليمة ، متخلنيش اتغابي عليك ، ده انت بقيت شبه السنافر الزرق من كتر الضرب .
لم يستطع قصي الضحك بقوة من الالم فقال وهو يحاول ان يسيطر علي نفسه : مشفتش التاني عامل ازاي ، بقا شبه ابو لهب .
_ اااه قلتي بقا التاني ، مين التاني ده حضرتك ، وايه سبب اللي حصل ، وشمس مالها .

حدق قصي بصديقه في دهشة وقال : ايه ده ، قول والله انك متعرفش .

_تصدق ولا اعرف حاجة .
_لا ازاي ودي تيجي ، تعال بقا لما أحكيلك علي ما يُخلصوا اللي بيعملوه جوا .
وبالفعل جلسا الاثنان في الحديقة علي مقعد خشبي وبدأ قصي يروي له كل ما حدث .
وبعد ان انتهي صاح به وليد قائلا : انت البعيد مجنون ، ازاي تقول عليها خطيبتك وليه ، افرض كانت كسفتك وقالت محصلش ، كان حيبقي شكلك ايه وقتها .
صمت قصي برهة ثم قال : حتصدقني لو قلتلك ان قلبي كان حاسس انها مش حتكسفني ، مش عارف ليه .
نظر له وليد بتمعن ثم قال : حتي لو كده ، ايه اللي يخليك تقول انها خطيبتك ، يا بني انت لسه عارفها من يومين ، ازاي تقول كده .
فأجابه وهو شارد بعينيه : صدقني مش عارف ليه عملت كده ، انا اول ما شفته معاها ، ولقيته بيفرض نفسه عليها ، الدم غلي في عروقي ، حسّيت اني مش طايق أشوف حد معاها، واني مش مستحمل ان حد تاني يكلمها او يقرب منها .

ابتسم له صديقه وقال : يا حلاوة ، انت وقعت يا كبير ولا حد سمي عليك والا ايه ، بس ازاي ، لحقت تحبها امتي ، وبعدين دي مش لونك خالص ، يعني بنت عادية مش زي البنات اللي بنشوفهم كل يوم .

نظر له قصي وقال : انا مش عارف بالضبط احساسي ، بس كل اللي اعرفه اني مهتم بيها ، عينايا بتدور عليها دايما ، والاهم اني بجد عمري ما شفت بنت زيها .
اجابه وليد محذراً : قصي خد بالك ، شمس مش زي البنات اللي نعرفهم ، ومن كلامك هي مش حمل وجع ولا صدمات تانية ، يعني لو حضرتك مش واثق من مشاعرك ، بلاش تعلق البنية بيك ، بلاش تظلمها كفاية الزفت التاني واللي عمله .
حاول قصي ان يتحدث ولكن شاهي قاطعت الحديث بينهما وقالت : يلا بينا يا وليد .

نهض الصديقان وسألها قصي : ايه اخبار شمس دلوقتي .

فأجابته بهدوء : سيبتها عشان تنام ، بس خلاص بقت كويسة ، متقلقش .
فاقترب وليد من زوجته وقال : طب يلا بينا يا حبيبتي عشان عندي كلام كتير اوي لسه عايز اقوله ، ثم وجه حديثه لصديقه قائلاً : سلام يا صاحبي ، وفكر في اللي قلته ليك.
غادر العروسان ، ووقف قصي يراقب باب الغرفة ثم اقترب منه ، وظل واقفاً لديه رغبة ملحة في رؤيتها والحديث معها ، ولكنه يعلم انه لا يجب عليه هذا ، ظل ينازع رغبته حتي غادر في الأخير نحو غرفته .

جلس شريف في غرفة حسناء ينتظرها بعد ان استأذنته لتقوم بتغيير ملابسها ، وبالفعل خرجت بعد قليل ترتدي قميص نوم قصير شفاف باللون الأحمر وتضع عليه روب قصير بنفس اللون ، تركته مفتوح ولَم تحاول حتي اغلاقه او اخفاء ما يظهر منها .

كان يجلس وهو في حالة انبهار بجمالها الأخاذ وأنوثتها التي تستطيع الفتك بأعتي الرجال ، ابتلع ريقه وحاول ان لا ينفعل او يتأثر ثم قال : ايه الحاجة اللي عايزاني فيها .
اقتربت منه حسناء بدلال وقالت : مستعجل علي ايه يا بيبي ، انت وراك حاجة ، مش نقعد نتعرف علي بعض الاول ، وبعدين انت ضيفي ، وحتقعد معايا هنا كام يوم ، ولازم أقوم بواجب الضيافة .

فغر فاه شريف واندهش بشدة ثم قال : حأقعد هنا ازاي !، ليه !.

اقتربت اكثر ثم جلست علي ساقيه وكشفت اكتر عن جسدها ووضعت يدها علي ظهره وقالت : هششش ، بلاش اسئلة كتير مالهاش لزمة دلوقتي ، خلينا في اللي أحنا فيه ، وخلي الاسئلة بعدين .
حاول شريف التملص منها والنهوض ولكنها لم تتح له الفرصة ، كانت رغبته اقوي من إرادته ، استطاعت بأسلحتها الأنثوية أن تضعف مقاومته ، وتجعله ينسي كل شيء سوي رغبته بها ، ليقعا الاثنان معا فيما حرمه الله
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الرابع عشر

استيقظت شمس في الصباح الباكر وقد قررت ان تمحو من ذهنها كل ما حدث بالأمس وان تباشر عملها علي الفور ، وبالفعل ارتدت ملابسها وذهبت لتناول الفطور سريعاً ، ثم بعد ذلك توجهت إلي المصنع مباشرة ، لتتابع عملية التصنيع ، وتتأكد من الجودة ،وتنفيذ التصميم بدقة ، حاولت الانخراط في العمل حتي لا تفكر في أي شيء أخر.


أرادت أن تعود لطبيعتها كما اعتادت دائما لا يوجد أي شيء في حياتها سوي العمل ، تعمدت الا تجيب علي أي اتصال من أي شخصاً كان ، لذا تجاهلت اتصالات شاهي فهي لا تريد أن تخبر أي أحد عن مكانها ، وايضاً محاولات قصي للوصول لها من خلال الاتصال او الرسائل النصية ، لم تحاول حتي ان تشاهدها، ظلت منغمسة في عملها فقط ، تريد إنجاز أكبر قدر ممكن في اسرع وقت حتي لا تطول إقامتها .


استيقظ قصي من نومه كعادته كل يوم علي العاشرة صباحا ، ولكنه اليوم لم يتلكأ في الاستيقاظ والاستعداد للخروج ، نهض سريعاً من الفراش وانتهي من روتينه اليومي في الصباح في وقتاً قصير ، وخرج مسرعاً علي العمل في انتظار ان يري شمس ، ولكنه ظل ينتظر طويلاً وعندما قاربت فترة الظهيرة علي الانتهاء لم يستطع الانتظار أكثر وقام بالاتصال بها ولكنها لم تجيب ، كرر المحاولة ، ثم قام بإرسال رسائل لها علي الموبايل لكنها لم تراها.


ساوره الشك ان تكون غادرت الفندق في الصباح ، ولكن بعد مكالمة صغيرة علم انها بالفعل خرجت باكراً ولكنها لم تقوم باعلام احد بانها ستغادر الفندق نهائياً ولَم يكن معاها أي حقائب ، هدأ قلبه قليلاً ولكنه مازال لا يعلم مكانها ، لذا قام بالاتصال بصديقه حتي تقوم شاهي بمحادثتها ومعرفة مكانها ، ولكنها لم تجيبها أيضا ، بدأ القلق يتسلل له ، وظنونه بدأت تتلاعب به ان يكون هذا المدعو شريف له علاقة باختفاءها ، ظل هكذا حتي قارب قرص الشمس علي الاختفاء ، ثم لاح إلي ذهنه خاطر ما جعله ينهض مسرعاً .


من الشائع عند الرجال ان يلقبوا المرأة بالحية ، التي تستطيع أن تتلون .. وتقوم بالالتفاف بجسدها علي الضحية حتي تعتصرها تماما ... كما تلتف المرأة علي الرجال لإيقاعهم في شركها ثم تضع سمها في اللحظة المناسبة وتقضي عليه ، ولكن عزيزي الرجل لا تحاول ان تضع نفسك في دور الضحية ، لأنك لم تكن مجبراً ولا مسلوب الأرادة ، بل فعلت كل شيء بإرادتك ، وبعد ذلك تلوم المرأة أنها أغوتك ، ونسيت ان من أغوي أدم كان الشيطان نفسه .


قضي شريف ليلة كالحلم ، لم يكن يتخيل حتي في احلامه ان يكون مع انثي كحسناء ، مفعمة بالأنوثة والجمال والدلال ، مغرية كاغراء اللهب للفراشة ، تستطيع ان تغويك وتسوقك إلي الجحيم بكامل إرادتك ولا تبالي .

قضي ليلته معها في بحور العشق والغرام والمجون ، دون أدني خوف من الله ، او من عاقبتهما ، استمرا معا حتي الساعات الاولي من الصباح ثم استسلما للنوم ، ليستيقظ من النوم عند الظهيرة ولا يجدها بجواره .

كانت حسناء قد استيقظت كعادتها مبكراً حتي تصل إلي عملها في الموعد المحدد، ولكن قبل الذهاب تركت رقم هاتفها مكتوب بأحمر الشفاه علي مرآة الحمام ، مارست عملها المعتاد وأثناء ذلك كانت عينيها علي قصي ، ظلت تراقبه طوال اليوم ، تنتظر اللحظة المناسبة للتحدث معه ، وعندما تأخر الوقت، قررت ان الا تنتظر أكثر ، وان تحدثه قبل رحيله ، لذا اقتحمت مكتبه بدون استئذان وقالت مباشرة : حبيبي فكر في كلامي والا لا ، متهيألي سيبتك يومين زيادة ، كفاية أوي ، اصلك وحشتني اوي يا بيبي .


نظر قصي إليها ثم ابتسم بهدوء وقال : مش محتاجة تفكير يا حبيبتي ، مستنيكي بالليل في أوضتي .

اقتربت منه وجلست امامه علي المكتب وداعبت وجنته قائلة : ايوه كده يا قلبي ، ما هو مش معقول تقدر تستغني عن حسناء ، مش حتلاقي زيي يا روحي .

ظلت شمس في المصنع مع العمال حتي موعد انتهاء ساعات العمل ،كانت الشمس قد قاربت علي المغيب ، انهي الجميع عمله وتم أيقاف الآلات ، ثم همت بالمغادرة مع العمال لتستقل معهم السيارة الخاصة بهم ، حتي يقلوها إلي الطريق العام خارج المدينة الصناعية ، ومن هناك تستطيع ان تستقل سيارة لتصل للفندق .

خرجت من بوابة المصنع تبحث عن السيارة ، ولكنها بدلا من ذلك وجدته هو ، يقف امام سيارته في انتظارها ، حاولت ان تتجاهله ولكنه لم يدع لها مجالاً لهذا ، انطلق نحوها سريعاً وقال : ممكن نتكلم .

رمقته بنظرة غاضبة وقالت : مفيش كلام بينا .

فأعاد طلبه برجاء : أرجوكي .
نظرت له بغضب بالغ وقالت : عايز ايه مني ، ممكن افهم .
لم ينتظر طويلاً ، أمسك يدها وجذبها خلفه واتجه نحو السيارة وهو يقول : حتعرفي دلوقتي ، بس نقعد ونتكلم .

ركبا سوياً وأنطلق بها نحو منطقة الهضبة الوسطي ، ظلا صامتان طوال الطريق ، لم يحاول أيا منهما الحديث ، وبمجرد أن وصل إلي المكان ، طلب منها الترجل من السيارة ، واتجها سويا إلي مقهي يقع علي حافة الهضبة تري البحر منه ( مقهي صديقي) ، جلسا سوياً كان المكان ساحر ، السماء لونها برتقالي ، الشمس في احضان البحر ، كانت تجلس منبهرة بالمكان وروعته .


تأملها قصي قليلاً وهي تشاهد مشهد المغيب ثم قال : انا اسف .. انا عارف اني احرجتك واتسرعت .. بس صدقيني انا مقصدتش اضايقك.

التفتت نحوه ثم قالت : مقصدتش .. انت مفكرتش .. مفكرتش في شكلي ولا سمعتي ، مفكرتش كلام زي ده تأثيره ايه عليا ، المفروض دلوقتي اتصرف ازاي ، اقول لأهلي ايه اللي اكيد زمانهم عرفوا ، اشرح الموقف ازاي .
صمت قصي قليلاً وهو يشعر بالذنب ثم قال : خلاص حأروح اخطبك عشان محدش يكلمك .

وكأنه اشعل فتيلاً لتنفجر ، فقالت بحدة : انت مجنون .. يعني ايه تخطبني .. انت مش بتفكر خالص .. يعني بدل ما يبقوا كلمتين لأهلي وخلاص .. عايز تخطبني والنَّاس تعرف ، عشان ترجع تسيبني تاني ، هو انت فاكر انا جاية منين !، من جاردن سيتي والا الزمالك ، انا من بولاق يا استاذ ، منطقة شعبية ، الناس فيها كلهم يعرفوا بعض ، والبنت عندنا تتخطب عشان تتجوز ، مش عشان تمثل انها مخطوبة ، اللي تتخطب وتفركش خلاص بيتعلم عليها وبيبقي مكتوب في السي في بتاعها انها فسخت قبل كده ، شكلك بتتفرج علي افلام كتير ، يا بني فوق بقا من العيشة بتاعتكم دي ، وأعرف ان في عالم تاني عايشة فيه ناس حقيقية ، بيخافوا علي سمعتهم وكرامتهم ، وسمعة البنت فيه ممكن تبوز لو بس واحد معندوش دم حب يطلع اشاعة ، او حطها في دماغه لأي سبب، احنا معندناش الرفاهية بتاعتكم اننا نحب ونرتبط وبعدين لما نختلف نفركش عادي ونروح نحب تاني ، دي رفاهية مش من حقنا .


أجابها بسخرية : ايه يا بنتي !.. انتي قلبتيها دراما ليه كده ، حد قالك اني حأفركش ، انا حأخطبك بجد .

صعقت شمس مما قال ، لم تستعب في البداية ثم قالت اخيرا : انت عبيط يا بني .
كظم غيظه وقال ببرود : لاحظي ان كلامك جارح .
فأضافت : لا وما شاء الله عليك بتحس ، تخطب مين يا بابا ، احنا حنهرج ، هو الصنف الجديد اللي بتشربه طلع مغشوش .

ظل قصي صامتاً حتي أنهت حوارها ثم قال : خلصتي .. قاموس التهزيق لسه فيه حاجة تانية والا خلاص .. ارتحتي !، واضح ان بقا مزاج عندك تهزقيني كل شوية .

