رواية لعبة عاشق الفصول 11-20 الجزء الثاني من (لعبة في يده)




رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الحادي عشر

خسارة تلو الأخرى ، وماذا بعد ؟

ماذا تبقي له ؟
لاشيء كان يحملق بالفراغ أمامه ودقات قلبه تتسارع كاد يهشم الكأس الذي يحمله من بين أصابعه وبالفعل ألقاه بعيدا فأصاب جذع الشجرة إلي جواره فتهشم في الحال مما جذب أنظار المدعويين له فنظر لهم بحقد شدید و مضی منصرفا مصطدما بأحدهم وبضعة طاولات وتسارعت خطوات أخيه نحوه ليهدىء من روعه قائلا :

- زياد أهدى مالك في إيه ؟

دفعه بعيدا :
- سيبني يا أسامة أنا خلاص مش طايق وجبت أخري قبض على ذراعه بقوة وقال بصوت حاول أن يجعله منخفضا :
- ممكن تفهمنی بس إيه اللي حصل ؟
تهدجت أنفاسه وهو يجيبه : | - اللي حصل . . عاوز تعرف . أخوك كسب كل حاجه وأنا . . أنا
خلاص . . صفر . . مافيش . . انتهيت وأخوك السبب دار أسامه بعيناه وهو يستمع لهذر أخيه الأصغر ثم قال :
- هوا برضه السبب ؟
فاندفع زیاد صارخا : - أنت لسه هتدافع عنه . . آشري عرفت منين . . فهمني ؟ اتسعت عينا أسامة غير مصدقا أن يكون جاسر من أخبرها سر أخيه ومضی زیاد بخطواته المسرعة نحو سيارته الرياضية الفارهة وأدارها وانصرف محدثا صريرا قويا.

بقي سؤاله معلقا في الهواء دون رد واضح فقط نظرات ابنه الغاضبة التي تشبه نظراته لحد بعيد

إن أراد إحتسابها إجابة فالتفت لصغيرته الرقيقة التي ورثت طباعها من أمها وقال مکررا
سؤاله : - ماما اتفقت معاكي على إيه يا سلمى ؟ نظرت سلمي لأخيها الأكبر وكأنما تود الحصول منه على إذن فأمسك بها جاسر برفق وقال :
- إيه يا لومي مش هتقولي لبابا حبيبك ؟ فرد سلیم حانقا بنبرة لوم وإتهام واضحة على صوته الطفولي
بالنيابة عن أخته الصغري : - أنت مشيت ماما وجيبتلنا واحدة تانيه إحنا مش بنحبها أغمض جاسر عيناه وأخذ نفسا عميقا وحاول أن يتحلى بالصبر
ورد بهدوء كي لا يخسر المزيد من حب أطفاله - أنا ماقولتش لماما تمشي ، ماما هيا اللي طلبت أنها تمشي
فرد سليم بعند أكبر ن هدوء أبيه :

- بس كنت ممكن تخليها ماتمشيش . . . هيا مش بتخرج إلا بإذنك

أقر جاسر داخله بتلك الحقيقة البسيطة التي سردها ابنه ببراءة ، نعم هي لم تكن تتحرك قيد أنمله دون إذن مسبق منه حتى
تمردت على كل قيوده وغادرته دون رجعة نظر لأطفاله والتمعت عيناه وذكر نفسه ،
حتى الآن وإن كان أخيه قام برهان أخرق فهو داخله يخوض رهان لا خسارة فيه
ستعود وعلى أعظم تقدير خلال إسبوعين أو سبعة أيام لا أكثر
لن تستطيع فراق أطفالها ولن تستطيع التخلي عنه يومان اثنان ويبدأ بكاء أطفالها وعندها لن تستطيع الصبر أو التحمل وستعود له طائعة وإما يقبل أو يرفض
ربت على كتفي صغاره برفق وقال : - ماما هترجع يا ولاد ، ماتقلقوش ، لازم هترجع ، يالا تصبحوا
على خير قبل صغاره وأرسلهم لأسرتهم ودثرهم جيدا وانصرف تاركا ضوءا
خافتا يظل الغرفة حتى يستطيعوا النوم دون مخاوف وترجل الدرجات باحثا عن عروسه التي كلفته الكثير حتى الآن
وعليها أن تدفع جزءا من دیونها.

ودعت ضيوفها بإبتسامة مشرقة وتقبلت أمانيهم المزيفة بحياة سعيدة إلى جوار عريسها الغائب بكلمات رقيقة وكأنما تخبرهم

أن ماحدث منذ ساعة أو أكثر قليلا
بل هو ما أرادته وسعت له منذ البداية واختلت بنفسها في صالون القصر الواسع ومضت تسترجع
اللحظات العصيبة التي عاشتها
السنة الجميع ستنطلق على أكثر تقدير صباح الغد متهمة إياها بخراب البيوت أو كما قالت حماتها المصون " قدمها قدم سعد " داخلها يقر أنها كانت ستسعي لتلك النهاية بكل ما أوتيت من قوة

فقط ليس الآن لم يكن هذا ما خططت له ، لم تكن تلك خطتها التي كانت

ترسمها منذ شهور حرفيا كانت تخطط لاستبقاء زوجته حتى تعتني بالأطفال ريثما
تشق هي طريقا ممهدا نحو قلبه تظلل بأفعالها سماءه ، ترسم تباین لا يخطىء بينها وبين البدينة
الأخرى لتجعله هو صاحب القرار والرغبة ، ليكون حكما أصدره هو
بالانفصال وليس طلبا إنصاع له خلال دقائق لا أكثر
ومرة أخرى تشعر داخلها بالخوف وعدم الأمان منه
نعم هي تخشاه همست داخلها ولكن شفتاها نطقتها بوضوح :

- مالوش عزیز وأيقظتها كلماتها من أحلامها ودوامة أفكارها وحدقت في

إنعكاس صورتها في المرآة بهلع ترى أيكون هذا مصيرها بعد مرور السنون عليهما ، أيتخلى عنها
مرة أخرى ويمضي في طريقه دون النظر وراءه ؟ ! وكأنما سمع ذكره يجوب في خيالها فظهر أمامها بطول الفارع
يتقدم منها وعيناه أضحت قاتمة كسواد أفكاره فرفعت أنظارها له بخوف ثم قالت بصوت جاهدت أن تجعله
هادئا :

- الولاد ناموا ؟ هز رأسه صامتا ومضى بصب لنفسه شرابا منعشا من مزيج الليمون

والنعاع الطازج أشار لها بالكأس فرفضته هامسة :
- ميرسي
فترجعه دفعة واحدة فاندفعت بسؤالها الذي كان يؤرقها دون أن
تشعر : - جاسر أنت ليه طلقتها ؟ أنا ماطلبتش منك تطلقها ؟ التفت لها وحدق فيها مندهشا وسعل ضاحكا وانتظر حتى هدأت
أنفاسه ثم قال : - وأنت فاكرة نفسك كنت تطلبي أطلق مراتي وأنا أسمع كلامك
على طول وأردف بقسوة :

- ليه فكراني إيه ؟ هزت رأسها بعصبية واقتربت منه وقالت بدلال مصطنع : - لاء أنا ما أقصدش ، أنا بس مش فاهمة أنت ليه عملت كده ، ماکنش فيه داعي

قبض على ذراعها بقسوة وقال : - لاء فيه ، هيا طلبت وأنا الست اللي مترضاش تعيش معايا
وتطلب الطلاق مالهاش عندي رجعه
مش هجبر واحده تعيش معايا غصب عنها واهو عشان ماترجعيش تندمي زي ماهيا هتندم یا داليا يوم ماهتطلبيها مني
في نفس اللحظة هتتحقق ورددتها مرة أخرى ولكن تلك المرة بوضوح جم وأمامه :
- مالكش عزیز

فرد بقوة محدقا بقسماتها الناعمة : - أنا اللي يعزني مايسبنيش ، مایلویش دراعي غير كده ماليش

نکست رأسها وهي تستمع لوعيده المبطن فأردف ساخرا : - أنا أول مرة أشوف واحدة زعلانه على ضرتها مش فرحانه أن
جوزها بقي ليها لوحدها رفعت أنظارها له وتذكرت خطتها السابقة فعزمت على اللحاق ببقاياها فاقتربت منه بحنان وتغلغللت بأناملها بين خصلات
شعره الكثيفة وقالت بصوت خافت : | - أكيد فرحانة أنك بقيت ليا لوحدي وبوعدك أنك عمرك
ماهتقدر تستغني عني
رقص غروره طربا داخله وقال بنظرة ذات إيحاء : - إحنا هنقضي ليلة العمر في الكلام وبس ولا إيه ؟
فأخفضت عيناها خجلا وقالت : - طب يالا شوف السواق عشان نروح الفندق سوا ضاقت عيناه ومضي يبسط أولي قواعده التحكم المطلق
فقال بهدوء مسيطر : - أنا مشيت السواق ، أصلي تعبان شويه وبعدين مش معقول
عشان ليلة يعني وأهو بقينا لوحدنا فقالت بغضب وهي تحاول إستيعاب كلماته : - یعنی إیه یا جاسر ، أنت عاوزاني أنام على سرير غيري ؟
ضاقت عيناه وهو يرد بإستخاف : - ماتبقیش درامية أوي كده القصر فيه أكتر من عشرين أوضة
، معقول يعني هنيمك في نفس الأوضة ؟ !

قالت وهي تحاول التملص من رغبته فهي لم تستسيغ فكرة أن

تكون ليلة عمرها بين جنبات قصر آل سليم : - بليز يا بيبي خلينا نروح الفندق هنكون على راحتنا أكتر
رد بهدوءرافضا توسلها :
- أنا راحتي وسط أهلي یا داليا ومضى بخطواته منفضا عنها فلحقته مذعنة حتى أوقفته على مشارف الدرج الرخامی قائلة بدلال لتبسط سيطرتها الأنثوية عليه بالمقابل
- لحد هنا بقى ولازم تشيلني التفت لها غير مصدقا طلبها والذي تبين له مدى إصرارها عليه
من نظراتها الراجية وذراعيها الممدودان له فرفعها بيسر تام بين ذراعيه ومضي في طريقه نحو الأعلى متجاهلا نظراتها المحمومة نحوه وعبث أناملها بالنبض الذي يطرق عروق رقبته وأنفاسها الساخنة التي تقتحم فتحة صدره
وجل تفكيره دعاءا خالصا من قلبه أن لا يراهما أحدا
وتوقف أمام الغرفة الجديدة والتي أمر نعمات منذ قليل بتجهيزها
وقبل أن يخطو داخلها رأي إنعکاس ظل أمه في المرآة المعلقة آخر الردهة ينظر لهما بتقزز بالغ فالتفت لها متحديا وركل الباب
بقدمه واختفي داخل الغرفه وأغلقه بقوة حتى انزعجت عروسه وشعرت
بالخوف يقبض على أوتار قلبها وهو يدفع بها إلى الفراش وأنظاره تجول على جسدها الملفوف بفستانها الضيق بوقاحة
عهدتها بسنوات ماضية فتوترت واحمرت وجنتاها وأشاحت بأنظارها بعيدا فقال ساخرا
وهو يغادرها :

- شوية وراجعلك

حدقت بأثره الغائب بدهشة ، لقد ظنت أنه سيفترسها بنظراته ولكن ما لبث أن انفض عنها ببرود بالغ ولكنها حدثت نفسها
لعلها تقتنع أنه تركها لتغير ملابسها دون حرج لوجوده
قامت بخطوات سريعة وبدلت ملابسها بأخري ساخنة في حمام الغرفة الملحق بها وعادت مرة أخرى للغرفة بعدما أصلحت زينتها وأرسلت خصلاتها الفحمية مسترسلة بنعومة على ظهرها العاري ومضت تتأمل قدها الفتان في المرآة أمامها غلالة رقيقة بلون
جلدها تلتف بنعومة حتى آخر کاحلها تستر القليل من مفاتنها وتبرز معالم أنوثتها ثم رشت المزيد من عطرها المغري وأخفضت أنوار الغرفة وجلست تنتظر مجيئه وهي تشعر بحرارة مشاعرها وبرودة شهر نوفمبر يتناوبان عليها فتصيبها بمزيدا من القلق
والتوتر وعاد بعد مضي نصف ساعة على انصرافه واقتحم الغرفة فجأة ملاحظا أضوائها الخافتة فحطم رومانسية الغرفة بإضاءة المزيد
من الأنوار حتى أضحت كبقعة تحت شمس النهار ولمحت بيده عدة أوراق وقلما فعبست غاضبة وقامت واتجهت
نحوه قائلة بحنق بالغ : - یعنی کنت ممكن تنستنی لبكرة على الأقل مش في ليلة دخلتنا
یاجاسر ، ده ماكنش بيع وشرا
فرد ببرود لامباليا :

- ده كان اتفاقنا حملقت به صامته ثم جذبت الأوراق منه بعنف ووقعتها ودفعتها

بها له من جديد قائلة :
- اتفضل
مضى يراجع الأوراق حتى اطمأن لسلامة توقيعها على عقود بيع شركة أخيه له ثم اتجه نحو الخزانة المعدنية داخل دولاب الملابس وفتحها ووضع عقد البيع بدخلها وأوصدها جيدا بأرقام سرية معقدة والتفت لها وهي تحدق به غير مصدقة أنه حتى لا يستأمنها على تلك الأوراق التافهة بالنسبة لها فترقرت الدموع من بين جفونها ولفت جسدها بالروب الحريري والذي ألقته في لحظة جرأة تراها الآن بالغة الرعونة والحماقة إذ أنها أهدرت الكثير من كرامتها أمامه وصممت أن ينال عقابه فتوجهت نحو باب الغرفة وفتحته على مصراعيه وقالت بصوت جاف ونظراتها تكاد تحرقه حيا :

- ودلوقت تقدر تتفضل عشان عاوزة أنام

في ليلة واحدة ترفضه إمرأتان هذا يعد له أكثر من الكثير بكثير لاسيما أنه لم يخطىء
لقد كان هذا إتفاقهما المبرم ومرة أخرى تنكث إحداهما بعهدها معه
أتراه يكون مصيره ؟ ! ! | أم تتابعا إفتراضيا لتصرف تراه هي متاحا طالما أجبرته الأخرى على الخضوع له.

لا ، ببساطة لن يكون . مضي نحو الباب وأغلقه بقوة والتفت لها منذرا لها بعقاب أسوء وخلع عنها ماتشبثت به بغرض حماية ، بل وخلع المزيد ولم تملك ردا أو دفعا أو مقاومة فقد اجتاحها كإعصار مدمر عادت متأخرة تلك الليلة وهي تشعر بالأرهاق يقتات من مفاصل ركبتيها اللتان شاختا

دلفت لداخل الشقة الساكنة واتجهت إلى غرفتها وهي تدعو بصلاح حال ابنتيها وخصوصا الكبرى التي اتصلت بها باكية ظهيرة اليوم حيث شب بينها وبين زوجها شجارا محتدما فهرعت في الحال إليها وتذكرت مقولة زوجها الشعبية " يا أبو البنات يا عتبة للأندال "

فترقرق الدمع بعيناها وهي تردد : | - الله يرحمك يا محسن سيبتني لوحدي للأندال وداخلها يقر أن حال الصغرى لم يكن بأحسن من أختها فزوجها مسيطر ومتحكم ولكنها لا تملك سوى الدعاء لابنتها الصغيرة

| بالصبر وتوقفت خطواتها فجأة وشعرت بالخوف الشديد إذ إنها رأت الأضواء الخافتة تنساب من السقيفة الخشبية التي أعدها زوجها
الراحل بالأعلى فوضعت يدها على قلبها وحملت عصاها التي تستخدمها أثناء الحركة وصعدت الدرجات الخشبية نحو الأعلى
وهي تصرخ :
- مین هنا ؟
- مين هنا ؟ وأخيرا إطمأن قلبها وهدأت دقاته وهي تقول بصوت مستبشر :
- سالي ، خضيتني إنت هنا من أمتي ؟ ! التفتت لها سالي وهي تحبس الدموع داخلها وقالت بصوت
مرتجف :

- من ساعة كده دعتها أمها للإقتراب منها وهي تقول :

- تعالي طيب قاعدة عندك ليه ؟ ده الجو طل قامت سالي وأذعنت لرغبة والدتها التي مالبثت ولحظت ردائها
فقالت مندهشة : - الله أنت كنت في فرح ولا إيه ، وفين الولاد ؟ ! ! وعند ذكر أمها لكلمة " الفرح " انهارت دموعها وتملصت من
حصون جفونها واندفعت لأحضان أمها وهي تقول :

- ماما أنا محتجاكي أوي ، محتاجة لحضنك ، محتاجة تقوليلي

أنت صح ماغلطتيش انزعجت مجيدة للغاية وهي تستوعب إنهيار ابنتها بالبكاء بين
أحضانها فبادلتها الأحضان بقوة تمدها بالدعم وهي تردد بعنفوان أمومتها التي ظنت أنه لا حاجة له بعد كبر البنات
وزواجهم وإستقلال كل واحدة بحياتها بعيدا عنها : - أنت صح يا سالي أنت ماغلطتيش يابنتي . . بس یاحبیبیتی بس
اهدي كل حاجة هتبقا كويسة وحاولت أن تضيف نكهة الفكاهة لحديثها ربما تخفف عن
ابنتها الصغيرة : - بقا تكوني حلوة كده وزي القمر وتعيطي ، مش ده فستان
خطوبتك صحيح ؟ ! مسحت سالي دموعها وهزت رأسها قائلة :

- ايوا هوا فریتت أمها على ذراعها :

- طب مالك حصل إيه ؟ عادت مرة أخرى للبكاء الذي كاد يشطر نیاط قلب أمها وهي
تقول بصوت متقطع متهدج من الألم : - فرح . . جاسر . . كان الليلة . . في القصر . . . قدامي . . ما استحملتش . . صدقيني يا أمي ما استحملتش . . ماقدرتش وضعت مجيدة يدها على فمها وهي تشهق غير مصدقة وتابعت
سالي حديثها لكأنما تتخلص من حمل أرهق كتفيها : - طلبت الطلاق . . وطلقني قدامهم . . . في ساعتها . . . ولا كأني
أسوی هزت أمها رأسها نافية وهي تحتضن ابنتها بقوة قائلة : - لاء تسوي ، أنت تسوي ونص . . إخص عليه ابن الأصول . . . دي
أخرتها واستكانت في أحضان أمها لبرهة التي ما لبثت واستدركت قائلة بحزن :
- والولاد یا سالي ؟ !

فشهقت مرة أخرى بنهر متدفق من الدموع وكان ذلك ما يكاد يطير بعقلها ويغلف وجدانها بألم عظيم :

- سيبتهومله فربتت أمها على كتفها لتزيدها صلابة وقوة وهي تمسح دموع
ابنتها بأصابعها وقالت وكأنما تقر واقعا لتطمئنها : - بكرة هيرجعوا لحضنك . . بكرة يرجع يبوس رجلك واقعدي هنا
في بيت أبوكي معززة مكرمة ولا ندل يدوس على طرفك منذ نصف ساعة وهو يصرخ متألما وهؤلاء الأغبياء مصممون على المضي قدما بالأشعة المغناطيسية ليطمأنوا على مخه مخافة أن يكون قد أصيب بإرتجاج فيه ولكن كل ما كان يشغل باله هذا الجرح الذي لا يتوقف عن النزيف تماما أعلى منتصف جبهته فيما كان أسامة يذرع الطابق قلقا فمنذ ساعة آتاه ذاك الخبر المشؤوم إصابة أخيه الأصغر في حادث سيارة والذي أعاد له كل ذكرياته السوداء وأخيرا خرج أخاه علی کرسی مدولب مرتديا لباس المشفى المكون من قطعة واحدة وهو يصيح بالممرضة : - ممکن بقا توديني لدكتور تجميل يشوف الجرح ده فاستقبله بوجهه متهلل قائلا :

- الحمد لله يا أخي وقعت قلبي

هتف به زیاد بحرقة على حاله : - أسامة ألحقني شوف كل الدم ده نازل من نافوخي
طالعه بنظرة متفحصة وهو يجيبه مطمئنا :
- ماتقلقش ده جرح بسيط جدا نظرت له الممرضة طالبة العون والنجدة قائلة بتزق : - والله يافندم الدكتور عاد الأشعة مرتين عشان بيصرخ من
الجرح ده
ضحك أسامة متفکها فالصغير يظل صغيرا حتى لو تجاوز عمره السابعة والثلاثون لطالما كان أخيه لا يتحمل الألم ولا الشعور به
وكان يهاب الأطباء دوما
فزجره زیاد قائلا : - أنت واقف عندك تضحك شوفلي دکتور خبير تجميل يشوف
الجرح ده هز أسامة رأسه مطمئنا إياه وقال : - ماتقلقش هروح أسأل في الإستقبال
اعترضت الممرضة قائلة : - يافندم إحنا راجعين قسم الطواريء تاني للدكتورة ريم
اعترض زیاد والممرضة تدفعه نحو القسم :

- لاء الدكتورة دي تاني لاء ، استحاله دفعت به الممرضة نحو الفراش المجهز وساعدته للصعود فوقه

وقالت :
- حضرتك طلبت الخبير الأجنبي أول مادخلت المستشفى
ودكتورة ريم هيا الخبير الأجنبي وقف أسامة وهو يحاول تهدئة روع أخيه : - ماتقلقش یازیاد هتبقى كويس بلاش التوتر ده وسمع صوت حلقات الستائر المعدنية وهي تنزلق بقوة فالتفت ليطالع إمرأة في أواخر الثلاثينيات وأول ما جذب أنظاره عيناها اللتان كانتا تلمعان لكأنما فهد بري يندفع ليطارد غزالة ضعيفة غير أن نظرة الفهد خاصتها كانت تتمع ببريق مختلف فالعين اليمني براقة بلون أسود وحشي أما اليسرى فبلون السماء
المكفهرة وتقدمت وهي تلوك جزرة تقضمها محدثة غوغاء غير عابئة بأي مظهر إجتماعي مرتدية ملابس الجراحة الكحلية اللون
وهي تقول : | - هاه أيه الأخبار ؟

اندفع ورائها طبيب حديث التخرج يعرض عليها نتيجة الأشعة التي قام بها زياد منذ قليل فمررت بصرها عليها متبرمة الشفاة

وقالت :
- طب تمام ثم وجهت حديثها للممرضه خلفها قائلة بحرفية تامة :
- ستشز بالا نجهز حضرت لها الممرضة الخيط والمعدات الجراحية لتقوم بتقطيب الجرح
فاعترض زیاد صارخا بها بذعر تام : | - إيه إيه إيه . . . استني استني مش الأول تعقمي إيديكي وتحطي
حاجه على وشك ابتسمت له ساخرة وقالت :
- ليه هتنقب ؟ ! ! ثم زجرته بصرامة :

- بص قدامك ارتدت القفاز المطاطي ووضعت كمامة طبية على فمها بعدما انتهت من تناول الجزرة التي كانت تحملها وأمسكت برأس زیاد

بقوة وهي تقول بتهدید : - لو حرکت راسك أنا مش مسئولة كاد يبكي وهو يرجوها :
- طب مش حتحطيلي مخدر الأول نظرت له وهو يكاد يبكي كالأطفال فنظرت للأعلى مستنجده ثم
قالت ببرود : - بص . . قدامك فقال زیاد ببؤس تام :
- طب ممكن اغمض عيني وضعت يدها على عيناه ودفعت بجفونه ليغلقهم وشرعت بأداء عملها في تقطيب الجرح بمهارة بالغة تحت أنظار أسامة الذي
كان مفتونا بها تماما حتى انتهت
وظل زياد مغلقا عيناه وهو يتمتم بكل آيات القرآن التي يحفظها
حتى صفعته على وجنته بخفه وأمرته ساخرة :

- فتح ، خلصت المصحف ولا لسه ؟ وعندها انفجر أسامة بالضحك بل وتمالكت الممرضة ضحكاتها بمشقة بالغة وقد احمرت أذنا زیاد فجلس أسامة إلى جواره وهو يراقب انصراف الطبيبة المثيرة جدا للجدل وللإهتمام

لاحظ زیاد نظرات أخيه وقال حانقا : - حضرتك سايبها تعمل فيا كده وعجباك أوي
رد أسامة بهدوء : - الصراحة أنا شايف أنها دكتورة شاطرة أنت اللي خواف بزيادة دفع زیاد بیده داخل جيب سترة أخيه وتناول هاتفه الخاص ومضى يرسل رسالة نصية فقال أسامة معترضا :
- أنت بتعمل إيه ؟ ! أعاد له أسامة الهاتف وعاد للخلف ليريح رأسه فطالع أسامة
هاتفه غاضبا وقال :

- أنا مش مشترك في التمثيلية دي ولو سألتني هقولها على كل

حاجة . وماهي إلا ساعة زمنية أو أقل حتى كانت آشري تندفع بخطواتها داخل قسم الطوارىء وعندما رأت أسامة هتفت به :
- خير يا أسامة زياد ماله ؟ | تقدمت نحوه بسرعه حتى توقفت أمام الفراش وطالعته بأسف بالغ وقد تظاهر بالنوم ففتح عيناه وقال متصنعا الدهشة :
- آشرى ، أنت جيت ، شوفت اللي حصلي یا آشري رفع أسامة عيناه للسماء من أداء أخاه المصطنع والذي يرغب به ادرار شفقة وعطف آشري التي قالت بأسف تام : - ألف سلامة عليك بازياد ، إزاي ده حصل ؟

أمسك زیاد بكفها وقال مؤنبا إياها : - بعد ماسيبتيني ومشيتي منغير حتى ماتديني فرصة أشرحلك سوقت العربية وأنا مش مركز في حاجه غيرك كنت هموت نفسي عشانك

رفعت آشرى أنظارها مستنجدة بأسامة قائلة : - زياد ماله بجد يا أسامة ؟
- زى القرد ولم تكن تلك كلماته ولا هذا كان صوته الذي اخترق الصمت
المتوتر بينهم بل كان صوت الطبيبة ريم التي تابعت حديثها بجدية تامة : - هيفضل تحت عنينا بس للملاحظة شوية وهنيجي ممرضة تنقله
أوضة للصبح والساعة و هيخرج ارتاحت ملامح آشري بينما ارتسم الغيظ على ملامح زیاد الذي کاد حرفيا الفتك بتلك المرأة وقامت آشري واتجهت نحوها
تستوقفها قبل أن تنصرف قائلة :

- بجد يا دكتور ؟ ! !

نظرت له ريم ساخرة وقالت بضيق : - بجد جدا ولو عليا استحاله ابيته على السرير ده ، فيه عشرات
غيره أولى بيه منه ، لكنه للأسف بروتوكول المستشفى
واتسعت عينا زیاد غیر مصدقا لوقاحة تلك الطبيبة والتي تتعامل معه بإستهزاء تام بينما وضع أسامة يده على عيناه وهو لايستطيع
كبح جماح ضحكته
عادت آشري مرة أخرى وقالت بجدية : - طب اتطمنت عليك واديك سمعت الدكتورة قالت هتخرج بكرة
، مع السلامة وخد بالك من نفسك
هم باعتراض قائلا : - آشري ، هتمشي برضه وتسيبيني
حملت حقيبتها وقالت بتصميم : - أنا عشان بنت أصول جيت لكن أنت كويس ومعاك أخوك
، ألف سلامة عليك يا زياد . وأرجوك تنفذ اللي طلبته منك مش عاوزه بابي يحس بحاجة وانصرفت بعد أن القت تحية هادئة على أسامة الذي كان يراقبهم
صامتا

بعدما صرخ في الممرضات طالبا لجرعة مكثفة من المسكنات وتناول طعام عشائة متبرما غرق في سبات فقام أسامة وعزم على الإنصراف بعدما اطمأن على حرارته حمل مفاتيحه ومضى يبحث عن هاتفهه ولكنه لم يجده فتحرك للخارج وهو يفكر لابد أنه سقط منه في قسم الطواريء وصل للقسم الذي كان في حالة من الحركة الغير طبيعية وسمع صوتها يصرخ بالأطباء حولها الإنجليزية وهي تدفعهم للتحرك وتصدر لهم أوامر بنبرة عنيفة مابین کلمات بالعربية والإنجليزية وقف يتأملها ، جسد فارع ممشوق أنثوي بحت ملابسها ملطخة بكم هائل من الدماء ، يبدو أنها لا تعبأ لها ولا لتلك المتدفقة بوجهها وهي تحاول إنقاذ صاحبها بكل ما أوتيت من قوة وسرعة التفتت جانبا ليجد امرأة ترقب الرجل الغارق بدماءه بوجل وهي تبكي بهيسترية فاقترب منها مهدئا إياها عندها رفعت إليه أبصارها فزجرت الممرضة لتواجدهم أثناء عملها فاندفعت الممرضة لترجوهم بالبقاء في الخارج وسارت المرأة برفقة رجل يكبرها عمرا يبدو أنه والدها للشبه المتقارب بينهما و بقي هو مصمما على الدخول قائلا للممرضة :


- أنا تليفوني وقع جوه لما كنت مع أخويا هنا فقالت الممرضة وهي تلتفت للطبيبة التي كانت تصرخ بالجميع

حتى يسرعوا بإنقاذ الرجل قائلة بتوتر : - طب معلش تستنى شوية لأن زي ما أنت شايف هز رأسه وخرج وهو يراقبها بإعجاب بالغ وداخله يحدثة لو كانت موجودة يوم الحادثة التي أودت بأسرته الصغيرة ربما كتبت لهم
النجاة جلس وشعور مرير ينخر عظامه يتذكر اللحظات الأخيرة في حياة زوجته أما طفلته فكانت كما لو كانت نائمة وحتى اليوم هو يقنع
نفسه بأنها لا تزال نائمة أما زوجته فهي قد ارتاحت من الآمها ومضت الساعات وبقي هو على حاله جالسا في رواق المشفى شاردا حتى لاحظ اندفاع المرأة التي كانت تبكي زوجها فالتفت ليجد الطبيبة تبتسم لها بدفء فانهمرت دموع المرأة وفجأة دفعت الطبيبة الفارعة لأحضانها فارتسم تعبير ممتعض على وجهها أثار روح الفكاهة داخله رغما عنه قام عندما لاحظ أن خطواتها تنحرف لتصل إليه وعندما اقتربت منه أخرجت من جيب ملابسها الملطخة بالدماء هاتفه الجوال الثمين قائلة له :
- اتفضل أخذه منها وهو يشكرها قائلا :

- كان جوزها ؟

ردت بجفاف :
- أظن أخوها
فقال مقرا : - حضنتك عشان تشکرك أصدرت صوتا عجيبا معبرا عن التقزز :
- تصدق
فقال لها لائما :
- على الأقل ما اهتمتش بالدم اللي على هدومك
حدقت فيه وقالت بغيظ : - أنا كل يوم بيحضني مالايقل عن عشرین بنی آدم ، صدقني
كلمة شكرا لوحدها كفاية
فقال بمكر : - أنا ازاي ما شکرتکیش على اللي عملتيه لأخويا
نظرت له بطرف عيناها وهي تهز رأسها : - أنت وقح ، وحظك أني تعبانة ومحتاجه أغير هدومي
حاول کتم بسمته وهو يرفع يده للأعلى مستسلما : - وعلى أيه الطيب أحسن ، بس أنت مش تخصص جراحة
تجميل ، مش كده ؟ نظرت له وهی متقززة من الفكرة تماما :

- لاء طبعا أنا تخصص جراحة كارديو . . قلب أوعية دموية ضحك وهو يتوقع ردة فعل زياد عندما يعلم فقال :

- لو عرف زیاد
نظرت له وقالت ساخرة : - هوا اللي طلب خبير أجنبي عشان بعد كده يتعلم يحدد
التخصص الأول استوقفها قبل أن تستقل المصعد قائلا وهو يدفع بهاتفه لها : - لكن أنا ممكن احتاجك في استشارة مهمة ، ممكن تكتبيلي
رقم تليفونك نظرت له وهي تلاحظ نظراته المركزة عليها والتي لم تكن بغريبة
عليها فطلية الساعات الماضية لم يخفضها عنها كلما رآها ولم تكن نظراته بالأمر العجيب عنها إذ أنها كانت مألوفة جدا لديها من قبل جميع الرجال ولكن شيئا ما حثها على قبول طلبه المراوغ فأخذت هاتفهه وسجلت رقم هاتفها واستقلت المصعد.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثاني عشر

سماء مكفهرة ورياح غير مستقرة وصباحا غابت عنه أشعة

الشمس كما غابت عروسه عن فراشه قام واغتسل وداخله دوامة أفكار ومشاعر متضارية وغاضبة كالإعصار على وشك الفتك بمن يقترب منه
بل والفتك بنفسه ترجل الدرج ورأى طفليه يجلسان إلى الطاولة المستديرة قرب الشرفة مكانه المفضل حيث ركن زوجته الأثير المطعم بزهورها.

فاقترب منهم فاكتشف جلوس الجدة برفقتهم تضاحكهما وتتبادل معهم الأحاديث الخافتة وهم ينصتون لها بوجه مشرق مما دفع حاجبيه للإنعقاد فهذا التناغم بينهم كان غريبا ، بل كان فريدا من نوعه . رفعت أمه أنظارها فجأة وكأنما استطاعت فك شفيراته قالت بصوت هازیء :


- صباحية مباركة يا عريس ، إلا فين عروستك ؟ أشاح جاسر برأسه فهو لا يدري بالضبط مكانها ولم يهتم ، فالأرق

نال منه ليلة كاملة وعندما غافله سلطان النوم استيقظ بعدها بساعات قليلة ليكتشف اختفائها ، تجاهل الرد على أمه وسار
ليجلس لجوار أطفاله وهو يبتسم لهم : - صباح الخير یا سلیم ، صباح الخير يا لومی
ردت سلمى بنبرتها الطفولية : - صباح النور يا بابا ، هتاكل ، اعملك سندوتش ؟ ! توجت الضحكة عرش فمه المزموم دوما وداعب رأس ابنته
الصغير وقبله والتفت لسليم الصامت وقال : - مش تصبح علي بابا یا سلیم زى ما هوا صبح عليك زم سليم شفتيه فصار نسخته المصغرة العابسة تماما وقال بخفوت
- صباح النور

كانت أمه تراقبه وحاجبيها مرفوعان للأعلى ولقنته درسا أمام

أطفاله : - قبل ما تطلب من ابنك يصبح عليك أولى تصبح على أمك نظر لها جاسر وحملق بها ثم رفع كفها بعد برهة وقبله وقال :
- صباح الخير يا أمي جذبت سوسن کفها دون رد ووجهت حديثها لأحفادها : - ياله خلصوا فطاركم عشان تغيروا هدومكوا ، بعد كده وتروحوا
التمرين فقال جاسر معترضا :
- هما مش هيرحوا المدرسة ؟

نظرت له أمه بطرف عيناها وقالت بتقزز لجهله مواعيد دراسة

أطفاله : - النهاردة السبت ، المدرسة أجازة
تنحنح جاسر والتفتت لطفلته ليحثها على تناول الطعام فيما كان سليم يتناول كوب الحليب صامتا فتابعت أمه حدیثها المتبرم
بشأنه : - طبعا أنت بتروح الشغل ولا تدري ولادك بيعملو إيه في حياتهم ترجع بس آخر الليل يا تلحقهم يا ماتلحقهرمش ، بس وقتها كانت أمهم معاهم ، تقدر تقولي دلوقت مين هياخد باله منهم معايا ، نعمات كبرت وأنا كبرت والغندورة بنت . . . . . .
عندها قاطعها جاسر بصوت محتد : - أمي ياريت نأجل كلامنا لما نكون أنا وأنت لوحدنا ، ثانيا
ماتقلقيش أنا أعرف أخد بالي كويس من ولادي دقت أمه الأرض بعصاها بعنف باعتراض واضح وقامت وهمست
بأذنه : - أنت ماتعرفش حاجة ثم رفعت صوتها حتى يسمعها الأحفاد :

- يالا يا سلیم خد أختك واطلعوا البسوا لبس التمرين ، عم صالح

هيوصلكم النادي ودادة نعمات هتكون معاكم

لم تنم مجيدة ليلتها وبقيت ساهرة تفكر في أمر ابنتها الحبيبة ، تراجع قرارها مرة بعد الأخرى حتى أنهكها التفكيير ، أكانت محقة في تشجيع ابنتها ومنحها مباركتها على قرارها أم كان يتوجب عليها تهدئتها فقط ثم الحديث لها عن أهمية الحفاظ على أطفالها وبيتها والتنازل ریما لبعض الوقت حتى يأذن الله

بأمرا كان مفعولا ترکت فراشها وتوجهت لخارج غرفتها ودهشت عندما رأت ابنتها مرتدية ملابسها كاملة حتى وشاح رأسها وتقف في المطبخ
الصغير تعد طعام الإفطار لهما فقالت مجيدة : 

صباح الخير يا سالي ، أنت لابسه ورايحه فين يابنتي ؟ ابتسمت لها بسمة جاهدت لتجعلها مشرقة ومع ذلك توسمت

بظلال حزنها الدفين وقالت :

- هنفطر سوا وبعدها أروح النادي . . الولاد عندهم تمرین

استبشرت مجيدة بتلك المعلومة وقالت :
- جاسر کلمك ؟
قطبت سالي حاجبيها واشتعل الغضب داخلها وقالت هازئة :
- لاء طبعا يكلمني ليه ؟
فقالت أمها بحيرة : - أومال أنت أزاي هتروحي مع الولاد ؟

ردت سالي بهدوء قدر استطاعتها : - ماما دول ولادي مافيش قوة في العالم هتمنعني منهم وأنا قولتهاله وبعدين أنا كنت متفقة مع الولاد أني هزورهم كل يوم بعد المدرسة أذاکرالهم وأعشيهم ويوم السبت هنقضيه في النادي

فقالت أمها بقلق : - طب وجاسر ؟
فهمت سالي ما ترمي إليه والدتها فقالت : - يوم مايرجع بدري بيكون على 9 يكونوا الولاد ناموا وشبعوا
نوم لكن معظم الأيام على نص الليل
فتابعت أمها تساؤلاتها القلقة :

- ومراته دي ، اسمها إيه . . هتكون هناك ؟ عقدت سالي حاجبيها لدي ذكر الأخرى ، فقالت هامسة اسمها

بحقد لم تتمالك أن تمنعه : - داليا . . . بیزنس وومن يعني أكيد مواعيدها هتكون زيه وبعدين
أنا مالي بيها أنا ليا ولادي ربتت أمها على كتفها وقالت بدعاء خالص لها : - ربنا يابنتي پرشدك للصواب ويصلحلك حالك
احتضنتها سالی وقالت بشبه بكاء : - أنا عارفه إنك يمكن من جواكي مش راضيه عن طلاقي ، ويمكن أنا كمان مش راضيه بس أنا طول الإسبوع اللي فات
مانمتش ليله من ساعة ما قالي ولقتني كل يوم بحس أنه هوا ده
القرار الصح مهما كانت النتایج
تراجعت أمها للخلف وقالت مستنكرة : - أسبوع یا سالي وكاتمة في قلبك ماحكتیش ليا أنا أمك ؟ ! !

تمسكت بها سالي وقالت : - ماكنتش عاوزه أشيلك همي فاحتضنتها مجيدة بقوة وقالت :

- ومين يشيله معاكي إلا أنا . . مين ! ! ربنت سالي على كتف والدتها وقالت ضاحكة : - تعالي بقا أنا عملالك فطار ملوكي زي بابا الله يرحمه ماكان
بيعمله مشت مجيدة بضعة خطوات نحو طاولة الطعام وهي تردد باسی
هامسة : - الله يرحمك يا محسن

لم يستطع تناول فطوره ولم يكمل حتى فنجان قهوته ومضى نحو سيارته حتى وصل لأرض الشركة حتى دلف من الباب ملاحظا النظرات المتعجبة التي تلاحقه فقابلها ببرود تام إلى أن وصل للطابق الأخير فاستقبله وجه درية العابس والتي لم ترد عليه تحية الصباح فعاد عدة خطوات للخلف بعدما اجتازها قائلا بتصميم :

- أنا قولت صباح الخير يا درية نظرت له ببرود وشرعت بالطرق على أزره لوحة كتابة الحاسوب
دون رد ، عندها قال بحنق :

- اطلبيلي فنجان قهوة وحالا رفعت درية حاجبيها وتنهدت بعمق تحت أسماعه فتركها واتجه للداخل مغلقا الباب بقوة مما أثار فزعها فالتفتت وأناملها تحك

بطرف ذقنها مرارا للباب المغلق بتوعد وبعد مرور نصف ساعة كاملة دخلت وقابلها بنظرة تحمل عنوان
" الصبر يا رب "
وضعت الفنجان على المكتب بحدة فتناثرت بضعة قطرات من القهوة فلطخته فنظر لها جاسر مستنكرا وتناول الفنجان الصغير ومسحه بمحرمة ورقية حتى زعق فيها :
- ده ساقع تلج فالتفتت له وتعبير الدهشة الكاذب يعلو ملامحها وقالت :
- هه معقووووول ! ! !

زم شفتيه غاضبا وقال بحدة : - خديه وهاتيلي واحد تاني سخن وحالا مش هستنا نص ساعة کمان

حملت الفنجان وسارت حتی النافذة وفتحتها وسقت النبتة
المستقرة خارجها بالقهوة الباردة ولاحظت الدهشة التي تعلو ملامحه فقالت بإبتسامة باردة :
- سماد
وانصرفت تاركة للشياطين حرية التصرف بنبض عروقه المتنافرة
وبعد مرور ربع ساعة أخرى رفع جاسر سماعة الهاتف وهو يفرك جبهته التي يكاد أن يفتك بها الصداع قائلا :
- فين القهوة يا درية ؟
ردت بهدوء : - البن خلص عندها صرخ :

- نعم باختي

فردت بنفس النبرة الهادئة : - أأقصد تاريخ صلاحيته خلص هيبعتوا يشتروا غيره
أخذ نفسا عميقا وقال بوعيد : - ورحمة أبويا درية اللي عمري مابحلف بيه ، لو مجاتش القهوة
ومظبوطه زي مابشربها لأ . . . . . . .
عندها سمع دقا يتصاعد على الباب ونادل المشرب الخاص بالشركة يتقدم حاملا صينية لامعة تحمل فنجان قهوته ووراءه
تسير درية والتي ابتسمت له بسماجة وهي تقول :
- تؤمر حضرتك بحاجة تانيه يا جاسر بيه ؟ وضع سماعة هاتفه بحدة وهو يفرك كفيه وقال بعند محتد :
- للوقت الحالي لاء وضع الشاب الفنجان بهدوء وانصرف وتبعته درية بخطوات متمهلة ريثما تأكدت من تناول جاسر الفنجان بل وشرع في إرتشاف القليل منه فخرجت مسرعة مغلقة الباب ورائها بقوة
تفوق ذراعها أضعافا وسمعت صرخة جاسر من الداخل فتقدمت نحو مكتبها والبسمة تتسع على وجهها واتجهت لورقة بيضاء خارية وشرعت بالكتابة
بصوت مرتفع متلذذ : - جاسر صفر . . . اتنين درية
وتكررت فعلتها للمرة الثالثة على التوالي كلما خرجت من مكتبه أغلقت الباب بقوة فأطارت بصوابه فقام كأسد ثائر نحو الخارج
وهو ينذرها بإصبعه : - آخر مرة يا درية ترزعي الباب كده وأنت خارجه . . . أنت فاهمة ؟!!

رفعت له عيناها المطعمة بعوینتها السميكة ذات الإطار الأسود

وقالت ببرود : - مش عاجبك إرفدني أو اقبل الإستقالة بغض النظر عن الشرط
الجزائي
حدق فيها جاسر مغتاظا والشرر ينبعث من عيناه ثم قال بتسلية
واضحة :
- لاء أنا هسيبك كده على مكتبك ده ومش هرفدك ولو زودتي يا
| درية هتشوفي . . . وأردف بتهدید واضح المعالم للمشقة التي سوف تلاقيها على يده :
- الله في سماه لأنقلك في كل قسم ومش هتقعدى فيه أكتر من
3 أيام بالكتير وابقي أعملي فيها جدعة بعد كدة واختفي داخل غرفته بعدما ركل الباب بقوة فأفزعها فقالت
بوعيد : - الأيام بيننا یابن سوسن

كانت قد استيقظت فجرا بعد الليلة المنهكة التي قضتها تحت وطأة ذراعيه وقامت دون أن تحدث ضجيجا وتوجهت للحمام واغتسلت فرکت جسدها لكأنما تمحو آثار إعتداءه عليها ولكن هيهات فالوحشية التي اغتال بها عذريتها رسمت آثارا وكدمات على جسدها البض فانهمرت دموعها كمدا وغيظا

، لعنته ولعنت قسوته والأكثر أنها لعنت إندفاعها نحوه کفراشة انجذبت نحو اللهب فاحترقت وسقطت أجنحتها
تشعر بأنها محطمة
تهشمت لألف قطعة
بعثرها وستجعله يدفع الثمن وخرجت وارتدت رداء زفافها وداخلها يخطط لحساب قریب مع
زوجها المتجبر لم يخلق بعد من یکسر " داليا الزهري " حتى هو ، رغم العشق الكامن بصدرها نحوه
إلا كرامتها وغادرت القصر نحو شقتها بسيارة أجرة وعندما استقرت بها
بدلت ملابسها بأخرى عملية ثم أتمت زينة وجهها كما يفترض بعروس مشرقة وتناولت فطورا شهيا
وغادرتها نحو شركته وفي طريقها أجرت مكالمة هاتفية لمكتبه فردت عليها تلك المتحذلقة بنظرها فقالت :
- جاسر موجود ؟

ردت درية :

- مين معايا ؟
فقالت داليا ببرود :
- المدام فردت الأخرى بإستهزاء :
- أنو فيهم ؟ ابتسمت داليا وقالت ساخرة :
- الوحيدة ياروحي
فاتسعت عينا درية وقالت بصوت حانق يشتعل غضبا :
- ثانية واحدة
حولت لمكتبه المكالمة الهاتفية وحين سمعت صوته قالت زاجرة
وهي تشدد على لفظ " الوحيدة " :
- المدام الوحيدة على التليفون أغلق جاسر عيناه وأخذ نفسا عميقا وعندما هم بالرد لم يجد
إجابة فعبس مرددا :
- آلو ، آلو . . داليا . . آلو ولكن لا مجيب وبعدها اقتحمت درية مكتبه وهي تسأله بحدة :
- أنت طلقت سالي ؟ ! !

رفع لها رأسه وقال معنفا : - مش شغلك وإياك تدخلي مرة تانية في حياتي الشخصية زمت شفتيها وأخذت بالعد على أصابعها تحت أنظاره حتی أصابت العشرون وهدأت أنفاسها نسبيا ثم لمعت عيناها وهي

تنظر له متوعدة : - افتكر إن أنت اللي طلبت
وضربت بتهديده لها عرض الحائط فأغلقت الباب ورائها بعنف مما دفعه للصراخ والطرق على سطح مكتبه بقوة قائلا :
- ياالله ، الصبر وليته كان جادا بطلب الصبر والعون من الله فما هي إلا دقائق
حتى اقتحمت داليا مكتبه والغضب المستوحش يلمع بعيناها فقام واتجه نحوها فقال عازما توبیخها فالهجوم كان دوما أفضل
وسيلة للدفاع : - أظن مافيش عروسه تسيب بيتها . . . رفعت يدها أمام سيل الكلمات يكان يتلفظ بها وسارت حتى وصلت لسطح مكتبه وتموضعت عليه بجلسة مغرية تتنافي مع ملامح الصرامة المرسومة على وجهها وقالت بصوت لا يقبل الجدال ولا المقاطعة : - أولا ده مش بيتي وعمره ما هيكون . . ثانیا مافيش عريس يعامل عروسته العذراء بالشكل الهمجي اللي أنت اتعاملت بيه معايا امبارح . . ثالثا وده الأهم أنا مش كيس ملاكمة ياجاسر هتفرغ فيا غضبك وقت ماتحب وقامت وسارت بضعة طوات حتى لاصقته وقالت بصوت هامس و متوعد :

- أنا داليا الزهري وافتكر ده کویس فرق كبير بيني وبين أي

حد ، فاهمني طبعا قبض على ذراعها برفق تعمده ومع ذلك سيطرته عليها كانت
واضحة المعالم وقال بهدوء : - أنا كمان فرق كبير بيني وبين أي حد یا داليا . مابتهددش ولا
بيضحك عليا بلعبة سحبت منه ذراعها ولفت كليهما حول رقبته وقالت بنعومة
وهمس خطير ينساب من شفتيها : - أنا ما بهددکش إحنا إيكوال زيي زيك بالظبط في الجوازة دي واتفقنا عليها ورضينا بيها مالكش حاجة عندي وماليش حاجة عندك غير الاحترام والتقدير يا جاسر
منطقها المستقيم غلب دفاعاته الملتوية فأخفض ناظريه وفاجأته
هي بقبلة رقيقة أعلى وجنته وقالت هامسة : - أنا عشان بحبك هسامحك على ليلة امبارح ومستنية منك تعوضني
نظر لها وقد جف حلقه وغابت كلماته وراء ضبابية تصرفاتها الفجائية فتابعت وهي تبتعد عنه لتوليه ظهرها مرسلة ناظريها
الخارج نافذته العريضة : - إحنا كمان لازم نحط النقط على الحروف أبسطها هنعيش فين . . أنا مقدرة أنه يلزمك وقت ترتب فيه أمورك وأنا هتنازل يا جاسر وهعيش معاك في القصر ، لكن لوقت محدد وأتمنى ماتاخدش وقت طويل في تنظيم أمورك ، والتفتت له وقالت :

- ده لمصلحتنا إحنا الأتنين هز رأسه موافقا ثم قال وهو يغير دفة النقاش :

- تشربي إيه ؟ ! ! أطلقت ضحكة خافتة ساخرة وقالت رافضة عرضها السخي :
- أنا ماشية ، هعدي شوية على الشركة وهرجع على شقتي أرتب
شوية حاجات مستنياك تعدي عليا أما تخلص هز رأسه موافقا وراقبها وهي تغادر متعبا وداخله ندما يتصاعد
على ما زج به نفسه لقد كان يحيا حياة بسيطة مستقرة ، بعثرها هو بلحظة غرور وعند
لا يضاهي ليخوض صراعا وتحديا من نوع جديد وإمرأة بمذاق ناري
مختلفة كليا عن لينة وطواعية زوجته السابقة جلس على مقعده وهو يعد نفسه أنها كسحابة صيف إلى زوال
وستعود له زوجته مرة أخرى وتستقر حياته.

تسابقت أرجلهم نحوها واحتضنتهم بشوق بالغ والدموع تتقافز

العيناها ابتعدت عنهم لليلة واحدة فكيف ستمضي ليالي العمر دونهم
غمغت بأحضانهم :
- وحشتوووني أووي أوووي أووووي أخذت تقبلهم وبالمقابل يطبعون قبلاتهم فوق وجهها بسخاء
وبقي سليم متعلق بأحضانها وهو يقول :
- ماتسيبناش تاني يا ماما وأصبحت كلماته كالخناجر تشق صدرها وتجلى الألم فوق معالم
وجهها وقالت : - أنا ماسيبتكومش ولا عمري هسيبكم يا حبايبي ، فترة كده عبال
ما نقدر نتجمع تاني مع بعض
فقالت سلمى بحبور :

- یعنی هترجعي البيت تاني رفعت أنظارها لنعمات التي تراقبهم والدموع ترسم منحنياتها

فوق وجنتيها مستنجدة بها فنظرت لهم مجددا وقالت : - مش عاوزاكوا تشغلاو دماغكم بحاجة ، إحنا مع بعض دايما ، يالا بقا عشان تلحقوا التمرين
نکس سليم رأسه وسار بعيدا عنها وهو يغمغم :
- يبقا مش هترجعي البيت تاني
أمسكت بذراعه واستوقفته قائلة : - مش يمكن نروح كلنا نعيش في مكان تاني ارتسم الأمل على وجهه وقال :
- إحنا وبابا ؟ وتلك المرة لم تخذلها نعمات التي قالت بتصميم : - ياله یا سليم عشان تلحق التمرين بتاعك المدرب كده هيزعل
منك لو اتأخرت قبلتها سلمى قبل أن تنصرف وجلست سال تداري معالم الألم المنحوتة بدقة أعلى وجهها بكفها وعندما شعرت أنها لن تتمالك نفسها وضعت نظارتها الشمسية لتخفي عيناها وتحجبهم عن
أعين الناس تنحنحت نعمات قائلة :

- البيت وحش منغيرك ياست سالي والله ابتسمت لها سالی بعرفان وقالت :

- خلي بالك منهم يانعمات فاقتربت نعمات منها وقالت لتطمئن : - هوا أنت مش جاية بكرة تتغدي معاهم
هزت رأسها وقالت : - هاجي ، أغديهم وأذاكرلهم بس الموضوع ده سر بيني وبينك فاهمة
هزت نعمات رأسها وقالت : - ماتقلقيش ماحدش هيعرف حتى الست سوسن ماتعرفش أنا ماجيبتلهاش سيرة وكدة ولا كدة هيا بتكون نايمة
عقدت سالي حاجبيها وقالت :
- هيا . . هما . . أأقصد ال أعفتها نعمات من نطق المزيد وقالت بتفهم :
- شفتها خرجت من القصر لوحدها وش الفجر ، جاسر بیه صحی الصبح مادقش اللقمة قعد مع الولاد شوية وراح الشغل ، أنا قلبي
حاسس أنه الجوازة دي استحالة تعمر وبكره . . . . . قاطعتها سالي فكانت لا ترغب في سماع المزيد من أماني خاوية لا تعني لها شيئا سوى أنها البديل عندما يفشل سيعود لها :
- ياعالم . . أنا هقوم اتطمن على الولاد

حلت ساعة الغداء فتركت كل مايشغل يدها يإهمال وتسابقت خطواتها نحو المصعد وفتح الباب فطالعت وجهه بمزيج من الدهشة والشوق الذي استنكرته ودلفت للمصعد صامتة فقال

متعجبا : - أنت كمان مش بتكلميني ؟ ! ! !
قالت ببرود : - هتكلم أقول إيه ؟
نظر لها وقال :
- على الأقل السلام عليكم يادرية
تنهدت وقالت : - السلام عليكم
باغتها قائلا :
- إيه حكاية الإستقالة دي لسه الورق واصلني النهاردة ؟
رفعت حاجبيها وقالت بإباء : - ده قراري ومش هتنازل عنه ؟
قال مستوضحا : - لقيت شغل في مكان تاني أفضل ؟ ! ! عزمت على الكذب ولكن خانتها شفتيها ونطقت :
- لاء بس هلاقي إن شاء الله
ضاقت عيناه وقال : - خلاص لو زعلانة من جاسر تعالي عندي أنا مش هلاقي
سكرتيرة أحسن منك
زمت شفتيها ونظرت له بتوتر وقالت عازمة رفض عرضه :

- شكرا . . بس أنا . . لم يمهلها وقتا للإعتراض فاندفع قائلا : - ما هو إحنا اللي لازم نصلحله غلطه مالهوش غيرنا يادرية وصل المصعد للطابق الأرضي فخرجت بخطوات بطيئة وقالت :

- یعني إيه ؟ وأنا صفتي إيه ؟
ابتسم لها : - نفس الصفة اللي أخدتي بيها قرار الإستقالة لما لقتيه بياخد
قرار غلط ازمت شفتيها وقالت حانقة :
- أنا أخدت قرار الإستقالة عشان . . . قاطعها مرة أخرى مقتربا منها وغير عابئ بالأنظار الفضولية التي
تراقبهم :
- عشان إحنا قريبين من بعض ، ولما بنلاقي الناس اللي بنهتم
بأمرهم بيغلطوا بنقرب أكتر مش بنبعد ونسيبهم توردت وجنتها والتفتت بحرج لتواجه أنظار الجميع وقالت بجدية :
- هفكر سار لجوارها ولم يدعها تكمل خطة هروبها فقال متفکها :

- هاه هتغديني إيه النهاردة ؟ ! فالتفتت له متعجبة وقالت بفظاظة : - عندك الكافيتريا نقي منها اللي يعجبك فقال بعبث صبي في الحادية عشر : - أنا هاكل من اللي هتاكلي منه

عقدت حاجبيها وقالت حانقة : - على فكرة مايصحش كده ، الناس بيوصلنا
فغمز لها :
- عشان كده أفضل تكملي كسكرتيرة لجاسر وأنا أبقا أطلعلك احمر وجهها وزجرته بنظرة نارية فقال مسترسلا بسرعة :
- یعنی لو احتجت حاجة في الشغل.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثالث عشر

زيارة غير متوقعة أو بالأحرى غير محببة تلتها أخرى والفارق الزمني لم يتخطى الساعة فهي ليست مهيئة بعد لإستقبال أشخاص والحديث عما كان وكيف حدث؟

لم تكن آشري بحاجة لمعرفة التفاصيل لأنها كانت شاهدا رئيسا إنما سيرين الأخت الكبرى التي فزعت وهرعت إليها فور سماع الخبر من كانت بحاجة للمعرفة ابتعدت عنهم بناظريها إن كان الجرح غائرا فالأشد وطأة عليها نكأه مرة بعد الأخرى بسيل من الكلمات الفارغة وأماني لا قيمة لها نظرت لهما غاضبة:

- كفاية بقا كفاية أنا مش عاوزة أحكي ولا حتى أسمع أي حاجة أنا محتاجه أفصل سيبوني شوية في حالي من فضلكم زعقت بها سیرین حانقة:

- یعني تتطلقي منغير ماتاخدي رأي حد وتهدي بيتك ومش عاوزانا ننطق نظرت لها الصغرى بعند:
- أيوه با سیرین عشان دي حياتي أنا مش حياتك أنت ومن حقي أقرر مصيري تدخلت آشري لتهدئة الأختين قائلة:
- براحة يا سیرین ، سالي مش غلطانه إحنا اللي غلطانين . . آفتر أوول هيا عملت الصح نظرت لها سيرين كمن تراقب مجنونة تجري بين الطرقات:
- صح؟!

صح إزاي تتطلق وتهد بيتها وتسيب ولادها وترجع تقعد هنا ، ده الصح؟!