فأضافت بسخرية : وياريت بتتعظ ، والا بتبطّل ، لا ما شاء الله عليك ، كل مصيبة بتعملها انقح من اللي قبلها ، ها يا عّم الامور حتقنعني بفكرتك اللي زي الهباب دي ازاي .
صاح بها قائلاً : اكتمي بقا شوية واسمعي عايز اقول ايه ... أنتي ايه مش بتفصلي ، اسكتي شوية .
وضعت شمس يدها علي فمها كأشارة للصمت ، فأضاف : ايوه كده حلو .. ياريت ما اسمعش صوت لحد ما اخلص .
صمت قليلاً يستجمع أفكاره ثم قال : بصي يا شمس ، انا في حاجات صعب اشرحهالك لأني نفسي مش لاقي ليها اجابة .. انا مش حأقدر أكد ليكي شعوري ايه من ناحيتك .. بس اللي متأكد منه اني عمري في حياتي ما حسّيت الاحاسيس الغريبة دي عليا غير معاكي ، مش حأقدر انكر اني بفكر فيكي من وقت ما شفتك ، لا من قبل ما اشوفك كمان ..

رمقته بنظرات تعجب وقالت : قبل ما تشوفني !.

فأجاب : مش حأقدر اوضحلك اقصد ايه دلوقتي .. صعب تفهمي .. بس اللي اقدر اقوله اني مشدود ليكي ، بحس احاسيس مختلفة معاكي ، انا نفسي بكون مختلف ، وده اكبر دليل علي انك مناسبة ليا .. الإعجاب والحب مش لازم نكون نعرف بعض وقت طويل عشان نحس بيهم ، هما بيتولدوا في لحظة ، ولو حتي لسه مفيش حب ، بس في أعجاب وتقدير ، انتي انسانة مميزة .. مختلفة .. وانا متاكد ان معاكي حياتي كلها حتختلف ، عشان كده عايزك تدينا فرصة نتعرف علي بعض اكتر .
ظلت شمس صامتة لا تجيب ، فأضاف : قلتي ايه .

أجابت : في ايه... هو انت أصلاً قلت ايه ، ايه الكلام اللي يترد عليه ، انا مش عارف مشاعري بالضبط .. بس بحس معاكي احاسيس مختلفة .. انا لسه مش بحبك ... بس ممكن احبك ، عايزني اقول ايه !، انا شايفة قدامي واحد مشوش .. مش عارف هو عايز ايه .. مش عارف حتي يفسر طبيعة مشاعره ... أحاسيسك مختلفة معايا !، طبيعي عشان انا مختلفة عن كل اللي قابلتهم ... انت مش بتقابل غير الناس اللي من عينتك ومستواك .. حتقابل واحدة زيي فين ... اكيد لو اتعاملت مع واحدة من مستوايا الاجتماعي حتكون بتشتغل عندك وتلقيك متعرفش شكلها ولا حاجة عنها ، اخرك بس تصدر ليها أوامر وخلاص ... انا مش فار تجارب ولا انا غبية عشان أحل مشكلة بمشكلة اكبر ، ولا يمكن اقبل عرضك السخي اوي ... لأنه مش حيناسبني .. ارجوك اقفل الموضوع ده ، ومتحاولش تتكلم فيه تاني .. وأنا حأعرف اتصرف في المشكلة اللي اتسببت فيها .


جلست شاهي مع زوجها في شرفة الكوخ يتأملان سوياً البحر أمامهما ، ولحظة غروب قرص الشمس الذي قارب علي الاختفاء تماما ، لم يكن أيا منهما يتوقع منذ عدة ايام فقط ان الله سيجمعهما بعد ان فرقتهما الظروف ، شعور جميل بالرضا والسعادة التي لا توصف ، كانا الاثنان يجلسان علي الأريكة المتأرجحة ، يحتضن وليد زوجته ويداعب كف يدها بأنامله ثم بدا الحديث قائلا: ايه رأيك يا شاهي في قصي وشمس لو جمعناهم ببعض .

رفعت زوجتها وجهها لمواجهته وقالت : والله ده اللي كنت لسه بفكر فيه وعايزة اقوله ... بس خايفة
تسائل بغرابة : ليه !.

_خايفة علي شمس .. هي مش حمل وجع .. وقصي يعني فلاتي وبتاع ستات .. وشمس مش من النوعية دي .

_ هو اه صحيح كده ... بس صدقيني دي مش طبيعته .. قصي طبيعة حياته فرضت عليه حاجات كتيرة هو مش حابب يعملها .. وطول الفترة اللي فاتت لما كنت اكلمه في الارتباط كان دايما يقولي .. الاقي فين واحدة محترمة من وسط كل القرف ده .. كان بيقولي مش حأتجوز الا اللي احس انها تنفع تبقي مراتي ، غير كده لا ... لأني لو اتجوزت خلاص انا حألتزم بيها ومينفعش اجرحها ولا أوجعها .. يبقي لازم اختار صح عشان انا متوجعش .
همهمت شاهي وقالت : والله لو انت واثق منه خلاص بس حنعملها ازاي دي .
ضيق وليد عينيه وشرد قليلاً ثم قال : سيبيها عليا وحأقولك في الوقت المناسب.

عادت حسناء إلي غرفتها لتستعد من أجل ليلتها ، وكان في انتظارها شريف كما تركته ، وبمجرد ان دخلت الغرفة ، التقطها من علي الباب وحملها وظل يدور بها وهو يقبلها قائلا : كل ده غياب يا جميل ، وحشتيني .

أطلقت ضحكاتها المثيرة العالية وقالت بدلال : حاسب يا شيري .. نزلني حأقع .
_ مقدرش أوقعك يا قمر .. انا مستنيكي من بدري ، ثم القاها علي الفراش ليبدأ معها ما أنهاه من قبل .
ولكنها نهضت قائلة : سوري يا بيبي .. انا مش حينفع.. ورايا شغل ولازم استعد واجهز نفسي ، وبلاش تستناني لأني مش راجعة النهارده .
نظر لها شريف بضيق وقال : يعني ايه .. شغل ايه ده ... وحتباتي فين .

توجهت حسناء إلي المقعد ووضعت ساقاً علي ساق بوقاحة شديدة لتكشف عن جسدها من خلال تنورتها القصيرة جداً وقالت : لا يا حبيبي ... استوب.. مالكش فيه .. انت هنا للمزاج وبس .. لا حبيبي ولا خطيبي ولا اي حاجة بينا تخليك تسألني عن اي حاجة .

اقترب منها شريف وجلس علي الأرض أمامها وقبل قدمها وقال : طب ما يبقي بينا كل ده يا قمر ، ايه رأيك .

نظرت له حسناء وهي تقول في قرارة نفسها : انا حسناء يبقي بيني وبينك انت يا جربوع ايه ، لولا انك كارت ممكن استفاد بيه كان زماني رميتك في الشارع ، ثم ابتسمت له وتركت المقعد لتجلس امامه علي الارض وتقول : ازاي بس يا قلبي .. أحنا لسه منعرفش بعض .. لسه نعرف بعض امبارح بس ..

كان شريف منهمك في تقبيلها وهي تتحدث وقال اخيرا : اللي يعجبك يا قلبي .. بس يرضيكي تسيبيني كل ده وكمان تمشي كده .. يعني مش حأوحشك
ضحكت عالياً وقالت : لا يا حبيبي ميرضنيش .. وكمان حتوحشني اوي .

لا يحتاج الشيطان هنا ان يكون ثالثهم ، هو فقط يجلس ويشاهد ويتعلم ، كيف يغرق بني أدم نفسه في الضلال والفجر والرذيلة بدون أن يرجع إلي الله ؟ ، يشاهد ليحصي الإعداد التي ستكون وقوداً لجهنم .


عادت شمس إلي غرفتها بعد ان اغلقت اي طاقة نور حاول قصي ان يفتحها بينهما ، كانت تشعر بالكآبة وأنها لا ترغب في ان تري أحد ، حتي الطعام ليس لها شهية ، ولكن اتصال هاتفي من شاهي وبعض الكلمات التي جعلتها تبتسم وتقبل ان تقابلها علي العشاء ، اما قصي عاد إلي المكتب وجلس لا يعلم هل هو حزين ؟ ، ام يشعر بالراحة لأنها أغلقت شيء لا يدري كيف كان سينتهي لو استمرا فيه ؟، ثم حادث وليد هاتفياً وطلب منه الحضور ، وبمجرد ان جلسا سوياً قال له : اعمل حسابك احتمال تفضل سهران معايا في الاوضة لوقت متأخر .


حدق صديقه به وقال : ليه يا مفتري !، انا لسه عريس جديد ، خلي عندك دم .

ابتسم له قصي وقال : معلش ضروري عايزين نخلص موضوع حسناء النهارده ، ولازم تكون موجود وتستخبي وتصور كل حاجة حتحصل .
تقلص وجه وليد وقال وقد أتسعت عيناه من الصدمة : طب وافرض الامور اتطورت بينكم ، اقف انا كده عادي يعني والا ايه .
اجابه قصي بتهكم : لا يا ظريف مش حتتطور ، الموضوع حنحاول تخلصه بدري بدري .
أومأ وليد رأسه وقال : انت تؤمر يا باشا ، اي أوامر تانية .

أخرج قصي بعض الأوراق الخاصة بالعمل من الخزينة بجواره ، وبدأ يراجعها وأجابه : لا شكرا .

علم وليد ان صديقه لا يريد الحديث الأن ، فنهض قائلاً : حأستناك علي العشاء .
اجابه قصي بدون ان يرفع بصره عن الأوراق : لا معتقدش.. مش عايز اكل .
ولكنه لم يقبل الرفض وقال : حأستناك علي العشاء ومش حأكل الا لما تيجي .
زفر قصي بقوة وقال : حاضر .

جلست حسناء تتزين وترتدي ما قد يجعل قصي يأتي راكعاً تحت قدميها ، فهي يجب ان تنتهي من تلك المهمة الليلة ، وودعت شريف بعد ان أغرقته في بحور غرامها وتركته مخموراً من رحيقها السام ، غادرت الغرفة لتذهب إلي المطعم وبعدها إلي غرفة قصي ، وأثناء ذلك سمعت رنين هاتفها فأخرجته سريعاً من حقيبة يدها وعندما رأت المتصل ، انتابها التوتر والقلق ثم أجابت :


_שלום

‎_שלום
‎_לשירותכם
‎_ מה קרה בגיליון שלנו?
‎_שום דבר בינתיים

الترجمة

_مساء الخير
_ مساء الخير
_ في خدمتك
_ عملتي ايه في المهمة ؟
_ لسه مفيش جديد .

_ايه يا زيلدا !، مش شايفة نفسك طولتي اوي ، هما الرجالة المصريين عجبوكي اوي كده .

_ انت عارفني يا فندم ، مفيش حاجة بتأثر فيا ، وأظن انت اكتر واحد جربت وشفت بنفسك .
_ بس زيلدا اللي انا اعرفها مفيش حاجة بتأخذ وقت معاها كده ، اوعي يكون عجبك الجو عندك .
_ الموضوع يا فندم بس محتاج وقت .. وقريب اوي حتسمع خبر حلو ، انا بالعب بكذا كارت وأكيد كارت فيهم حيكسب .
_ انا ميهمنيش انتي في احضان كام واحد .. حتي لو ألف ... اللي يهمني الأرض .. لازم أخدها فاهمة والا لا .
_ فاهمة يا فندم .

انتهي الاتصال

ووقفت زيلدا تفكر كيف تنهي هذا الأمر سريعاً .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الخامس عشر

مرت شاهي علي صديقتها لتذهبا سوياً إلي العشاء، وعندما وصلتا إلي المطعم العائم الذي يقام به حفل اليوم ، شاهدت شمس قصي يجلس علي المائدة مع وليد ، توقفت ونظرت لصديقتها وقالت : انتي مقولتيش ليه ان قصي موجود .

فأجابتها شاهي ببرود : واقولك ليه !، وبعدين ما طبيعي انه حيكون موجود ، مش صاحب الفندق والا انا غلطانة .

تأففت شمس وقالت : يوووه ... شاهي بلاش الحركات دي ، انا مش عايزة اتعامل مع الراجل ده تاني لو سمحت ، انا عايزة اخلص شغلي وأخلع علي طول .

فأجابتها صديقته : وانا قلتلك تعملي حاجة ، ما براحتك مش عايزة تتكلمي معاه مش مشكلة ، اقعدي علي الترابيزة وخلاص ، وبعدين يا شمس بطلي الشغل البلدي بتاعك ده واتعاملي مع الناس طبيعي حتي لو مش منسجمة معاه ، تقبليه لأن ده اللي بتشتغلي معاه ، حتي من باب اللياقة .

رمقتها شمس بنظرات ساخرة وقالت : شغل بلدي ، والله انتوا عالم تافهة ، ماشي يا ختي يا بتاعة اللياقة ، اتفضلي قدامي لما اشوف اخرتها.

وصلتا الفتاتان إلي المائدة وبعد الترحاب الذي كان يغلفه بعض التجاهل ، شرعوا جميعا في تناول العشاء ، وبدأ تقديم فقرات الحفل ، كان قصي يختلس النظرات إليها وهو يفكر هل ما أشعر به مجرد انجذاب لفتاة لم أقابل مثلها من قبل ، نوع جديد لم اصادفه ، قد أكون شعرت بالملل ممن حولي فقط ، أم أنا علي أعتاب حب حقيقي ولا أعلم .

قرر قصي من داخله أن يعطي لنفسه الفرصة كاملة ليستطيع تحديد مشاعره الحقيقية ، واذا تراءي له أنه قد وقع في غرامها بالفعل لن يسمح لها بالرفض او الانسحاب ، اما هي فكانت تحاول تجاهله تماما ومتابعة فقرات الحفل التي أمامها ، كانت تشاهده ولكن ذهنها شارد فيما حدث ، لم تؤنب نفسها او تندم علي قرارها وتسرعها في أجابته .. لا .. فهي علي يقين أن السماء والأرض لن يتلامسا يوماً ، وأن الحب يجب ان يسبقه التوافق بين الاثنان .. لذا هي لم تحاول حتي التفكير فيه ... نعم لا تنكر انجذابها نحوه وتأثيره عليها .. ولكنه مجرد انجذاب فتاة لرجل مثلما تفعل مع نجوم السينما .. ليس الا .. حتي لو شعرت بغير ذلك .


اما وليد وشاهي كانا يجلسان يتابعان في صمت ، وعندما جاءت فقرة الحفل المعتادة دائما في الفنادق ، ملكة وملك جمال الفندق .

طلب مقدم الحفل من الحضور ان يتقدم من كل دولة زوجين ويصعدوا علي المسرح ، حتي يتم اختبارهم ومن يحصل علي أعلي نسبة تصويت سيكون الفائز .
بدأ بعض الضيوف الأجانب بالصعود وخاصة الأزواج الحديثة الزواج ، ثم قال مقدم الحفل في الميكروفون : وكمان من مصر معانا مستر قصي ، والأستاذة شمس ، حيمثلوا مصر في المسابقة .

حدق قصي بالرجل وقال :ايه التهريج ده ، مين اللي قاله يعمل كده ، نكزه وليد في قدمه أسفل المائدة ، أما شمس فكادت أن ترفض ولكن شاهي قالت لها : شكلك حيبقي وحش اوي بعد ما أسمك اتنده عليه .