التفتت لها آشري قائلة بسخرية حانقة:
- لاء هيا كانت تفضل قاعده عندها وجاسر يتجوز عليها بدال المرة ثلاثة وتقعد هيا میسز أمينة تربیله العيال وتمرضله أمه قاطعتهم مجيدة بصوتها الهادیء وهي تضع صينية المشروبات أمامهم على طاولة صالون العائلة المتواضع:

- أنا شايفه كفاية كلام واشربوا حاجه وهدوا أعصابكم كانت سیرین ترمق آشري بغيظ تلك المتحذلقة لابد أنها من دفعت أختها لطلب الطلاق والتمرد ذلك التمرد الذي تطفيء شعلته مرة بعد الأخرى متعمدة للحفاظ على أركان البيت كي يظلل أطفالها بأمان أم وأب مجتمعان شكليا وكلاهما بعيدان بعد المشرق والمغرب لكزت مجيدة ذراع سالي وأشارت لها لتتبعها للخارج صامتة وما أن اختلت بها في المطبخ الصغير حتى قالت بصوت خافت:

- ماتسمعيش لحد باسالي يابنتي خلي قرارتك لنفسك بدال ماتنشغلي بيهم وأنت الأولى بروحك هزت سالي رأسها بإذعان:
- أنا مش عاوزة أسمع حد أصلا أنا نفسي الكل يسبني في حالي أمسكت مجيدة بذراع ابنتها بإصرار وحثتها قائلة:

- خلاص اخرجي قوليلهم كده حالا ودلوقت وكالغريق عندما يتشبث ببارقة نجاة تشبثت سالي بالشجاعة التي تمدها بها أمها لتكون للمرة الأولى بحياتها وقحة تقدمت من الصالون حتى وقفت على عتبته قائلة بصوت قاطع:

- متشكرة يا جماعة على زيارتكم لكن أنا عاوزه أقعد مع نفسي شوية رفعت سيرين حاجبيها متعجبة:
- إنت بتطردیني یا سالی شاهدة ياماما!
 تقدمت أمها ووقفت إلى جوار صغيرتها وقالت:
- أختك ماطردتکیش یا سیرین يابنتي ده بيتك زي ماهو بيتها وضعت آشري الكأس بعدما فرغت منه ببرود وابتسمت لسالي وتقدمت منها وقبلتها ثم قالت:
- ایتس أوكيه ، آنی واي أنا عندي شغل كتير کنت جاية اتطمن عليك بس مش أكتر تيك كير ياسالي ثم قبلت مجيدة قائلة:
- ثانكس يا طنط على الجوس طعمه كان تحفة ربنت مجيدة على كتف آشري قائلة:
- هنيا يابنتي فالتفتت آشري لسالي قائلة:
- مش هتوصليني باسالي؟

تقدمت سالي بخطوات سريعة لأداء واجب الضيافة حتى آخر أركانها وودعت آشري بإبتسامة صغيرة والتي انتهزت الفرصة لدس بطاقة ورقية بكفها قائلة بهمس:

- أنا مش بتدخل أنا بس بديكي خيط صغنن للبداية إذا حبيتي ، باي أغلقت سالي الباب عاقدة الحاجبين وهي تتأمل غموض كلمات آشري الأخيرة ونظرت بالبطاقة لتجدها تخص إحدى مراكز علاج الأسنان المتخصصة بوسط الأسكندرية فوضعتها على الطاولة بجوار الباب يإهمال فهي مرهقة لحد بعيد تحتاج للنوم ولا شيء أكثر منه تجاوزتها أختها لتنصرف دون وداع فاستوقفتها سالي قائلة برجاء:

- سلميلي على الولاد فردت سيرين ببرود:

- يوصل وانصرفت الأخت الكبرى حانقة ، غاضبة وهي تعلم أن مصدر غضبها أن أختها تجرأت على القيام بما خافته ورهبته دوما والأشد أنها نالت مباركة الأم ، تلك المباركة التي ظنت أنها لن تحصل عليها أبدا إذا ما أقدمت على نفس الخطوة ، ولكن الصغرى دوما مدللة ، دوما تحصل على ماتريد حب الأب ودلال من الأم بعد رحيله وزوج تركته خلفها نعمها بحياة ثرية مرفهة دون مشقة عيش أو إحتياج لمال وتبقى هيا الكبرى بمسئوليات ترهق كاهليها ، تحيل حياتها جحيما تتمنى لو تستطيع فقط الخلاص والعودة كطفلة صغيرة بين جنبات بيتها القديم وبعد يوم شاق طويل أخلدت لفراشها بعدما قامت بإتصال هاتفي سري لنعمات التي صعدت لغرفة الصغار ليتحدثوا مع أمهم وقد عاهدتهم على اللقاء بهم بأرض الأحلام بعد ساعة لتحثهم على النوم باكرا فقال سليم:

- هتلاقيني لابس سوبر مان ومستنيكي فوق السحاب عندها جذبت سلمى منه الهاتف وقالت بطفوليتها المحببة:

- وأنا هكون لابسه ميرميد ومعايا فيش فضحكت سالي وقالت:
- وأنا هكون لابسة باربي ونتقابل ، اتفقنا وبالنهاية نامت سالی وأطفالها فلديهم موعدا هاما

وقف أمام الباب وهو يفكر لم قام بتلك الخطوة ، لم لم يستمر بعنده وكبرياءه وعاد للقصر دونها وتركها تتحمل هي نتائج أفعالها ولكنه لم يجد سببا مقنعا فقد كان متعبا للغاية فتحت له الباب ولم تكن ارتدت ملابسها بعد وما كانت ترتديه كان أبعد ما يكون عن مسمى الملابس فالغلالة السوداء التي كانت تصل إلى ما قبل ركبتيها بشق الأنفس كانت تكشف أكثر مما ينبغي بكثير فعقد حاجبيه غاضبا ودفعها للداخل بعنف حتى شهقت بإنزعاج قائلة:


- فيه أيه يا جاسر بترقيني كده ليه ؟

هدر فيها بثورة كالأسد الهائج:
- أنتي إزاي تفتحي الباب وأنت لابسه كده ؟

نظرت له بهدوء وضاقت عيناها وسارت نحو الداخل حتى وصلت لغرفة نومها وهي تقول:

- الدور أصلا مافيهوش غير شقتين دي والتانيه صاحبها بيرجع كل سنه مرة تابع هجومه الضاري وهو يسير خلفها حتى أصبح بمنتصف الحجرة:
- يرجع كل سنة مرة اتنين برضه ماينفعش تفتحي الباب کده فاقتربت منه بدلال وضعت يدها على صدره قائلة بغنج:
- بتغير عليا رفع حاجبيه مستنكرا قائلة بسخرية:
- لاء طبعا . . الفكرة أنك دلوقت حرم جاسر سليم ولازم من هنا ورايح تاخدي بالك من تصرفاتك ولبسك فاهمة؟!
قالت ببرود وهي تبتعد عنه لتتموضع على الفراش يإغراء:
- أوكيه نظر حوله بحيرة ودعك رقبته وهو يشعر بألم ثم فقال كمن يستنجد بأحدهم:
- إحنا إيه ، مش هتقومي تلبسي عشان نروح؟!

عقدت حاجبيها بغضب متصنع وهي تهز رأسها فأنسابت خصلاتها الماجنة حولها كهالة من سواد الليل البراق قائلة:

- توء . . إحنا اتفقنا أنك لازم تعوضني عن ليلة إمبارح الأول كان بحاجة للجلوس ففعليا قدماه تنوء بحمله فاقترب من الفراش الوثير وجلس على طرفه وهو يقول بصوت مرهق:
- طيب ممكن تقومي تلبسي وفي السكة نكمل كلامنا قامت واقتربت منه وأحاطت رأسه بكفيها وأناملها تقوم بحركات دائرية منتظمة أسفل عنقه وتتغلغل داخل فروة رأسه فرفع حاجبيه وأغلق عيناه وتنهد متلذذا بما تقوم به أناملها الرفيعة فهمست بأذنه بصوت دافيء:
- أجيبلك حاجة تشربها؟!

هم ليفتح فمه ليعترض ولكنها انصرفت بمكر مسرعة وعادت قبل أن يلحظ ناولته كأسا من عصير العنب الأحمر المثلج مخلوط بورقيات النعناع المنعشة فتجرع نصفه وتحركت حتى أصبحت خلفه وهي تمسد كتفه المتشنج وعضلات عنقه المشدوده بخبرة فاستسلم لها ولم يمانع إذ أخذت بخلع سترته ووصلت أناملها المقدمة قميصه فخلعته بثوان معدودة وعطرها يغلف عقله بضبابية محكمة وظهره الصلب يصطدم بنعومه صدرها وخصلات شعرها الناعمة تهفو من حول وجهه وإن كان نالها ليلة البارحة بغضب إعصار ضاري فاليوم نالته هي بنعومة ودلال فائض والفضل کله يرجع لشهادة التجميل والتدليك التي حصلت عليها من فرنسا ومن قال أن الطريق لقلب الرجل معدته فهو لمخطی فاليوم الطريق يبدأ من عضلاته المتعبة التي تشدو الراحة تحت أنامل إمرأة مغرية تحت ظلال غلالة واستيقظت بمنتصف الليل وابتسمت بسعادة بالغة فحبيبها نائم كطفل صغير بين ذراعيها بفراشها فالليلة جعلته يترك القصر وأطفاله وأمه وأذعن لحاجته لها وبالغد القريب لن يستطيع التخلي عنها كما فعل بالبدينة قبلها.


وقفت صباحا أمام بوابة المدرسة العريضة تنتظر وصول أطفالها حتى لمحت الحافلة تقترب بهم فابتسمت وعندما رأتهم أشارت لهم بترحيب حار قفز سليم من الحافلة وكان الأسبق لحضن أمه تلته سلمي ووضعت سالي الحلوي بيديهم قالت:

- بعد ما تفطروا في البريك تاكلوا الحاجات الحلوة ، اتفقنا؟!

أشار لها الصغار بالموافقة وحثتهم سالي للدخول حتى لا يثيروا غضب المعلمة وودعتهم بإبتسامة واسعة وهي تعدهم بأنها ستكون بإنتظارهم بالقصر عندما يعودون سارت سالي بخطوات متكاسلة وهي تفكر بالجدوى مما تفعله بحياتها تسترق لحظات بالقرب من أبنائها ، ولم عليها أن تخوض هي ذاك الصراع أكانت هي المخطئة؟!!


هي من تمتلك الحق بأبنائها حتى تمتلك الحق بسليم الصغير وليس هو فرت دمعة من عيناها فهي غير قادرة على النطق باسمه وتكتفي بتعريفه كأداة ضمير لا قيمة لها أضحى ذكرى مريرة بحياتها واليوم لا يخصها ولا هي تهمه أو تقربه وليت بإمكانها كراهيته مسحت دموعها ورفعت رأسها وعادت لتذكر نفسها أنه من تخلى عنها ولن تعيش هي الباقي من حياتها للبكاء خلف رحيله واصطدمت عيناها بتلك اللوحة الأعلانية عن مركز علاج الأسنان ذاك بوسط المدينة مرة أخرى فعقدت حاجبيها بعزم بالغ إلى متى الهرب؟!


عليها البدء بممارسة حياة فعلية بعده


لكم تكره أشعة الشمس وتكره وقعها على بشرتها الباهتة المزرية وتعشقها في الوقت ذاته فهي تعلن أنها استطاعت خوض يوم آخر ولم ترحل في غياهب الليل المظلمة رفعت ظهرها وأرسلت ناظريها تراقب حركة الأشجار تحت وطأة نسيم الشتاء القارص وتلك الشجرة بالتحديد زرعتها بنفسها عندما تخرج كبيرها من الكلية وأرسل لثكنات الجيش بعدها زرعتها وراقبتها تنمو يوما بعد يوم وكل عام يصيبها الشتاء ببرودته بالآم مبرحة لأوراقها فتسقط ميتة فترقبها هي أكثر وترقب حياتها من جديد لتطمئن على وليدها خشية أن يصيبه مكروة واليوم شجرته عارية أوارقها تتساقط بغزارة تتساءل داخلها أترها تشهد عودتها للحياة مرة أخرى أم تكون هي من ترحل قبلها أم أن ابنها قد حكم بعنده ورعونته على حياته بالخراب والدمار ولن يطل الربيع الدافيء على شجرته مجددا؟!


دلفت نعمات لغرفتها بهدوء فرفعت حاجبيها متعجبة وقالت بصوت هادیء:

كنت لسه جاية اتطمن عليك فقالت هازئة:
- تشوفيني عايشة ولا مت؟!

تجاهلت نعمات كلمات سيدتها القاسية كما اعتادت وقالت:

- أجيبلك الفطار هنا؟
وبالمقابل تجاهلت سوسن سؤالها وقالت:
- الولاد فطروا مع باباهم وراحو المدرسة؟
هربت نعمات بعيناها بعيدا فالسيد غاب عن القصر البارحة ولم يعد هو وعروسه الجديدة وقالت بصوت متردد:
- اه فطروا وراحو المدرسة من بدري عقدت سوسن حاجبيها وكالساحر عندما يتلاعب بأوراقه تلاعبت بكلماتها من جديد:
- وجاسر نزل فطر معاهم هو والعروسه؟!

رفعت نعمات عيناها وقالت بنبرة غاضبة:

- البيه مابتش هنا إمبارح لا هوا ولا العروسة وإن كانت نعمات ظنت أنها من تشعر بالغضب فما رأته بعدها بل وما سمعته لهو بركان من الغضب حتى شعرت بالقلق الشديد على مخدومتها التي أمسكت بصدرها وهي تتألم بصوت مرتفع وصرخت ببقية الخدم ليأتوا لها منقذين وبسرعه اتجهت للهاتف وأول من تبادر لذهنها كان أسامة الذي أمرها بالهدوء قليلا وأخذ أنفسها والتحدث كي يستطيع فهمها فقالت بعدما هدأت أنفاسها نسبيا:

- الست سوسن تعبت أوي كانت ماسكة صدرها واغمى عليها بعدها ألحقني ولم تجد منه إجابة فقد حمل هاتفه وترك الشركة ليقود سيارته بسرعة بالغة لنجدة أمه


ربما تكون رياضية ذكورية بعض الشيء ولكن تلك أقاويل الرجال فالملاكمة تجري بدمائها منذ أن كانت طفلة في السادسة من عمرها تراقب حركة اللاعبين وسرعتهم والنيل من بعضهم بلكمات قاضية كما علمها والدها والمفضل لديها على الإطلاق " محمد علي كلاي " ذلك الأسطورة الذي حصد بطولات وألقاب عظيمة واليوم تمارس تلك الرياضة بإنتظام فهي أولا وأخيرا شغف لا يضاهيه شغف ، كما أنها تمد ساعديها بالقوة التي تلزمها لإجراء العمليات الجراحية الطويلة الصعبة قطع صوت الهاتف تدربيها المنتظم الصارم منذ ساعة أو أكثر فرحبت به وهي ترتشف الماء لتروي عطشها وترد قائلة بأنفاس متقطعة:


- آلو أتاها صوته مستنجدا:

- دكتورة ريم ، أنا أسامة سلیم حضرتك فكراني وهل غاب عن خاطرها ولكنها كذبت كحواء متمرسة وهي تخلع قفاز الملاكمة الضخم وتمسح عرقها المتصبب من جبهتها قائلة بإستخفاف:
- همم مش أوي . . لكن عاوز إيه ده الأهم؟!
رد أسامة قائلا - والدتی تعبت وأغمي عليها وأنا مش عارف إيه اللي حصل أنا السه رايحلها ممكن حضرتك تيجي تكشفي عليها أكون شاكر جدا زمت شفتيها وقالت بإحترافية متجاهلة مشاعرها المتضاربة:
- هوا أنا في الغالب مابروحش بيوت لكن أنا عندي ساعة زمن فاضية لو العنوان قريب مني هروح غير كده آسفه ياحضرتك تجيبها المستشفى يا إما قاطعها راجيا:
- العنوان في كفر عبده وأرجوك هيا حالتها ماتنفعش تروح مستشفى عقدت حاجبيها وقالت:
- مليني العنوان بالكامل

رنين الهاتف قض مضجعه فقام فزعا وهو يتأمل جدران الغرفة حوله لاعنا تأثير داليا السحري عليه ليلة الأمس لقد بات ليلته بشقتها تاركا صغاره بمفردهما مع أمه رد بصوت نائم نسبيا:

- آلو فقال أسامة غاضبا:
- ممكن أعرف أنت فين دلوقت؟!

فرد كاذبا فهو يخجل من التصريح بأنه قد بات ليلته بشقة زوجته - أنا في البيت خير في حاجة عندك في الشغل فقال أسامة ساخرا حانقا:

- ولما أنت في البيت نعمات بتتصل بيا ليه ، عموما ماما تعبانه وأغمي عليها وأنا رايحلها وكلمت دكتورة ياريت تسيب ست الحسن والجمال وتفضيلنا نفسك ساعة دي أمك برضه أغلق الهاتف وألقاه جانبا وقام ليغتسل مسرعا فاصطدم بجسد داليا التي كانت تلف نفسها بمنشفة أرجوانية عريضة وهي تقول له بحبور:
- صباح الخير يابيبي مالك مكشر كده ليه؟!

دفعها جانبا وهو يدلف لداخل الحمام قائلا بخشونة:

- ماما تعبانة أوي وأنا لازم أنزل بسرعة عقدت داليا حاجبيها وخرجت وهي تهمس حانقة:
- الحرباية ، كل ده عشان مابتش هناك إمبارح ، صبرك عليا یا سوسن هانم * * * * * * * * * * * * وقفت أمام باب المركز مترددة في الدخول داخلها يضج ببدايات حديث والخلاصة لاشيء فهي فعليا تقف خاوية الأيدي حتى من شهادة خبرة أو سيرة ذاتية وماذا عساها تذكر فيها؟!

أنها عملت لعامين في تكليف حكومي ثم تخلت عن مهنتها لتقوم بالعمل سكرتيرة لزوجها السابق لمدة لا تزيد عن بضعة أشهر وأدارت مرکزا شبيها إدارة دون المتوسطة لتفشل بعدها فشلا ذريعا وبالنهاية هي ربة منزل بإحتراف مشاعرها المتناقضة كانت ترتسم بوضوح على وجهها مابين الخيبة والإحباط والغضب الشديد وأخيرا اليأس فقررت العودة أدراجها غير مدركة أنه هناك من يراقبها وكادت أن تصطدم به فشهقت وعادت للخلف خطوتان فقال معتذرا:

- أنا آسف جدا ماقصدتش تأملته سالي لقليل من الوقت وأقرت أنه يشبه أسامة قبل التغيرات التي طرأت عليه فقالت:
- ولا يهمك وهمت بإنصراف مسرع فاستوقفها الغريب وقال:

- هوا إيه المركز مش حلو ماعجبتكيش الخدمة؟!

فقالت نافية بسرعة:
- لا لا أنا مادخلتش أصلا ، مش جاية لعلاج يعني رفع حاجبيه وقال:
- آه ، خضتيني . . یعنی معظم الناس بتشكر في الموجودين هنا وأصل الأسنان دي رعب فعلا أشارت له لتطمئنه:
- ماتقلقش حضرتك أنا كنت جاية أقدم على شغل هنا بس ماعييش سي في فقال يإهتمام:
- هوا حضرتك دكتورة أسنان ؟
هزت رأسها:

- آه فتح فمه فجأة واقترب منها وهو يقول بصوت غوغائي:

- هوا الضرس ده محتاج يتخلع؟!
نظرت سالی يإنزعاج لداخل فکه ورأت مايشير إليه فقالت وهي تسترجع معلوماتها الطبيه ثم قالت:
- هوا الأفضل حضرتك تعمل أشعة بس أظن هيحتاج تنضيف وحشو وممکن کراون بس عندك ضروس العقل اللي فوق واللي تحت في الغالب هتخلع حالتهم مدمرة . . أفضلك يعني ابتسم لها الغريب ومد يده يصافحها قائلا:
- أنا دكتور كريم مدير المركز وكنا فعلا محتاجين دكاترة ، أهلا بيك يادكتورة تقدري تبدأي شغل معانا وحبذا لو اتعرف بإسمك نظرت له سالي متعجبة وهي تمتم بخجل وتصافحه بالمقابل:
- سالي محسن

أنهت الكشف على المرأة السبعينية والتي استعادت وعيها بحرفيتها المعتادة متجاهلة أسامة الذي كان يقف ملاصقا لفراش أمه والآخر الذي اقتحم الغرفة بصوته المرتفع وسلسلة من الأوامر لم تعيرها أي إهتمام عن فريق طبي آت في الطريق وأن عليها التنحي جانبا ، وأن سعيها مشكورا تلك الكلمة التي جعلتها ترمقه بنظرة إستعلاء بتوقيع " ريم الراضي " الطبيبة المحنكة الحاصلة على شهادات طبية تفوق فريقه الطبي الذي ظهر بعد لحظات وهو يوليها فروض الطاعة وفي إنتظار إشارة من طرف إصبعها بفهما المزموم دوما وعيناها المتناقضتان اللتان تنضحان بالبرودة تجاوزته وخلفها سار الفريق الطبي وأسامة وجاسر يتبعهما كمن لاحيلة له حتى قال رئيس الفريق متملقا:


- لو عرفنا يادكتور ريم أن حضرتك هنا ، إحنا كنا ماجناش خالص فقالت ببرود وقح:

- حضرتك يا دكتور تقدر تشوف شغلك مع اللي اتصل بيك في الوقت الحالي أنا وقتي ضيق ومحتاجة أتكلم مع الأستاذ أسامة صرف جاسر الفريق الطبي شاكرا بعدما نقدهم أموالهم ووقف البرهة يراقب رحيلهم ومشاعره تتقاذفه كأمواج بحر لا قرار له حتى اصطدم بصخور الواقع الذي يعلنها له صراحة إنه مقصر مقصر بحق أطفاله ، مقصر بحق أمه التي شارفت على الموت دون أن يكون إلى جوارها وأنه لم يعد أهلا لحمل لواء الأسرة بعد فلقد تكفل أخيه الأوسط بالمهمة وقام بها على خير وجه حتى الفريق الطبي الذي استدعاه في آخر ساعة وقف مثله قليل الحيلة ، عاجزا أمام تلك المحكنة والذنب يقع على عاتقه والغضب أيضا يقع على عاتق المحيطين به واقتحم مجلس الإثنان ليستمع لما تقوله تلك المتحذلقة التي كانت تشرح لأخيه حالة أمهما المريضة:

- یعني طبيعي في السن ده مع الكيموثيرابي والإنفعال اللي اتعرضتله تحصل أزمات زي دي الفكرة أننا ننتبه ليها ونحاول قدر الإمكان نبعدها عن الإنفعال دي أكتر حاجة تأذيها فقال جاسرا مستنكرا:

- بس كده . . الإنفعال ممنوع . . طب ماطول عمرها بتنفعل عمرها ماجالها أزمة بالشكل ده قامت ریم واقتربت منه بهدوء حتى قالت بأمر غير قابل النقاش وعيناها المتناقضتان تلمعان بشراسة قباله فهي تكره أمثاله من الرجال ممن يظنون أن باستطاعهم تحقير مجهود المرأة لمجرد إنها إمرأة:
- عشان كده من هنا ورايح ممنوع الإنفعال فهتف جاسرا مستحقرا:

- دي أمي وأنا عارفها إكتبيلها مهدي على الأقل التفتت ريم الأسامة الذي سارع لفض الإشتباك قائلة بسخريتها المعهودة وهي تتوق للتخلص من ذاك المتذاكي:

- أنا بلغتك إني عندي ساعة واحدة بس فاضيه وحيث إن خلصت الكشف ماعنديش استعداد أضيع وقتي ولا أرهق خلايا مخي الثمينة جدا في الرد على الأستاذ فقال أسامة بأسف بالغ:

- أرجوك تعذريه ، وأنا ماتتصوريش متشکرلك أد إيه سارت لتنصرف عندها استوقفها جاسر قائلا:

- استني يا دكتورة مش تاخدي حسابك الأول نظرت له ريم من رأسه حتى أخمص قدميه وقالت بإستهزاء:
- خليهو ملك التفت له أسامة وهو يتوعده سرا حتى أوصلها لسيارتها الفاخرة التي قادتها بسرعة فائقة وعاد له ليقول موبخا:
- یعني أكيد واحدة سابقة لامبورجيني مش مستنيه منك فلوس وكمان تديهوملها بكم الأستهزاء ده وبعدين أنا اللي متصل بيها فكلامي يبقا معاها أخفض جاسر رأسه متعبا فكم الكراهية والإستهزاء اللتان أصبح يتلقاهم بشكل دوري دائم أصبح أمرا مقززا مرهقا فهو لم يعتد أبدا الركون لمكانة زياد بالعائلة فقال بعند:
- وأنا غلطت في إيه ولا أنت عشان خايف على منظرك قصدها؟!

حملق به أسامة وقد بلغ به الصبر مداه:

- أنا بحاول دائما أقدر الحالة النفسية اللي أنت أكيد فيها بس ده مش معناه إنك تتمادی یاجاسر أنا اللي يهمني أمنا هز جاسر رأسه بأسف وهو يشعر بمزيد من السخط الغير مبرر فهو لم يعتد تكرار أخطاءه قائلا:
- نعمات ماقالتش إيه اللي دايقها أوي كده ؟
رد أسامة بغموض:
- ما سألتش ظل جاسر صامتا حتى قرر الرحيل قائلا:
- أنا رايح الشغل أنت راجع ولا وراك مشوار ؟

ضاقت عينا أسامة وقال:

- مش هتدخل تطمن عليها قبل ماتمشي؟!
هز جاسر رأسه نافيا وهو يتوق للهروب من تلك الأحداث المتلاحقة:
- أكيد نامت أما أرجع هبقي أشوفها

مضى يضغط على هاتفه لإعادة الإتصال مرة ثالثة وأخيرا أتاه صوت أخيه الناعس فقال ضائقا:

- أنت فين؟
دعك زیاد وجهه وقال:
- عند واحد صاحبي غمغم أسامة مستفهما:
- سيبت البيت ؟
فرد زیاد متبرما:
- رجعت لقيت نص هدومي متعبية في شنط عند السيكورتي فقال أسامة:
- طب هات نص هدومك وتعالي اقعد معايا هم زیاد بالرفض فقاطعه أسامة بصوت لا يقبل الجدال:
- أنا مش بعزم ولا بتحايل عليك هتيجي وهتقعد معايا لحد ما أمورك تتعدل ماهو أنا مش هفضل ألف وراكوا أنتوا الاتنين ده غير أمكم اللي تعبانه هتف زیاد بقلق عارم:
- ماما جرالها إيه ؟

فغمغم أسامة:

- جاتلها أزمة كده النهاردة وأغمي عليها ، المهم أرجع ألاقيك في البيت عندي عشان نروحلها نطمن عليها سوا بالليل ، إتفقنا هز زیاد رأسه مذعنا:
- اتفقنا

عودته للبلاد كانت مفاجأة سارة وأيضا حملت في طياتها أسئلة أرقت مضجعها خاصة عندما يقتحم مكتبها ويخصها بتلك النظرة التي بإمكانها دوما سبر أغوراها فرفعت أنظارها له بإبتسامة صافية:

- خير يا بابي اقترب يسري الطحان من صغيرته الوحيدة وجلس قبالها:
- شوفي أنا عمري ما اتدخلت في قرارتك من وأنت بنت سبعتاشر صح؟!
أومأت آشرى برأسها هامسة:
- صح فعقد أبيها حاجبيه قلقا:
- بس یا آشري أنت مش عجباني ، الحياة يابنتي مش شغل وبس فهزت رأسها نافية وهي تقول بصوت حاولت تضفي عليه المرح - يابابي ما أنت شايفني بخرج واتفسح و . . . فقاطعها والدها:

- زیاد فین یا آشرى ليه مش بشوفه؟

صمتت لقليل من الوقت حتى قالت بهدوء:
- بابي أنا وزياد قررنا ننفصل نکس والدها رأسه حزينا ثم قال راجيا:
- القرار ده نهائي یا آشري وبالمقابل أومأت له برأسها مؤكدة:

- نهائي يا بابي ، وصدقني لما أقولك أنه كان مفروض ناخده من زمان قام أبيها ليحتضنها وقامت هي وغاصت في أحضانه الدافئة وهو يقول لها:

- ماتستعجليش يا آشري خدي وقتك جلست بعد إنصرافه وهي تعيد حساباتها مرة أخرى ولكنها كانت دوما تصل لنفس النتيجة أنها لم تخطيء باتخاذ مثل ذاك القرار ربما أخطأت في تقدير بعض الأمور وربما أخطأت أيضا عندما أخفت أموارا غاية في الأهمية عن زياد فتحملت لومه وتقريعه لها دون ذنب ولكنها لم تكن ترغب في إيذاء مشاعره الذكورية خاصة وهي الناجحة بعملها ، كانت تظن إن صارحته فسوف تزيد الفجوة بينهما وبالنهاية هذا ماحدث رغم جهودها المتواصلة لرأب الصدع بينهما ولذلك القرار يعد لصالحهما وقد اتخذته بوقت متأخرا بالفعل .
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الرابع عشر

شعور بالاختناق يكتنف صدره والأفق حوله يزداد ضيقا والهرب يبدو حلا مثاليا وتعثرت خطواته في الحديقة أمام صغاره ، جرت سلمی نحوه وتشبثت بعنقه بينما ظل نسخته المصغرة مكانه لم يتزحزح أنملة وبعيناه أسوء ما قد يراه أب " خيبة أمل " طعمت صغيرته وجنته بقبلة دافئة وهي تقول:


- وحشتني أوي يا بابا أنت كنت فين إمبارح؟!

 ولم لم يقرر الهرب باكرا؟!
 فهو فعليا عاجز عن الرد أو الإتيان بسبب مقنع فتنحنح وهو يسوق كذبة لأسماعها البريئة وهو يضعها أرضا:
- معلش ياحبيبتي أضطريت أبات في الشغل إمبارح فباغتته سلمي بقولها:
- شوفنا ماما النهاردة هم بإعتدال ولكنه توقف واقترب أكثر ليحدق بعيناها التي تشع سعادة وتصاعدت خطوات سريعة من سلیم نحوها وهو يزجرها:
- سلمی يالا ندخل جوه عشان نعمل الواجب فالتفتت له العنيدة كأبيها:
- لاء مش هعمل حاجة لحد ما ماما تيجي زي ماقالت وتذاكر معانا وتصريح آخر ينبثق من شفتيها لتنتفخ أوادجه ، كان يعلم أنها لن تستطيع الصمود طويلا وحتما ستعود فلمعت عيناه وابتسم بسعادة الصغارة قائلا:
- بالراحة ياسليم وبعدين إنت فكرك إني مش عارف أنا وماما متفقين على كدة من الأول فتعلقت أعين الصغير به قائلا برجاء:
- طب مانروح نقعد معاها وتيجي أنت تشوفنا أنت كدة كدة بترجع متأخر وساعات كتير مش بنشوفك زم شفتيه ضائقا فولده محق أين هو من حياة صغاره؟!
 أين كان بالأمس؟!

هاربا من خيبة واقع بأحضان أخرى لم يألف حتى أنفاسها عقد حاجبيه وقال:

- یالا ادخلوا اتشطفوا وغيروا هدومكو . . عمو أسامة جوه وتهللت ملامح الصغار فهم يشتاقون لعمهم الطيب وانصاعوا لأمره مذعنين وانصرف وهو يعدهم بوجبة عشاء برفقتهم    لم تصدق عيناها وهي تطالع ساعة معصمها فقالت بدهشة ضائقة - الساعة بقت واحدة ! فالتفت لها كريم قائلا:
- إيه عندك معاد ياكتورة ؟ فابتسمت له بخجل قائلة:
- ولادی بيطلعوا من المدرسة الساعة ۱۲ ونص يادوب ألحقهم فارتفع حاجبية بدهشة وعيناه متعلقة بإصبعها الخالي من خاتم زواج قائلا:
- حضرتك متجوزة؟!

هزت رأسها وقالت بصوت خافت:

- کنت فتوارى بأعينه حرجا هو الآخر وقال:
- أنا آسف . . بس . . . یعنی احنا . . . أصل في المركز فقاطعته قائلة:
- أنا فاهمة يادكتور طبعا معظم المراكز بتفضل حد متفرغ وأنا آسفه أن ماقولتش لحضرتك قبل كده بس زي ماقلت أنا ماعييش سی في ثم حملت حقيبتها وهمت بالإنصراف قائلة:
- أنا آسفة إني ضيعت وقتك فاستوقفها سريعا.

- لا لا لا أنا ماقصدتش ، إحنا بس كده محتاجين نعمل تنظیم جديد للمواعيد يناسبك يادكتورة هزت سالی برأسها قائلة:

- أوكيه أنا يناسبي فترة الصبح ولو يعني لازم فترة مسائية أفضل تكون من ۸ بس ساعتين مش أكتر صفق بكفة مرة واحدة قائلا بحماسة:
- تمام مناسب جدا وسار إلى جوارها حتى وصلا لباب المدخل الزجاجي وفتحه لها وهو يقول:
- أشوفك على خير بكرة بس ياريت تجيبي السي في عشان نحطها في الملف ردت بإبتسامة صافية:
- إن شاء الله وعندما خطت بخطواتها نحو الشارع تصاعد رنين هاتفها فردت وهي تعلم أن المتصل حتما والدتها التي كانت بالفعل غاية في القلق عليها إذ قالت:
- یعني استنيت تكلميني تطمنيني عليك وأنت ولا أنت هنا ضحكت سالی بصفاء لا تعلم مصدره قائلة:
- معلش ياماما والله أما أرجع هحكيلك فعبست مجيدة:

- أنت راجعة دلوقت مش رايحة للولاد زي ماقولت ؟ نفت سالي سؤالها وهي تشير لسيارة أجرة:

- لا ياماما رابحة أهو . . أأقصد لما أرجع زعقت بها والدتها غاضبة:
- یعنی هتسيبني على عمايا لحد بالليل ردت سالي وهي تقفز داخل سيارة الأجرة:
- كفر عبدة لو سمحت ، ثم همست لتهدأ أمها:
- خلاص يا ماما ولا تزعلي روحك ، أنا كنت بلف ولقيت شغل الحمد لله اعتدلت مجيدة في جلستها بسرعة قائلة:
- إنتى بتتكلمي جد ؟ فين ؟ فقالت سالي متفكهة:
- هيكون فين يعني ، في مركز أسنان طبعا فقالت أمها ممازحة:
- أوعي يكون سكرتيرة فروت سالی بمرارة:

- لا ماتخافيش لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين تمنت مجيدة لو كانت تمالكت لسانها الذي تسبب في غياب البهجة عن صوت صغيرتها فقالت بحرج:

- أنا ماقصدتش ، حقك عليا هزت سالي رأسها طاردة شبح الدموع بعيدا فهي فعليا تقود حياتها نحو تغير لا رجعة بعده قائلة بصلابة حديثة عليها:
- ولا يهمك هكلمك لما أوصل سلام    لم يتغير شيء بحياته بضعة أيام اختل فقط توازنه والآن وبعد تصريح شمس حياته الصغيرة كل شيء عاد لمكانه الصحيح أو بات قريبا جدا التمتع بقيادة حياته بعيدا عن عبث المحيطين بها وإحكام السيطرة من جديد كان هذا سبب أكثر من كاف للبريق الوحشي الذي يلتمع بعيناه وهو يخترق الردهة هاتفا بأمر لا يقبل الجدال:

- دراية ، ورايا كانت تتمنى لو استطاعت فعليا تجاهله ولكن عيناه تنذر بشيء خطير جعلها تؤثر السلامة وداخلها يتوعده برد صادم إن تجاوز الحد دخلت لتراه متخذا مجلسه بعنجهية مفرطة لا تليق إلا بجاسر سليم دون البشر فقال دون مقدمات:

- عاوزة تستقيلي ، مع السلامة مش هلزمك بحاجة ، راجعتي نفسك وعاوزة تكملي شغل معايا أنا أكتر من مرحب ، هاه إيه قرارك ؟ ألا يعلم الرجال أن إتخاذ قرار وتحديد خيار في التو واللحظة لهو أعظم فخ تقع به إمرأة ربما يجهل الكثير ولكن ليس هو والخيار لدرية لم يكن بين وظيفة واللاوظيفة بین راتب مجز وبين عوز لوالد الخيار لدرية كان بين الكرامة ولا خيار دونها ضاقت عيناها وهي تجيب:
- وياترى غيرت رأيك ليه ؟ ، مش كان لازم شرط جزائي ولحد إمبارح كنت هتلففني على الأقسام . . . قاطعها بحسم:
- لحد إمبارح ، النهاردة غير . . من غير مراوغة يادرية آه ولا لاء رفعت كتفيها بشموخ تمثال إغريقي:
- أنا زي ما أنا مش هتغير فرد بالمقابل:

- ولا أنا بتغير وساد الصمت بينهما هو لم يستجدي بقاء زوجة وبالتأكيد لن يستجدي بقاء سكرتيرة وهي لن تقدم تنازلات ولا إعتذارا عما بدر منها بالأمس وعندما يتلاقی خصمان كلاهما يمتلكان عزة وكبرياء يناطح إحداهما الآخر يستوجب التدخل فورا للحد من الخسائر فقال أسامة مقاطعا والذي اقتحم الغرفة على نحو مباغت لهما:

- ومافيش حاجة هتتغير هتفضلي هنا في شغلك يادرية ، أظن نشوف اللي ورانا بقا ولكم كان تدخله محمودا بنظر أخيه الأكبر الذي قال:
- أنا شايف كده برضة فقالت درية وهي تقول بعند أنثوى أخرق:

- عشان خاطرك بس یاباشمهندس إذ أن الأخير ما لبث أن تمسك بجملتها فبعد ساعة زمنية تلقی هاتفها رسالة نصية عبثية جعلت الدم يتوارد بلا حساب لوجنتها وأناملها تتشبث بالهاتف لكأنه قارب نجاة وعيناها تعيد قراءة السطور ومابين السطور " لو كنت أعرف أن خاطري غالي أوي كده عندك أنا كنت عليت سقف مطالبي " والأسوء أن هناك شاهدا ناظر هذا التورد بمكر حصري لأفراد آل سليم وهو يقول هازئا:

- بعد ماتخلصي الشات اللطيف ده عاوز آخر إحصائيات الأسهم في البورصة يادرية    ألحت نعمات عليها للمرة الثالثة على التوالي:
- طب مش هتاكلي ليه ياست سالي ؟ فالتفتت لها سالي بأعين عاتبة:
- قولتلك شبعانة يانعمات ترك سليم طعامه وقال:
- مش هاكل إلا لما تاكلي أخذت نفسا عميقا وأغمضت عيناها بألم ، كيف لها أن تتذوق طعاما ببيته؟!
 كيف لها أن تضع بمعدتها غذاءا لم تصنعه هي هي ليست بضيفة ولا هي صاحبة البيت كما تصر نعمات ولا تملك الحق حتى بشربة ماء هي أشبه بکائن طفيلي يسترق الساعات بمنزل دون علم أصحابه لتكون فقط بصحبة أولادها بالماضي كانت صاحبة حق حتى تنازلت هي بملى إرادتها عن تلك الحقوق فالتفتت لصغيرها وقالت بصوت متألم من تلك الحقائق ساعدها في إثبات إدعائها:

- أنا بطني وجعاني أوری یا سليم أما تخف هاكل يالا اتغدي أنت عشان نلحق نقعد مع بعض تركت سلمى طعامها وهي تقول بصوت باك:

- إنت هتمشي ياماما مش هتباتي معانا ؟ فالتفتت للصغرى قائلة بصوت متنهد:
- وبعدين معاك ياسلمی ، ما تیته وبابا بیباتوا معاك فاندفعت سلمی بیکاء طفولي:
- بابا مابتش معانا إمبارح وتيته نامت بدري وسابتنا وانتقلت دموع طفلتها لعيناها غير أنها سجنتها بمهارة وقالت:
- معلش أكيد كان عنده شغل ولا حاجة فقال سليم ضائقا:
- هوا قال هيرجع يتعشا معانا ياسلمى بطلي عياط فتمسكت سلمى بكفها قائلة:
- طب لو مارجعش باتي أنت معانا يا ماما ربتت سالي على كف صغيرتها وقالت:

- يحلها حلال ياسلمی يالا بقا خلصي أكلك ظاهريا كانت تغتصب الإبتسامات من داخلها لتظهر أمام أطفالها بمظهر مشرق عکس کل خیالاتهم السوداء بهجر الأب والأم لهم في آن واحد وداخليا كانت بالفعل تنتحب حتى أوشكت الصرخات على شق أضلعها لتذكر نفسها مرة أخيرة أنها لم تعد زوجته وأن يحق له التمتع بأحضان غيرها ونفسها الحمقاء المتدثرة بغطاء أحلام وردية عن معاناته دونها تنازعها بسؤال لا تجد له إجابة شافية بتلك السرعة ؟ بل والأدهى كيف ؟ كيف جعلته يترك أمه المريضة وأولاده الصغار ويبتعد عنهم ؟ كيف استطاعت تملك قلبه وتغيير مفاهیم عقله المتحجر؟!

كيف فعلت بليلة واحدة ما عجزت هي عن الإتيان به طيلة سبع سنوات ماضية؟!

ربما لم تكن بالقوة كافية لتوقف إعصار جاسر سليم ربما كان الضعف من يكمن بها واستكانت هي له كما كانت تخبرها آشرى دوما وترفض هي تصديق تلك الحقيقة وتغلفها بأكذوبة أن هذا ما يتوجب عليها كزوجة     لكم تكره سماع صوت تلك المتحذلقة ولكنها اضطرت للإتصال به عبر هاتف الشركة حيث أنه لم يجب على أي من اتصالاتها المتكررة قالت درية بصوت يقطر سأما وسما تمنت لو نال من شرايين تلك الحرباء:


- ثواني . . . هحولك ليه ثم قالت بعد مضي لحظات بصوت جاهدت أن تغلفه بالبرود:

- المدام على التليفون عقد حاجبيه قائلا بلامبالاة طاغية:
- حوليها كمان خمس دقايق فاتسعت عيناها وقالت:
- نعم فقال بصوت قاطع:
- سمعتي عادت مرة أخرى لتجيبها:

- عنده إجتماع خليك معايا ولم تمهلها فرصة للرد ووضعتها تحت إنتظار الفرج " من جاسر سليم بنغمة موسيقية هي الأكثر مللا على الإطلاق لقد طلب منها خمس دقائق فقط ولكنها كانت في مزاج" اکرم دري " بالغ فزادتهم عشرا حتى اشتعلت الأخرى غضبا ، صبته فوق رأسه عندما رد بصوته الذكوري العميق:

- بتصل بيك من الصبح مابتردش والسكرتيرة تلطعني كل ده على الويتنج یاجاسر ! ! فرد بهدوءه القاتل:
- وطي صوتك وإلا هقفل السكة اتسعت عيناها وحبست شهقة حانقة وبدلتها فورا بصوت باك کاذب:
- ده جزاتي إني عاوزة اتطمن عليك وعلى طنطا نفث سيجارته وقال:
- إحنا الحمد لله كويسين ومتشكر على إتصالك فقالت بدلال:

- مالك يا جاسر أنت زعلان مني؟!

 أغمض عيناه ثم قال بصرامة:
- داليا أنا ورايا شغل متلتل ومش فاضي وياريت بعد كده تتصلي للضرورة فقالت غاضبة:
- مافيش حاجة اسمها كده أنا مراتك مش موظفة عندك ووقت ماتصل بيك دي ضرورة بالنسبالي فقال بعنده الموروث:
- أنا كمان مش بالضرورة أرد عليك كل مرة هتتصلي فيها فقالت بلا مبالاة:
- أوكيه براحتك ، مستنياك تعدي عليا نروح سوا فقال بنفي قاطع:

- سكة البيت ماتوهش يا داليا وانقطع الخط وعالمها الوردي يتزلزل من تحت أقدامها فقد ظنت أنها استطاعت سبر أغواره والغوص بأعماقه والتغلغل بكافة إحتياجاته وفرض قوانین عرفية بينهما وتلقينه كيف ينبغي له أن يعاملها واتضح أنها كانت حالمة أكثر مما ينبغي وضعت سماعة الهاتف والحيرة تلتمع بعيناها الفيروزية وشعور بالخواء والضياع يجتاحها وللمرة الأولي بحياتها لاتدري بالفعل " الخطوة التالية " فالحياة كما علمها والدها دوما رقعة شطرنج والحصان الأسود دوما بيدق رابح ودوما عاشت الملكة    ألقى نظرة غاضبة على ساعته الثمينة وهو يلعن انشغاله بعمله حتى أنه لم يشعر بمرور الوقت وتسابقت خطواته نحو الخارج ليلحظ درية لازالت غارقة بالعمل هي الأخرى فزجرها قائلا قبل أن يختفي من أمامها:


- روحي لولادك يادرية كفياكي شغل رفعت هي الأخرى أبصارها نحو الساعة التي كانت لم تتجاوز السادسة بعد متعجبة فمنذ متى يهرول جاسر سليم عائدا لبيته بتلك السرعة في ذلك الوقت المبكر أم إنها ست الحسن والجمال؟!

 عقدت حاجبيها غاضبة وهي تلملم أشيائها بصوت متقطع:
- مالكیییش دعوة ، يتفلق ، يتحرق ، يولع . . . وقاطعها صوته المرتاب:
- ده یارب مایکون أنا فحملقت به بغضب وقالت موبخة لكأنما تخاطب صغيرها أيهم:
- يظهر أنك اتعودت تنط كل شوية زي عفريت العلبة فقفز قفزة بهلوانية ساخرا فعبست وهي تمنع ضحكة غير ملائمة ثم قالت بعتب:
- أنا اتأخرت ولازم أروح قال لها:

- شفت بقا أنا مستحمل كل ده إزاي ؟ فحملقت به بريبة:

- مستحمل إيه ؟ رد أسامة وهو يدعوها لداخل المصعد:
- قاعد مخلص شغلي ومستنيكي كل ده . أخرتيني أووي على فكرة فقالت وهي ترفع رأسها آنفة:
- وأنا ماطلبتش منك تستنا فقال بنبرة فكاهية عكس العبوس الكاذب الذي تدفع به لملامحها:
- وأنا مش مستني منك تقوليلي استنا فابتعدت بأنظارها عن مجال عيناه الذي يطوقها من رأسها لأخمص قدميها لترسم وجها فولاذيا بالمقابل وهي تخرج بخطوات مسرعة من حجرة المصعد الواسعة والتي كان يحتل هو بحضوره أكثر من نصفها فسار إلى جوارها صامتا وفتح لها باب السيارة وعيناه تخبرانها أنه لن يقبل الرفض ردا فقالت بهدوء:

- شکرا یا باشمهندس تعبتك معايا أومأ لها برأسه وهو يقول بتقدير بالغ:

- تعبك راحة يادرية     كان يصارع الطريق وعقله يعمل كآلة حاسبة والناتج كان مابین دقائق وساعات ، يلزمها ساعة على الأقل لتناول طعام الغداء برفقتهم ، واستذكار الدروس لا يعلم بالضبط ، أما اللعب واللهو فحدث ولا حرج فهي تكاد تمضي يومها بالكامل كطفلة بالخامسة من عمرها برفقتهم فابتسم بحنين لتلك اللحظات التي أهدرها هو دون أن يدری قيمتها الفعلية يتمنى لو تقدم تنازلا واحدا فقط لا أكثر وتعود وبعدها يقسم أنه قد يتنازل عن نصف كبريائه وعناده ولطالما كان محظوظا ، محظوظا جدا في الواقع إذ إستطاع اللحاق بآخر لحظات الوداع بينها وبين أطفالهما والصغيرة تتشبث بأحضان أمها بقوة قائلة:
- طب هتتأخري بكرة؟!

واتاه الرد الذي أخبره أنه لم يعد محظوظ بل هو في الواقع " ملعون " - أول ما أخلص شغل هاجي على طول مش هتأخر أوعدكم عقد حاجبيه واسودت ملامحه بغضب وحشي حتى أنه لم ينتبه لهمسة سليم القلقة:

- بابا جه ! ! فالتفتت بفزع أثار ضيقها ورفعت قامتها بكبرياء ناشدت به الضلوع لتستقيم أمامه وربتت على كتفي صغارها ليلقوا التحية على والدهم فساروا نحوه فاحتضنهم مرحبا هو الآخر وهو يكاد يتمالك أنفاسه وفي الوقت ذاته يستبق خطواتها ليمنعها من الهرب قبل أن تؤكد له أو كما يتمني تنفي صحة ماسمعه قائلا بتصميم:

- سلیم خد أختك واطلعوا فوق عاوز اتكلم مع ماما شوية وقبلتهم مرة أخيرة قبل أن تشير لهم مودعة وهي تراقب صعودهم الدرجات وسارت بخطوات سريعة متجاهلة وجوده حرفيا حتى استوقفها بسؤال قاطع:

- اشتغلت ؟ عقدت حاجبيها وهمت بإجابة وقحة ولكنها تمالكت أنفاسها فهي أولا وأخيرا ضيفة بمنزله لتجيبه بهدوء بارد:
- أيوه فاقترب منها وعيناه تلتهم تفاصيل وجهها الذي غاب عنه ليلتان إثنتان لا أكثر قائلا بإتهام وأنفاسه المتسارعة تكاد تمزق صدره:
- بالسرعة دي ولا دي حاجة كانت من ضمن تدبيراتك السرية اللي ماكنتش أعرف عنها حاجة فقالت بضيق وهي ترغب في الأختفاء بعيدا عن أنظاره التي تحرقها ووجوده الذي يسبب لها الإختناق:
- يهمك في إيه؟!
 زم شفتيه وقال:

- أنا كنت كلمت المحامي النهاردة يحطلك بكرة في البنك المؤخر والنفقة . . . يعني أنا شايف مافيش لازمة للشغل وللبهدلة ابتسمت له هازئة وقالت بنبرة ساخرة مرة لتذكره بموقعه الفعلي بحياتها:

- والله ماعدتش من حقك إنك تشوف وزار الأسد بأعماقه فاقترب منها على نحو خاطف واحتبس ذراعها بقبضته قائلا بصوت خفيض:
- أنا ممكن أردك ياسالي ، المأذون ماوثقش الطلاق بس أنا , سايبك ترجعي براحتك ، ساعتها... قاطعته بعند وهي تنفض ذراعها بعيدا عن مرمي قبضته:
- ماتلمسنيش... وأعلى مافي خيلك أركبه یا جاسر والتفتت لتطالع وجه الأخرى الغاضب التي كانت تراقب مشهد زوجها المفتون کليا بأيقونة ماضيه يقف وحواسه كلها منصبة عليها وعيناه تحملان رجاءا لم تره من قبل وكيانه کله موجه نحوها ولكن للغضب الأعمى بداخلها لم تكن تبصره هي فقط تبصر خيالا لليلتان قضاهم من كان يوما زوجها بأحضان غيرها، حتى أنه قضى ليلة الأمس برفقتها فقط فمضت تخطو مسرعة لتتجاوز بعدها تلك الفاتنة التي اقترن اسمها به نحو الخارج نحو هواء لايحمل أنفاسهما نحو أفق لا يحمل مشهد حميم يجمعهما نحو دفء يقبع بیت محسن ومجيدة وكما اعتادت فور وصولها الصعود للأعلى حيث مكان أبيها المفضل وتعثرت بالدرجات الخشبية فأحدثت ضجة فدموعها كانت تهطل بغزارة دموع الفقد للظهر والسند دموع الاشتياق للمسة حانية تخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام دموع الحاجة للشعور بالأمان وأن هناك من يقف خلفها تماما يراقب ويحمي دموع تحتاج وبشدة لمن يمحيها ويبدلها ببسمة ولكنها وجدت أحضان أمها من تتلقفها فتشبثت بها قبل أن تغرق أكثر ببحر دموعها قائلة:

- بابا واحشني أوي ياماما ولمس وجهها وجنة أمها التي كانت غارقة هي الأخرى بنفس الطوفان فردت هامسة:

- أدعيله بالرحمة باسالي
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الخامس عشر

العقل مايتميز به الإنسان عن سائر المخلوقات، والكيد ما تتميز به النساء عن الرجال.

جلست أمام المرآة العريضة تمشط خصلات شعرها الفحمية الغزيرة وعيناها تلمعان في ضوء الحجرة الخافت ألقت نظرة بطرف عيناها نحو الشرفة ويبدو أنه تناول كمية لا بأس بها من السجائر.

إذ بدأ في السعال فبعد طاولة عشاء صامتة قضاها برفقة أبناءه وبرافقتها يتحاشيا النظر لها عن عمد إستشعرته

صعدا للغرفة ونأى كل منهما بجانب فهو اتخذ الشرفة أما هي فمتعت نفسها بحمام طویل دافيء ، لا تنكر أن أفكارها السلبية أوشكت على النيل منها ولكنها تتمتع بعقل فذ جعلها تؤخر تلك المواجهة فهي وإن كانت الزوجة الوحيدة، فهي الثانية بعد رحيل البدينة.

سنوات جمعتهما فأدمنها وحسب كإدمان الرجل لغيلونه ويلزمه بعض الوقت للتخلص من ذاك

الإدمان والتخلص منه لا يتأتى إلا عبر إدمان من نوع آخر قامت بعدما انتهت من زينتها ومضت نحو الشرفة شعر بحركتها
الحثيثة نحوه ، فارتسم على وجهه معالم الحنق والغضب ، إنه مستعد الآن لإلقاء اللوم عليها أو تفريغ شحنة غضبه بها ولكنها أخبرته قبلا أنها ليست
" بكيس ملاكمة " فاقتربت منه ومسدت عضلاته ولكنها نالت النفور والابتعاد والتفت له وعيناه تبرقان في ظلام الليل الدامس :

- عاوزة إيه يا داليا ؟ نکست عيناها بحزن مرسوم بدقة وقالت بصوت عذب :

- عاوزة راحتك ياجاسر
عقد حاجبيه وارتسمت على وجهه ملامح الحيرة ثم ابتسم فاكها
- لعبة جديدة ؟ !
فغر فاهها ثم زمته بضيق :
- أنت عاوزنا نتخانق صح ، هوا ده عقابي عشان أنا متفهمة اللي

أنت بتمر بيه وباجي على نفسي عشان خاطرك نفث سجائرة ومضي يراقبها بأعين ضيقة ثم قال بصوت متمهل :

- احنا الأتنين فاهمين بعض كويس يا داليا والكام يوم اللي فاتو أنت شوفت جاسر مختلف أنا نفسي ماعرفوش ، والمثل بيقول
خليك مع اللي تعرفه . جوازنا كان صفقة وتمت ماتحوليهاش لقصة حب وتقحمي فيها غيرة أنا مش هقبلها ، ده لمصلحتك
عقدت ذراعيها وقالت : - صح صفقة وتمت بس عشان تكمل صح لازم نحط النقط على الحروف یا جاسر ، أنا في الأول والآخر أبقا مراتك وليا عليك
حقوق زي ما أنت ليك عليا.

دعس سيجارته بقدمه وقال منهيا الحديث :

- لما حق من حقوقك ينقص ابقي تعالي اتكلمي ثم تركها خلفه ومضي لداخل الغرفة ووقفت هي تهتز بإنفعال
مكتوم وفعليا تكبح دموع القهر بعيناها.

الصباح بداية كل يوم والبدايات دوما لها بريق واعد يمحو ببهائه خيبة نهاية ليلة سابقة نظر في ساعته لقد أوشك أن يتم ساعة كاملة من الجري المتواصل بمضمار الجري بأحد نوادي الأسكندرية العريقة وبعدها يتجه لغرفة التدريبات ويمضي نصف ساعة أخرى مع إحدى الأجهزة الرياضية أشار بكفه لصديقه الذي يراه قدرا من حين لآخر بتحية ودودة.


وتقدم منه الآخر ليصافحه قائلا : - إيه ياعم بشوفك كده صدف دايما قال كریم وهو يبتسم :

- أعذرني والله طارق أنت إيه أخبارك ، سمعت أنك سيبت الجيش وفتحت شركة أمن
هز طارق رأسه :
- یعني تغيير والدنيا ماشية ما فضلش غير العروسة
ضحك کریم وقال : - شد حيلك طيب وافتكر أخوك
نظر له طارق وهو يهز رأسه مستنكرا :
- ده على أساس التلوتميه اللي جابتهم الست الوالدة دول كانوا أثروا فيك
فرد الآخر ساخرا : - يابني أنا ماعرفش اتجوز زيكم صالون واتنين شربات ونقره الفاتحة ، اللي اتجوزها دي لازم تكون قرياني وأنا قاریها ، إنما شغل شرا البطيخ ده وتطلع في الآخر قرعة . . .

قاطعه طارق ضاحكا :

- قرعة . . الله يسامحك . .
ضاقت عینا کریم : - إييه ، شكلك لقيت العروسة ياسيادة العقيد مضى طارق في طريقه متمهلا وإلى جواره کریم ثم التفت له قائلا :
- والدها إنسان عزيز عليا وفي البداية أنت عارفني أنا ليا طلبات محددة بس هيا طلعت مختلفة بكل المقاييس ده غير أن راسها
ناشفة نظر له کریم والفضول يتاكله : - وأكيد أكتر حاجة عجبتك فيها راسها الناشفة
قال طارق دون موارية : - أرمله معاها ۳ صبيان ، والدها كان واعدني أنه هيخليها تسيبهم معاه لكن من الواضح أنه مش عارف بيتكلم عن إيه
هز کریم رأسه مؤكدا :

- طبعا ، هيا فيه أم بتسيب ولادها وخصوصا لو كانت أرملة

رفع طارق حاجبيه : - ده غير أن باباها مثلا لو قال شمال تبقي هيا يمين فورااا
ضحك کریم متفكها : - خالف تعرف يعني ، بس مش فاهم إزاي التركيبة دي ركبت معاك . بخلاف أنك مش بتطيق دوشة العيال كمان أنت مابتحبش الجدال ولا المقاوحة رفع طارق أنظاره للسماء مبتهلا وهو يتنهد :
- أهو ده اللي هيجنني مش قادر أشيلها من دماغي ضحك کریم من مشهد صديقه اليائس من حاله حتى وقعت أنظاره عليها تسير برفقة إحداهن نحو صالة الألعاب فتوقف عن الضحك فجأة فقال طارق متعجبا :

- إيه مالك ؟

التفت له کریم :
هه مافيش ، بقولك تعالی نلعب شوية أيروبكس شكلك مش تمام
حملق به طارق موبخا :
- ده أنا برضة طب تعالى وأنا أوريك دخلت سالي الصالة وتبعتها آشري التي قالت :
- بجد ياسالي ماتتصوريش فرحت أد إيه لما شفت نمرتك الصبح
فالتفتت لها سالي بإبتسامة صافية : - ليه يعني ماكنش عيش وملح وبعدين أنت أكتر من أخت لیا یا
آشري ریتت آشري على كتفها قائلة : - وأنت أختي الوحيدة ، وأردفت بقصد الممازحة :
- أصلا فابتسمت لها سالي :

- طيب تعالي بقا عشان احنا جايين نتمرن أصلا ، قدامي يادوب ساعتين عشان ألحق أروح الشغل صعدت آشري على آلة الجري وهي تقول هاتفة :

- بجد ، ماقولتیش یعنی بدأت سالي في تدريبات الإحماء على الآلة المجاورة لها : - ده يادوب کان امبارح وماتتخيلیش جت صدفة كده إزاي رمقتها آشري بنظرة محققة قائلة بأمر ثابت :
- احکیلی بالا

كعادتها تمضي كل صباح لغرفتها بهدوء تام واقتربت من مخدومتها التي كانت لا تزال نائمة فأوقظتها برفق وهي تضع طعام الإفطار إلى جوارها ، فقالت سوسن : - أنا نايمة بقالي أد إيه بانعمات ؟

ابتسمت لها نعمات وقالت :
- مابقالكيش كتير ، الولاد لسه نازلین مدارسهم من خمس دقايق رفعت سوسن ظهرها وجلست رافعة رأسها بكبرياء تود السؤال عنه ولكن لسانها لا يطاوعها فتطوعت نعمات بمنحها تلك
المعلومة التي تشتاق لسماعها : - جاسر بيه قالي أطلعلك بالفطار الأول وهيعدي عليكي قبل مايروح شغله ، أما الهانم التانيه ففطرت ونزلت من بدري
زمت سوسن شفتيها قائلة بتبرم :

- ومابتقعدش تفطر مع جوزها ليه ؟ فقالت نعمات والضحكة تكاد تفلت من ثغرها وهي تناول

مخدومتها فنجان الشاي الساخن كما تحب : - قعدت تستناه يجي نص ساعة بس هوا كان في مكتبه
ماخرجش غير بعد ما مشيت تنهدت سوسن وتظاهرت بمزيد من اللامبالاة وداخلها يرقص
طربا ثم قالت نعمات فجأة : - أنا فيه حاجة عاوزة أقولك عليها بس عاوزة منك وعد إنك . . . .
صمتت نعمات ولم تدري كيف تكمل جملتها فنظرت لها سوسن
محملقة بها لكأنما جنت : - جرى إيه يانعمات أنت مستنياني أديكي الأمان ؟ ! !