رمقت صديقتها بنظرات نارية وقالت : عقبال ما تنده عليكي النداهة يا بعيدة ، صحوبية تودي ورا الشمس ، ثم نهضت لتصعد بدون حتي ان تلتفت له او تنتظره ، ليتبعها قصي وهو يشعر بأن صديقه يحيك له مؤامرة من نوعاً خاص .

صعد سبعة أزواج علي المسرح من ضمنهم قصي وشمس ، وبدأت المسابقات بين الجميع ، الأولي كانت مسابقة معلومات ، نجح بها خمس مجموعات والآخرين غادروا المسرح ، والثانية كانت أن يقف كل زوج في مقابل زوجته علي مسافة محددة لهم جميعا وكلاً منهم يعلق علي رقبته شريط ينتهي بسلة ويبدأ كل طرف بقذف الكرة ويجيب ان يصيب المرمي ثم يفعل الطرف الأخر المثل ، والمجموعة الفائزة تكون بأن يصبح مجموع الكرات في السلتين معاً أكثر من عشرين .


شمس كانت من النوع العنيد الذي لا يقبل الهزيمة ، لذا اندمجت تماما مع المسابقات بحماسة شديدة واهتمام حتي لا يتغلب عليها احد ، ويبدو أن قصي يحمل نفس الصفة ، في فقرة الكرات كانا الاثنان يشعلان الحماس سوياً ، وإتقانهم اللعب جعل الحضور يصفق لهما ، وعند احتساب النتيجة كان عدد الكرات اكثر من ثلاثين ، مما جعل شمس تقفز كطفلة صغيرة عندما ربحت في تلك المسابقة .


تبقي ثلاث مجموعات وبدأت المسابقة الثالثة وهي أن يقف كل زوجين أمام بعضهما وينظر كلاً منهما في عين الأخر بدون كلمة واحدة ، ومن يضحك اولا هو الخاسر. ارتبكت شمس من تلك المسابقة ولكنها لا تقبل بالخسارة او الانسحاب ، لذا تقدمت نحوه بثبات ووقف الأثنان لا يفصلهما سوي بعض السنتيمرات القليلة ، ونظر كلاً منهما في عين الأخر .


في البداية بدت نظراتهما جامدة لا تحمل أي أحساس ، ولكن بعد عدة ثواني بدأ قصي يدقق النظر في تفاصيل وجهها ، عيناها البنيتان المائلة للون العسل الداكن ، لم يلحظ لونهما من قبل ، كانا بهما بريق مختلف ، عينان تتحدثان ليسا بحاجة لشفاه ، فهما بمفردهما بهما كل الحديث ، وجهها يحمل معان كثيرة .. براءة .. تحدي .. طفولة ... خوف .. شقاوة .. صلابة ، العديد والعديد ، وجنتاها عندما تضحك كانتا كالشمس التي تبزغ لتضيء الظلام ، شفتاها الرقيقة ، التي عندما نظر لهما شعر انه لو يملكها .. لن يتوقف عن تقبيلها ، ظل شارد معاها لا يحتاج للمسابقة حتي يستطيع ان يطيل النظر بدون أن يتحدث ، شعر الآن كأنه يراها للمرة الأولي .. هي بالفعل ليست كأي فتاة عرفها من قبل.


أما هي فكانت تنظر له وهي تحاول أن تدعي الصلابة والقوة ، فقط تنظر أمامها لا يهم من يكون ، مجرد شخصاً عادي ، كانت تحدث نفسها قائلة : اعتبري نفسك بتبصي علي تمثال ، عادي جداً ، ثم بدأت عيناها تحاول الا تركز علي نقطة واحدة في وجهه .. كانت تحاول ان تحرك عيناها باستمرار .. ولكنها تعلقت سريعاً بعينيه : ايه ده ... يخربيت كده ، الواد ده عينيه لونها حلو كده ليه ، دي لونها ايه... يالهوووووي يا ختاااااااي .. دي زيتوني .. أموت أنا في الزيتون الأخضر .. ايه العيون السهتانة دي.


شان كده البنات حتموت عليه .. والا رموشه في كده ياربي ، مكانش ينفع ابقي بنت شوكت باشا وأقابل الأصناف النظيفة دي .. بدل عّم بعجر بتاع الكشري .. وعم النتن بتاع الكبده .. توب علينا يارب ، وايه ده كمان يخربيت الدقن المرسومة زي دقن روميو ، هو في كده .. ينفع كده والنبي ده شعره احلي من شعري .. والا عظم خدوده .. الواد ده مينفعش يكون مصري ... المز ده خليط تركي علي يوناني علي ابوه يعني ، اااه لو كنت هبلة شوية وقلت ااه وفرحتلي يومين قبل ما يخلع ويسيبني .. بس حأقول ايه الفقري فقري ، وانا ما شاء الله عليا اعشق النكد زي عينايا .. اه والله.


كانت تحدق به وهي تحدث نفسها وقد غفلت تماما عن انه أيضا يراها ، فكانت إيحاءات وجهها غريبة له ، تغمز بعينيها .. او تحرك وجهها بطريقة حاول ان يفهمها ولكن لم يستطع .. استمر الاثنان كلا يسرح بخياله مع عالم الأخر .. يتخيل حياته معه .. وهل ستنجح أم لا ؟، إلي ان سمعا صوتاً بجوارهما يقول : مبروك .. الكابل المصري هو اللي فاز بالمسابقة ، تصفيقات حادة من الجميع وتهئنة لهما ، ثم وجدت شمس فتيات تسوقها خلف المسرح سريعاً وتقدم لها فستاناً ابيض يشبه فستان الأميرات ، وطلبن منها ارتدائه ، ووضعن علي رأسها تاجاً من الزهور جعل وجهها يضيء بالجمال والرقة ، ثم عادت ثانية إلي المسرح لتجد قصي قد ارتدي عباءة كعباءات الملوك وتاجاً علي رأسه ، وبمجرد صعودها بدأ الاحتفال بهما ، وطلب منهما أن يفتتحا الرقص معاً .


شعرت شمس بالخجل الشديد ، فهي لم تفعل ذلك من قبل ، ولن تستطيع ، ولكن قصي لم يمنحها فرصة التراجع ، تقدم منها وأمسك يدها ووضعها علي كتفه ثم وضع اليد الأخري بيده ، ويده الأخري علي خصرها ، وبدأ يتراقص معها علي أنغام الموسيقي الحالمة .. دقائق وانضم الجميع ومنهم شاهي ووليد .

كانت ترتجف وهو يمسك بيدها ويده الأخري تحتضن خصرها ، لا تعلم لما تشعر هكذا في قربه .. وخاصةً عندما يلامسها ... ارتبكت عندما كان يداعب يدها بأنامله ، بطريقة جعلتها تشعر بالاستسلام لهذا الاحساس الجميل .. لم تعترض او تبعد يدها .. بل غرقت معه وسط تلك الاحاسيس .

أما هو فكان يشعر كأن الزمن عاد إلي الوراء .. وأصبح مراهقاً من جديد .. يبحث عن لمسة يد .. أو نظرة عين تروي ظمأه .. كما لو كانت هي أول امرأة في حياته .. وكأنه لم يلمس غيرها من قبل .. ولَم يعرف نساء قط .. كأن لمستها لا تقارن مع النساء ... فلمسة واحدة ليدها بنساء العالم أجمع .

احساس جميل لم يختبره من قبل ... نعم هي مختلفة .. نعم هي لا تشبه أحد ... لأنها هي الوحيدة التي استطاعت ان تخترق كل السدود وتصل إلي قلبه ، بدون عناء منها.

انتهي الحفل وغادر الجميع ، ولكن وليد كان قد غادر مبكراً قبل الجميع حتي يستطيع ان يجهز المكان جيداً ، وقبل ان يرحل أبلغ زوجته ان تذهب مع صديقتها وهو سينهي بعض الاعمال ثم يمر عليها ليعودا سوياً إلي البيت .

ذهب وليد إلي غرفة قصي وبدأ يضع كاميرات صغيرة وبعض الميكروفونات في كل مكان ، ثم انتظر في الخزانة .

في تلك الأثناء كانت حسناء تراقب كل شيء وعندما شاهدت انتهاء الحفل ، واستعداد قصي للمغادرة ، قررت أن تسبقه علي الغرفة ، وبالفعل ذهبت إلي هناك ، وقامت بتغيير ملابسها لأخري أكثر أثارة .. تكاد تظنها لا ترتدي شيئاً .. ثم جلست علي الفراش في محاولة لأغرائه وانتظرت ، كان وليد في الخزانة يشاهد كل شيء وهويحدث نفسه قائلاً : اه يا سافلة ... ده مفيش حياء خالص ولا نيلة .. ايه البنات اللي سايبة علي نفسها دي .. الله يكون في عونك يا قصي .. البت مزة .. اللهم أخزيك يا شوشو .. انا بحب مراتي .. انا بحب مراتي .. انا بحب مراتي .


عاد قصي إلي غرفته ، وبمجرد ان اصبح في الداخل وقف يخلع عنه جاكيت البدلة ، ليصل إلي مسامعه صوتاً نسائياً بات يبغضه : اتاخرت اوي يا بيبي ، والا السنيورة خلتك تنسي وعدك ليا .

ألتفت قصي نحوها وشاهدها وهي علي الفراش في وضع لا يوصف ، فوقف بثبات وهي يحل أزرار أكمام القميص قائلاً : اه يا حسناء .. السنيورة خلتني انسي الزبالة اللي هنا في أوضتي ، اللي المفروض أجيب دلوقتي الهاوس كيبنج عشان ينظفوا القرف ده .

حدقت به في دهشة وقالت : انت بتقول ايه يا باشا ، انت نسيت كلامنا والا ايه .

أجابها وهو يعقد يديه علي صدره : كلام ايه يا قطة .. اوعي يا بت تكوني فاكرة كلامك الخايب وتهديدك الأهبل خوفني .. لا يا شاطرة مش قصي الدالي اللي واحدة زيك تخوفه ، أحسنلك لو عايزة تأكلي عيش تفوقي لنفسك وبلاش تلعبي في عداد عمرك .
نهضت حسناء من مكانها وخطت خطوات بطريقة مثيرة في اتجاهها ، ثم اقتربت منه ووضعت يدها علي صدره وهي تدور حوله حتي أصبحت خلفه ، واحتضنته من الخلف وهي تقول : ليه كده يا قصي .. انت نسيت سونة بالسرعة دي .. قلبك بقا قاسي اوي ، معقول مش وحشتك .. معقول مش عايزني تاني .
قبض علي يديها وأبعدهما عنه ثم مشي مبتعداً عنها وهو يقول : البنت اللي تبقي في سرير الواحد من قبل ما يطلب او حتي يفكر ، لا يمكن تيجي في باله او يشتهيها ، انتي ولا حاجة بالنسبة ليا ولا عمرك كنتي .

فقالت : وطبعا الجربوعة دي هي اللي بقت في بالك دلوقتي ..

التفت قصي وصفعها بقوة علي وجهها قائلاً : اخرسي يا سافلة .. اللي بتشتميها دي أشرف منك ومن عيلتك كلها ، بنت محترمة ، مش واحد زيك سريرها عامل زي الاتوبيس ناس طالعة ونازلة فيه ، اوعي تفتكري اني مش عارف سفالتك وانحطاطك .. انا مش قاعد طرطور في فندقي .. عارف كويس اوي أن أوضتك اتقلبت لبيت دعارة ، وانك واحدة واطية .. وحأروح بعيد ليه ازي استاذ شريف اللي مستضفاه عندك .. يارب يكون مبسوط وقايمة معاه بالواجب ...
وقفت مذهولة من حديثه ، ليردف قائلا: أمشي حالاً من وشي ويطلع الصبح مش عايز اشوف الأشكال القذرة بتاعتك انتي والزبالة اللي عندك .. تسيبي الفندق وتغوري في داهية ، والا شرايطك كلها حأنزلها علي المواقع ونخلي الناس كلها تنبسط معاكي .

ضحكت بصوتاً مرتفع وهي ترتدي ملابسها وقالت له : وماله يا بيبي ، نزلها انا بحب اوي ابسط الناس ، عامة يا قلبي انا ماشية ، للأسف كان نفسي نتفاهم لأن أنا كنت أسهل طريقة وأحلي ، لكن اللي جاي مش حيعجبك خالص وحيوجعك اوي اوي ، بس أنت اللي جبته لنفسك يا قلبي ، يلا باي .


غادرت وتركته في حيرة ، ماذا تقصد ؟، خرج وليد من الخزانة وقال : ايه يابا ده ، ايه البت الزبالة دي ، ربنا يهدينا ، الحمد لله بجد ان الواحد اتجوز وبعد عن القرف ده ، ربنا يغفر لنا العك اللي كنّا فيه .

نظر له قصي وقال : تفتكر تقصد ايه بأنها أسهل طريقة ؟ ، وايه اللي جاي !.
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل السادس عشر

غادرت زيلدا الجناح وعادت إلي غرفتها ، ولكن قبل ان تدخل قامت بإجراء اتصال هاتفي وقالت : الخطة فشلت ، حنبدأ في الخطة (ب ) ، جهز الرجالة ..


ثم اغلقت الهاتف ووقفت قليلاًبالخارج تحدث نفسها قائلة : ماشي يا قصي .. احنا كنّا بنلاعبك علي الهادي .. أشرب بقا اللي جاي ، عشان تعرف تعمل فيها كبير اوي .. يلا كان نفسي تسمع الكلام ونتجوز كنت حتستفيد وتفيد .. خسارتك في الموت يا بيبي .


ثم دخلت غرفتها لتجد شريف نائماً في الفراش ، وقفت تتأمله وهي تقول : بعد ما كنت حأقضي الليلة مع قصي .. تختم بالجربوع ده .. يلا خليني مستحملة للأخر ..ممكن ينفعني .


أما وليد ، بعد أن أنهي مهمته بنجاح ، غادر الغرفة وقام بالاتصال بزوجته لملاقاته أمام غرفة شمس ، ليذهبا سوياً إلي بيتهما ، كانتا الفتاتان جالستان سويا في الشرفة قبل الاتصال ، حاولت شاهي في حديثها أن تقوم باستفزاز صديقتها فقالت : مش طايقاه يا مامي .. الحقيني يا مامي الحقيني .. بس قعدتي تقولي مش عايزة اشوف خلقته .. ومش عايزة اكلمه ، وانتي قعدتي متنحة في الواد كان ناقص تشفطيه .


نظرت لها شمس ثم انخرطت في الضحك وقالت : الصراحة الواد مز اوي .. اوي اوي يعني ، ايه ده يخربيت الحلاوة ، ده أحلي مني .

انفجرت شاهي ضحكاً ثم قالت : ما قلنا كده من بدري .. قلتي نطلع من البلد ، يا بنتي بطلي عند ، الواد حلو ، وشكله معجب بيكي .
شردت شمس قليلاً ثم قالت : معجب بيا ازاي يا شاهي .. احنا حنضحك علي بعض ، بلاش عبط وخليكي منطقية ، حيعجب بيا علي ايه .. الجمال اللي مفيش منه ، والا العيلة الكبيرة ومستوايا الاجتماعي .. انا وهو صعب جدا نتقابل في نقطة .