ردت نعمات : - لا أبدا ما قصدتش قصدي ، أنك تاخدي الموضوع بالراحة

يعني منغير إنفعال عشان خطر عليكي وضعت سوسن الفنجان في الصينية بهدوء قائلة : - اتفضلي احكي ، أهو شيفاني لا اتجننت ولا بشد في شعری
أخفضت نعمات رأسها قائلة : - العفو يا سوسن هانم أنا ماقصدش ، كل ما في الموضوع أن الست سالي جت امبارح بعد مالولاد رجعوا من المدرسه غدتهم
وذاكرتلهم وروحت بالليل على الساعة ستة ظلت سوسن صامته وقد التمع التقدير بعيناها وقالت موبخة لنعمات :
- طب وفيها إيه مش أمهم ، حقها وبعدين عشان خاطر الولاد
فرفعت نعمات رأسها وقالت مؤكدة : - أيوا طبعا وهيا قالتلي أن ده هيكون النظام كل يوم والسبت
هتبقا تشوف الولاد في التمرين في النادي.

هزت سوسن رأسها بتقدير وقالت كأنما تقر واقعا : - والجمعة يروحلها يباتوا معاها والسبت يطلعوا على النادي سوا وبعدها يرجعوا على هنا

قبضت نعمات على كفها وقالت بصوت هامس : - ماهو اللي حصل أن جاسر بيه رجع فجأة امبارح وشافها ووقفوا مع بعض وشكلهم في الآخر شدوا مع بعض عشان سمعتها بتقوله
، أعلى مافي خيلك اركبه یاجاسر ابتسمت سوسن إبتسامة واسعة قالت بسعادة غير مصدقة :
- قالتله کدة فعلا ؟ ! أكدت لها نعمات :

- ایوا ، فأنا خايفة لا جاسر بيه مايرضاش و . . قاطعتها سوسن بإشارة لا مبالية من يدها وكأنما أمر رفض جاسر

غير وراد على الإطلاق قائلة : - ابعتيهولی دلوقت ، هاه فيه حاجة تانيه قبل ماتمشي وناسيه تقوليها ؟
رفعت نعمات صينية الطعام وقالت نافية :
- أنا مانساش حاجة فاضل بس سي أسامة اتصل وكان عاوز يجي هو وزياد بيه امبارح قلتله أنك نايمة
أشارت لها سوسن آمرة : - اتصلي بيه وقوليله يجي النهاردة هوا وزياد الساعة تمانية
بالدقيقة نتعشا سوا هزت نعمات رأسها قائلة : - حاضر تحت أمرك ياسوسن هانم
ثم انصرفت تاركة سوسن ولازالت الإبتسامة تزين ثغرها ووجها المشرق بتلك الأحداث الأحداث الأخيرة تطالع أفرع الشجرة
أمامها بنظرة راضية

كان مايلزمه كوب من الماء البارد صبه كله فوق رأس أخيه الغارق

بسبات نوم كأهل الكهف فهب الأخير منزعجا :
- إيه يا أخي ده حد يصحي حد كده ، حرام عليك يا أسامة والله قال أسامة وهو يرتشف قدحه من القهوة التركية بهدوء لا مبال : - بقالي ساعة رايح جاي عليك . ولا كأن عيل بقومه عشان يروح حضانته
نفض زیاد شراشف الفراش المبتلة حانقا : - ماهو أنا اللي استاهل من بكرة هشوفلي شقة أقعد فيها
تجاهل أسامة تهديده الفارغ وقال :
- اتشطف وافطر يالا عشان ننزل
عقد زیاد حاجبيه وهو يجذب منشفة نظيفة من الخزانة ويضعها
حول كتفه قائلا :

- لا أسبق أنت عندي مشوار لازم أعمله الأول

ضاقت عينا أسامة وقال :
- آشري برضة
فابتسم زیاد ساخرا : - لا مش آشري مش عاوزة ترجع إن شالله ما رجعت ، أنا هروح الشقة أخد بقية حاجتي وورقي ، خلينا نخلص بقا
مط أسامة شفتيه غير راضيا وقال : - ماتاخدكش الجلالة أوي أنت غلطت كتير ومراتك معاها حق
في اللي عملته التفت له زياد غاضبا : - تکرشني من بيتي ؟ ! فاقترب منه أسامة قائلا :
- أنت تخونها وعاوزها تاخدك بالحضن

فرد زیاد معاندا :

- أنا ماخونتهاش
فقال أسامة غير مصدقا : - لا والله وبتسمي اللي عملته ده أيه ؟ ! فعقد زیاد حاجبيه وقال بنفس الغضب الأعمى : - اللي عملته حاجه واللي حصل فعليا حاجه
رفع له أسامة يده مستسلما قائلا : - أنا همشي عشان أنت الكلام معاك بيوترني وأنا صاحي مزاجي
رايق ، سلام القي زياد عليه السلام متبرما ومضي ليغتسل
ورأسه لازال يدور به تلك الفكرة الخرقاء بكونه ضحية بريئة !

راقبت آشري وجهها المتعرق قائلة : - كفاية ياسالي أنت بتهلكي روحك

هتفت لها سالي بأنفاس متقطعة : - بالعكس أنا مبسوطة جدا حاسة أن جوايا طاقة غير عادية
رفعت آشري يدها باستسلام قائلة : - أنا خلاص مش قادرة هروح أغير وهحصليني هاه ، عشان
تلحقي شغلك هزت لها سالي رأسها دون کلام ولم تلحظ ظل آخر جاورها على
نفس الآلة إلا بعد أن قال : - صباح الخير يادكتور إيه النشاط ده ؟ التفتت له سالي دهشة وقالت بإبتسامة خجولة :
- دکتور کریم ! ! صباح الخير قال كريم ممازحا وهو لا زال يسير بسرعة بطيئة بالمقارنة بها :
- ده احنا شكلنا النهاردة فترة مسائية

هزت سالي رأسها نافية : - لاء ماتقلقش عشرة بس وطيران على المركز

قال کریم : - ياستي براحتك هوا المركز هيطير إنما أنت عضوة هنا من أمتی
، مافتكرش إن شوفتك هنا قبل كده ؟ كادت أن تهتف به " من ساعة ما اتجوزت " ولكنها قالت بألم : - من زمان . . بس ماكنتش باجي كتير إلا عشان الولاد إنما بقيت مواظبة من فترة.

قال كريم بتقدير : - لا بس برافو عليكي ، الرياضة مهمة جدا بتحسن الصحة والمود

ثم قال ممازحا : - ده غير كمان أنها بتقوي عضلاتك تعرفي تخلعي الضرس وأنت
مرتاحة ضحكت سالي وقالت :
- ده أهم حاجة فرد کریم ممازحا ولكن بنبرة صارمة :
- أيوا طبعا . الشيء لزوم الشيء نظرت سالي في ساعتها وأطفأت محرك الآلة قائلة :
- أنا همشي بقا فابتسم لها کریم مودعا : - مع السلامة يادكتور

أنهى مكالمة هاتفية مع درية التي كانت تطلعه على إحدى

مستجدات العمل الطارئة قائلا : - نص ساعة وهكون عندك وأول مايوصل أسامة تبلغيه والتفت لیری نعمات تحمل صينية الطعام وبعض الأطباق بها فارغة متجهة بها نحو المطبخ فقال مستوقفا إياها :
- صحيت وفطرت ؟
أومأت له نعمات قائلة :
- وعاوزاك فوق هز جاسر رأسه ومضي صاعدا الدرجات حتى وصل لغرفتها
طرقها بخفة ودلف قائلا :
- صباح الخير يا أمي قابلته بإبتسامة وإنما صارمة قائلة :
- صباح الخير ياجاسر اقترب منها وقبل كفها وجلس بجوار فراشها قائلا :
- هاه عاملة إيه النهاردة ؟

قالت مؤكدة : - أحسن الحمد لله ، أنا قلت لنعمات تتصل بأخواتك يجو يتعشوا

الساعة ثمانية ، عاوزاك تكون موجود
هز جاسر رأسه وقال :
- إن شاء الله
رفعت سوسن حاجبها وقالت بنبرة حازمة :
- كمان عاوزاك في حاجة مهمة حدق بها جاسرا وقال صاغيا :
- خير ؟
وضعت سوسن كفا فوق الآخر وعقدتهم وهي تقول يإصرار : - الولاد يروحوا يزوروا مامتهم کل جمعة يباتوا معاها ويرجعوا السبت
عقد جاسر حاجبيه وقال رافضا : - هيا بتجيلهم بعد الغدا وبتقضي معاهم اليوم مافيش داعي . . .
قاطعته أمه بصرامة : - تيجي أو ماتجيش الولاد لازم يباتوا على الأقل ليلة في حضن أمهم يحسوا بنبضها ودفا حضنها ، الحرب اللي أنت أعلنتها عليها دي ولادك هيدفعوا ثمنها وعمرهم ماهيسامحوك على كل ليلة قضوها بعيد عنها.

هب جاسر واقفا وزعق بأمه دون أن يدري : - أنا اللي أعلنت الحرب ولا هيا اللي . .

قاطعته أمه : - رقم واحد ماتعليش صوتك أنا لسه ماموتش . . فهدأت خلجات جاسر واستكانت وتمتم قائلا :
- آسف فأردفت سوسن بهدوء :
- رقم اتنين ، أنت اللي طلقت هم بإعتراض ولكنها رفعت يدها لتوقف تسرسل الكلمات من
بين شفتيه : - أيوا أنت ، الست تطلب الطلاق مرة وعشرة وعشرين إنما ربنا خلى الراجل اللي بأيده الطلاق ومراتك طلبتها مرة وأنت ماتنتهاش
فهتف جاسر غاضبا :
- قدام الناس . . .

فقالت أمه مستنكرة :

- ما أنت اتجوزت عليها قدام الناس
رد جاسر هازئا :
- رقم واحد بعد ماقولتلها وهيا مارفضتش ولا اعترضت ، رقم اتنين حقي
أغمضت سوسن عيناها فابنها لازال غارقا بوحل الكبرياء الأعمى لازال لايستطيع رؤية بأي هوة استقر جراء عناده ثم فتحتها وقالت :
- نفذ اللي بقولك عليه ياجاسر ولو مت قبل ماترجع أنت ومراتك لبعض اعتبرها وصيتي ليك ، عشان خاطر سلیم ، حرمته من أمه اللي ولدته مرة مش هيسامحك لو حرمته من التانية اللي ربته ابتعد جاسر بأنظاره عنها ومشهد تلك الليلة العصيبة التي مر بها منذ ثلاث سنوات عاد ليحيا من جديد
مشهد لسهيلة تحت الأمطار وهي تصرخ بجنون لكي ترى وليدها الوحيد الذي كان يراقبها وجلا من خلف النافذة العريضة بغرفته فخرج لها جاسر ليراها مترنحة ببقايا خمر ومخدر فسبته بأقذع الشتائم فنهرها وأمرها أن تبتعد بعنف وألا تعود مجددا وبالفعل لم تعد مرة أخرى إذ صدمتها سيارة مسرعة في تلك الليلة وفارقت و الحياة وأتاهم ذاك الخبر التعيس بعد منتصف الليل فهاتفها كان يحمل.

رقم هاتفه وفي اليوم التالي ، تكفل بإجراءات الجنازة وحمل لولده خبر رحيل أمه بعد أسبوعان وطلب الصغير زيارة قبرها رغم

سنوات عمره الخمس وقتها بإصرار عجيب اصطحبه وظن أن سينهار باكيا كأي طفل في عمره على الأقل خوفا وهلعا من المشهد المهيب للقبور المتراصة ولكنه بقي صامدا وتلي بصوته
الطفولي الآيات الأولى من " سورة يس " أمام القبر ونظرات العجب كانت تطل من عين أبيه فأخبره صغيره أنه سالي من قامت بتلقينها له عاد جاسر لواقعه والتفت لأمه التي كانت تراقب إنفعالات
وجهه في إشفاق تام فقال مذعنا :
- الخميس بالليل هاخدهم أنا يباتوا معاها وأرجع أخدهم السبت
آخر النهار ، کویس کده هزت له أمه رأسها راضية وراقبت انصرافه بأنفاس لاهثة بعض الشيء فرفعت البخاخة التي تستعملها من حين لآخر عندما تعجز
عن التنفس لتستنشق ذرات العقار بتعب

حياه موظف الأمن بالبناية الضخمة بحرارة واتجه بعدها للمصعد وصعد للطابق الذي يحوي شقته أو ماكانت يوما

دفع الباب ودلف وهو يتمتم ساخرا : - والله كتر خيرك يا آشري إنك ماغيرتيش الكالون فتح النوافذ ومضى نحو غرفة النوم ومضى يقذف أمتعه بإهمال
في الحقيبة التي كان يحملها وبطفولية تجري في عروقه اتجه نحو خزانتها يعبث بمحتوياتها
مستمتعا ، فهو يعلم أنها تشتاط غضبا من تلك الأفعال الصبيانية خاصته
وأثناء عبثه اصطدمت يده بصندوق مخبأ بين أمتعتها فعبس ومد يده ليقحمها كليا حتى استخرج صندوقا من ورق مقوى فتحه وأخذ ينشر محتوياته على الفراش حتى عثر على مظروف أبيض

خط على رأسه اسم أحد المعامل الشهيرة بالبلد وتحتها اسمه کاملا فاستخرج الأوراق الطبية منه ليطالعه بأعين يائسة ولم يفقه

شيئا منه ، فحمله ووضعه في جيب سترته الداخلي وعاد لينظم أمتعتها من جديد وأعاد كل شيء لمكانه حتى الصندوق وضعه تماما حيث كان فهو برغم كل مساوئه إلا إنه يتمتع بذاكرة فولاذية
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل السادس عشر

في صغره كان يعشق مشاهدة تلك اللعبة ويشعر بسعادة بالغة في رؤية أحجار " الدومينو " المتراصة ذات اللونين الأبيض والأسود

تتساقط حجرا تلو الآخر بتتابع مثير للاهتمام لتنتهي لتلك الفوضى الرائعة بعكس أخيه الأكبر الذي كان يراها لعبة سخيفة إذ يبذل لاعبيها جهدا فائقا برص تلك الأحجار المتناغمة برقعة واسعة للغاية قد تصل لأمتار وتتطلب منهم جهدا خرافيا وساعات من العمل الدؤوب وأيام طويلة ينهيها أحدهم بإيقاع حجر واحد
فتسقط بقية الأحجار بالتتابع فما فائدة البناء إن كان بالنهاية مصيره الهدم وكيف الحصول على اللذة بالسقوط والخسارة ؟ ! !

ولأول مرة بحياته يراه محقا إذ تتوالى أركان حياته بالسقوط حجرا تلو الآخر وكأنما کیانه يفقد

جزءا بعد جزء
والسقف الذي كان يحميه يخر على رأسه فمنذ قليل خرج من عيادة طبيب الخصوبة الذي زاره منذ أربعة أعوام منصرمة والذي ما أن رآه وبحوزته ذاك المظروف الذي أخرج محتوياته ونثرها أمامه مطالبا بتفسير ، حتى ابيضت معالمه.

وأقر بالحقيقة كاملة وأخبره أنه لم يقصد إلحاق الضرر به ، بل كانت تلك رغبة زوجته فهي من رجته بإبقاء الأمر سرا بينهما كي

لا تجرح مشاعره وتشعره بأي نقص فكذب عليه وأخبره وقتها أنهما الإثنان بخير ولا شيء يحول دون إنجابهما لطفل سوى أن
إرادة الله لم تحل بعد واليوم سقط ذاك السقف الواهي الذي شيدته آشري بمفردها وبات يشعر بالنقص فهو من يعجز عن منحها طفلا ورغم ذلك لم
يتوانى عن أذيتها بالكلمات المهينة كلما أراد إفتعال شجارا وإلصاق التهم بها للفرار من أحد مصائبه السوداء على حد تعبير "أسامة "
وإلقاء اللوم عليها بفشل زيجتهما.

وتوقفت قداماه عن السير دون هدى عندما تعالی رنين هاتفه ورای اسم أخيه يلمع في الظلام الذي يحيطه رغم سطوع شمس

الظهيرة فرد قائلا بصوت متحشرج :
- أيوه ، خير يا أسامة ! أتاه صوت أخيه قلقا :
- مالك یا زیاد ؟
فرد بصوت تائه : - مافيش ، خیر عاوز إيه ؟
عبس أسامة وقال : - ماما عاوزانا على العشا الليلة ما تتأخرش فهز رأسه شاردا وقال دون جدال :
- حاضر ، سلام
وضع الهاتف بجيب سترته والتفت حوله يبحث عن سيارته فوجدها على بعد أمتار خلفه فعاد بخطوات حاسمة نحوها ثم انطلق بها حتى عاد مرة أخرى لشقتهما ، فتلك المواجهة يجب أن تتم

رغم أنه لم يستمع لأي من أغاني المطرب الراحل عبد الحليم حافظ منذ فترة لا بأس بها إلا أن ذاك اللحن الشهير لأغنيته " أي

دمعة حزن لا يكاد لا يفارق رأسه تأمل كلمات الأغنية الساحرة فسخر من نفس لتعلقه السخيف بأذيال لحنها فهو لم يداويه الزمن بعد وما يشعر به أبعد ما يكون
عن معاني الحب السامية هو فقط يستمتع بمشاكسة درية من حين لآخر ، فكأنما تلقي في حياته الراكدة حجرا صلدا يثير تموجات تشعره أنه لازال على قيد الحياة وعندما يسأم من تلك اللعبة ينتقل للعبة القط والفأر مع الطبيبة الحسناء.

ولكن ما يؤرق ضميره شعوره بالنفاق إذ عين نفسه قاضيا وجلادا على أخيه الأكبر ووصيا على حياة الأصغر وهو الذي يخلد لفراشه ليلا بمهدئات تساعده على نيل قسط من النوم والراحة، ومع ذلك يتيه بأحلام تجمعه بصغيرته وزوجته الراحلة وأعظم ما يقاسيه خلال تلك الغفوة المتقطعة نظرة اللوم بعيناها فيستيقظ في اليوم التالي عازما على الإستقامة بحياته وفرض تلك الإستقامة على الآخرين حوله ولكنه سرعان مايشعر بالعجز والوحدة فيعود تائها متخبطا بين تلك اللعبتان.


وهاهي أقدامه تسوقه نحو من تلقي نحوه دوما بالأحجار أنظارها منصرفه عن الحاسوب لشيء ما بالأسفل وعندما اقترب أكثر ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه وهو يطالع الصغير

المشاكس قائلا :
- أيهم بيه عندنا يا مرحبا يا مرحبا رفعت دریه له رأسها وقالت زاجرة وهي ترفع يدها لتوقف تقدمه :
- أنت جاتلك الحصبة وأنت صغير ؟
عقد حاجبيه ليستدعي تلك الذكري الحمراء البغيضة فقال متعجبا :
- تقریبا آه جت لزياد وعدانا كلنا . . ليه ؟ ارتسمت ملامح الإطمئنان علي وجهها وعندما اقترب أكثر أزاحت سترة الصغير عن كتفه لتظهر بقعة حمراء مماثلة لما تعرض لها في صغره وقالت بحزن :
- مانفعش أوديه الحضانة وعندنا شغل متلتل جيبته معايا لاحظ أسامة نظرات الصغير العابسة لكأنما توشمه أمه بذنب لا يد له فيه فقال أسامة بنبرة حنونة : - یعنی هوا كان ذنبه ، وبعدين عادي كل الأطفال بتجيلهم ، ثم وجه حديثه لأيهم الصغير قائلا :
- قوم یالا قاعد كده ليه ؟ !
وارتسمت ملامح العبث الطفولية والشيطانية في وقت واحد على وجهه فابتسم بسعادة

قائلا بفضول :

- هنروح فين ؟
زعقت دريه به : - مش هتروح في حته هتفضل قاعد هنا جمبي ، والتفتت زاجرة لأسامة :
- بدال ما يعدي حد ارتفع حاجبي أسامة تعجبا وقال بنبرة لا رجعة فيها : - أنت مالك بتعامليه كأنه وباء ، دي حصبة ، هيجي معايا واعتبري ده أمر من عضو مجلس إدارة ولا مش متطمنه عليه معايا
شعرت درية بالحرج وقالت :
- لا أبدا بس . . قاطعها أسامة بإقتراب حميم قائلا بهمس خافت :
- ما بسش يا درية لا تعلم لم تواردت كرات الدم الحمراء لوجنتيها كافواج کاسحة ولكنها تعزي ذلك التدافع لنظرة عيناه الجريئة ونبرة صوته العذبة
واسمها الذي انساب من شفتيه كلحن راقص
فهربت بأنظارها بعيدا نحو الصغير الذي اعتلى ذراعه قائلة بتحذير هادیء :
- خليك مؤدب يا أيهم هز الصغير رأسه ولم ينظر مرة أخرى لأمه حتى مودعا ، وفكره منصب بالكامل على الضخم الذي يحمله بسهولة مطلقة يسأله :
- هنروح فين ؟ واستطاعت سماع ضحكة أسامة وابنها عبر المصعد المغلق خلفهما
فشعرت بطمأنينة فعادت لممارسة عملها

في حياته لم يسترق الأنظار لإمرأة قط ، فهي بعرفه وقاحة بالغة

وسوء أدب ولكنه لا يدري ما الذي أصابه مؤخرا فهو ضبط عيناه تسوقه لمحياها مرتان وتلك الثلاثة منذ أن دلف للمركز منذ ساعة
ولكنه هز رأسه نافيا تلك الأفكار السخيفة بنظره ، فهي طبيبة حديثة وعليه مراقبتها لضمان مستوى طبي أفضل لمرضاه ليس أكثر
وبعدها أخذ قراره بالاقتراب منها والتمتع بحق المراقبة عن قرب فهي منشغلة بحالة طفلة في السادسة من عمرها تحدثها بلطف
أثناء تخديرها والطفلة سعيدة بالحوار للغاية إذ أنها لم تلحظ حتى السن المعدني المدبب الذي انغرس بلحم لثتها دون هوادة فابتسم بعمق وأشار للطفلة بعلامة النصر لدى خروجها من غرفة

العيادة الصغيرة ثم قال : - واضح إنك شاطرة مع الأطفال

فابتسمت سالي مجاملة : - يعني مش أووي بسترجع لسه معلوماتی ثم انصرفت لأدواتها لتأمر الممرضة المرافقة لها بتنظيم بعضها
فقال : - یاریت بعد ما تخلصي کشف يا دكتورة تعدي عليا فالتفتت له سالي قائلة بتوجس :
- خير ؟ ! ابتسم لها إبتسامة واسعة وقال :
- خیر طبعا ، ماتقلقيش ، في انتظارك

هزت سالي رأسها بهدوء وحينها قالت الممرضة : - ماتقلقيش يا دكتورة ، دکتور کریم انسان محترم جدا ، وحضرتك بسم الله ماشاء الله ليك کاریزما مع الأطفال

فقالت سالي شاكرة : - ميرسي يا بسمة ، عشر دقايق ونادي على البنوته عبال ما أروح
أصلي الضهر أنهت الكشف المتبقي وغسلت يدها ونزعت ردائها الأبيض الذي افتقدته لسنين طوال وتقدمت بخطوات ثابته نحو مكتبه
طرقته وسمعته يدعوها للدخول فقالت :
- أنا خلصت یادکتور

أشار لها بالجلوس وقال : - یعني هوا بدون مقدمات کتبر إحنا ما اتنقشناش في الساليري وكنت حابب أعرف تقيمك للموضوع عشان أنا مابحبش أظلم حد والمواضيع دي مافيهاش فصال فلازم تكوني راضية


ارتفع حاجبي سالي دهشة وتذكرت أمر الراتب ، ذاك الذي غاب عن ذهنها كليا فهي منذ عادت لممارسة عملها واستغرقت فيه بإستمتاع عجيب لم تلتفت لأمر راتبها وكم الأموال الذي قد تحصل عليه من وراءه ، وكم كان عليها التفكير بهذا الجانب بشكل جاد ، فهي ماعادت تستند على مصروفها الضخم الذي كان ينقده لها جاسر دوريا ولن تستطيع إلقاء بعبأ مصروفاتها على والدتها وهي التي رفضت إعانة من جاسر وحتى لم تفكر بحسابها البنكي ولا حتى نفقتها ، فأموال جاسر أصبحت بالنسبة لها خطا أحمرا لا يجب تعديه أخذ كريم يراقب كم الصراعات التي تنحت بآلامها على صفحة وجهها لوحة معبرة والعنوان.


" قهر رجل "

فقال بلطف : - أنا شايف أنك تفكري وتسألي وبعدين . .
فقاطعته :
- حضرتك ده مش موضوع هنختلف عليه ، فعليا أنا مبتدئة وزي أي حد لسه في أول طريقه المرتب بيكون معلوم فمش هنختلف
أخذ ينظر لها بعين التقدير ثم قال : - بس أنت مبتدئة موهوبة يا دكتورة ولولا تصريحك إنك مبتدئة
أنا كنت فكرتك محترفة من زمان قامت سالي وابتسمت له لتشجيعه المستمر لها وقالت : - ده من ذوقك وزي ماقولت لحضرتك مش هنختلف
فقام كريم من مجلسه وقال ممازحا :
- خلاص يادكتور مش هنختلف مش
هأخرك عشان أنا عارف الساعة واحدة بالنسبالك
زي الساعة ۱۲ بالنسبة لسندريلا

توقفت سالی لبرهة عن الحركة وتأملت المقارنة بينها وبين سندريلا ولسخرية الواقع كم كانت متشابهة فهي حظيت بأمير وبحماة كزوجة الأب الشريرة وفقدت حذائها أو بالأحرى ذاتها في خضم الحياة فعادت لبيت أهلها وحيدة تعيسة دون أميرها خرجت من مكتبه شاردة بخطوات تتراقص بحماقة وشغلت فكره الوقت طويل بعد إنصرافها فما قاله كان لايعدوا کونه مزحة ولكنها تركت في نفسها أثرا بليغا إذ تغيرت ملامحها الباسمة الحزن صارخ رسمته خطواتها المتعثرة.


دقت الساعة الثانية ، ولايعلم لم اقتحمت

أفكاره كغاز منتصر يجوب أراض المشرق والمغرب ؟ ! ألأنه يدرك بوجودها
الآن بين جنبات قصره وبكفها تحتضن
کفوف صغاره ؟ ! ! کمریض بترت أطرافه ولازال يشعر بوجودها ينظر حوله ليتأكد
، يكاد يمسك بطيفها فلا تتحرك كظمآن شارد يلاحق طيف واحة خضراء وما أن يصل إليها حتى
يجدها سرابا رفع سماعة الهاتف ليأتيه صوت نعمات دهشا عندما تعرفت على
صوته فقال يإنفعال لم يستطع السيطرة عليه :
- هاه يانعمات الولاد وصلوا ؟ !
ردت نعمات : - آیوه یا جاسر بيه من ساعة
فغمغم بصوت متردد :
- و ، ، ، مامتهم ، عندك ؟
فقالت نعمات وهي تكبح إبتسامتها :

- أيوا یا جاسر بيه بتغديهم دارت عيناه بين جنبات غرفته الواسعة حتى طالت السقف وطالت فترة صمته وهو عاجز عن الإتيان بحرف فقالت نعمات

بصوت قلق : - جاسر بيه ؟ !
رد بسرعة : - طب یا نعمات ، هبقا أكلمك تاني اطمن على الولاد ، ثم استدرك لعله يلمح طيف نبرة شاردة منها تطوف بأجواء القصر فتصل إليه عبر أثير الهاتف :
- ماما نايمة دلوقت ؟ فردت نعمات بتكرار شعر کلاهما بالملل منه :
- أيوا یا جاسر بيه فزم شفتيه وقال كطفل
غاضب لفقدان حلواه :
- طب مع السلامة وضع سماعة الهاتف ثم أمسك بقلمه وحاول العودة مجددا
لأوراقه وعمله ولكنه ما لبث أن ألقاه بعيدا ورأسه الصلد يعلنها بوضوح أدمى قلبه
نعم إنه يفتقدها واللعنة عليه وعلى كبريائه الأعمى
فهو يفتقدها وبشدة تنهد متعبا وعاد بذهن مشوش لأوراقه يحصي الساعات حتى يستطيع الإنصراف وربما اللحاق بظلها قبل أن تعود لمنزل والديها

أخذت تجوب الغرفات غرفة تلو الأخرى بحثا عنه وعن صغيرها ولكنها لم تعثر عليه فتوجهت للطابق السفلي لتسأل موظف الأمن عنه فأخبرها أنه خرج منذ ساعتان برفقة الصغير فتعالت صيحات

الغضب داخلها وأمسكت بهاتفها لتطلب منه تفسيرا وهي تتجه
للمصعد ولكنها سرعان ما سمعت صيحة صغيرها وهو يتجه بسرعة فائقة نحوها فأحتضنته بشوق ولاحظت فورا الألوان التي يضج
بها وجهه فقالت بتقزز :

- إيه اللي على وشك ده ؟ | أشار لها صغيرها بأصابعه لكأنما هي مخالب اكتسبها بحكم تلك الرسمة السخيفة بنظرها وهو يصطنع زئير أسد جائع :

- هاااع . . . أنا أسد رأى الشرر ينبعث من عيناها فابتسم داخله واقترب منها وهو يرسم ملامح الجد المطلوبة للتغلب عليها ثم قال :
- أخدته شويه الملاهي ، ماتقلقيش
حدقت فيه ببلاهة ثم قالت مؤنبة : - ملاهي لعيل عنده حصبة ، لك أن تتخيل کام عيل أتعدى منه
قال هازئا : - ياستي أهي كلها مناعة وبعدين تجيلهم وهما صغيرين أحسنلهم
ثم أردف أيهم بثقة ليزيد من حنق أمه ضعفا مضاعفا : - وبعدين أنا ولد شطووووور ، عمو أسامة قالي كده وقالي كمان
كل ما هتطلعلی حباية هكون أقوى وأقوى ظلت صامتة وهي تنقل أنظارها بينهما ثم قالت بأمر حاسم :
- أنت كفاية عليك كده النهاردة أنا هطلع أبلغ إذن ونروح وانصرفت دون أن تعقب ولم يقف هو بطريقها بل اتخذ طريقه نحو سيارته

كانت تقذف بالملابس للبائعة خلفها بعصبية وتوتر بالغين في حين ظلت صديقتها تراقبها بتعجب حتي جذبت من يدها رداء

کریمی اللون فاضح وقالت لها : - لا ااا یا دالیا لحد هنا واستوب جاسر عمره ما هيعجبه تلبسي
حاجة كده فلمعت عيناها وقالت بجذل :
- تفتكري يا أنجي
فحدقت بها إنجي قائلة :
- شور طبعا ده مستحيل يخليكي تخرجي بيه تأملت داليا الرداء بخيوطه المتشابكة الرقيقة والتي تغطي قسما هائلا من منطقة الظهر والبطن وصولا للكعب وقطع صغيرة متفرقة من قماش الدانيلا الناعم تغطى بستر زائف منطقة الأرداف والصدر بحيز ضيق للغاية ثم قالت بثقة :
- هدخل أقيسه راقبت انجی انصراف صديقتها بعين متسعة وراقبتها مرة أخرى ولكن بعين أكثر إتساعا بعد خروجها من غرفة القياس ثم قالت
غير مصدقة :

- دا أنت مصممة بقا فتنهدت داليا وهي تنظر لمنحنيات جسدها الفاتنة قائلة :

- يجنن مش كده
فقالت إنجي ساخرة : - ده يطير برج من نافوخه ويمكن كمان يطير رقبتك
فهمست داليا بتمني حارق :
- یاریت . . يا إنجي ، ياريت

أوقف السيارة على بعد أمتار من المنزل تحت شجرة ضخمة ومضى ينتظر خروجها من بوابة القصر حتى رآها تسير خارجها

بخطوات بطيئة وأصابعها تتعلق بأسياخ البوابة المعدنية ثم توقفت لتتمتم ببضعة كلمات قبل أن تعود مجددا لطريقها الخالي
وجلس هو بسيارته لوقت طويل حتى رأی أنوار سيارة زوجته تسطع في الظلام عائدة للقصر فأدار محرك سيارته وداخله رغبة
في الهروب ولكن إلى أين ؟ لديه أبناء بالداخل وأم قد تلفظ أنفاسها الأخيرة في أي وقت
حملت حقائبها وتصاعدت خطواتها نحو
غرفتهما ثم وضعت الحقائب جانبا
وتأملت هيئتها بعين ناقدة
تعلم كم هي جميلة ، بل فاتنة

ولكن لم يكن جاسر بالرجل الذي ينجذب للجسد دون الروح كما تعلمت بالأيام الماضية ، ولكن لكل رجل مفتاح ووجودها

هنا بين جنبات هذا القصر لهو المفتاح خرجت من غرفتها واتجهت لغرفة الصغار طرقت الباب بخفة ودلفت لتجد الصغيران منشغلان بلعبة إليكترونية والخادمة
ترافقهما عبست نعمات بوجهها قالة برسمية مبالغ فيها :
- عاوزة حاجة ياهانم ؟ حاولت رسم إبتسامة ودودة لعلها تكسر الجليد بينها وبين الصغار
وقالت :

- أنا جاية بس اتطمن عليهم ظل الصغار صامتين ولم ينبت أحدهم بنبت شفه فقالت نعمات

ببرود تام : - هما الحمد لله كويسين ، مش ناقصهم غير . . .
وانقطع سيل الكلمات أو بالأحرى الكلمة الوحيدة المتبقية والتي تلقي بظلال اللوم عليها وعلى ذاك الخائن بنظرها عندما رأت ظله خلف داليا يقف ليراقب المشهد بتخفي
فتقدم جاسر قائلا :
- ناقصهم إيه يانعمات ؟ تهللت سلمى الصغرى لرؤيا والدها وقفزت بأحضانه صارخة :
- بابا ، وحشتني إحتضنها جاسر بقوة وأنظاره متعلقه بنسخته الذي ترك لعبته وظل
جالسا مكانه صامتا فمد له ذراعه قائلا :

- مش هتيجي تسلم عليا يا سليم ؟ اتجه سلیم نحوه بخطوات بطيئه ومد يده ليسلم على والده الذي جذبه عنوة لأحضانه وهو يرفع أنظاره لنعمات منتظرا لأجابة :

- هاه يانعمات . كنت بتقولي الولاد ناقصهم إيه ؟ قامت نعمات لتنصرف قائلة بدبلوماسية اكتسبتها بفعل سنوات الخبرة :
- شوفتكم يا جاسر بيه ، عن إذنك هقولهم يحضروا العشا وأشوف
الست هانم ، زمان أخواتك على وصول وقفت داليا بإنتظار أن يتقدم جاسر منها ولكنه لم يفعل فبعد أن
ترك الصغار أحضانه جذبته سلمي قائلة :
- تعالى العب معايا يابابا

هز جاسر رأسه وقال : - أغير هدومي بس واتشطف وراجعلكوا يا حبيبتي ثم انصرف لغرفته ووقفت داليا تراقب إنصرافه حانقة وسارت

خلفه حتى دخلت الغرفة وأغلقتها قائلة :
- ده ولا كأنك كنت شايفيني فرد ببرود وهو يخلع سترته ويلقيها جانبا :
- ليه اتعميت ؟ فقالت داليا بضيق بالغ : - أومال ما عبرتنیش حتی بسلام ؟ !
فابتسم هازئا وقال :
- إزيك يا داليا ، عاملة إيه ؟ والتفت ليتجه للحمام فجذبت ذراعه واستوقفته ودفعت بنفسها
بأحضانه عنوة قائلة بدلال : - اتعود أما ترجع من شغلك تحضني وتسلم عليا يا جاسر أنا
محتاجلك تصلب في مكانه إثر ذاك الإقتراب المفاجيء ووضع يده على
ذراعها ليدفعها بهدوء للخلف قائلا بصوت متحشرج :
- اكبري یا داليا على حركات العيال دي لو سمحتي فتعلقت بعنقه ليزداد إقترابها سوءا بنظره
واقتحمت بشفتيها ياقة

قميصه وهي تهمس : - مش هکبر یا جاسر وهفضل قصادك طفلة ، محتاجه لحضنك

على طول تنهد وهو يحاول الإبتعاد قائلا :
- وأنا محتاج دلوقت أني أغير هدومي واتشطف
تركته يفلت من عناقها الحميم وهي تبتسم ، فخطتها باتت واضحه كلما عمد للهروب والإختباء منها ستهاجم هي بفيض مشاعر لا قبل له بها حتى يعتاد عطائها ويدمنها كما أدمن البدينة
ولا يستطيع الاستغناء عنها

عادت بعد انتهاء ساعات عملها الطويل مرهقة للغاية وجل ما

كانت تطمح له حماما ساخنا وعشاءا يروض وحش معدتها الغاضب ولكن ما أن دلفت لشقتها والمفترض أنها مظلمة بذاك التوقيت من الليل حتى أثارتها الأضواء المنبعثة من كل جانب فأخرجت سائل الحماية الذي تحمله دوما من حقيبتها ولكنها
سرعان ما لمحت طيفه فتنهدت براحة قائلة :
- زیاد ، خضيتني ، أنت بتعمل إيه هنا ؟ كان يجلس على الأريكة وأمامه عبوة فارغة من السجائر أحرقها بأكملها أثناء ساعات النهار الطويلة التي قضاها بالتفكير والإنتظار
قام واتجه نحوها بخطوات بطيئة ثم ناولها المظروف الذي
بحوزته منذ الصباح وهو يعتصم الصمت وما أن رأت المظروف حتى اتسعت عيناها برهبة ، ثم قالت :
- أنت جيبته منين ؟

فقال بصوت جاف : - مش ده السؤال ، السؤال أنت خبتيه طول السنين اللي فاتت ليه ؟ قاومت العبرات التي تكتنف عيناها ثم اعترفت قائلة :

- ما رضيتش أجرحك
فصرخ بها : - تجرحيني ولا تذليني بعد كده ؟ ! ارتفع حاجبيها وشهقت بفزع وقالت بدفاع مستميت : - وليه أذلك یا زیاد أنا بحبك وكان صعبان عليا أن أشوفك مهزوم بحاجة مالكش يد فيها
لم تلین ملامحه بل إزدادت شراسة وهو يقبض
على ذراعيها :
- الدكتور قال أني كنت ممكن أتعالج ، لو كنت صارحتيني
بالحقيقة كان ممكن يبقالي أمل لم تحاول الإبتعاد عنه بل على العكس اقتربت منه أكثر وهي
تحدق بعيناه : - لكن ماقالكش إني كنت بديك العلاج على إنه فيتامين ، فاکر
ولا نسيت . . . . الصبح بعد الفطار وبالفعل تذكر إصرارها على تناوله تلك الفيتامينات التي أخبرته أنها مستورده من الولايات المتحدة ولكنه سأم معاملتها له كطفل وقرر التوقف عنها بعد عدة أشهر

ولكأنما قرأت أفكاره فأردفت قائلة : - ولما بطلت تاخدها بقيت أدوبهالك في العصير فضلت سنتين

أديلك العلاج لحد ماحسيت أن أصلا جوازنا مشروع فاشل مافيش يوم بيعدي إلا لما نتخانق ومافيش يومين بيعدوا إلا لما اكتشف خيانة جديدة
نکس رأسه وترك ذراعها ولم يدر ماذا يقول فهو فعليا عاجز عن الكلام ، عن الإتيان بشكر أو إعتذار يليق بها وبتضحيتها
ثم قال بألم : - وليه لما كنت بصرخ نیکی انك حرماني من الأطفال ما.

اتكلمتيش ، ليه ؟ لم تستطع حجب دموعها أكثر من ذلك فقالت وهي تبكي : - ما قدرتش ، ماقدرتش رغم إني كنت واثقة أنه لو اتقلبت الأدوار

كنت عمرك ما هتعمل كده اقترب منها ودفنها بأحضانه وظل يحتضنها لوقت طويل يربت على ظهرها ويمسح دموعها حتى رفعت له رأسها وعيناها تحمل ألف سؤال ورجاء وربما بداية جديدة يقدر كلاهما حجم العطاء وكيفية التعاطي معه ولكنه ما لبث أن نحر كل أمل داخلها
وبصوت خافت قال :
- أنت طالق یا آشري
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل السابع عشر

دقة العصا القوية على الأرض هي كل ما تملك في تلك الحياة لتعلن أنها لازالت تمتلك الأنفاس الكافية لجذب انتباه الجميع التفت أسامة فورا لأمه التي كانت تقترب منهم وصعد بضعة درجات ليساعدها على النزول ولكنها دفعت يده بعيدا بقوة قائلة- أسند نفسك أنت ضحك أسامة ونظر لوجه أمه الذي كان مشرقا على غير العادة وتأمل هیئتها الاستقراطية الراقية برداء أزرق اللون يناسب شحوب بشرتها وخصلات شعرها القليلة التي أفلتتها من أسفل وشاحها الفضي المعقود بهيئة تظهر رقبتها المزينة بعقد ماسي عريض توجها كلاهما للطاولة العريضة بغرفة الطعام وكان بإنتظارهما جاسر الذي ما أن رأته وحده حتى عبست وقالت:


- أومال فین زیاد؟!

رد أسامة قائلا:
- كلمته الصبح وأكدت عليه قال أنه جاي فقالت بإصرار:
- کلمه تاني عندها تولی جاسر مهمة الرد فقال:
- قافل موبايله أخذت سوسن نفسا عميقا ثم قالت:
- طب يالا نتعشا الأكل هيبرد كانت نعمات قد انتهت من رص الأطباق ووزع متعهد الطعام الذي إستأجرته سوسن خصيصا لتلك الليلة من وضع الطعام وجلسوا ثلاثتهم والتفت سوسن لنعمات قائلة:

- عشيتي الولاد یا نعمات ؟ هزت نعمات رأسها قائلة:

- أيوه يا هانم وغسلوا سنانهم وناموا قال جاسر موجها حديثه لنعمات:
- بكرة الصبح یا نعمات هتيجى مربية للولاد هتعرفيها نظامهم كادت نعمات أن تعترض ، فالأطفال لا يسببون لها مشكلة ولا هم حتى يحمل فهي من ربته أولا وأخيرا ولكم يسعدها تربية النسخ الصغيرة منه كما أن أمهم تزورهم يوميا ، فلا حاجة لمربية غريبة قد لا تتآلف طباعها معهم والأهم معها ، لمحت سوسن الرفض في خلجات نعمات ومشاعرها البينة المرسومة على وجهها فقالت سوسن:
- هتدربيها أنت الأول ولو ماعجبتكيش تمشي ونجيب غيرها شكرتها نعمات بهزة رأس قوية فهي أعادت لها مكانتها وهيبتها في مقابل تلك الحديثة الغائبة أمام مخدومها قائلة:

- تحت أمرك يا سوسن هانم ، عن إذنكم تراجعت نعمات للخلف بضعة خطوات حتى كادت أن ترتطم بالضيفة التي لم تدعوها سوسن لحضور مأدبتها والتي كانت مصرة بفرض وجودها حتى لو لم تتلقى دعوة فهي زوجة ابنها الأكبر أولا وأخيرا ولابد أن تحفظ مكانتها فارتدت زيا مكونا من قطعتين سروال مخملي واسع يعلوه بلوزة حريرية بيضاء ورفعت خصلات شعرها بعقدة كلاسيكية وكانت أكثر من أنيقة وجميلة لتستحق مكانتها على تلك الطاولة بجدارة أجفلت نعمات وقالت قبل أن تختفي عن أنظارهم كليا:


- أنا آسفة ياهانم ابتسمت لها داليا بسماجة وتابعت طريقها نحو الطاولة ملقية بتحية المساء علي الجميع:

- مساء الخير رد أسامة التحية عليها بجفاء ونظر لأخيه الذي كان متجاهلا وجود زوجته بالكامل فيما زمت سوسن شفتيها وقالت بصفاقة تناسب إمرأة بمكانتها وعمرها:
- العشا ده مخصوص ل آل سليم ، أكلك شوفي نعمات تحطهولك احمرت وجنتا داليا وغابت إبتسامتها سريعا ومضت تنظر لسوسن غير مصدقة ثم التفت لزوجها الصامت والذي صعق هو الآخر من رد أمه فرفعت رأسها بشموخ وقالت بهدوء بالغ رغم ملامح وجهها المحتقنة:

- مش بنت الزهري اللي يتحطلها طبق زی قطة ولا حد متشرد یا سوسن هانم ، أنا بس كنت جاية أسلم عليكم لكني ماقصدتش الطفل أبدا على سفرتك . بونا بیتی وعندها تعلقت أنظارها بزوجها الذي كان لمح لمعة عيناها النارية والمشوبة بدمعات ماسية إثر إهانة أمه فقام ملقيا بمحرمته بقوة ومضي نحوها وقبض على ذراعها وجذبها نحوه تحت أنظار أمه وأخيه ثم همس لها:


- اسبقيني على فوق یا داليا همت بإعتراض هامس:

- یعنی عاجبك . . . وضع إصبعه على شفتيها قائلا بتصميم:
- شششش ، فوق لو سمحتي رفعت رأسها وهي تسدد نظرة حارقة نحو سوسن التي كانت تتابع مايحدث بينهم بإهتمام غاضب قائلة بعند:
- هستناك في الليفنج فأكد لها:

- شوية وهاجي نتعشى سوا عاد مرة أخرى لطاولة الطعام صامتا فقال أسامة بصوت منخفض- ماکنش ليه لزوم يا ماما نظرت سوسن لجاسر وقالت هازئة:

- وإذا كان أخوك ما اعترضش ، بتعترض أنت على أي أساس عندها رد جاسر بهدوء:
- أنا ما اعترضتش عشان دي رغبتك ، زي ماكتير ماكنتش بعترض على معاملتك ل . . . وأردف رغم الغصة بحلقة:
- سالي ، بس مش معنی کده أن التصرف ده كان صح طرقت سوسن بعصاها بقوة قائلة:
- هيا السبب في غياب أخوك النهاردة ، زي ماهيا السبب في غياب مراتك ضحك جاسر ملی فمه وهو يدرك جيدا أنه لا يشعر بأي فكاهة بالأمر بل المرارة تكاد تخنقه:
- على أساس أن زياد كان ديما الابن المطيع ، أما مراتي مابقتش مراتي وبرغبتها مش برغبتي ساد الصمت المتوتر بينهم حتى قالت سوسن بنبرة تحمل ندما على تقريعها المستمر وروعونة تصرفها رغم أنها لاتطيق تلك الفتاة:
- الشغل أخباره أيه؟

رد أسامة بصوت راض:


- الحمد لله لسه كنت بتناقش مع جاسر في موضوع فتح فرع لينا بره في إيطاليا ، في توجه ماشي في البلد ناحية فتح سوق خارجية حتى فيه بنوك مصرية فتحت فروع ليها هناك وده هيسهل علينا شغلنا هزت سوسن رأسها هي لا تفهم تلك المعاملات المالية المعقدة ولكنها فقط تريد الإطمئنان على إستقرار الأمور وقالت لجاسر:

- وشركة زياد أخبارها أيه ؟ نظر جاسر لأمه التي كانت تؤكد ملكية زياد للشركة والتي لم يكن هو معترض إطلاقا على تلك الملكية هو فقط يرجئ رجوعها لأخيه حتى يطمئن أنه سيحسن التصرف فقال:
- فيها شوية مشاكل ومديونات ، بس أنا كلفت فريق عندي يظبط أمورها قالت سوسن دون موارية:
- أنا جمعتكم النهاردة وكان نفسي أخوكم يكون حاضر عشان موضوع مهم رفع الإثنان رأسهما سويا لأمهما التي كانت كما يبدو على وشك إعلان هام:
- توزيع أملاكي بعد ما أموت زفر جاسر ضائقا فيما قال أسامة:

- یاست الكل مافيش داعي لل . . رفعت سوسن إصبعها له وأكملت حديثها قائلة:

- طبعا الشرع بيقول تتوزع عليكم بالعدل بس أنا ليا طلب فقال جاسر:
- أمي أنت تقدري تتصرفي في أموالك زي ما أنت عايزة منغير ماترجعي لحد فينا وتأكدي أننا هنكون راضيين صمتت سوسن لوهلة ثم قالت:
- خلاص هكتب كل حاجة وهتلاقوا الورق في الدرج اللي جمب سريري نظرت سوسن لابنها الأوسط بألم الذي أظلم محياه فهو كان يتجاهل فعليا حقيقة إقتراب فقدانه لأمه إذ أنه لم يتعافی بعد من حادثة فقدان زوجته وطفلته الوحيدة ، ثم قالت:
- سنة الحياة ياأسامة وأنا وصلت فعلا لمرحلة إني زهدتها عندها قال جاسر ساخرا وجنبات صوته تهتز برعشة بغيضة:
- ده العشاء الأخير ولا أيه يا أمي ؟ حدقت به سوسن بغضب وقالت بعنفوان:
- عمر الشقي بقي وأنا هموت بالنهار مش بالليل عندها لم يتمالك أسامة وجاسر نفسيهما وانفجرا ضاحكين وابتسمت لهما أمهما مؤكدة ببساطة:
- ربنا عند حسن ظن عبده ، وأنا طلبتها منه أموت بالنهار وانقطع سيل الضحكات حينما دلف زیاد للغرفة بهدوء قائلا بأسف:
- اهو فعليا أنا ندمان أني ماجيتش في وقتي كنت عرفت بتضحكوا عليا ولا بتضحكوا على أيه واتجه إلى أمه ليقبل وجنتها ويدها بلطف فقالت باسمة وهي تتطلع لعيناه اللتان كانتا مظلمتان بشيء لم تفقهه فقالت بقلق:

- مالك ؟ فيك حاجة ! اتخذ زیاد مكانه ورسم ابتسامة زائفة على وجهه وقال:

- أنا زي الفل وجلس بعد أن حيا أخويه بهزة رأس وشرع في تناول الطعام بتلذذ قائلا:
- أممم ، ده مش نفس نعمات ولا حتى الطباخ اللي جه قریب هزت سوسن رأسها بإيماءه وهي لازالت تراقب ابنها بعيون كالصقر قائلة:
- متعهد شکرتلي فيه أمينه هانم بالمناسبة الكارت بتاعه في الدرج اللي جمب السرير تمتم أسامة متنهدا:
- يادي الدرج اللي جمب السرير تابعت سوسن تناول طعامها الشهي قائلة:
- كل وأنت ساکت ثم وجهت حديثها لزياد قائلة:
- أنت ومراتك عاملين إيه ؟ رد زیاد بصراحة هادئة:

- اتطلقنا النهاردة توقف الجميع عن تناول الطعام فجأة وكادت سوسن أن تصرخ به ولكنها تماسكت لتقول زاجرة:

- إزاي تعمل حاجة زي كدة منغير ماترجعلنا ؟ رفع زیاد أنظاره لأخيه الأكبر وقال هازئا:
- یعني هو كان الكبير رجعلك في أنه يطلق مراته أم عياله لما أنا أرجع ، مش الكبير ده قدوتنا فقالت أمه حانقة:
- سيبك منه وبوصلي هنا التفت زیاد لأمه فيما قال جاسر:
- أنا حياتي الشخصية مش مقياس والمشاكل اللي بينك وبين آشري كانت تتحل بطریق تاني فقال زیاد بهدوء:
- معاك حق ، أنت مش مقياس أنت بتخلف ماشاء الله ، أنا لاء . وحرام عليا أربط واحدة جمبي وأحرمها أنها تكون أم تعلقت أنظارهم جميعا بوجهه بصدمة بالغة ، فقال أسامة غير مصدقا:
- وفجأة كده اكتشفتوا الموضوع ده أنتو بقالكوا سنین أخفض زياد رأسه وهو يرتشف قليلا من الماء ثم قال بصوت أبح لم تنجح قطرات الماء في إجباره على العودة لطبيعته:

- أنا اللي اكتشفت ، هيا كانت عارفة من زمان فقال جاسر بعند:

- أكيد فيه علاج ، الطب اتقدم والحاجات دي . . قاطعه زیاد قائلا:
- مافيش أسوء من اللي أنا فيه غير الشعور بشفقتكم عليا ، أنا مش زعلان بالعكس أنا راضي جدا همست سوسن بقهر:
- هيا كانت ليلة باينة من أولها تنهد زياد ومسح فمه ووضع محرمته جانبا وقام ليقبل كف أمه وقال:
- اتطمني عليا يا أمي الدكتور قال أنه فيه علاج بس أنا مش مستعد نفسيا دلوقت هزت أمه رأسها وقالت:
- هدعيلك كل ليلة ربت زیاد على كف أمه وعاد لتناول طعامه بشهية متوسطة صامتا كما اعتزم جميعهم الصمت فالصمت محراب لكل متألم ، منکسر كانت تجلس في غرفة المعيشة تغلي وتزبد تستمع لضحكاتهم التي خفتت تدريجيا حتى اقتحم غرفة المعيشة فالتفتت له ثم عادت لمتابعة التلفاز بذهن شارد فاقترب منها حاملا صينية الطعام وجلس بهدوء إلى جوارها وشرع في إفراغ بعضه في طبق أعده خصيصا لها وناولها إياه صامتا فالتفتت له قائلة بحنق- ياسلام بالبساطة دي بعد ماخلصت قعدتكوا جايلي بطبق ، شكرا وضع جاسر الطبق أمامها وقال بصوت جاف:

- أمي كانت مجمعانا تناقش معانا وصيتها بعد ماتموت وزي ما أكيد أخدت بالك إحنا مش من عادتنا لانتجمع لا على عشا ولا على غدا حتى فقالت ونبرتها لازالت مرتعشة بفعل الغضب:

- کنت ممكن تنبه عليا لكن ده مايبررش معاملتها ليا بالشكل ده یاجاسر أنا مراتك هز رأسه موافقا:
- معاكي حق ، لكن أنا بطلب منك تعذريها هيا عمرها ماكانت بتتجمل في معاملتها مع حد والمرض زود الموضوع ده عندها هزت داليا رأسها رافضة لتلك المبررات السخيفة بنظرها:
- وعاوز تفهمني أنه سالي كانت بتقبل بالمعاملة دي أما كانت عایشه هنا معاها ولا بس المعاملة دي إكسيفلوسف ليا؟!
ابتسم جاسر ساخرا وقال:
- آه كانت بتقبل وبتقبل بأكتر من كده كمان فرفعت داليا رأسها بشموخ وقالت بغیر تصدیق:

- بس مش معنی کده إني أقبل . . أنا بحبك آه لكن مش هبقل بأي إهانة لكرامتي زفر جاسر متعبا وعاد ليستند للأريكة وأغمض عيناه ، فبعد أحداث تلك الأيام المتعاقبة وتلك الليلة المشحونة والنبأ الذي حمله أخيه الأصغر لهم ، بات عاجزا عن المقاومة فأشفقت عليه رغما عنها واقتربت منه ومسدت كتفه وقالت بصوت هامس:

- بس مستعدة اتنازل المرادي عشان خاطرك ففتح عيناه ونظر لها مليا وقال ضائقا:
- وهعوضك مش كده ؟ تناولت الطبق الذي صنعه لها ودفعت بالمعلقة لفمه قائلة بدلال:

- کونك جيبتلي العشا لحد عندي وجاي تتعشا معايا وتصالحني ده تعویض کافي ليا نظر لها جاسر وهو يحاول سبر أغوارها أثناء مضغ الطعام الذي دفعت به لفمه والذي يجد صعوبة بالغة في إبتلاعة فهي شخصية متقلبة بإمتياز لا تساير مشاعرها بعفوية كما يستشعر كما أنها لا تمنحها الحرية المطلقة في التغلب عليها ، مثله تماما انتهت من رفع طعام العشاء لأطفالها وساعدها الأكبر والأوسط فيما نام الصغير على الأريكة متعبا فنظرت له بحنان وقالت لأخيه:

- حسن خد أخوك دخله ينام جوه هز حسن رأسه مطيعا وحمل الصغير الذي لا يتجاوز وزنه عشرون کیلو جراما ورن الهاتف في طريقه فقالت درية:
- هرد أنا روح أنت رفعت درية سماعة الهاتف قائلة:

- آلو فأتاها صوت والدها قائلا:

كويس أنك صاحية جلست درية وقالت بهدوء:
- إزيك يا بابا ؟ قال والدها على عجالة:
- أنا تمام خلصت مشوار الدكتور وجاي علیکی استنبنني ماتناميش نظرت درية لساعة الحائط المعلقة فعرفت أن والدها قد عزم على المبيت بمنزلها فجأة كما اعتاد فقالت دون حيلة:
- تنورنا يا بابا وماهي إلا نصف ساعة حتى كان والدها يستقر على المقعد بغرفة المعيشة فيما كانت درية تضع أمامه طعام العشاء فقال رافضا:
- لا أنا هاكل زبادي بس الدكتور موصيني ماتقلش بالليل عشان الحموضة ناولته درية ما أراد وقالت بتعجب:

- هوا حضرتك كنت عند الدكتور لوحدك ؟ قال فاكها:

- لاء طبعا هروح لوحدى إزاي ، طارق راح معايا ووصلني لحد هنا عقدت درية حاجبيها فأردف أبيها غاضبا:
- معقول نسيتی طارق ومع زجرة أبيها لها تذكرته على الفور وقالت بضيق:
- اللي غيرلي الديكور مع حضرتك فاعتدل أبيها في جلسته قائلا مؤنبا حانقا:
- اللي طالبك للجواز يادرية واللي مستني من ربة الصون والعفاف إشارة تنهدت درية وعظامها فعليا تأن بالتعب:
- يا بابا أنا كبرت وتعبت ، كفاية عليا مسولية ولادي مش حمل كمان أشيل مسئولية راجل فقال أبيها معترضا وهو يشيح لها بيده:
- مش مفترض بيكي تشيلي مسئوليته زي اللي الله يرحمه اللي اتجوزتيه منغير رضيا الكامل ، وإن كان عليه فهيساعدك في شيل ولادك . فين المشكلة بقي ؟ دارت عینا درية بحثا عن مخرج فقالت:

- طب ممكن نأجل الحوار ده . . قاطعها والدها بمسكة لكنها قوية قائلا بهمس وحدها تستطيع سماع ألم المرارة والحسرة به:

- كبرتي بس ناقصك تعقلي پادرية وتوزني الأمور صح ، ماتغلطیش غلطتي يابنتي ، ولادك محتاجين راجل في حياتهم زي ما أنت كنت محتاجه ل ست في حياتك وأنت صغيرة ، وعاندت وقلت هعرف أعيش بطولي لحد مافات الأوان لامني عرفت أكمل حياتي منغير ست ولا مني لحقتك بأم أشاحت درية برأسها بعيدا وترك أبيها كفها وقال بصوت رزین:

- أرجعي حتى لكلام الدكاترة والمربيين وقوليلي لو طلعت غلطان ، راسك ناشفة أنا عارف همت درية بالإعتراض فقال وهو يقوم مشيرا لها كي تهدىء:

- أنا داخل أنام تصبحي على خير جاورت صغيرها وقبلت وجهه المطعم ببقع حمراء وصلت لذقنه وكلمات والدها لازالت ترن بآذانها وتلقي الصدى داخلها ، ووجه يرتسم بعتمة الغرفة لايخص ذاك الطارق ولكن يخص من رسم البسمة على وجه صغيرها هذا النهار وجزءا من الليل فهو لم يتوقف عن الحديث معه وعنه ، بعد أن أوصلهما ظهيرة اليوم رغم إعتراضها البين فرفعت الوسادة فوق رأسها لتسكت الضوضاء داخل رأسها لعلها تستطيع الحصول على قسط من النوم     ويبدو أنها ليلة مشحونة بالفعل كحال الليالي التي تقضيها بالمشفي مؤخرا فلقد انتهت للتو من عملية جراحية حرجة انتهت للأسف برحيل المريض عن الحياة والأكثر أسفا أنها من حملت الخبر لعائلته التعيسة التي كانت بإنتظارها وكأنها تحمل ذنب رحيله عن الحياة ويداها ملطخة بدمائة جلست على الأرض الباردة في بقعة منزوية من أرض المشفى تبكي بصمت ، تلك العادة المزرية التي لم تستطع التخلص منها يوما كلما فقدت روحا جلست على الأرض تنعيها ، رغم بذلها جهدا خرافيا في إنقاذها إلا أنها إرادة القدير وامتدت يدا تؤازر ضعفها وتمدها بقليل من الراحة فأجفلت ورفعت رأسها فورا لتراه من خلف ساتر دموعها ينظر لها بحنان بالغ قائلا:

- مش ذنبك على فكرة نفضت يده ومسحت دموعها بغضب وقامت قائلة بصوت حاد:

- أنت عرفت مكاني منين ؟ رد بهدوء:
- اللي يسأل مايتوهش وكان هذا أسوء فالجميع أصبح يعلم بأمر بقعتها المنزوية المخصصة للبكاء ولاشيء سواه فعبست وارتسم الغضب بعينها الزرقاء الحادة وقالت:
- وعاوز إيه ؟ تنهد قائلا ببساطة:
- أكلت عشا دسم شوية وقلت نشرب حاجة سوا أهو يمكن أعرف أهضم فقالت بوقاحة:
- يابرودك يا أخي وأنا اللي مادوقتش اللقمة من الصبح جاي تقولي تهضم وانفجر کلاهما بالضحك فقال مشاكسا:
- ماكنتش أعرف أنك طفسة كده ، خلاص تعالي أعشيكي واشرب أنا حاجة فردت مشاكسة هي الأخرى:
.- لاء هتعشيني وتشربني كمان ثم توقفت عن الحركة فلقد استوعبت أنها وافقت على رفقته ولم تمانع والأكثر أنها لاتشعر برغبة في زجره كحالها مع الرجال والتراجع ثم قالت بتقدير:

- هروح أغير وأحصلك فأومأ برأسه موافقا وقال:

- وأنا هستناكي برة غيرت ملابسها بسرعة ورفعت خصلات شعرها دون أن تمشطها بربطة مطاطية سوداء ووضعت سترة من الجلد فوق سروال من الدنيم الأزرق هو المفضل لديها ولايفارق ساقها النحيلة وخرجت مسرعة كأنها طالبة هاربة من أسوار المدرسة لملاقة حبيبها المراهق حتى رأته يستند إلى سيارته الفارهة فزمت شفتيها وهي تشير برأسها لدراجة بخارية قائلة:
- بتعرف تسوقها ؟ حدق بها دهشا وقال:
- أومال فين اللامبورجينى ؟ ضحكت واعترفت بخجل:
- لا دي كانت سلفه من ابن عمي أول ما ملتني العنوان وأشارت له بحركة إصبع مميزة لكأنما ما سوف تقوله يجب أن يحاط بإطار:
" كفر عبده " ضاقت عيناه وقال يإهتمام:
- بقي ابن عمك سلفك اللامبورجيني بتاعته الظاهر بيعزك أوي فقالت ريم بمكر:
- أخويا في الرضاعة مايعزش عليا حاجة هز أسامة رأسه وهو ينظر لها بإبتسامة واسعة:
- ربنا يخليلهولك وتراجع للخلف وفتح باب السيارة لها وقال:

- خلي الموتسيكل لوقت تاني يكون بالنهار لا تعلم لما سرت بتلك الملاحظة ألأنه يعدها بزيارة قريبة بالنهار ولكنها لم تتوقف للتفكير بالأمر فتلك هي طبيعتها تخوض وتقتحم أولا وترجیء الحصول على النتائج لما بعد . ففيم العجلة صعدت لسيارته ووضعت حزام الأمان كما اعتادت أثناء معيشتها بالخارج ففعل بالمثل وقال:

- هاه تحبي نروح فين ؟ | تراجعت للخلف رافضة التفكير بالأمر قائلة دون مبالاة:
- أنت اللي عازمني ماليش فيه     انتهت من جلي الأطباق ووضعت البراد على الموقد قائلة بصوت مرتفع لتسمعها أمها:
- تشربي إيه يا ماما ؟ فقالت مجيدة:
- اعمليلي ينسون يا سالي هزت رأسها وقالت:

- من عنيا حاضر وفجأة رن جرس الباب فقالت أمها متوجسة:

- خير يارب مين هيجلنا السعادي ؟ وضعت سالي وشاحها فوق رأسها وقالت لأمها:
- خليكي يا ماما أنا هشوف مين اتجهت سالي صوب الباب وقالت:
- مين اللي بيخبط ؟ أتاها صوت أختها الكبري باكية:
- افتحي يا سالي أنا سیرین فقفزت أمها من على المقعد وجلة وأزاحت سالي المزلاج بسرعة وفتحت الباب لتتلقفها أحضان أمها الباكية وخلفها صغارها الأربعة وقالت سیرین بیکاء حار:

- أنا خلاص مابقتش قادره استحمل ياماما ، طلقوني وريحوني بقا تنهدت أمها براحة وقالت:

- يا شيخة خضتيني حرام عليكی ، ادخلي ، ادخلوا ياولاد ، حبايبي حبايب تبته ومضت تقبل رأسهم وهي تقول:
- ربنا يهديلكم أبوكم وأمكم ، اتعشيتوا يا حبايبي هز الصغار رأسهم نافيين فرفعت مجيدة أنظار لائمة لأمهم وتولت سالي المهمة قائلة:
- ادخلوا غيروا هدموكوا وأنا حالا هجيبلكم السندويتشات ياحبايبي انصرفت سالي لمهمتها فيما أجلست مجيدة إبنتها الكبرى وقالت- مش تعقلي بقا ياسیرین فقالت سيرين غاضبة:

- أنا مستحملاه وجبت أخري إشمعنا سالي يعني رفعت أمها كفيها وقالت بعنف:

- اسكتي ، اسكتي ماتجيبيش سيرة الموضوع ده خالص أنت مفکراني فرحانة بيها وهيا قاعدة جمبي وبعدين أختك في رقبتها واحدة أنت في رقبتك أربعة ، واللي عمله جوزها مش شوية إنما أنت معتصم عملك إيه ؟ فقالت سيرين هامسة بقهر:
خلاص مابقتش طيقاه لا أسلوبه ولا كلامه ولا قادرة استحمله كل يوم والتاني يبكت فيا ، وآخرة المتمة بيعایرني أن سالي اطلقت مرتين أظلمت ملامح مجيدة وقالت بصلابة:

- کدهوه ، ماشي ، سيبهولي أنا لیا صرفة معاه ، أدخلي دلوقت اشطفي وشك واتعشي ونامي جمب ولادك عشان تعرفي تفوقيلهم الصبح ، أختك نزلت شغل وأنا ماقدرش أراعيهم لوحدي تفاجئت سیرین بذاك النبأ فقالت:

- اشتغلت ، امتی ، وماقولتوليش ليه ؟ أشاحت مجيدة بيدها:
- أنت في أيه ولا في إيه ، نزلت تشتغل مابقالهاش أربع أيام فقالت سیرین حانقة:
- وهوا جاسر مش هيبعتلها على الأقل نفقتها ، إيه اللي يجبرها على المرمطة هوا كان ناقص فلوس؟!
فقالت مجيدة بتعب:

- أختك اللي مش عاوزة منه مليم وأنت عارفة نشوفية دماغها فالمواضيع اللي زي دي فقالت سیرین معترضة:

- ایوا بس ده حقها فتنهدت مجيدة قائلة:
- بالله عليكي ياسيرين يابنتي أنا تعبانة وخلاص ماعدتش فيا نفس أجادل ، أنا داخله أنام تصبحي على خير هزت سیرین رأسها بأسف وقبلت يد أمها وقالت بأسف عارم:
- حقك عليا ياست الكل ربتت مجيدة على كتفها وقالت:
- ربنا يهدي سركوا وانصرفت إلى غرفتها وقامت سيرين لتجه إلى غرفتها التي احتلها صغارها الأربعة لتجد سالي تساعدهم على خلع ملابسهم وقد أعدت لهم الشطائر الشهية التي يتناول بعضها ابنها الأصغر بنهم أثناء تبديله لملابسه فضحكت الأختان لمرآه واقتربت سيرين منها واحتضنتها قائلة:
- ربنا يخليكي ليا فربنت سالي على ظهر أختها:
- ويخليكوا لیا
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثامن عشر

لإصرار خصلة اكتسبتها من أبيها ولا تنكر ولطالما عشقت تلك الخصلة الحميدة به سرا ولكنها في تلك اللحظة تحديدا على وشك إعلان رسمي أنها قد أنهت علاقة الحب بينها وبين تلك الخصلة لتبدأ حربا ضروسا.


مضت تستمع لصيحات صغيرها الذي شني بنسبة لا بأس بها والسعيد في الوقت ذاته بل هو سعيد للغاية بتلك العطلة التي ستبدأ من الليلة حسب تعليمات جده ليتجها سويا لمزرعته على أطراف المدينة- جدو عمل ملعب كورة فيها كمان ابتسمت رغما عنها وقالت:


- خلاص يا أيهم جهز حاجتك أنت وإخواتك عبال أنا ما أخلص الشغل وارجع وبنفس صيحات الإبتهاج قال:

- استني جدو عاوز يكلمك نفثت بغضب لتخرج بعض ذرات الهواء المكبوتة داخلها بانفعال وقالت:
- يا بابا ، مش كنت تبلغني قبل ما تقول للولاد ؟
ضحك أبيها ليزيد من غيظها وقال ببساطة:
- ماكونتش هتوافقي إنما أنت كده قدام أمر واقع زمت شفتيها وقد استطاعت فهم المغزى من وراء كلماته وقالت هازئة:
- ربنا يستر وما أروحش ألاقي المأذون وتعالت قهقهات والدها وقال بعد أن هدأ بغموض:

- لاء اطمني أنت بنتي وأنا لازم أعززك أنهت تلك المحادثة التي أشعلت داخلها غضبا وحنقا . إن كانت بلحظات عقلانية لوجدت أنها لاطائل منها بل ولا داعي لها . هي ماعادت طفلة ، ولكن مع ذلك أخذت بفرد أصابع كفها وضمهم مرة أخرى والشعور بحاجتها للكم أحدهم أصبح ملحة خرج من غرفته فجأة حاملا سترته وقد أعد نفسه للرحيل فنظرت للساعة خلفه متعجبة فالوقت لم يتجاوز الرابعة عصرا ! فعادت ترمقه بنظرات غلب عليها طابع الشك ، فيما وقف هو يطالع لوحة وجهها التي تحمل كل المعطيات السلبية من غيظ وقهر وغضب فقال بحدقة ضيقة:

- يظهر إنك تعبتي ، روحي يا درية فقالت وهي ترمقه بنفس النظرة المتشككة:

- والتقرير الربع سنوي ، إيه مش عاوزه ؟

هز رأسه نافيا:
- يتأجل ليوم السبت فاعترضت بسرعة:
- بس أنا هاخد السبت أجازة هز كتفه ببساطة:
- خلاص أما ترجعي هتفت لتستوقفه زاجرة:
- جاسر ، أنت فعلا هتمشي دلوقت الساعة لسه تلاته ونص؟!
التفت لها ساخرا:
- معلش أصلي رايح اتغدي مع ولادي . عندك مانع؟!
هزت كتفها لا مبالية وغمغمت وهي تغلق الحاسوب أمامها:


- وماله ، بالسلامة


ألقي نظرة سريعة على ساعته بمعصمه لدى توقفه أمام متجر للألعاب شهير بوسط المدينة وترجل من سيارته بخطوات سريعة وبحركات تحمل نفس الوتيرة انتقى ألعابة لطفليه ، نقد البائع ثمنهم الذي تجاوز بضعة مئات وخرج حاملا إياها عائدا لسيارته مرة أخرى وفي طريقه استوقه متجرا للزهور وتجمدت قدماه اللحظة وهو يفكر أنه لم يعد يوما حاملا لها زهورا ! في الواقع ولا أي هدية قط مكتفيا بمنحات شهرية ضخمة وحديقة القصر الواسعة ملئی بشتى أصناف الزهور ، ومضى مرة أخرى نحو سيارته وهو يسخر من نفسه " فهل سيشكل فارقا إن عاد يوما بزهور ، أتراها لم تكن لتتركه؟!


" ومع ذلك أقر بواقعية " أنها كانت لتشكل فارقا بعلاقتهم " متی توقف ليري الفوارق ؟

بل متی توقف عقله ليعقد المقارنات بين السابقة والحالية ؟
بالأمس القريب حمل لها طعامها وهو الذي لم يحمل نفسه من قبل بإعتذار كان ينبغي عليه أداؤه لسابقتها بل تجاهله إذ لم ترد هي بطلب أو اعتراض ، فمن المخطيء؟
هو إذ تجاهل دوما الإشارات ، أم هي إذ انصاعت دوما لوتيرة حياته وصخب کبریاؤه العنيد ؟

أول من استقبله نعمات تصحيح بل " نظرات " نعمات فالعيون مفتاح الشخصيات وعنوان صريح لما تحمله القلوب وهي أيضا مذياع ثرثار يحكي ويسرد خواطر العقل فابتسم هازئا وهو يلقي عليها السلام قائلا:

- خير يا نعمات شوفت عفريت ولا حاجة ؟
تنحنحت نعمات وتخضبت وجنتها باللون الأحمر وقالت:
- أبدا بعد الشر یا جاسر بیه ، أصلك مش متعود ترجع بدري بالنهار كده نظر في ساعته وقال مصححا:
- قصدك العصر وداخلين على المغرب ، وبعدين إيه مش من حقي أرجع بيتي بدري ولا إيه ؟
نفت نعمات وهي تمد يدها لتحمل عنه الأكياس:
- لا طبعا العفو ياجاسر بيه ، عنك أنت ابتعد عنها وقال:
- سيبيهم یا نعمات أنا عاوز أديهم للولاد بنفسي واستدار لها قبل أن يصعد للأعلى قائلا:
- هما فين صحيح ؟

فقالت بمكر:

- في أوضتهم مع مامتهم تجاهل نظراتها الماكرة ونبرة صوتها المتشفية بمصدر عذابه ومضي بهدوء نحو غرفة صغاره ولحسن حظه أن الباب لم يكن مفتوحا على مصراعيه وما كان مغلقا أيضا بل كان ليشكل مطلا سريا على النعيم بنظره صغيره سليم المتجهم دوما على غير العادة فمه يفتر عن بسمة سعيدة راضية وصغيرته سلمی تناوشه بشقاوة محبة وترسل لأمها ببضعة قبلات التي كانت بدورها تضحك بسعادة ، وكان بسمتها عدوی فانتقلت فورا لثغره وهو يطالع وجهها الذي ينير برضا وحب وهي تلاعب صغارهم وأسرت عيناها خصلات شعرها البنية الدافئة التي اشتاق لملمسها ولرائحة اللافندر التي هي طابع خاص بها ووشت به صرخة سلمى الشقية وتقافزت ساقيها نحوه:

- بابا فالتفتت بعنف لتتقابل أعينهم وهو لا يحيد عنها بنظراته النهمة وقامت بسرعة تبحث عن وشاحها الذي وضعته جانبا فيما حمل سلمي وهي تسأله بإلحاح:

- جبت إيه ، جبت إيه ؟
إيه الحاجات الكتير اللي في الكيسة دي؟!
فابتسم لها وعيناه تتابع تلك المرتبكة وهي لا تزال تدور بالغرفة کنحلة طنانة وبمكر شديد أخفی وشاحها بما يحمله من أكياس كبيرة وقال ليرد علي صغيرته اللحوحة وهو يقبلها بدوره:
- فيها حاجات هتعجبك أوي بس الأول خليني أسلم على سليم التفت لصغيره الذي كان يراقب المشهد بعيون تسابق عمره ، فأمه تبحث عن وشاحها لتغطي رأسها وهي التي كانت تبيت معهم بثياب منزلية لا تستر الكثير من جسدها ووالده يقف بعيدا عنها كغريب يراقبها بشوق ولا يسعة الاقتراب قال جاسر وهو يقترب منه مقبلا جبهته قائلا بصوت مرتفع:
- إيه رأيك ياسليم تروحوا تباتو مع ماما النهاردة؟!

وتوقفت عن الدوران وداخلها مشتت بين فرح وغیظ بالغ محاصرة هي في تلك الغرفة تبحث عن أمان زائف يستقر بين ثنايا وشاح وما يزعجها حقا هو تقافز دقات ذاك الخائن طربا عندما سمعت صوته وأفكار تتلذذ بكونه يقف بالخارج خلسة يراقبها لولا أن فضحت أمره صغيرتهما والعقل ينهر ويشجب فهو من باع وألقي يمينا فض به میثاقا أغلظ مايكون بل وهدد بعقاب واليوم عاد جاسر العظيم بمساومة ، أطفالها سيبيتون معها تلك الليلة والمقابل في علم الغيب وعلمه أيضا قطع سيل أفكارها وهو يقول لأطفاله الذين يصرخون بسعادة لهذا النبأ الغير متوقع:


- روحوا طيب سلموا على تيتة قبل ما تمشوا وزال صخب الصغار تدريجيا ليعلو صخب من نوع آخر ، هي بمفردها معه في غرفة مغلقة ومضت تبحث عن وشاحها ولكن بوقع خطوات أعلى ، تبعثر محتويات الغرفة ولا تبالي بوجوده فاقترب منها ومد يده ليقبض على ذراعها المنفعل هامسا بصوته الأجش وبعيون ماكرة:

- بتدوري على ده؟!
التفتت له حانقة محمرة الوجه مرتبكة وجذبته من بين أصابعه بقوة حتى كاد يتمزق فقال بهدوء عكس ماتمر به:

- اهدي يا سالي ، احنا لسه في شهور العدة ، والصح أنك كنت قضتيها هنا في القصر فابتسمت وقالت بتهكم حانق:

- أنا قلت أسيبك تاخد راحتك مع العروسة فاقترب منها بدوره غاضبا وكلماته تتهمها بخذلانه لكأنما وقعا في ذلك المأزق بسببها:
- العروسة دي أنت وافقت عليها رفعت رأسها وقالت بتحدى رافضة الذنب الذي يلقي به على عاتقها فهو من سعي لتلك الزيجة وهو من تخلى عنها:
كل واحد عارف أنه هيموت ومش في أيده حاجة عشان يرفض ، بس مش معنی کده أنه بيبقي راضي وموافق صمتت بعد أن أدركت أنها بحماقة بالغة أبلغته لتوها أن فراقه هو الموت بالنسبة لها وأنا لم تكن مستعدة لتقبل فكرة الرحيل ولكنها انصاعت لأقدارها أما هو فزلزلته كلماتها حتى بات يشعر أنه يقف على حد سیف يستعد للفتك به فقال بفکر مشتت وأعين ملئت رجائا:

- تقصدي إيه ؟

فقالت بنفاذ صبر وهي تحارب دموعها:
- أنت عاوز إيه بالظبط واشمعنى الولاد يباتوا معايا النهاردة من إمتى الكرم الحاتمي ده ؟
فابتسم لها وقال ببساطة:
- من حق الولاد يباتوا مع أمهم ، ومهما كان الاختلاف بيني وبينك فأنا مش هضر ولادي ياسالي هزت رأسها لعلها تهدأ وانتبهت أنها لازالت لحماقتها ممسكة بوشاحها ولم تضعه بعد على رأسها عندما بعثرت أنفاسه المشحونة بعضا من خصلاتها وهو يقول بإضطراب عنيف ، فهو فعليا يجاهد نفسه حتى لايأخذها ويغرقها بأحضانه رغم دقات قلبه المتناحرة إلا أن صوت عقله كان الأعلى ، فمثلما اختارت الرحيل بارادتها يجب أن تختار أن تعود بارادتها أيضا:

- أنا هوصلكوا فرفعت رأسها بكبرياء عنيد وقالت:


- مافيش داعي هنركب تاكسي بدا لها أنه لم يسمعها إذ قال يإصرار:

- هوصلكو یاسالي واطمن بنفسي على . . . . الولاد قاطعتهم الصغيرة سلمي أولا ثم من بعدها جاء سليم ليقول بسعادة:
- سلمنا على تيته يا بابا ، وبتسلم عليكي يا ماما التفتت لصغيرها وقد تفاجئت بتلك التحية التي ترسلها لها حماتها السابقة على لسان سليم فقالت بصوت خافت:
- الله يسلمك ويسلمها جذبت سلمى عنق والدها لتقبله وهي تقول:
- مع السلامة يابابا ضحك لها جاسر وحملها وقال ليمازحها:
- کدهوه مع السلامة يابابا ، ماشية منغيري ياسلمی ، طب واللعب اللي أنا جيبهالك ؟
فعقدت سلمى حاجبيها بتوجس وقالت:
- ما احنا هنرجع تاني فابتسم جاسر عندما لاحظ أنظار صغاره الخائفة وقال ضاحكا:
- أنا هوصلكوا وأشيلكوا اللعب دي لحد ماترجعوا ولا تحبوا تاخدوها معاكم ؟
فقالت سلمى بسرعة:

- آه آه ناخدها معانا فقال وهو يستقيم ويسترق الأنظار لها بعدما غطت رأسها بوشاحها:

- أنا هستناكوا تحت تكونوا لميتوا حاجتكوا جمعت ملابس تكفي صغارها ليومين فهي تدرك أن تلك المبادرة منه محدودة الأمد وتوقفت ساقيها مشتتة أتذهب لغرفتها لإلقاء التحية عليها من قبيل الأدب ورد السلام أم تتابع طريقها ؟
ولكن شيئا ما حثها للقيام بالأمر الصحيح بنظرها ونظر من تربت علي يديه " والدها رحمه الله " طرقت الباب بخفة ودلفت عند سماع صوتها تأمر الطارق بالدخول فقالت وهي تنظر لها بدفء:

- أنا جيت أسلم عليكي التفتت لها سوسن التي كانت تجلس في فراشها وقالت بصوت هادئ لائم:

كنت مستنياكي تيجي تسلمي عليا من أسبوع أخفضت سالي رأسها خجلا وقالت:
- خفت أزعجك هزت سوسن رأسها لتنكر:
- أنا بكون حاسة بيكي وضحك الولاد بيوصلني يبقا أزاي أحس بإزعاج؟!
تنحنحت سالي وهي تشعر بفقر كلماتها فقالت لتنسحب:
- طيب ، أنا هسيبك ترتاحي فاستوقفتها سوسن سريعا قائلة:
- سالي أنا ممكن أطلب منك طلب ؟
توقفت عن الحركة وقالت بسرعة:

- اتفضلي أشارت لها سوسن لتقترب منها ففعلت عندها أمسكت بكفها وقالت برجاء خالص:

- ممكن تبقي تحضري الغسل بتاعي وتصلي عليا وتدعيلي ؟
تقافزت الدموع لعينا سالی وقالت بإنفعال:
- ليه بتقولي كده وبعدين أنت بقيت كويسة و . . ربتت سوسن علی کفها لتهدىء من روعها قائلة:
- الموت علينا حق وأنا هعيش أكتر من كده ليه؟!
. . كفاية أرتاح بقي ثم أردفت برجاء:

- هتقدري تيجي الغسل ياسالي ، أنا مليش بنات والقرايب سبقوني واللي لسه هيحصلني مش هيقدر يقف على رجله هزت سالي رأسها وفقدت السيطرة على دموعها بل وعلى ذراعيها الذي كاد أن يسحق صدر سوسن بعناق حار وهمست لها سوسن قبل أن تنصرف:

- متشكرة وماذا عساها أن تقول في ذلك الموقف ، أنها تشكرها لأنها وافقت على حضور جنازتها ومراسم دفنها ، فماذا عساه أن يكون الرد ؟
خرجت فاقدة النطق تقريبا ومشاعرها مضطربة وشعور بغيض بالذنب يرافقها ، تری كراهيتها لتلك المرأة نوعا من الجحود وقسوة القلب الغير مبررة ، فكثير من البشر يعمدون لأذية من حولهم بغير قصد وداخلهم لا يعلمه سوى الله خرجت للحديقة لتراه يقف بإنتظارها وصغارهم يحتلون المقعد الخلفي فتح الباب المجاور له لتصعد فهزت رأسها خجلا وتواری جسدها بأحضان المقعد الوثير بوجل وشعرت بضيق السيارة رغم رحابتها عندما صعد هو الآخر واحتل المقعد المجاور لها ، تحرك بالسيارة وهو يأمر طفليه بإلتزام الهدوء ويرمقها بنظرة متساءلة:

- أتأخرتی فوق؟!

فردت بصوت أبح:
- کنت بسلم على والدتك هم بالرد ولكن سيارة زوجته الذهبية اللامعة اعترضت طريقهم فجأة فعاد للخلف بضعة أمتار ليسمح لها بالمرور وتعمدت الأخرى المرور ببطء بالغ وعيناها تطالع من في السيارة بفضول بارد وارتسمت معالم الضيق على سالي دون أن تشعر وأشاحت برأسها بعيدا عندما رأتها تبعث له بتحية وقبلة حارة على أطراف أصابعها وأنظارها تطالعها ببسمة ساخرة وبمكر بالغ فاستقبل تحيتها هو الآخر واجما ومضى بطريقه ثم حاول بعدها تخفيف الأجواء المشحونة فقال بلطف- عاملة إيه في الشغل ؟

فنظرت له متعجبة ، أيسعى لتبادل حوار حضاري بعد تلك اللفتة العاطفية بينه وبين زوجته الحديثة ، أتراه يظنه تعويضا عما تختبره من مشاعر غيرة بغيضة ؟

أم يظنه دلوا من الماء قد ينفع للتحكم بالحريق الذي يشتعل داخلها؟!
| فردت مقتضبة:

- کویس فمنحها نظرة غاضبة . فهي لاتشبع فضوله وكلماتها رغم بساطتها إلا أنها باتت تتحلى بالغموض ، بل هي كلها باتت غامضة وهو أصبح غريبا عنها لايدري ما يدور من وراءه فقال حانقا:

- أنا لحد النهاردة مافهمتش إزاي لقيت شغل بالسرعة دى ! فردت زاجرة أفكاره الملتوية بشأنها:
- قصدك أني كنت بدور على شغل من زمان من وراك صح ؟
فهز رأسه نافيا وكلماته تتعارض مع ذاك النفي الكاذب:
- ماقولتش کده . بس يعني في أقل من أسبوع استقريت على شغل ، مش غريبة شوية؟!
فابتسمت وهي تهديه ثقة هو بحاجة إليها:

- مش غريبة ولا حاجة ، ربك اللي بيفتح الأبواب مش كل حاجة بإيدين البشر ساد الصمت بينهما حتى وصلا للحي الذي تسكنه فأوقف السيارة واخرج من جيب سترته مبلغا ماليا ضخما ومد به إليها قائلا:

- ده عشان لو الولاد احتاجوا حاجة نظرت لأمواله حانقة وقالت بأنفاس متسارعة:
- هما طالعين بيت محسن الله يرحمه لو كنت نسيت ، وفر فلوسك یا جاسر فرد معنفا:
- أنا ماقصدش أهين ذكرى والدك ولا البيت الطيب ياسالي ولكنهم ولادي ومسئولین مني طول ما أنا عايش فالتفتت له قائلة بعند أكبر:
- اعتبرهم ضيوف وأظن عيب أووي لما تدفع حق الضيافة نفث أنفاسه المحتقنة وقال مستسلما:
- براحتك ترجلا بصمت وساعدت هي أبنائها بالترجل من السيارة فيما حمل هو الحقائب بيد واحدة وحمل سلمي على كتفه باليد الأخرى وما أن دلف من باب العقار حتى وضع سلمي أرضا واستبقهم للأعلى ليضع الحقائب أمام باب الشقة المغلق بهدوء فهو كان غير مستعدا لمواجهة والدة سالي بعد ، ليس وهو في حالة فريدة من تشتت الأفكار واضطرب عميق لمشاعره التفت ليترجل الدرجات مرة أخرى حتى تقابلا فقال بصوت خافت وهو يفسح لهم الطريق:
- تحبي أعدي عليهم أمتي ؟

فقالت بهدوء:

- مافيش داعي أنا هروحهم بعد التمرين يوم السبت هز رأسه وقال:
- لو قدرت ححود عليكو في النادي أو هبعتلك السواق راقبهم حتى توقفوا أمام الباب ومضى بعدها في طريقه ولكن سليم الصغير استوقفه مناديا فالتفتت له بسرعة ودهش عندما دفع الصغير بنفسه لأحضانه قائلا بود:
- مع السلامة يا بابا نظر له جاسر بشوق وهو يدرك أنه استعاد ركنه المميز في حياة صغيره وأن لفته التي أصرت عليها أمه قد ساهمت في بناء جسر بينه وبين صغارها فرفع أنظاره لسالي التي كانت تقف تراقبهم بألم فهي ولأول مرة تشعر بعظم ماخلفته بنفسية أطفالها | فتحت لهم سيرين الباب واستقبلتهم بترحاب شدید ودلفت سالي شاردة الذهن أتراها في طريق العثور على ذاتها أفقدت صغارها أمانهم بأنانية مفرطة؟!

قد يتجاوز الإنهاك الجسدي حدود إنهاك العقل ولكن عندما يجتمع القلب والعقل سويا فالمعادلة باتت مستحيلة هي فعليا تصارع الآمها بالغوص في العمل والحديث غير المنقطع عن الصفقات وأسهم الشركات تحاول أن تعلو بضوضاء المحيطين حولها عن الضوضاء التي ترج كيانها من الداخل وفي الليل تنأى بنفسها في جانبها الأيسر من الفراش وتملىء الفراغ جوارها بحشد هائل من الوسائد والدمى التي تتلقى كما لا بأس به من الركلات المشحونة بغضبها ورثاء مقيت على حالها والسباب يعلو حتى يطال الجدران ولعنات تنصب على الهارب الذي يظن أنه أهداها صك حريتها بنبل فرسان بائد ولو كان يملك ذرة تعقل واحدة لأدرك أن هذا آخر ما ترغبه ولكن ماذا عساها أن تفعل وهي التي صرحت بخبايا قلبها وأعلنت عن عشق لازال ينبض بالضلوع إثره ماذا كان ينتظر منها توسلا وانتحار لكرامتها؟!