نظرت لها شاهي وقالت : علي فكرة انتي غبية اوي و اوي كمان ... انا عمري ما شفت واحدة بالغباء ده ، انتي فاكرة انه احسن منك ، وايه اللي يخليه يبصلك ، فعلا غبية ، أنتي احسن مننا كلنا ، سواء انا او قصي او وليد ، انتي اتولدتي وأتربيتي في ظروف صعبة جدا .. وقفتي قدام الكل عشان تتعلمي ، اشتغلتي وطلع عينك عشان تبقي حاجة ، وبقيتي .. لكن احنا تعبنا في ايه والا عملنا ايه عشان نبقي احنا .. ولا حاجة .. يمكن نكون حلوين من بره يا شمس .. لكن انتي حلوة من جوه ومن بره .. قصي شاف جمالك من جوه قبل ما يشوف جمال وشك .. شاف روحك اللي مقابلهاش قبل كده .. أرجوكي خلي عندك ثقة في نفسك .. ولازم تشوفي نفسك حلوة .. لانك فعلا حلوة أوي .


استيقظت زيلدا مبكراً وبدأت في حزم جميع أغراضها .. وعندما استيقظ شريف رمقته بنظرات مثيرة ثم قالت : ايه رايك يا بيبي تحب نروح طابا مع بعض .

أجابها بقبلة علي شفتاها طويلة ثم قال : انا اروح معاكي اخر الدنيا .
وضعت يدها علي كتفه ونظرت في عينيه قائلة : متأكد .. أخر الدنيا ، يعني مش حترجع في كلامك .
احتضنها شريف بقوة وقال : متأكد طبعا .

فقالت له بدهاء وهي بين احضانه ورأسها علي صدره : طب وشمس !.

صمت شريف قليلاً ، وعادت ذاكرته إلي شمس وإلي ما جمعهما سوياً ثم قال : لا خلاص مفيش شمس .. هي اختارت طريق غيري .
فأضافت : يعني مش حتندم يا قلبي .. وحتفضل معايا علي طول .
أجابها بضمة قوية كاد أن يسحقها بين يديه وقال : انا اصلا مش عايز غير انك تفضلي معايا علي طول .
فابتعدت عنه قائلة : طب يلا بينا ، حضر شنطتك عشان حنسافر دلوقتي .

استيقظ قصي في ساعة متأخرة من نومه ، وظل جالساً في الفراش بعض الوقت ، ثم قام بالاتصال بموظف الاستقبال ليسأله عن حسناء .. وبمجرد أن علم بمغادرتها الفندق .. نهض من الفراش وتوجه إلي الحمام .. وضع المياه علي وجهه ثم وقف امام المرآة ليشذب لحيته .. كان عقله في حيرة كبيرة ، لا يعرف ماذا يفعل مع شمس ؟، ظل يفكر حتي استقر اخيراً علي فكرة وقرر تنفيذها .


مرت الساعات الاولي من النهار .. وشمس منهمكة في عملها ما بين المصنع والفندق .. اما قصي ووليد فكانا يمارسان نشاطاتهم المعتادة في العمل .. وشاهي تجلس امام البحر وقد قررت ان تعود لرسم اللوحات مرة اخري ... وبالفعل جلست ترسم طوال النهار .

ظلت لقاءات قصي وشمس متفرقة طوال النهار .. مجرد دقائق في كل مرة للتأكيد علي امر .. او تغيير بعض الاشياء الغير متوفرة ، إلي أن أصر عليها انها يجب أن ترتاح قليلاً من العمل .. وألح ان تتناول الغذاء معه ..وبالفعل رضخت في الأخير .

كان قد أعد كل شيء مسبقاً ، مائدة خاصة لهما في مطعم الشاطيء ، مجهزة خصيصاً ، وفي مكان مميز لا يوجد احد حولهما .. جلسا الأثنان سوياً ، وبدأ الجرسون في وضع الصحون ثم تقديم الطعام .. حاولت شمس الاسترخاء ، وعدم التفكير في أي شيء ، ثم بدأت تتناول الطعام في هدوء ، إلي أن قطع قصي الصمت وقال : انتي لسه متضايقة مني !.

تركت شمس الشوكة من يدها .. ونظرت له قائلة : مش فاهمة .

فأضاف : يعني لسه متضايقة من الموقف اللي حصل !.

صمتت قليلاً ثم قالت : بصراحة مش عارفة .. بس متهيألي لا .. مش قادرة أحدد بالضبط انا متضايقة والا متغاظة منك ، بس اللي انا متأكدة منه ان نيتك كانت كويسة ، عشان كده الموضوع مبقاش شاغلني .
ابتسم قصي وقال : طيب حلو اوي .. كده شجعتيني اني اطلب منك طلب .
وضعت الطعام جانباً وقالت بعدم اطمئنان : طلب ايه تاني !، خير اللهم اجعله خير .
فأجابها : لا متقلقيش ده طلب بسيط اوي وسهل .. أيه رأيك نكون أصحاب ؟.

عقدت حاجبيها وظهرت علامات الاستفهام علي وجهها وقالت : تقصد ايه بأصحاب !.

حرك قصي بعض الطعام في الصحن الذي أمامه ثم قال : يعني أصحاب .. أنتي رفضتي فكرة الارتباط ، وده حقك وأنا مش معترض ، فعلا أنتي عندك حق ، انا كنت متسرع في طلبي ، وكلامك كله صح ان ممكن تكون مشاعري غير حقيقية ، انا مش حأنكر أني انبهرت بيكي ، أسلوبك .. شخصيتك .. قوتك اللي عمري ما شفت زيها ، كل حاجة فيكي بجد شدتني ، انا تقريباً مش فاكر اني أعجبت ببنت قبل كده ... او انبهرت بواحدة زيك ، ممكن تكوني صح ومشاعري دي حاجة وقتية ، عشان كده بقول نبقي اصحاب .. نتعرف علي بعض بشكل عادي .. من غير ضغوط ، ولا طلبات .. مجرد اتنين اصدقاء ، ايه رأيك ؟.
صمتت قليلاً تفكر في عرضه ثم اجابته : وانا معنديش مانع .

وصلت زيلدا ومعها شريف إلي طابا.. وكانت أقامتهما في فندق هيلتون طابا ، فندق يقع علي الحدود المصرية التي تفصلنا عن فلسطين الحبيبة المحتلة ، تستطيع ان تري من هناك الجنود الصهاينة وهم مرابضين في ثكناتهم..

كان هناك حجز بأسم زيلدا الحقيقي.. وعندما سمع شريف الاسم من الموظف في الاستقبال.. اندهش كثيراً للأمر .. فانتظر حتي صعدا سوياً للغرفة ثم قال : أنتي أسمك حسناء والا زيلدا !.

ابتسمت له ابتسامة مغرية ، في محاولة منها لإلهائه .. وبدأت في نزع ملابسها وهي تحدثه حتي تشتت انتباهه : ده موضوع طويل حأبقي أحكيلك عنه بعدين .. بس دلوقتي مش حنضيع وقتنا في الكلام .. أصلك وحشتني اوي .

لو بحثت عن أسباب غباء الرجل .. ستجد أن ورائه جسد امرأة سلبه عقله .. وحوله الي شخصاً ابله بلا عقل .. وهذا ما فعلته زيلدا به .. كانت تعلم نقطة ضعفه جيداً ... لذا كانت تبرع معه في فنون العشق والغرام حتي يظل مخمورً بها .. ولا يملها ابدا... وبالفعل وصلت لمبتغاها .. نسي كل شيء ولَم يتذكر سوي شهواته وغريزته .. التي أصبحت تستحوذ عليه حتي انه اصبح لا يتميز عن الحيوانات في ممارستها .. ونسي كل شيء عما حرمه الله وتذكر فقط ما يريده هو .

كان قصي يجلس في مكتبه بعد الغذاء مع وليد لإنهاء بعض الاعمال عندما سمع رنين الهاتف ؛ الو

_ الوو مسيو قصي ، كيف حالك .
_ اهلا مسيو أسحاق مردوخ .. أقدر أخدمك ازاي .
_ حبيبي .. انت عارف كويس ايه الخدمة اللي انا محتاجاه .
_ وأظن انا بلغت حضرتك قبل كده ، ان طلب حضرتك مرفوض .

_ ليه مسيو قصي .. لو المبلغ مش مناسب قولي .. ايه رأيك في مليار دولار .. اعتقد ده أكبر من تمن الأرض الفعلي يا مسيو .

_ بالضبط يا مسيو أسحاق .. انت قلتها .. ايه اللي يخليك تدفع في ارض ضعف تمنها .. حاجة غريبة متهيألي .
_ ابدا مسيو قصي .. انا محتاج الأرض دي موقعها ممتاز وقريبة من اسرائيل جداً .. انت عارف طابا عزيزة علينا ازاي مسيو .. واحنا بنحب ننزل إجازات فيها .. حبيت أعمل منتجع علي مستوي عالمي عليها .. وأرضك انسب مكان للمشروع .

_ زي ما طابا عزيزة عليكم مسيو .. فهي غالية اوي عندنا ، ومش ناويين نفرط في شبر منها ، وكون أن أرضي قريبة من فلسطين يا مسيو ده مش معناه تدفع كل المبلغ ده ... وبردوه في الأخر عشان أريح حضرتك لو عرضت عشرة مليار مش مليار واحد .. بردوه ردي لا .

_ ده أخر كلام مسيو .. لاحظ اني حاولت معاك كتير .
_ ده اخر كلام من زمان مسيو أسحاق .. بس انت اللي مش عايز تقتنع .. وعشان اكون صريح معاك اكتر ، انا مش ببيع حاجة للأسرائيلين .
_ تؤتؤ تؤتؤ ليه كده حبيبي .. احنا ولاد عّم .. وفِي بينا اتفاقية سلام .. وتطبيع ومفيش اي مشكلة خالص .
ضحك قصي عالياً وقال : لا التطبيع ده يبقي ابن خالتك .. والاتفاقية دي تبلها وتشرب مايتها ... انا مش بتعامل معاكم وانت عارفني كويس .. وسألت كتير عليا .. وياما بعت ناس .. ومفيش فايدة .

_ ليه كده حبيبي .. أحنا كلنا أخوات .. واليهود شعب الله المختار في الأرض .. محبين السلام .. ولكل البشرية .. ليه التعصب ده .

_ يا حبيبي .. وايه كمان .. شوية شوية حتقولي أنكم بتدعو للسلام .. وأن الفلسطنيين إرهابين وانتم اللي ولاد الحلال .. اولا يا مسيو انا مَش معترض علي اليهود لأنهم أهل ديانة سماوية .. انا مش بتعامل مع صهاينة ..ثانياً الله يحرقكم بطلوا كلمة شعب الله المختار .. هو مختار اه .. بس في الأرهاب والتعصب .. والكره .. وسرقة الأوطان .
بص يا عّم مردوخ انا مش حبيع وده أخر كلام .
_ براحتك حبيبي.. بس الارض كده كده بتاعتي .. وبكره نشوف .. شلوم حبيبي .
_ شلوم يا حبيبي ورحمة الله وبركاته .
أغلق قصي الهاتف وزفر بقوة وهو يشعربالغيظ ويتمني لو يستطيع ان يستطيع فعل شيء اكثر من مجرد الكلمات ، كان وليد يستمع للمحادثة ثم قال : لسه بردوه مش عايز يقتنع .
نظر له صديقه وقال : وهما دول بيقتنعوا ، ولاد الو... ، ربنا يولع فيهم ، الراجل بيتكلم ببرود كأن طابا دي بلدهم ، الباشا عايز يستولي عليها هي كمان .
صاح به وليد قائلاً : لما يشوفوا حلمة ودنهم .

وعلي الجانب الأخر في القدس المحتلة ، الأرض الغالية التي ستعود يوماً ما ، فهذا وعد الله لنا ، والله لا يخلف الميعاد ، كان إسحاق يجري اتصالا مرئياً علي الهاتف الأخر مع زيلدا ، التي كانت تجلس في حوض الاستحمام تنعم بحماماً دافئاً بعدما أمضت وقتاً كافياً مع شريف.. استطاعت فيه أن تغرقه اكثر في مستنقع الرذيلة وتجعله يقطع شوطاً كبيراً ، بتذكرة ذهاب بلا عودة ..وبعد أن أنتهت منه تركته نائماً .. حتي تستطيع أن تقوم بالأهم ..إسحاق مردوخ .. اغني أغنياء العالم .. رجل تفتح له جميع الابواب .. وهي تتمني ان تستطيع فتح باب قلبه .. والتربع عليه .. هي تعلم انه مهما بلغ الرجل من الثراء والذكاء والشهرة .. ولكنه يبقي رجل .. ملك امام الناس .. وعبد أمام امرأة جميلة مثيرة ، وهذا ما تفعله معه ، تتعمد دائما ان تكون محادثاتها معه مرئية ، وان تكون في حمامها او الفراش .. حتي تسلبه عقله دائما وتجعله يرغب بها .. ويتناسي زلاتها ..


أما مردوخ فكان علي علم جيد بمخططها فهو يحفظها عن ظهر قلب ، منذ أن تعرف عليها في بيت البغاء الذي كانت تديره .. سلبت عقله بجمالها وذكائها الغير معتاد في المرأة ، فهي قادرة علي كشف نقاط ضعف كل رجل بسهولة ، محترفة في لعبة الاغراء .. تستطيع ان تجعل المؤمن عاص ، والقسيس فاجر ، والكاهن كافر ، وهذا بالضبط ما يجعلها ذو منفعة له هي وفتياتها .. فهي قادرة علي إسعاده وقتما يريد .. وأيضا بارعة في إيقاع اعدائه بمنتهي السهولة .. لذا هما الاثنان وجهان لعملة واحدة .. لا يستطيعان ان ينفصلا عن بعضهما البعض .


أمسك مردوخ الهاتف في يده وتحدث إليها وعيناه تلتهمان جسدها الذي كانت تحاول إظهار جزء منه طوال المحادثة : سمعتي ما قال ، فما العمل الأن ، أريد أن أحرق له كل فنادقه .

ضحكت زيلدا ضحكة مثيرة ثم قالت : الرجال .. دايما يذهبون للأصعب .. بالرغم من وجود الأسهل أمامهم .. تستطيع ان تحرق قلبه بدلاً من فنادقه .
حدق بها وقال : ماذا تقصدين ؟.
فأجابته وهي تمسك الاسفنجة في يدها وتمررها علي رقبتها وأعلي صدرها : حبيبته .
أطلق إسحاق ضحكة مدوية وقال : زيلدا .. أنتي عاهرة قلبي .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل السابع عشر

مر يومان استطاعا فيهما قصي وشمس أن يقلصا الفجوة الكبيرة التي بينهما ، كانا يقضيان الكثير من الوقت معا في العمل .. وفِي المساء يجتمع الأربع اصدقاء سوياً علي العشاء ويقضوا معاً طوال الليل .. استطاعت شمس ان تراه علي طبيعته .. رجل جذاب ذو شخصية ساحرة .. أما هو فلم يختلف احساسه تجاهها بل لقد شعر أنه ازداد تعلق بها عن ذي قبل ، بدأت بذور الحب تنمو بينهما .. والمشاعر تزداد .. ولكن إلي أين قد يصلا ؟.


استيقظت شمس في الساعة السابعة صباحاً ، ونهضت من فراشها سريعاً .. لم تستغرق وقتاً في الاستعداد للعمل .. وخلال نصف ساعة كانت في طريقها للمطعم من أجل إفطاراً سريعاً ثم بعد ذلك تستقل السيارة حتي تستطيع اللحاق بموعدها مع رئيس العمال في المصنع في تمام الثامنة صباحاً .


أما قصي كعادته دائما يستيقظ بعد العاشرة صباحاً ، ولكنه اليوم لم يستيقظ بمفرده ، بل بسبب اتصال هاتفي .. ازعجه من نومه .. وجعله ينهض في ضجر شديد ويجيب : الووو

_ الووو قصي باشا .
فرك قصي عينيه حتي يزيل اثار النوم .. وحاول أن ينتبه لمن يحادثه ثم قال : ايوه .. مين معايا .

_ ايوه يا باشا ، انا عّم رضا ريس العمال في المصنع .

أجابه قصي وهو يتثاءب : اه .. ايوه .. اهلا يا عّم رضا خير في حاجة .
_ أنا أسفة يا باشا لأزعاجك بس الست شمس أتأخرت اوي .. وهي مكلماني وقالت انها في الطريق ليا وقدامها ربع ساعة .. فات يجي ساعتين ولسه مجتش .
انتفض قصي من الفراش .. وهب واقفاً وهو يقول : يعني ايه .
_ يا باشا .. الست شمس طلبت مني اكون في المصنع مع العمال ٨ بالدقيقة عشان نخلص الطلبية .. واتفقت معانا انها حتيجي عشان لازم تقف علي ايدينا .. وكلمتني الساعة ٨ الا ربع الصبح قالت انها حتركب العربية وجاية حالا ولازم نكون كلنا موجودين .. بس لسه مجتش .. وكلنا مستنظرنها من الصبح .
تسائل قصي بتوتر : طيب اتصلت عليها تاني يا عّم رضا.
_ يوووه مليون مرة .. بس تليفونها مقفول .
دب القلق في قلب قصي وجال في ذهنه العديد من السيناريوهات ... جميعها ليست في صالحه ثم قال: طيب سلام دلوقتي يا عّم رضا .

أغلق الهاتف سريعاً .. ومن ثم أجري أتصالاً أخر بموظف الاستقبال : الوو .. ماجد .. تعرف حاجة عن المهندسة شمس .

_ ايوه يا فندم .. هي طلبت عربية توصلها الرويسات .. وخرجت بره تستناها .. بس السواق جالي بعد شوية وقالي ان مفيش حد واقف بره .. وانه فضل مستني كتير .
صاح به قصي بغضب شديد قائلاً : ولما حصل كده يا استاذ مبلغتش ليه .
ارتبك الموظف وقال : يا فندم هي شكلها كانت مستعجلة ، وانا قلت لها العربية حتيجي في خلال ربع ساعة .. أنا توقعت أنها خرجت تركب تاكسي .
_ توقعت !. .. اتفضل يا استاذ خلي مدير الأمن يجيلي حالاً علي مكتبي .. أوصل الاقيه هناك هو وأستاذ وليد .
لا يعلم كيف استطاع ان يكون في مكتبه بعد عشر دقائق من المكالمة ، ولا يدري ما الذي كان يرتديه ؟، ذهنه لم يكن مدرك لأي شيء سوي إلي حقيقة واحدة ، أين هي شمس ؟.

كان وليد في مكتبه عندما وصل إليه الخبر ، فذهب مسرعاً إلي مكتب صديقه ، يتبعه اللواء المتقاعد / أحمد القنواتي ( مدير الأمن الخاص بسلسلة فنادق الدالي في مصر ) ، وصلا الأثنان للمكتب وانتظرا قصي الذي كان أمامهما في خلال دقيقتين وبمجرد دخوله قال : لواء أحمد .. شمس تطلع حالا من تحت الأرض .

أجابه الرجل بثبات وحنكة رجال الشرطة : أنا فهمت أنها اختفت من وقت ما خرجت من الريسيبشن ، مفيش طريقة نعرف بيها غير كاميرات المراقبة اللي محطوطة بره الفندق وفِي الشارع ، انا رايح غرفة المراقبة أشوف .
نهض قصي وقال : كلنا رايحين يلا .

استيقظت شاهي من النوم ، ولم تجد زوجها بجوارها .. توقعت انه بالعمل .. لذا ظلت تتململ في كسل بالفراش .. ثم حاولت الاتصال بصديقتها ولكن وجدت الهاتف مغلق ..بقيت في الفراش بعض الوقت .. ثم نهضت وأخذت حماماً بارداً وأرتدت ملابسها وقررت ان تقضي يومها علي الشاطيء اليوم .

غادرت الكوخ وقامت بالاتصال بزوجها ولكن رنين بلا مجيب ، شعرت بالقلق .. تلك المرة الاولي التي لا يسارع فيها زوجها بمحادثتها بمجرد اتصالها ، عاودت الاتصال مرة أخري ولكنه لم يجيب أيضا .. ازداد قلقها .. فوجدت قدمها تأخذها نحو المكتب الخاص به .. فقط ليطمئن قلبها .

وصلت إلي هناك فلم تجد أحد .. سألت السكرتيرة فأبلغتها انه مع مستر قصي في غرفة المراقبة ، توقعت أنها ستشعر بالراحة عند معرفة مكانه .. وأنه بالطبع منهمك في عمله لذا لم يستطع ان يجيب اتصالها ، لا تعلم لما ظل القلق يسري في جسدها ، لذا ذهبت علي الفور إلي هناك لتجد ما ينتظرها .


وصل الرجال الثلاثة لغرفة المراقبة ، وأمر اللواء الموظف المختص بأن يعرض له تسجيل الكاميرات الخارجية بتوقيت الساعة الثامنة الا ربع ، وبالفعل عاد الرجل إلي الزمن المطلوب وبدأ بعرض عدة شاشات لأكثر من كاميرا علي الشاشة الكبيرة أمامهم ، تابع الجميع الشاشة .. حتي ظهرت شمس أمامهم وهي تخرج من الباب الخاص ببهو الفندق .. ووقفت أمامه قليلاً ، ثم تحركت نحو البوابة الرئيسيّة الخارجية .


استمرت الأعين تتابع الكاميرات التي توضح خط سيرها ، ولَم يشعر أحد منهم أن هناك عينان أضافيتان تتابع معهم الشاشات وهي مرتبكة لا تعلم ما الذي حدث ؟.

ظهرت شمس تتحرك حتي خرجت تماما من الفندق وأصبحت في الطريق الرئيسي ، وأثناء انتظارها هناك ، ظهرت سيارة دفع رباعية سوداء أمامها ، وفِي أقل من ثواني توقفت وجذبت شمس بالداخل وانطلقت بأقصي سرعة .

انطلقت صرخة أنثوية في وسط هذا الحدث المريب : شمس .. شمس راحت فين !، مين دول !، حد يرد عليا .

التفت الجميع ليجد شاهي تقف أمامهم وقد رسم علي وجهها ملامح الرعب والفزع مما رأت ، هرع وليد نحوها يحتضنها وهو يحاول تهدئتها وقال : متقلقيش يا شاهي .. حنلاقيها .. حترجع .
انفجرت في البكاء وهي بين ذراعاي زوجها وظلت تردد : ازاي .. ازاي حترجع ، مين اللي عمل كده .. مين ؟.

وقف قصي يحدق بها وذهنه يطرح نفس التساؤل من فعل هذا ، ثم التفت نحو مدير الأمن قائلاً : أحمد باشا ، أظن بسهولة تقدر تطلب من حبايبك في الداخلية أنك تشوف خط سير العربية دي من الكاميرات اللي موجودة في الشوارع.

أجابه اللواء : أنا كنت حأعمل كده حالاً ، والكل حيتحرك ، رجالتنا ورجالة الداخلية ، شمس هانم أن شاء الله حترجع في أسرع وقت ،حضرتك انتظر مني تقرير كل نص ساعة ،بعد أُذنك .
غادر اللواء ليذهب إلي مقر الداخلية ، ليقوم بالأبلاغ ومتابعة السيارة ، ومحاولة التعرف عليها، والتوصل إلي الخاطفين في أسرع وقت .

ظل قصي واقفاً كالتائه الذي يبحث عن ملجأ له ، عيناه زائغتان ، عقله في بحث مستمر عن سبب ما حدث !، قلبه يكاد يشق صدره شطرين ،ليجد له طريق للخروج والبحث عنها ، جسده يرتعش من مجرد التفكير في أنه قد لا يراها ثانية ، لم يستطع أن يسجن انفعالاته اكثر من ذلك .. ظل صامتاً .. يحاول التماسك أمام الجميع .. يكظم غضبه وجنونه ..وعندما دخل مكتبه وأغلق بابه عليه .. كانت تلك الأشارة لأن يحرر كل ما هو مكبوت .. لم يعي ماذا يفعل ؟، ظل يحطم كل شيء حوله ، كل ما يصل إلي يديه ، كان كالأسد الجريح الذي لم يتجرع الهزيمة من قبل .. ولن يتقبلها .. ظل يثور ويصرخ بقوة وهو يحطم المكتب بأكمله .. كما لو كان يحطم من فعل بها هذا ، استمر علي هذا الحال عدة دقائق .. كان أشبه بالمجنون الذي فقد عقله تماما .. وعندما خارت قواه ، ولَم تعد ذراعاه تقوي علي شيء ، انهار بجسده علي الأريكة ، وانهارت معه دفاعاته الأخيرة ، لا يذكر أنه عرف من قبل مذاق دموعه ، لم يشعر بها الا عندما انحرفت بعض القطرات نحو فمه .. نعم أنها المرة الأولي التي تتغلب عليه ، وتهرب من مقلتيه وتجد طريقها علي وجهه ، احساس مؤلم بالعجز وقلة الحيلة تملكه ، وخوف شديد مما قد يحدث لها .


صمت مريب عّم المكان بعد أن سمع الجميع صوت الصراع الذي كان يحدث بالداخل ، لم يحاول أحد الدخول إليه ، حتي وليد وزوجته ، كانا في انتظار اللحظة المناسبة للدخول ،لم يحاول وليد أن يقتحم المكتب علي صديقه وهو هكذا، لم يفكر حتي ، فهو يعلمه جيداً ، لا يحب ان يراه أحد علي هذه الحالة .


أصبحت الساعة الحادية عشر .. أي أن شمس متغيبة منذ ثلاث ساعات .. الانتظار يكاد يقتل الجميع احياءاً .. الجلوس بدون فعل شيء ليس من شيم قصي ، ولكن ما باليد حيلة .. يجب ان ينتظر حتي تصل إليه أي معلومة مؤكدة .

الدقائق تزحف ببطء شديد.. كسيدة عجوز لا تقوي علي السير .. الجميع يكتم انفاسه في انتظار ما هو قادم ..دقائق أخري .. ويصدح صوت رنين الهاتف .. ليخترق الصمت المطبق الذي عّم المكان .. ويهرع قصي ليجيب .. ويندفع وليد وشاهي لداخل المكتب لعل هناك ما يطمئن الجميع .

التقط قصي سماعة الهاتف ويداه ترتعشان مما قد يسمعه ، التقط انفاسه وحاول التماسك ثم قال : الووو .

_ مسيو قصي حبيبي .. كيف أحوالك !.
_ مسيو إسحاق .. أعتقد اننا خلصنا كلامنا .. وأعذرني أنا مشغول وفِي انتظار مكالمة مهمة .
_ بالعكس حبيبي .. كلامنا حيبتدي من أول وجديد .. وصدقني مفيش أهم من مكالمتي ليك .
_ مسيو إسحاق .. أرجوك انا مش فاضي .. وعندي حاجات كتيرة أهم .
_ أهم من شمس هانم !
_ أنت تقصد أيه !.. وتعرف منين شمس !.

_ عيب حبيبي تقول لإسحاق كده .. احنا نعرف كل حاجة .

قصي بتوجس : يعني ايه .
_ تؤتؤ تؤتؤ كنت فاكرك أذكي من كده مسيو قصي ، عامة أنا حأريحك .. نخلص موضوع الأرض .. شمس هانم ترجع بالسلامة ، مش موافق يبقي مفيش مشكلة .. بس كمان مش حيبقي في شمس خالص تاني .. قدامك يوم كامل تفكر وترد عليا بكره في نفس الميعاد .. شلوم حبيبي .

أغلق قصي الهاتف والصدمة مازالت مسيطرة عليه .. إلي أن صاح به وليد قائلاً : ايه اللي حصل .

نظر له بحزن قائلاً : مردوخ الكلب خطف شمس .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الثامن عشر

الآلام شديدة في جسدها .. طنين يكاد يسحق رأسها .. تشعر أنها تسقط نحو القاع ...تحاول جاهدة أن تطفو ولكن أحمال ثقيلة تمنعها .. حتي جفناها لا تستطيع فتحهما .. الظلام يحيط بها ... حواسها جميعها معطلة ... عالمها مبهم لا تستطيع التعرف عليه .. فقط كل ما تدركه هو الالم .. والسقوط...


ظلت مستلقية تحاول أن تقاوم هذا الاحساس .. اضواء تلمع وتختفي تراها من بين رموش عيناها الشبه مغلقتان ،اصوات بدأت تصل إلي مسامعها .. لا تستطيع الجزم ما هي .. عقلها يحاول ان ينتشلها من حالة الهذيان لتعود مرة أخري إلي الواقع ..جسدها يرتج من الحركة الدائمة ..أذن هي في سيارة .. سيارة مسرعة جداً ..والأصوات التي تصل إليها .. أصوات السيارات الأخري .. حاولت جاهدة أن تتذكر أين هي ؟ ، وماذا حدث ؟، ولكن كل شيء يبدو مشوش لها .


بدأت تقاوم رغبتها في الاستسلام ..وتفتح عيناها بصعوبة شديدة .. ولكن بحذر وحيطة .. تسلل ضوء النهار القوي إلي عيناها فأغشاها..ثم رويدا رويدا بدأت الرؤية تتضح أمامها .. أنها في المقعد الخلفي بالسيارة وبجوارها رجل ضخم أشقر ..وفِي الأمام علي المقود رجلاً أخر ، وبجواره فتاة لا تستطيع تمييزها من الخلف ، بدأت تستعيد وعيها بعض الشيء وتذكرت ما حدث .. لقد تم اختطافها في هذه السيارة ..ثم كتم انفاسها بقطعة قماش لها رائحة نفاذة ..ولا تعرف ما حدث بعد ذلك ؟ ، ولكنها في خطر ويجب عليها التصرف .


صدمة أصابت الجميع ، شلت تفكيرهم ، سكون مطبق .. قطعه في النهاية صوت قصي وهو يحمل مفاتيح سيارته ويقول : بلغ اللواء أن الزفت مردوخ هو اللي خطف شمس ، خليه يتابع سير العربية أكيد رايحين طابا وحيطلعوا بيها من هناك علي فلسطين ، لازم نلحقها قبل ما يعدوا بيها ، لازم ، خليه يبلغ كل الكمائن ، لحد الحدود ، ويتابعها ويبلغني بيها علي طول .


قبض وليد علي ذراع صديقه وقال : أنت رايح فين .

حدق به قصي في دهشة قائلاً : رايح وراها .. لو استنيت اكتر من كده ، شمس مش حنشوفها تاني .. زمانهم دلوقتي خلاص داخلين علي طابا .. أكيد حيستنوا ويعدوا بيها بالليل ، لازم ألحق قبل ما تضيع مننا .
أشار له وليد قائلاً : استني .. ثم اتجه إلي الخزينة ووضع أرقام القفل الالكتروني .. ثم أخرج منها سلاحان ناريان صغيران الحجم وصندوق صغير من الطلقات ، وأضاف : يلا بينا .
وقف قصي ينظر له ثم قال : لا يا وليد .. مينفعش ، المشوار ده خطر ، مقدرش أسيبك تيجي معايا .

ضحك وليد وقال : خطر .. احنا مفيش حاجة تقف قصادنا ، ولا نسيت يا صاحبي .. هاهاها أنا بضحك في وش المخاطر .. أنسي يا قصي انا معاك للأخر .. مَش حتخلص مني ، حنروح نجيبها ونرجع نعمل أكبر فرح لأحلي عرسان وعرايس .. انا اتضحك عليا في الفرح اللي فات ولازم يتعوض .

ثم التفت لزوجته واقترب منها وضمها إلي صدره وقال : متهيألي حأصغر أوي في عينيكي لو قعدت ومعملتش حاجة .

تشبثت به واحتضنته بقوة كما لو كانت تتمني ان تخترق صدره وترقد بجوار قلبه ، ليحملها معه دائما ، ثم قالت والدموع تخنق كلماتها : عارف لو جرالك حاجة ، حأموتك ، أوعي تسيبني بعد ما لقيتك ، أوعي .. أنا كنت ميتة ورجوعك ليا حياني من جديد .. بلاش تموتني تاني .

ضمها لصدره أكثر ، ودفن وجهه في شعرها ، واستنشق عبير خصلاتها المثيرة وقال : أسيبك وأروح فين .. وأنا مجنون بعد مالقيتك أضيعك مني ، والا اسيب حد تاني يقرب ليكي .. أنتي حياتي وأغلي حاجة في دنيتي .. أنتي اللي حتخليني أرجع .. عشان في حاجة أرجع عشانها .
ابتعد عنها وقال لصديقه : يلا بينا ، ولكنها استوقفته قائلة : استني ، ثم خلعت من رقبتها قلادة ووضعته حول رقبته ، وقالت : فيها صورتنا عشان أفضل معاك علي طول.

أمسك وليد القلادة بيده يقلبها ، سلسلة سميكة من المعدن بها سبيكة معدنية كبيرة وبداخلها صورتين واحدة لها والأخري له ، وضع يده علي القلادة ولصقها نحو قلبه وقال في أشارة ناحية القلب : انتي دايما هنا معايا .


غادر الأثنان الفندق ، واختار قصي سيارة خاصة من أسطول سياراته ، مجهزة خصيصاً للطرق الوعرة والسير في المناطق الجبلية ، يستخدمها دائما في التخييم ، وبها كل المعدات التي قد تلزمه ، كما بها صندوقاً سحرياً استطاعا ان يضعا به الأسلحة النارية ، حتي لا تصل ليد الشرطة في الكمائن المنتشرة في جميع أنحاء سيناء .


أستعادت شمس وعيها بالكامل ، ولكنها لم تحاول أن تظهر للخاطفين ذلك ، كانت تتحين الفرصة الذي تسنح لها حتي تستغلها في الهروب ، ظلت تتابع كل ما يدور حولها بعينان شبه مغمضتان ، استطاعت خلال تلك الفترة أن تحدد هوية الرجلان ، كانا يتحدثان العبرية بطلاقة ، مع بعض الكلمات العربية ، أما الفتاة فكان من الصعب أن تراها ، ولكن من صوتها يبدو أنها روسية الجنسية ، تساؤلات كثيرة تدور بذهنها الآن ، من هولاء ؟، ماذا يريدون مني ؟، لماذا أنا بالتحديد ؟، وأهم ما كان يقلقها ، ماذا سيحدث لي ؟، جالت العديد من الأمور في ذهنها وأهمها ، أمها وأخواتها ، ماذا سيحدث لهم ؟


حاولت التماسك ، والسيطرة علي أعصابها ، كان المخدر ينسحب من جسدها ببطء ، ليحل محله الخوف والفزع ، لا تعلم ما سيحدث لها ؟، ولكن الخوف الأكبر هو ما سيحدث لأسرتها بعدها ؟، حاولت الانصات لأحاديثهم قدر المستطاع ، ربما تستطيع فهم شيء ، وأثناء ذلك سمعت الفتاة تقول بالإنجليزية أنه يوجد أمامهم كمين ، وأنه يجب الحرص علي الا يتضح للشرطة أي شيء ، فهذا هو أخر كمين قبل الحدود .

بدأ الأمل يتسلل إليها ، ورسمت في مخيلتها خطة أنه عند التوقف هناك ستصرخ وتستنجد بالضباط المتواجدين ، ولكن الرجل الذي يقود السيارة قتل هذا الأمل قبل أن يولد وقال أنهم لن يمروا بالكمين ، لأنهم سينحرفوا قبل أن يدركوه وينطلقوا داخل الصحراء .

انطلق قصي في الطريق وخلفه سيارة أخري مشابهة لسيارته ، بها عدد من رجال الأمن التابعين له ( البودي جارد) ، انطلقتا السيارتان نحو طريق طابا .. وكان اللواء أحمد يتابعهم من خلال اللاسلكي والهواتف ، استطاعوا من خلال كاميرات المراقبة ان يشاهدوا السيارة في عدة أكمنة ، ومن اللوحة المعدنية اكتشفوا انها جمرك طابا ، أي أنها قادمة من فلسطين المحتلة .


حاول قصي أن يسابق الرياح حتي يقلص المسافات ويستطيع أن يصل إليها بأقصي سرعة ممكنة ، كان مرتعب من فكرة أن يعبروا بها الحدود قبل أن يدركها ، فَلَو حدث هذا سينتهي أي أمل له في عودتها ، شعور بالذنب كبير تملكه .. احساس مرعب بأنه قد يكون هناك احتمال ان يفقدها للأبد .. هذا احتمال لن يستطيع التعايش معه .

كان يضغط علي دواسة البنزين بقوة ، حتي كادت السيارة تطير في الهواء وتنقلب بهم عدة مرات ، لم يستطع وليد تهدئته او أقناعه بالتروي ، فلا مجال لهذا ، قطع طريق دهب ونويبع ، وبدأ طريقه نحو طابا في أقل من الوقت المعتاد ، حتي جاء إليه اتصال من اللواء يخطره فيه أن سيارات من الشرطة في طريقها إليهم وسينضم أيضا لهم شرطة نويبع وطابا ثم أضاف : أنا أسف يا قصي باشا ، العربية اختفت ، مظهرتش بعد اخر كمين عدت عليه ، المفروض انها كانت تظهر عند كمين الحدود من نص ساعة لكن مظهرتش .

فأجابه قصي سريعاً: يبقي دخلوا الصحراء ، بلغني اخر مرة العربية اتشافت في الكيلو كام ، وبلغ كل الدوريات تدور علي الطريق علي اطارات عربية زي بتاعتهم دخلت في الصحراء .


وفِي فندق هيلتون طابا ، وبالتحديد في غرفة بالطابق الخامس ، مطلة علي البحر ، استيقظ شريف من نومه متأخرا كما اعتاد مؤخرا ، ظل يراقب وجهها وهي نائمة ، يمرر يده علي جسدها الذي أفقده عقله ، فهو لم يعد يشغله شيء سوي ملذاته ، وإرضاء تلك الحية التي ترقد بجواره ، حتي والدته لم يعد يحدثها ولا يجيب علي اتصالاتها المتكررة ، فكيف يفعل ؟، وماذا سيقول لها ؟، لقد تركت شمس وركضت وراء عاهرة ، لا تهتم سوي باحتياجات جسدها فقط ، هل يخبرها ان ولدها الذي أحنت ظهرها عليه أصبح زانياً ؟، أم يروي لها كيف يقضي يومه في احضان امرأة فاجرة ، ألقت نفسها عليه بعد دقائق من تعارفهما ، هو يعلم أنه ليس سوي رقم من ضمن عدد طويل مر علي هذا الجسد من قبل ، ويعلم أيضا انها لن تبقي عليه طويلاً ، فهو لا يملك ما يجعلها تطمع في قربه منها.


بل هو علي يقين بأنها تريده لأمراً ما ولكن لا يعلم ماهيته بعد !، ولا يعبأ لذلك ، لقد غاص عميقاً في هذا الوحل وأصبح من المستحيل الخروج منه ، أنه الآن يدمن هذا الجسد بعد أن كان يدمن السجود علي سجادة الصلاة ، يعشق لياليهم الحمراء ، بعد ان كان يذوب فقط من مجرد النظر في وجه شمس ، يسقي من خمرها ، ويشتعل من أنوثتها الطاغية ، بعد ان كانت مجرد لمسة يد من شمس تجعله يغيب في عالم أخر ، نعم هي تملك من الفسق والفجور ما يجعلها تحصل علي لقب شيطانة بامتياز ، ولكنها شيطانة استطاعت ان تسرق كل حواسه وتمنعه من مجرد التفكير في شيء سوي ان يظل معها.


ظل هكذا يحاول التقرب منها ، حتي استيقظت ونظرت له نظرة مختلفة رأي فيها احتقار وشعور بالزهد فيه ، وعدم الرغبة ، حاول ان يشعل رغبتها ولكنه أدارت له ظهرها ونهرته بشدة قائلة : شيل ايديك عني .. بس بقا ، انت ايه مش بتزهق ، انا بقا زهقت وقرفت ، سيبني بقا .

احساس بالغضب والكره زاد بداخله ، لقد كره نفسه لما وصلت له ، لقد أصبح مثل الحذاء في قدمها ، والأن بات حذاءاً بالياً متسخ لا ترغب به.

لم يستطع تحمل هذا ، لم يقوي علي ان يشعر بالاحتقار لنفسه وباحتقارها له ، لقد خسر كل شيء من اجلها ، خسر دنياه كلها ، اشتعل الغضب بداخله ، ولَم يشعر سوي بالسوط الذي تضعه معها بحقيبتها في يديه ، ليزيح الغطاء عنها ثم ينهال علي جسدها الشبه عاري بالسوط في كل أنحاء جسدها ، غير عابئ لما يحدث لها ، وسط صرخاتها العالية وتوسلاتها ان يرحمها ، ولكن اذا كانت هي الشيطانة ، فهو الآن الشيطان بذاته ، ظل يضربها بقوة وعندما انتهي منها ، لم يتركها ، بل قرر أن يذيقها من عذابها له قليلاً ، فقام بالاعتداء عليها كما يحلو له ، بدون أي مقاومة منها ، وعندما انهارت تماما ، ابتعد عنها وجلس علي المقعد يبكي كالمجنون ، لا يعلم كيف وصل لهذا ؟.


مرت ساعتين منذ ان انطلقتا السيارتان من الفندق حتي وصلتا إلي أخر مكان شوهدت فيه السيارة ، وعند تلك النقطة ، بلغ قصي الجميع ان تظل اعينهم علي الطريق من الجانبين حتي يقتفوا اثر اطارات السيارة في الرمال ، وبدأت السيارتان رحلتهما ببطء حتي يستطيع الجميع ان يدققوا النظر جيداً ، استمر الحال عشرون دقيقة ، وقبل الكمين الأخير بعشرة كيلو مترات ، صاح رجل من السيارة الأخري بأنه رأي أثار سيارة رباعية الدفع تبدو مثل السيارة المطلوبة ، توقفت السيارتان علي قارعة الطريق ، ونزل الرجال لمعاينة الموقف ، ثم قرر قصي أن يترك رجل علي الطريق ينتظر سيارات الشرطة ، في حين تدخل السيارتان في الصحراء حتي تلاحق الخاطفين ، ماذا سيحدث ؟،وكيف ستنتهي تلك المطاردة ؟
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل التاسع عشر

كادت أن تلفظ أنفاسها الأخيرة بين يده ، تشعر أن عظامها قد سحقت تحت سطوته ، بشرتها تحمل العديد من الكدمات والجروح التي تنتشر علي صدرها وخصرها وقدميها ، جسدها يئن من الألم ، أحساس بالضعف والوهن الشديد ، تحاول أن تتنفس ببطء لعل الألم يهدأ قليلاً ، ذهنها مشوش ، لا تستطيع استيعاب ان كل هذا من فعل ذلك الذليل ، الذي لا يفكأ أن يقبل قدميها كلما أراد منها شيئاً ، فكيف ينقلب السحر علي الساحر ؟، كيف يتحول من ضعيف إلي قوي.


من قطاً وديعً يتمسح في اقدامها إلي أسد متوحش يعتصرها بين مخالبه ، بل أنه بعد ان كان ينفذ لها كل ما تريد ، أستطاع بجبروته وقوته أن يجعلها ترضخ لما يريد ، لم تستطع ان تعترض أو تمنعه ، تقبلت الهزيمة بصمت ، تركته يفعل ما يحلو له بدون اي مقاومة تذكر ، أطلقت بعض الصرخات ثم سكنت في استسلام .. نعم جسدها مباح للجميع .. تفعل به ما تشاء .. ولَكن مباح لمن تريد .. وقتما تريد ، لم تتذوق قط مرارة أن تجبر علي شيء ، أو أن يقهرها أي شخص ، فما بالك بمن تحتقره في الأساس ، كانت دائما الملكة وهم العبيد .. فكيف تحولت بين ليلة وضحاها لجارية تفعل ما يطلبه سيدها ؟، بعد أن يعاقبها بالسوط ويدمي به جسدها ، كيف حدث هذا ؟، احساس غريب اجتاحها لا تعلم هل ما زالت تحتقره ؟، ام انها أصبحت منجذبة تجاهه ؟، هل رأت به الرجل الذي كانت تريده ؟، هل اكتشفت في طبيعتها أنها كانت تتمني أن تتحول لجارية وتتنازل عن دور الملكة ؟، أم ماذا؟.


مر النهار باكمله وهي ملقاة علي الفراش ، جسدها لا يقوي علي الحركة ، حتي بدأت تستجمع قواها قليلاً ، وحاولت أن تساعد نفسها علي النهوض ، إلي أن استطاعت ذلك اخيراً ، ألقت نظرة عليه فوجدته يجلس علي المقعد أمامها ، عيناه شاردتان في البحر أمامه ، لم يحاول النظر إليها أو مساعدتها .

لملمت شتات نفسها ، وسترت جسدها بالغطاء وزحفت بساقيها نحو الحمام ، فتحت المياه ووقفت تحتها وهي تفكر ، ماذا سيحدث بعد ذلك ؟.

ظلت تحت المياه عشر دقائق ، حتي هدأت جراحها وأيضا ذهنها ، ثم خرجت وهي تضع منشفة كبيرة حول جسدها ، والمياه تقطر من شعرها ، خرجت لتجده يقف أمامها ، يقطع عليها الطريق ، حاولت المرور لكنه لم يسمح لها ، ثم جذبها من ذراعها بدون أن ينطق بكلمة واحدة ، وأوقعها أرضاً وجلس أمامها علي الفراش، وهو ينظر لها بغضب شديد وعيناه تكاد تشتعل ناراً وهي تجلس بين قدميه ثم قال : اللي عملته فيكي ، ولا حاجة في اللي لسه حأعمله ، أنتي الوحيدة في حياتي اللي خلتيني قرفت من نفسي .. أنتي الوحيدة اللي عاملتيني علي أني ولا حاجة ، كأنك بتتصدقي عليا ، او كأني كلب بترمي ليه البواقي من أكلك ، عايزك تتفرجي بقا علي الحقير ده حيعمل فيكي ايه ، شكلك معرفتيش رجالة قبلي ، انا بقا حأعرفك الرجالة بتتعامل ازاي .


جلست بين قدميه تستمع ولا تعلم ماذا تفعل ؟، فهي لم تتعامل مع تلك النوعية من قبل ، أنسان مهزوم ولكنه يريد ان يصبح المنتصر ، لا تعلم هل اسلحتها قد تفيد معه ، كيف ستفيدها معه ؟ ، لم يعد هناك أي جديد تقدمه له، ولا تستطيع الاتصال بأمن الفندق ، لا تريد أن تكشف هويتها لأحد ، ماذا تفعل ؟، وإلي أي مدي قد يصل معها هذا المعتوه ؟.


جلست شمس في السيارة والخوف رفيقها ، لا تعلم ما العمل ؟ ، هل تحاول المقاومة ؟، أم تقفز من السيارة وهي تسير ، ماذا تفعل ؟.

ثم فجأة توقفت السيارة خلف الجبال بعد ان قطعت شوطاً كبيراً داخل الصحراء ، ونزل الجميع منها ، وجذبها الرجل الذي كان بجوارها وحملها علي كتفه ، كما لو كان يحمل شوالاً من الدقيق ، ودخل الجميع إلي مبني صغير في احضان الجبل ، ثم توجه الرجل حاملاً أياها إلي غرفة صغيرة وألقاها علي الفراش، وجلس بجوارها وحرك بعض الخصلات من علي وجهها وقال لها بالعربية الغير متقنة : أعلم جيداً أنك واعية منذ اكثر من ساعة .. لقد شعرت بحركتك في السيارة ، تحلي بالهدوء وقد تنتهي تلك المسألة وتعودي لبيتك ، وأن لم تنتهي ، سأسعد كثيراً بأن أضمك إلي مجموعتي ، وتصبحي من ضمن مقتنياتي ، سيكون الطلب عليكي كثيراً ، وخاصة من أصدقائي الاسرائيلين ، فهذا سيكون شيء مميز لهم ، فأنتم تعلمون مدي الحب الذي بيننا وبينكم، ثم علت ضحكاته الساخرة وأضاف : ولكن أولاً يجب تجربة البضاعة قبل عرضها في الأسواق .. ولكن ليس الان .. سيحدث قريباً بعدما تصل إلينا الأوامر ، لذا استرخي وحاولي أن تكوني هادئة ، فليس بيدك أي شيء أخر .

قال كلماته وتركها يعتصرها الخوف ، كانت تستمع له وهي تغمض عيناها بقوة كما لو كانت تتمني ان يكون كل هذا مجرد كابوس ، وعندما تفتحهما ستجد نفسها في البيت مع عائلتها ، ظلت ملقاة علي الفراش تضم قدميها إلي صدرها وهي تحيطها بذراعاها ، ظلت هكذا لا تقوي علي فتح عيناها او الحركة ، شُل تفكيرها ، وتوقف كل شيء أمامها ، ظلت راقدة .. ساكنة .. كما لو كانت فارقت الحياة .. مرتعبة حتي من صوت انفاسها .


قررت زيلدا أن تجاري شريف في لعبته وتتركه يستمتع بالسيطرة عليها ، حتي تصل لمبتغاها ، بل أنها جعلته يشعر بأنها أصبحت خاضعة له ، وباتت تفعل ما تؤمر به حتي عندما طلب منها أن تقبل قدميه، لم تمانع بل انحنت عليهما وظلت تقبلهم كمان لو كانت عاشقة في محراب العشق ، ثم بدأت تُمارس حيلها التي تعرفها ، وبدأت تحاول ان تظهر له ذلها وخنوعها إليها ، فجلست تدلك له قدميه ، ثم صعدت إلي كتفيه ، كما لو كانت جارية لدي السلطان ، أما هو فجلس يفكر كيف يستطيع أذيتها أكثر ، وما سر تحولها الغريب ؟.


لحظات ثم بدأت زيلدا تحاول الحديث معه فقالت وهي تحتضنه من الخلف وتطبع قبلات علي رقبته : حبيبي ، ممكن أطلب منك طلب .

لم يلتفت نحوها ، ولَم يتأثر بما تفعله : عايزة ايه .
وضعت رأسها علي كتفه وهي تلف ذراعاها حول صدره : ممكن نمشي من الفندق ده ، ونروح نقعد في مكان تاني .
صاح بها قائلاً : مكان ايه ؟، عايزة تروحي فين .

فأجابت بنعومة وهي مازلت متأثرة بالآلام جسدها : في بيت في حضن الجبل بتاع ناس اصحابي ، المكان هناك جميل ورومانسي ، وحنبقي بعيد عن الناس ونأخذ راحتنا .

هب واقفاً من مكانه وقبض علي معصمها بقسوة وصاح بها : ااه .. عايز تخليني اوديكي عند أصحابك عشان تخلصي مني صح ، والا حألاقي هناك اللي يخلص عليا .
صرخت متألمة : لا يا حبيبي مش كده ، ولو مش عايز تروح براحتك ، بس انا الفلوس معايا مش كتير ، ومش حأقدر ادفع إقامة اكتر من كده في الفندق ، وقلت نروح نقعد هناك أحسن ، وبعدين يا حبيبي انا مقدرش أخلي حد يخلص عليك ... ثم نهضت من مكانها واحتضنته وهي تقول : انت متعرفش انا مبسوطة ازاي .. اللي عملته رغم أنه وجعني .. بس اتبسطت انك بتحبني ، وكمان عمري ما شفت راجل حمش زي كده .. أنت كبرت اوي في نظري يا بيبي .. وأنا بعد كده حأفضل تحت رجليك .
حدق بها شريف وهو يحاول أن يكتشف ما تخبئه له ، ولكنها لم تترك له الفرصة ، وجذبته نحوها لتسكره بخمرها وتدخله معها في عالمها الذي انغمس فيه ، ولَم يعد يستطيع الخروج منه .

انطلقتا السيارتان تخترقان الصحراء، لينطلق خلفهما سحابة من الرمال نتيجة السرعة الرهيبة التي كانتا السيارتان تسيران بها ، استمرا في السير خلف الآثار التي تم تتبعها ، كان قصي يتأهب لما قد يجده ، غضب شديد يكاد يكتسح عظامه ، احساس بالذنب والتخاذل نحوها ، قلبه كان يضج بداخله من شدة الخوف أن يذهب ولا يجدها ، او ان يكون الاوان قد فات ، عيناها كانت لا تفارقه طوال الطريق ، شعر أن تلك العيون تلاحقه دائما وأنها لن تغفر له ابدا .

استمرت السيارتان في طريقهما إلي أن أختفت الاثار تماما أمامهما ولَم يعد هناك سبيل لمعرفة أين أتجهوا ، توقفا عن السير ونزل الجميع ، ووقف قصي ينظر حوله ، الجبال من كل اتجاه ، ولا يوجد طرق واضحة ، فما العمل ؟، وكيف سيجدها ؟.

أمسك أحد أفراد الأمن اللاسلكي وتحدث مع الضابط المسئول قائلاً : لو سمحت عايزك تعملي مسح بالقمر الصناعي للمنطقة اللي احنا فيها ، هما أكيد ليهم وكر هنا، بس لو قعدنا ندور حنأخد وقت كتير ، حاول تلاقي العربية ولو لقيت أي مباني بلغني احداثياتها ايه من المكان اللي أحنا فيه ، أرجوك الموضوع ده يتم في أقصي سرعة ، حاول تجيب الأذن بأستخدام القمر الصناعي بسرعة من الرئاسة .

انهي الرجل المحادثة ثم قال : مفيش في ايدينا غير اننا نستني شوية ، لو حاولنا ندور ممكن نضيع أيام ، لكن كده أسرع ، نصبر شوية .
ربت وليد علي كتف صديقه وقال له : حنلاقيها ... والله حنلاقيها ، وحتبقي زي الفل كمان ، قول بس يارب .
نظر له قصي وعيناه تتوسلان ان يكون كلامه صحيح وقال : يارب .

استطاعت زيلدا ان تجعل شريف يلين قليلاً ، ولكنه لم ينصاع تماما بل لقد كان يشعر بالزهو وهو يعاملها كالجارية ، لذا عندما حاولت أن تغريه بما تملكه ، لم يكن الامر كحبيب مع حبيبته ، بل تحول الامر كما لو كان هو السجان وهي السجينة ، الذي أباح لنفسه أن يمارس كل أنواع التعذيب حتي وهي بين أحضانه ، لم يكن يريد أن يشعر أنها استطاعت أن تخضعه ثانية بجمالها ، بل أراد أن يفرض سيطرته عليها ، ويشعرها أن كل شيء بأمره ..

وبعد أن أنتهي الأمر ، حزمت الحقائب ليغادرا الأثنان إلي الوكر الخاص بهم ، حتي تصل إلي مبتغاها وما تريد .
استقل الاثنان السيارة ، وانطلقت نحو المكان ولكن من طريق أخر ، تلك هي الطريقة المتبعة ، كل سيارة يجب ان تتخذ طريقاً مختلف حتي لا ينتبه أحد إليهم ، قادت السيارة مدة قد تقل عن الساعة بقليل حتي وصلت إلي المبني الذي تقبع فيه شمس أسيرة .

صفت السيارة بجوار الأخري وقالت : استني هنا يا بيبي ، أدخل اشوف مين جوه ، وأعرفهم أن معايا ضيوف وأجيلك .

حدق بها شريف بتوجس ، فأضافت : متقلقش يا بيبي ، ثم انحنت نحوه وقبلته قبلة أذهبت عقله ، وترجلت من السيارة واختفت داخل المنزل .
مرت بضع دقائق ثم عادت ومعها فتاة اخري ، جمالها أوربي ، بشرة شقراء وعينان بلون البحر الأزرق وخصلات شعر ذهبية اللون ، وجسد كالمرمر ، نعم هي جميلة ولكن حسناء تفوقها جمالاً وأنوثة طاغية .

خرجت الفتاة معها لأستقباله وتحدثت معه بالإنجليزية ورحبت به بحرارة ثم ساقته للداخل ، ليجد مجموعة من الشباب يجلسون جميعاً معاً ، مقسمون إلي مجموعات ثنائية ، كل رجل تجالسه فتاة ، وقف شريف في منتصف القاعة لا يفهم ما هذا المكان ؟، ومن هولاء الأشخاص ؟، وماذا يفعلون هنا ؟، ثم وجد حسناء تجذبه من ذراعه وتتجه نحو غرفة من الغرف الذي أمامهما ، دخل شريف معها الغرفة ، وجلس علي الفراش وقال ؛ ايه المكان ده يا حسناء !، ومين الناس دي !.

اقتربت منه بدلال وجلست علي قدميه وقالت : ده بيت بتاعي انا وأصحابي ، لما نحب نفرفش بعيد عن الناس نيجي هنا ، نعيش بين الجبال ونعمل اللي أحنا عايزينه ، لا حد يشوفنا ولا يسمعنا .

نظر له باحتقار وقال : قصدك بيت دعارة .

حركت أناملها علي وجهه وقالت : تؤتؤ تؤتؤ ، بلاش التفكير ده يا حبيبي ، أحنا ناس بنحب نعيش حياتنا من غير وجع قلب ولا دوشة مالهاش لزمة ، بنحب نتبسط ونعيش ونفرح ونحب علي مزاجنا ، فيها حاجة غلط دي !، يلا يا بيبي غير هدومك وارتاح كده شوية ، وانا حأروح أشوف حاجة نأكلها لأحسن حأموت من الجوع ، ثم همت بالخروج لكنها عادت مرة أخري وقالت : صحيح يا قلبي أنا أسمي زيلدا مش حسناء ، محدش هنا يعرف اسم حسناء ده .

ثم غادرت وتركته بمفرده ، خرجت من الغرفة وتوجهت لأخري ، لتجد شاب وفتاة بالداخل فجلست تتحدث معهما عن شمس وأنه لا يجب أن يعلم شريف شيئاً عن وجودها الآن ، وقامت بالاتفاق معهما علي كل المخطط الذي تريدهما اتباعه ، ثم فتحت الخزانة وأخرجت منها قميص نوم مثير باللون الأحمر ، وأعطته للفتاة وطلبت منها أن ترتديه وتفعل ما تمليه عليها .


مرت ربع ساعة علي شريف وهو بالغرفة بمفرده ، ثم فجأة فتح الباب ليجد فتاة أخري تقف أمامه ، ترتدي قميص فاضح لا يستر منها الكثير .. عبرت الباب وأغلقته خلفها ثم أدارت المفتاح .. وتقدمت نحوه بدلال كبير .. كان يراقبها بعيناه .. وبدأ لعابه يسيل عليها ، فالرجل دائما يشتهي المزيد ، ولا يكفيه صنفاً واحدً، بل أنه دائما يبحث عن الجديد ، جلس في مكانه بلا حركة يشاهدها وهي تتلوي أمامه بجسدها ، ثم قامت بالاقتراب منه وهمست له في أذنه انها تريده لنفسها ، لقد وقعت في هواه منذ أن رأته مع زيلدا وقررت الحصول عليه ، ابتعدت عنه وقامت بتشغيل الموسيقي ، ووقفت ترقص أمامه بدلال ، لتجعله لا يستطيع رفضها ابدا .


ماذا سيفعل شريف ؟ هل سيكتفي بزيلدا ؟، أم سيقع في الفخ ؟
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل العشرون

كانت شمس مستلقية علي الفراش ، منكمشة علي نفسها ، كوضعية الجنين في رحم أمه .. مغمضة عيناها تقنع نفسها أنها في كابوس .. وسينتهي .. ظلت هكذا حتي بدأت انفاسها تهدأ قليلاً .. وتستعيد سيطرتها .. حاولت أن تتمالك أعصابها ، وتبدأ في التصرف سريعاً .. لم تكن ابداً ضعيفة ولا متخاذلة .. ولن تكون الآن ، نعم هي لم تمر بموقف مثل هذا من قبل ، ولكنها أيضا لن تسمح بأن تكون مجرد ضحية .. يجب أن تقاوم .. لن تستسلم ، ولو انتهت حياتها ، علي الأقل تكون قد دافعت عن نفسها وشرفها .


جرعة من الشجاعة والقوة ، أعطتها لذاتها ، ونهضت من الفراش سريعاً حتي تجد لها مخرجاً من هذا المأزق ، اقتربت اولاً من الباب ، ووضعت أذنها تستمع لما يحدث بالخارج ، وعندما لم يصل إلي مسامعها اي شيء ، جالت ببصرها في الغرفة ، وكما توقعت النوافذ كلها مغلقة بالأسوار الحديديةً، ولا سبيل للهروب منها ، حاولت البحث في الغرفة عن أي شيء قد يعاونه في الهروب ، ثم تذكرت شيئاً جعلها تبتسم ابتسامة خفيفة ، وهي تتمني أن تجده مازال في مكانه .

انحنت إلي الأسفل ، وأقحمت أناملها بداخل جوربها الرياضي الذي ترتديه ، وأخرجت منه هاتفها المحمول ، عادة لم تستطع تغييرها منذ ان كانت تعمل وهي صغيرة ، كانت دوما ترتعب من فكرة أن تصادف لص في الطريق ، لذا كانت تضع كل أغراضها الثمينة داخل جوربها ، نقود .. او هاتف بديل ، تضعه للطوارئ .

أخذت الهاتف وقامت بفتحه وأقتربت من النافذة ، ثم قامت بالاتصال بقصي ، لا تعلم لما هو من جاء بذهنها ولكن لم تشعر سوي بأنها في حاجة إليه ، انتظرت ان يجيبها ولكن عوضاً عنه أجابتها سيدة الشبكة الملعونة ، لتسمعها الرسالة الكريهة : هذا الهاتف قد يكون مغلقاً او خارج نطاق التغطية ، حاول الاتصال في وقتاً لاحق .

بدون وعي أطلقت السباب من فمها وهي تلعن حظها العاثر ، ثم قررت ان تتصل بصديقتها وهمت بالضغط علي الاسم ولكنها تراجعت في اللحظة الاخيرة ، فهي لا تعرف ماذا يحدث الأن ؟، ولا تريد ان تزيد قلقها ، انتظرت دقيقة ثم حاولت الاتصال به مرة أخري وهي تكاد تسمع صوت دقات قلبها المجنون داخل صدرها ، من شدة الخوف ان لا يجيبها ، ضغطت علي زر الاتصال ، وانتظرت بأمل كبير ان تستمع لصوت رنين الهاتف .. لحظات تحمل فوق أعناقها دهراً كاملاً .. سكون تام وهي في انتظار الرنين او الرسالة الصوتية الكريهة .. ثم فجأة سمعت صوت الهاتف يعلن عن ان الله استجاب لدعائها ، وقفت متلهفة علي سماع صوته وعيناها متعلقتان بباب الغرفة ، تتمني ان لا يفاجئها أحد الأن ، ثم أتاها صوته : مين ؟

بصعوبة شديدة استطاعت تهمس وتقول اسمها : شمس

_شمس .. أنتي فين ؟، طمنيني عليك ، أنتي كويسة حد اذاكي ، اتكلمي سمعيني صوتك .
دموع تنساب من عيناها ، حنين شديد لرؤية وجهه الأن ، احساس بالوحشة والخوف وهو ليس بجوارها ، بالكاد استطاعت ان تطلق صوتها وقالت بخفوت : أنا كويسة .. بس مش عارفة انا فين ، احنا في بيت كبير ، انا محبوسة في أوضة ، الشبابيك كلها عليها حديد ، مش عارفة أعمل ايه .

مرارة تصل إلي حلقه ، ألم من مجرد سماع صوت بكائها وهو عاجز عن الوصول إليها .. أشتياق شديد لها : طيب تقدري توصفي ليا أي حاجة من الشباك .

دققت شمس النظر جيداً من خلال النافذة الحديدية ثم قالت : لا احنا الجبال حوالينا من كل اتجاه ، زي ما يكون البيت ده مبني في وسط الجبال .. مش قادرة أشوف حاجة مميزة ... ثم صمتت قليلاً وتمعنت في النظر أكثر .. وأضافت اخيراً: بص يا قصي .. كل الجبال اللي حوالينا لون صخورها اللون العادي ، ما عدا جبل واحد اللي قدامي بالضبط لونه مايل للأحمر شوية.

وقف قصي يبحث بعينيه في كل اتجاه ، ثم توقف فجأة وصاح : لقيتك يا شمس.. لقيت الجبل .. متقلقيش يا حبيبتي ، احنا قريبين منك ، انا حأكون عندك بسرعة ، أنا لقيتك ومش حأسيبك تروحي مني تاني ابدا ، خلي تليفونك مفتوح .. وخليكي معايا وأوعي تقفليه مهما حصل .

ابتسمت شمس ابتسامة مطمئنة وقالت : انا معاك ومستنياك .. متتأخرش عليا .
صوتها كان كالسهم أصاب قلبه في مقتل ، لم يكن يريد في تلك اللحظة سوي أن تكون بين ذراعاها والا يتركها ابدا ، آفاق من شروده وأطلق صيحة للجميع : يلا بسرعة علي الجبل اللي هناك ده .

في تلك الأثناء .. كان كل شيء قد انتهي .. لقد وقع شريف في الفخ الذي نصب له ، لو يعلم فقط ماذا فعل بنفسه ؟، كان اختار الطريق الصحيح دوما .. لقد كان مخير أن يختار ما بين الحق والضلال .. ولكنه ترك نفسه للطريق الذي لا عودة منه الا من رحم ربي .

لقد ادمن النساء .. وتلك ستكون نهايته .. استطاعت الفتاة بسهولة شديدة أن تغرقه معها ، ولو علمت انها لم تكن بحاجة لأن تفعل شيء ، فهو ليس بحاجة لأي مغريات حتي ينساق لها ..

طرقات علي الباب أخرجتهما مما هما فيه ... نهضت الفتاة وفتحت الباب ..ألقي شريف ببصره .. فوجد زيلدا تقف أمامه وهي تبتسم ابتسامة ذات معني ، ولكنه لم يستطيع أن يفهمها

.. وقفت تشاهد المشهد الذي أمامها ثم قالت : شكلك اتبسطت علي الأخر .
ظل مستلقي علي الفراش ، لا يعبأ بشيء وأجابها قائلاً : اوي .. دي الستات اللي بتعرف تقدر قيمة الراجل .
أطلقت ضحكة رنانة وأجابت بسخرية : مش لما يبقي راجل الأول .

نهض من الفراش بغضب وتوجه نحوها وجذبها من ذراعها قائلاً : أنتي تقصدي ايه ؟، تحبي أوريكي أنا راجل ازاي والا نسيتي .

نظرت له بتحدي وأزاحت يده من عليها وقالت : هو انت فاكر لما تضربني علقة موت .. تبقي هي دي الرجولة ، ده انت غشيم أوي ... عامة يا بيبي انا محضرة ليك مفاجأة حتعجبك اوي .. ثم نظرت إليه من أعلي لأسفل وقالت : بس مَش حينفع تشوف المفأجاة وانت بالمنظر ده .. لازم تلبس حاجة .. والا تحب أخلي حد يساعدك .
أشاح بوجهه عنها وابتعد حتي يرتدي ملابسه ، وعندما انتهي قال لها : انا جاهز .

فابتسمت وهي تضع يدها بيده وقالت : المفاجاة دي حتعجبك أوي ... هما بصراحة اكتر من مفاجاة .. بس خلينا منستعجلش .. الاول نروح للمفاجأة الأولي اللي في الأوضة اللي جنبك .


ظلت شمس بجوار النافذة تنتظر وصولهم وهي تضع الهاتف علي أذنها وتستمع لصوت قصي ، الذي يثلج صدرها وينسيها ما هي فيه ، إلي أن انتبهت لصوت المفتاح الذي يدار في الباب ، فهرعت نحو الفراش ، ووضعت الهاتف تحت الوسادة ، وجلست تضم ساقيها نحوها وهي تحاول التماسك .

لحظات قليلة تفصلها عمن بالباب ، لا تعلم من القادم الأن ، وما الذي سيحدث ؟، ظلت تردد بداخلها دعوات أن يسرع قصي قبل ان يحدث شيء ، ثم فجأة شهقت من الصدمة عندما وجدت شريف أمامها .. لم تدرك ما الذي يحدث ؟، نهضت من مكانها واتجهت نحوه وهي تحدق به وقالت : شريف ... أنت ايه اللي جابك هنا ؟، هو في ايه بالضبط ... أنت .. انت اللي عملت فيا كده ، أنت اللي خلتهم يخطفوني... الندالة وصلت بيك للدرجة دي .

وقف شريف مصدوم ، لا يفهم ما الذي يحدث ، يستمع لكلمات شمس ولا يصدق انه يراها امامه ، ثم التفت نحو زيلدا واقترب منها وقبض علي ذراعيها بكفيه بعنف وقسوة وقال : شمس بتعمل ايه هنا يا زيلدا ، ايه اللي جابها هنا .

حدقت به بشماتة ثم قالت بصوتاً مرتفع : guys
ليندفع ثلاثة رجال إلي الغرفة ، ويقبضوا علي شريف ، ويقيدوا يديه للخلف بأيديهم ، ثم اضافت زيلدا قائلة : اهدي كده يا شوشو وخلّينا نتفاهم في هدوء ... شمس هنا عشان في مصلحة عايزينها من قصي ، لو خلصها حترجع شمس وعليها مليون بوسة ، محصلش ، الشباب هنا حيقوموا معاها بالواجب ، وخصوصا أن الصنف ده جديد عندنا وكلهم نفسهم يجربوه .

صاح بها شريف قائلاً : اخرسي يا حيوانة، شمس محدش حيلمسها ، ده فيها موتك .

علت ضحكاتها ترج المكان وقالت : موت مين يا تافه .. موت زيلدا !.. انت عارف مشكلتك انك متعرفش انت بتتعامل مع مين ، ولا مين الست اللي كنت بتنام في سريرها ، ثم نظرت نحو شمس وأضافت : ااه يا شموسة ... في سريري وفِي حضني ، ومن بعد خمس دقايق من معرفتي بيه، بعد ما قلتي ليه انك مش عايزاه ،ما استناش شوية وزعل عليكي ... أو حاول يرجعك .. لا جه علي طول لحضني ومش كده وبس ده كان بيبوس رجلي عشان أفضل معاه .

كانت شمس تستمع لهما وهي مصدومة .. تشعر انها سقطت في بركة من الاوحال ولا تعرف كيف تهرب منها !، ظلت تنظر لهما بأحتقار ثم قالت : عادي .. ده المتوقع ، مش مشكلة عشرة السنين ، ولا مشكلة العمر اللي ضيعته معاه ... ولا حتي فارق معاه أني معرفتش غيره ومحبتش غيره في حياتي ... انا مش مستغربة ولا متفاجئة .. أن اكتر بنادم صدقته ووثقت فيه ..طلع أحقر راجل صادفته .


كان شريف يستمع لها وقلبه يقطر حزناً علي ما وصل إليه الحال همس بحزن : شمس... أنا .. أنا صدقيني .. محبتش حد غيرك .. أنتي كل حاجة بالنسبة ليا .. أنا ضعفت ااه .. اكتر من مرة .. وغلطت .. لكن حبك جوايا عمره ما قل ولا اتغير .. أنا وقعت مع واحدة حية عرفت تضحك عليا ازاي .. أرجوكي سامحيني .. ارجوكي .


علت ضحكات زيلدا الرنانة الساخرة وقالت : أنتم كده يا مصريين ، دايما بتمثلوا العفة والطهارة ، عاملين نفسكم ملايكة ماشية علي الأرض .. بتدوا لنفسكم الحق أنكم تحللوا وتكفروا وتغلطوا الكل ، لكن أنتم لا ، شايفين نفسكم أحسن شعب وأحسن ناس ، وأنتم كلكم عيوب ، بتحاسبوا الست لو حبت ، وتسامحوا الراجل حتي لو زني ، لو الست متغطية واتعاكست تقولوا نزلت ليه من بيتها ، ولو لابسة لَبْس مش علي مزاجكم تقولوا دي نازلة تتعاكس ، وهي اللي جابته لنفسها ، بتقولوا ان الستات ناقصين عقل ، وان الرجالة العقل كله ورغم كده لما الراجل يغلط مع ست ، يبقي هي السبب ، هي اللي أغرته ، طب والعقل الكامل راح فين ساعتها ، بتفصلوا الدين علي مزاجكم ، وبتقولوا ده حلال وحرام ، وأنتم أول ما تشوفوا ست حلوة بتجروا ورا جسمها بدون تفكير ، بتدعوا الفضيلة في العلن ، ولما تقعدوا ورا الابواب بتمارسوا كل أنواع الفجر ، أنا مش حية ... أنا ست مارست دورها الطبيعي ، وأنت راجل مارست شهوتك الطبيعية ، مفكرتش لحظة لا في دين ولا في حب ، فبلاش دور الضحية ده .. عشان الراجل عمره ما كان ضحية .


صمت عّم المكان ، شعور بالخزي اجتاح شريف ، لم يستطع ان يجادل أو يعارض ، معها كل الحق ، لقد ركض خلف نزواته بدون حتي ان يلتفت إلي ان الله مطلع علي ما يفعله ، لقد ضرب بكل شيء عرض الحائط ولَم يفكر سوي في متعته ، وها هو الأن .. ماذا فعل ؟.. وماذا حل به ؟، سوي العار أمام نفسه اولاً ، ثم شمس حبيبته ورفيقة عمره ، أطهر انسانة في الوجود .. لقد حطم بيده التمثال الذي كانت صنعته له .. لقد كانت دائما تراه في مكانة مختلفة .. كانت تقدسه ، والأن هذا الشخص الذي كانت تعشقه لم يعد له وجود في حياتها ، تحولت نظراتها التي كانت مليئة بالعشق والحب إلي نظرات احتقار واشمئزاز ، ماذا فعل بنفسه ؟، وكيف سيستطيع ان يحيا بهذا الخزي ؟.


أشارت زيلدا للرجال بأن يتركوه ويغادروا الغرفة ثم أضافت : حأسيبك معاها شوية .. يمكن تحب تقولها حاجة سر ، ما انا عارفاك .. ثم تحركت خطوتين وعادت بخبث لتقول : ااه نسيت أقولك .. ماجي اللي انت لسه قايم من حضنها دلوقتي .. واللي مفكرتش لحظة واحدة ترفضها ، عندها إيدز .. يعني أقدر أقولك الف مبروك ، حبيت أحطك في اختبار صغير ، وأشوف استكفيت والا السفالة واصلة معاك لفين ، لكن مخيبتش ظني يا بيبي ، وطلعت راجل قذر بامتياز ، مبروك عليك الايذر يا حبيبي .

iklan banner

Abdulrhman Sayed
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع قصص وروايات .

جديد قسم :