وقطع سيل أفكارها صوت والدها الحاني:

- آشري كفاية شغل ، قومي نروح ولا أقولك نتعشى سوا فابتسمت له لتطرد شبح القلق الذي يسيطر عليه بشأنها وقالت بحبور:
- ياريت أنا واقعة من الجوع قامت ورسمت على وجهها أجمل إبتسامة يمكن للمرء أن يراها وهي تتبطأ ذراع والدها العجوز وتمنحه قبلة على وجنته وتقول:
- أنا عزماك من كام يوم سمعتهم في النادي بيحكوا عن مطعم خطير . واستقرا على طاولة بالمطعم الحديث وطلبا شرابا وعشاءا بسيطا وأرسلت أنظارها لمشهد البحيرة الصناعية بالخارج والأنوار المتلألئة تلقي بظلال فضية على رأسها الجميل وعادت لتسبح ببحور أفكارها العميقة ولم يحيد والدها بأنظاره عنها وقال محاولا الغوص في أعماقها وإنتشالها من الغرق:
- أنت بتهربي بالشغل یا آشري وده غلط التفتت له آشري وأقرت:

- ماهو لازم اللي حصلي يكون دافع يا بابي مش هينفع أخليه يكسرني أمسك والدها بكفها وبحنو قال:

- أدي لنفسك فرصة تستوعبي اللي حصل ماترميش نفسك في النار عشان تنسي هزت رأسها نافية وهي تركز أنظارها عليه:
- مين قال أني برمي نفسي في النار ومين قال إني عاوزة أنسی بالعكس أنا عاوزة مانساش تفصيلة تنهد والدها وقال لائما:
- الانتقام مش هیفید یا آشري ضحكت لغرابة تفكير والدها وقالت متعجبة:
- داد . . انتقام ! ! . . ليه أصلا دي كانت رغبتي وبعدين انا كده مرتاحة ارتشف والدها القليل من الماء وقال:
- أتمنى من قلبي تكوني فعلا مرتاحة وفجأة رفع والدها يده بتحية ودعوة لشخص بالتقدم فقضبت جبينها وقالت هامسة:
- مين ؟
ولم يسعه التقديم فقد قال الضيف بصوته المميز لها حتى دون أن تستدير:
- مساء الخير يا يسري بیه مساء الخير يا آشري أتمنى يكون مطعمي المتواضع نال إعجابكم التفتت له آشرى لتحييه بالمقابل قائلة بدهشة بالغة:
- مساء النور يا عاصم بیه ، بجد أنا ماكونتش أعرف أنه المطعم بتاعك رفع يدها ليقبلها وعيناه تلمعان برغبة حارقة قائلا:
- المطعم وصاحبه تحت يا آشري جذبت يدها وهمست بإضطراب:

- ميرسي جذب مقعدا وجلس لجوار والدها محاولا جذب أطراف الحديث معه ، فقلب الفتاة دوما يبدأ من حيث أبيها عاد للقصر بمزاج معتدل وما أن دلف من خلال الباب المعدني الضخم حتى انقبضت أساريره فهو تذكر للتو بالمواجهة القريبة التي حتما سيلاقيها فارتسمت على وجهه تلك المعالم الغامضة التي تجعل من يقابلها يشعر وكأنه ارتكب حماقة رغم أنه لم يخطىء بشيء ولكنها استقبلته بترحاب شديد حتى أنها ألقت بنفسها بين ذراعيه قائلة:

- بجد مبسوطة أوي أنكوا عرفتوا تتفقوا لمصلحة الولاد یاجاسر استقبل عناقها ببرود وعيناه ضاقت لدى تلك المبادرة من جانبها فقال:
- وأنت إيش عرفك اللي اتفقنا عليه ؟
هزت رأسها ومنحته قبلة على وجنته وقالت:

- ماعرفش بالظبط اتفقتوا على إيه بس أنت والولاد ومامتهم معاكوا أكيد دی بداية مبشرة مضى ينظر لها وقد ظن هو بملامحه الغامضة قد يثير إرتباكها . لشدة سذاجته ! فقال بصوت مرهق:

- خلي نعمات تحضر الغدا عبال ما أغير هدومي فرسمت في الحال ملامح طفلة مستنكرة واقتربت منه تربت على صدره بدلال:
- أوووه يا وحش ، جاسر أنت لازم تعشيني بره على الأقل نحتفل نفث بغضب فهو فعليا سأم تلك التمثيلية التي تؤديها ببراعة بالغة وقال بنفاذ صبر:
- نحتفل بإيه أنا مش عارف ؟
فابتسمت بمكر وقالت بهدوء:
- حبيبي أنا ماقصدش حاجة ، صدقني يا جاسر أنا بتمنى يجي اليوم اللي أحس أنك ۱۰۰ % مرتاح ولو عاوزني أساعدك إنه سالي ترجع ماعنديش مانع أنا مستعدة اتكلم معاها ونتفاهم عند ذلك العرض تحديدا رفع إصبعه محذرا وقال بصوت لايقبل النقاش:
- داليا أنا بحذرك ، إياكي تتواصلي بأي شكل مع سالي ، ماتتدخليش في اللي مالكيش فيه من فضلك فاقتربت منه بملامح منزعجة كاذبة:
- بيبي أنت فهمت إيه ؟

أنا . . قاطعها محذرا:

- أنا اللي عندي قولته وأظنك فهمتیه کویس راقبته وهو يصعد لغرفتهما وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة بطيئة المنحنيات والثقة تلمع بعيناها بحسن تصرفها فعلى مدار ساعة فائته قضتها غاضبة ، حانقة ، تخطط للخطوة التالية بكيفية الرد والاعتراض والرفض وجدت في اللحظة الأخيرة أن مد أيادي العطف والخير نحوه ونحو السابقة سيدر عليها ربحا أكيدا في حين أنها لو عمدت للاعتراض أو الزجر فالهجر سيكون من نصيبها وعندها ستنصاع مرغمة لما سوف يمليه عليها . أما الآن فهي تمسك بالخيوط مجتمعة في قبضتها وأحكمت الوثاق حوله    دخل الغرفة فجأة وهو يقول لاثما:
- إيه يابني ب . . . . وتوقف في منتصف الغرفة الخاوية ينظر حوله ببلاهة ونادي على الخادمة وهو يتساءل:
- زیاد راح فين ؟

هزت الخادمة رأسها نافية:

- ماعرفش يابيه جه الضهر لم حاجته ومشي منغير مايقول حاجة صرفها شاكرا ورفع هاتفه ليطلبه بنفاذ صبر ولكن تلك الرسالة المسجلة المبهمة والتي لا تهديه أي معلومة سوى أن أخيه غادر وأغلق هاتفه في رسالة واضحة المعالم أنه لا يريد إتصالا مع أيا ماکان فلم يجد أمامه سبيلا سوى ترك رسالة زاجرة لبريده الصوتي " على الأقل أما تمشي تسبب تليفونك مفتوح الواحد يعرف يوصلك ، كلمني أما تعقل ".
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل التاسع عشر

أكون أو لا أكون تلك المقولة التي انطلق بها قلم شيكسبير على لسان هاملت بطل مسرحيته الشهيرة ، لتصبح قاعدته الذهبية في الحياة مایکونه جاسر سليم وما لن يصبحه مادام دق أيسره ينبض هو حامي الحمى والمدافع الأول والأخير عن عائلته الصبور والمندفع في الوقت ذاته المخلص رغم كل ما تعرض له من خیانات ، حتى من أقرب الناس إليه ولن يكون خائنا متخاذلا قط وأبدا لن يكون راجيا لصفح وإشارات عطف ومنة من بشر وبخاصة عندما تكون إمرأة وعلى وجه التحديد زوجته السابقة.


باقي من الزمن أربع وعشرون ساعة وتنتهي أشهر العدة وعقارب الساعة عنيدة مثله ، تتقدم ولن تعود للوراء أبدا كما لن يتراجع هو عن عهدا قطعه على نفسه لن يجبر إمرأة على العيش معه تحت سقف واحد مادمت به حياة لمعت عيناه بدكنة الظلام واستدار محدقا في عقارب ساعة الحائط التي تجاوزت الثانية عشر وهو لايزال ساهرا بحجة أعمال متأخرة وقد غادر الجميع منذ ساعات طويلة واستفاق من ظلمة أفكاره ليعود لأرض واقعه واقع أصبح لزاما عليه أن يقره سنوات مضت بحياته مع من أحبها قلبه حتى تخلت عنه وتركته ولم تعد حتى اليوم ربما يحمل وزرا فهو من تشبث بالعناد ولكنها كانت صاحبة القرار وهو ليس مراهقا متشبثا بأحلام يقظة أو متعلقا بنهاية فيلم رومانسي من حقبة الستينيات ليظنها ستعود له في اللحظة الأخيرة ومع ذلك توجت حياتهما بالكلمة التي تختتم كل قصة وفيلم وحكاية " النهاية " ببساطة لقد انتهيا وطوت صفحتهما سويا ولا سبيل لإعادة النقش فوق صفحات اهترأت بالأوجاع وانتهت بختم الفراق.


عاد للقصر الساكن وصعد بهدوء فوق الدرجات الرخامية ثم توقف لبرهة أمام غرفة أمه الموصدة اقترب مترددا من الباب ولكنه توقف عندما أمسكت يداه المقبض ، فعلى أية حال لقد تعدى الوقت منتصف الليل والأفضل ألا يوقظها ويدعها لتنام بسلام ، فاتجه لغرفته بخطى مسرعة .


دلف دون ضوضاء وخلع ملابسه ليستقر في فراشه إلى جوار النائمة التي يبدو أنه سيمضي ماتبقى من عمره إلى جوارها فهي متشبثة به رغم تقلبات حالاته النفسية طيلة الأيام الماضية بإصرار عجیب ذلك الإصرار الذي ينبع منها بأقل مجهود والمتمثل في الوقت الحالي بذراعيها اللتان بسطتهما براحة فوق صدره وهي تغمغم من بين سبات نوم بإسمه باسمة.


ضمت ساقيها لصدرها واتكات للخلف وهي تتنهد متعبة فيبدو أن عقلها يرفض الانصياع لرغبتها في النوم والتغافل وربما التناسي ، فعادت ذكرياتها لتؤرق مضجعها الأول لقاء وربما أول إبتسامة اللحظاتهما المنسية بالمطعم ورحلتهما النيلية لولادة سلمى للحظات تقاربهما ليلا لكل الذكريات المحلاة بطعم السعادة ومعها تنهمر دموعها بطعم ملوحة مريرة لقاء آخر ذكرى لهما سويا الذكرى الفارقة بحياتهما وكأنما تعاد على مسامعها تلك الكلمتان مرة أخرى لتدمي قلبها من جديد " أنت طالق " أنها لم تكن شيئا مذكورا لاقيمة لها والحياة ستسیر حتما بدونها واختنقت أنفاسها بالعبرات وتشنجت النهنهات بصدرها.


وتصاعد آذان فجر يوم جديد يوم أخيرا فقامت لتوضأ ورغما عنها انهمرت دموعها في سجودها المطول بين أيادي الرحمن ورغما عنها دعت له بالخير وصلاح الحال فلا حيلة لها مع قلبها الملتاع لفراقه     نغمة المنبه لم تكن ذات فائدة إذ أنه مستيقظا بالفعل وربما لم ينل النعاس من عينيه بزفرة إنتصار قام من فراشه ليغتسل وليبدأ يومه كما اعتاد بإتصال بأخيه الأصغر الذي على مايبدو انقطعت أحباله الصوتية فهو يستقبل إتصالاته المتكررة عبر البريد الصوتي ويكتفي بالرد عبر الرسائل النصية بكلمات معدودة ولكنها تطمئنه أنه على الأقل لم يصبه مكروه  قال ضائقا:


- أنا مش عارف هتفضل لحد إمتی رافض حتى تسمعني صوتك ، تكونش فاكر نفسك كاظم الساهر ياخي؟!

زفر ولم يجد طائل من وراء كلماته المؤنبة فعلى مدى شهران ونصف ظلت تلك وسيلة إتصالهما الوحيد ويبدو أن الصغير سيظل صغيرا حتى نهاية العمر وسرح في أمر الأكبر الذي حادثه منذ يومان وكان الرفض القاطع ردا على إقتراح بتوسطه لإعادة الوصل بينهما فكانت كلماته بالتحديد " عاوزة ترجع ، ترجع بإرادتها أنا مش هتحايل عليها ولا هيا هتشيلهاني جميلة أنها كتر خيرها اتنازلت " عندها" ظن أنه يحادث صنما من عهد الفراعنة البائدین ، لا يستمع لكلمات المحيطين ، ولا يكاد يصل إليه سوي صدى زفراته وصفير الهواء من حوله فهز رأسه یائسا وخرج يتمتم والآخر يسمعه " مافيش فايدة فيك ، عمرك ما هتتغير " ورسالة نصية تصل لتقطع أفكاره ولكنها لم تكن من المأفون أخيه الأصغر بل كانت من الطبيبة الحسناء التي قضى معظم ساعات الليل برفقتها بسهرة موسيقية بمسرح الأوبرا وبعدها انطلقت أرجلهما تجوب أحياء الإسكندرية القديمة دون كلل أو تعب وانتهت أمسيتهما بقبلة خاطفة وضعتها أعلى وجنته ثم استدركت فعلتها بأعين متسعة كظبي مذعور وإحمرار شدید أصابها من أعلى رأسها حتى أخمص أقدامها واختفت من أمام ناظریه بثوان معدودة فوق دراجتها البخارية الثائرة تاركة إياه يتخبط بأنفاس كللت بالحيرة وقرار إتخذه ليريح ضميره بأنه غير مجبر على إتخاذ قرار من الأصل فتحت عيناها والتفتت إلى جوارها في الحال وابتسمت براحة عندما طالعته غارقا بسبات ولمعت عيناها بجزل واتسعت إبتسامتها وهي تتنهد بأنفاس حارة خافتة لكأنما انتهت من مارثون جري حر " آآآآآآخر يوم ".

قامت بهدوء شديد كي لا توقظه وأخرجت من حقيبتها تلك العلبة الصغيرة التي حملتها ليلة الأمس بطريق عودتها من إحدى الصيدليات الشهيرة وانتظرت مرور الدقائق كما هو موضح بالتعليمات وهي تدعو من قلبها ألا يخيب الله رجائها تسترق نظرات من حين لآخر لشريط الاختبار وجاءت مشيئة الأقدار مطمئنة لها بما ردده لسانها من دعاء حار فكان الخطان الورديان يرتسمان بوضوح أمام عيناها اللتان اغروقتا بدموع الفرحة وحملته بأنامل مرتجفة لاتصدق وتطالع من جدید کتیب التعليمات نعم بالفعل النتيجة إيجابية هي حامل بطفله بطفل جاسر سليم وهي أمه وضعت يدها على صدرها الذي يدق بسرعة جنونية لعله يهدأ ويدها الأخرى تمتد لتحتضن مستودع جنينها بحنان ثم أخذت نفسا عميقا وطالعت وجهها في المرآة وفكت أسر خصلاتها ومشطتها ومنحت عنقها مباركة من عطر اللافندر الأخاذ الذي اكتشفت عشق جاسر له وخرجت بأقدام حافية وصعدت للفراش مرة أخرى تناوش وجهه النائم بطرف خصلة من شعرها ليستيقظ غمغم من بين سباته بإسم لم تكن هي صاحبته إسم ظل يؤرق مضجعها ولازال ولكنها طردت كل تلك الأفكار السلبية وتظاهرت بعدم سماعه من الأساس ومسحت برقة شديدة فوق وجنته ووضعت قبلات متفرقة على أنحاء وجهه الذي تذوب فيه عشقا حتى فتح عيناه وعبس فاستقبلت عبوسه بإبتسامة عريضة فتخلى عنه مرغما عندما قالت بدلال شديد:


- صباح الفل على عيون أحلى راجل في الدنيا انحنائة فمه الساخرة لم تعد تغضبها بل على العكس تشكل لها دوما تحديا ، فقال وهو يتكأ للخلف بهدوء:

- صباح الخير يا داليا هزت رأسها نافية لتقول له:
- توء توء توء ، من هنا ورايح ماتقوليش داليا فنظر لها متعجبا وقال متفکها:
- غيرتي اسمك يعني ولا إيه أومال أناديكي بإيه ؟
فقالت له بدلال أعظم:

- تقولي يا أم ابني وغابت الفكاهة عن عيناه أولا ثم ازداد شحوب وجهه وأردفت هي بسعادة بالغة وهي تلقي بنفسها بين أحضانه:

جاسر أنا حامل فغر فاهه دهشة هو لم ينتظر مفاجأة عودة سالي لحياته کتسليم بقضائه ولكنه لم يتوقع أيضا ذاك الخبر وکرد من ذرات الهواء حوله على تلك المفاجأة حملت له صرخة من نعمات لكأنما تشاركه صدمته ولم تمض ثوان حتى استفاق منها وهو يدفع بها بعيدا عنه وينتفض هلعا من الفراش وكل ما يحتل تفكيره " أمه" كاد أن يصطدم بنعمات وهي تقف أمام غرفة أمه ، تشهق بیکاء لعنه وهو يزجرها معنفا ويتخطاها بسرعة نحو الداخل:
- اخرسي ، اخرسي واقترب سريعا من جسد أمه بخشوع ومد أنامله مترددا خائفا من الحقيقة التي يقرها صدرها الساكن لقد غابت دقات قلبها وأضحت أنفاسها غائبة وبرودة جسدها لا يمكن أن يخطئها بشر لم يتمالك دموعه وهو يقول بهمس راجف:

- ليه يا أمي ، ليه ده أنا كنت جاي أسلم عليكي بالليل ، سيبتك عشان ترت . . تاااحي وخرت قدماه ولم تتحمل ثقل أحزانه إلى جوارها وجسده يهتز ببكاء عنيف وبعد مرور لحظات ملؤها الحزن اقتربت نعمات بوجه صلد وقد هدأت أنفاسها بالمقابل وقالت بصوت میت کمخدومتها:

كفاية يا جاسر بيه ماتعذبهاش بعد ما ارتاحت . رفع رأسه إليها ونظر مرة أخرى لوجه أمه الشاحب وعلامات الرضا مرسومة بوضوح على محاياها المتجمد ولم تكن أصابعه من امتدت لتغطيته بل كانت نعمات المسئولة والتي أردفت بنفس الجمود:

- اتصل بأخواتك ، وزياد لازم يجي بس ماتقولوش في التليفون على حاجة وظلت بعددها تردد بهمس خاشع " إنا لله وإنا إليه راجعون " خرج من الغرفة ليجد داليا تقف بإنتظاره کتمثال متحجر وملامح الصدمة تعلو وجهها ، وما أن اقترب منها حتى لاحظ ظل أطفاله المنزویان بأحد الأركان بخوف وعيون سلمي الباكية تطعنه في مقتل ووجه صغيره كصفحة خاوية من كل التعابير ولكن نظرة الاتهام في عيناه لم يكن ليخطئها فهو من تحمل أحضانه ظل أخته الصغرى ولكن أين التي كانت تحملهما معا بأحضانها الدافئة أيضا ؟


فاقترب منهما وأغرقهما بأحضانه وقالت سلمى باكية:

- هيا تيته ماتت يا بابا فرد جاسر وهو يتماسك دموعه قائلا بصوت منکسر:
- هيا دلوقت مبسوطة عند ربنا ياسلمی فهزت سلمى رأسها وقالت راجية:
- أنا عاوزة ماما حدق بهما جاسر وكانت تلك أيضا رغبة سليم التي تشع من عيناه فهز رأسه متفهما وقال:
- هخليها تيجي دلوقت حالا ، أدخلو أوضتكو يالا استنوها جوه دلف الصغيران إلى غرفتهما واستدار هو عائدا لغرفته ليغير ملابسه ويقوم بما يتوجب عليه من واجبات صامتا ظلت داليا تحدق بحركاته السريعة والمنضبطة في الوقت ذاته حتى تجرأت أخيرا على الإقتراب منه فهو بهيئته يبدو كليث أعمي غاضب محبوس يتوق للحظة تحرره وما أن مدت أنامل مرتعشة نحوه حتى انتفض قبل أن تقترب ، فقط قال بنبرة صوت حازمة قاطعة:
- مش وقته یا داليا ، سيبيني من فضلك وضعت كفها المرتعش فوق فمها ورغم ذلك تماسكت وقالت بقوة:

- البقاء لله يا جاسر رفع أنظاره لها واللعنة عليها فهو لم يكن مستعدا بعد لتلقي عزاءا في فقيدته الغالية لو كانت سالي مكانها لالتزمت الصمت وانزوت برکن مختفي وظهرت عندما يحتاج إليها دون أن ينبت بشفهه وتحت إثر عيناه الغاضبتان فوق رأسها اختفت من أمام أنظاره داخل الحمام وخرج هو بدوره بعدما ارتدى حلة رسمية وتخلص فقط من ربطة عنقه فهو بالفعل يفتقد الأنفاس رفع سماعة الهاتف ليصله صوت أخيه الأوسط فقال:


- أنت فين ؟

عبس أسامة وقال:
- خير مال صوتك ؟
 رد بإقتضاب:
- تعالی توقف أسامة بالسيارة فجأة غير عابئا بصوت الأبواق الزاجر حوله وقال بصوت يرتجف:
- ماما؟!
ظل جاسر صامتا لوهلة ورفض لسانه أن ينطقها فقال آمرا بخشونة- تعالى واتصل بأخوك وانقطع الاتصال المبتور بينهما واتسعت حدقتا أسامة غير مصدقا وتنهد بأنفاس متحشرجة ببكاء كتمه بصعوبة ثم أدار سيارته للطريق المعاكس بعنف أزعج صريره المارة حوله وقادها بسرعة جنونية نحو القصر وفي طريقه لم يجد سوى البريد الصوتي يستقبله فصرخ غاضبا:

- تقب من تحت الأرض وتيجي حااالا على القصر سامع ، وعزة جلال الله یا زیاد لو ماجتش لتندم عمرك كله ظل طوال الطريق يكذب ما سمعه من أخيه الأكبر حتى وصل للقصر فكانت الدلائل والإشارات واضحة أمامه كرؤى العين نعمات وبقية الخدم الذين اتشحوا بالسواد ، صوت المذياع الذي ينطلق بأعذب الآيات ، آیات الذكر الحكيم وأخيرا جسد أمه المغطى والذي وقف أمامه متجمدا لا يجرؤ على إقتراب ضم قبضته إلى فمه يمنع نفسه من البكاء وأغمض عيناه وانهمرت دموعه بصمت على صفحة وجهه ثم تقدم بخطى بطيئة ورفع الغطاء ووضع قبلة حارة بأنفاسه المتهدجة فوق جبينها ومنح نفسه نظرة أخيرة لمحياها الذي كان يوما ينبض بالحياة ثم أخفاه بغطائه من جديد والتفت نحو ذاك الدرج الذي يحمل ما أوصت به وكما توقع فالدرج خاوي ولابد أن يكون أخاه من حمل ما بداخله خرج من الغرفة بهدوء وتوقف برهة في الردهة وتذكر أمر الصغار فمضى نحو غرفتهم وطرق الباب ودخل ليجد سليم الصغير وقد ارتدي حلة سوداء تناسب جسده وتفوق عمره وسلمی ارتدت بالمقابل ردءا أبيض بنقوش زرقاء يعلوه سترة مخملية بلون أزرق داكن فابتسم لهم حزينا واندفعت سلمى بأحضانه وقالت كأنما تواسيه بصوتها الملائكي:


- ماتخافش تیته فوق عند ربنا مبسوطة ابتسم رغما عنه وهز رأسه وهو يكتم دموعه وقال وهو يربت على وجنتها الوردية:

- آه هيا مبسوطة والتفت لسليم الساكن مكانه وقال:
- مش كده ولا إيه يا سليم ؟
ومد يده نحوه فتقدم سلیم بخطوات متثاقلة وقال بهدوء:
- ربنا يرحمها یا عمو فاحتضنه أسامة وردد مثله:
- ربنا يرحمها ثم استطرد بجدية:
- فطرتوا هزوا رأسهم نافيين وقالت سلمى:
- مالناش نفس فهز أسامة رأسه رافضا وقال:
- لاء ماينفعش ، لازم تفطروا فقالت سلمى بعند:
- هنفطر لما ماما تيجي سكن أسامة لبرهة ثم قال:

- خلاص ماشي ، أنا هنزل دلوقت أشوف بابا وخرج أسامة من غرفتهما وترجل الدرجات بسرعة حتى وصل الغرفة مكتبه فدفع الباب ليرى أخيه وهو يقلب بأوراق أمامه أثناء  حديثه لأحدهم عبر الهاتف ثم وضع السماعة وقال بصوت جامد- ده كان التربي . . واتصلت بمتعهد الأكل و . . . . المغسلة ، دلوقتي أنا رايح أشوف مكتب الصحة وأطلع شهادة الوفاة فهز أسامة رأسه وقال:

- طب فيه حاجة أقدر أعملها ؟:
- اتصل بالناس عرفهم و . . . . الظرف ده مكتوب فيه . . . وصمت ولم يستطع النطق فاقترب أسامة وجذبه من بين أنامله وفتحه ليطالع خط أمه الراحلة ومر على أسطره القليلة بسرعة ثم تنهد وقال:
- عاوزه سالي تكون حاضرة الغسل فهز جاسر رأسه وتحاشى النظر له وقال وهو يستعد للخروج:
- اتصل بيها وشوف بقية الأظرف فيها إيه عشان ألحق أطلع الشهادة قبل صلاة الضهر وأكد عليه قبل أن يختفي من أمام ناظريه:
- وماتنساش أخوك لازم يجي فهز أسامة رأسه وقال بصوت متعب:

- كلمته على الله يرد     ويبدو أن أختها اعتادت ترك منزل زوجها غاضبة في أي وقت ليلا أو نهارا فعندما انتهت من تناول فطورها البسيط المكون من شريحة جبن خفيف وكوب من الشاي سمعت جرس الباب يدق بقوة فعبست بوجل واتجهت نحوه لتطالع وجه أختها برفقة أطفالها فتنهدت سالي بضيق ورحبت بالصغار وقالت وهي تنهر أختها الكبرى:

- وبعدين معاك ياسيرين كل شوية سايبة بيتك فالتفتت لها سيرين وقالت بدفاع:
- أنا ماسیبتش البيت أنا جيت عشان أكون جمبك في يوم زي ده ارتفع حاجبي سالي بدهشة وقالت ساخرة:
- ليه إن شاء الله ؟

وأردفت غاضبة وهي تتابع طريقها نحو المطبخ لتجلي صحون الإفطار خاصتها:

- شيفاني مفطورة من العياط ولا بقطع هدومي من الغلب فأتبعتها سيرين وقالت بإلحاح:
- إنت عمرك ماكنت عنيدة كدة ، فيها إيه أما تتصلي بيه؟!
فقالت سالي معنفة أختها:
- عوزاني أترجاه ولا أوطي على رجله أبوسها عشان يردني؟!
حدقت سیرین بمحيا أختها الغاضب العنيد وتنهدت:
- وولادك ياسالي جففت سالي يديها وقالت بإصرار:
- هاخدهم منه فاتسعت عينا سیرین بغیر تصدیق وقالت بتصميم:
- وسليم ، هیسبيهولك همت سالي بالرد فقاطعتهم أمهم التي قالت بصوتها الهاديء:

- ماتتعبیش روحك يا سيرين أنا مش عارفة أختك جابت نشوفية الدماغ دي كلها منین ، ماكنتش کده فتنهدت سالي وقالت بضيق صدر:

- أنا كده هتأخر على شغلي ، أنا طلعت حاجة الغدا تفك ياماما ، ماتستنیش عشان هروح فقالت أمها بالنيابة عنها وهي ترمقها بنظرة شاملة:
- لولادك . . اللي سيباهم في حضن غيرك . . ربنا ييسرلك طريقك تجمدت سالي وقالت بصوت يرتعش كمدا وقهرا:
- فکرکوا مش بتقطع من جوايا ، فکرکوا مش حاسة ، بس قولولي أعيش إزاي مع واحد رماني وماعدش عاوزني ، مستنيني أرجع وأحب على إيده وأقوله حقك عليا أنا غلطانة . . . . وندمانة فأغروقت عينا أمها بالدموع رأفة على حالها وقالت وهي تقترب منها وتدفنها بأحضانها الدافئة باكية هي الأخرى:
- لا عاش ولا كان اللي يذلك ياسالي يابنت محسن . . . لا عاش ولا كان ثم تركت سالي أحضان أمها مرغمة لتبحث عن حقيبتها وترحل هارية من وجعها المسيطر على أنفاسها وأنفاس القريبين منها فقالت سيرين بخجل:
- خسيتي على فكرة فانسلت ضحكة من بين شفتي سالي رغما عنها وقالت بحبور:
- بجد؟!

. . . أنا بطلت أوزن نفسي عشان ما يجليش إحباط فقالت أمها لتشجعها بإصرار:

- يوووه ، دا أنتي رجعتي قرقوره زي زمان وقاطعهم صوت رنين الهاتف المصر فالتفتت سالي لأختها لائمة- دا أكيد جوزك يا هانم فقالت أمها وهي تتجه للهاتف لتجيب:
- أنا هرد يالا أنت عشان ما تتأخريش على شغلك رفعت مجيدة الهاتف ليأتيها صوت أسامة الراجي يحيها بود ويسأل عن سالي فقالت متعجبة:
- الحمد لله بابني مين معايا ؟
أجابها أسامة:

- أنا أسامة سليم . . أخو . . قاطعته مجيدة بنبض ملئه الرجاء:

- أيوا . . أيوا أزيك يابني معلش ما تأخذنيش سالي أهيه التفتت سالي عابسة واقتربت من الهاتف وهي تشير لأمها متوجسة فقالت أمها لتطمئنها وإشارات الفرح ترتسم على وجهها- ده أسامة أخو جاسر ورغما عنها انقبض قلب سالي ، فرغم كل ما تتمناه أمها إلا أنه مستحيل الحدوث بتلك الطريقة فهو لم يكن ليرسل مرسالا ليتوسط بينهما ، لم يكن يوما جبنا أو متخاذلا وبالتأكيد لن يكون يوما خائفا فالتقطت الهاتف وقلبها ينبأها بالنبأ الذي يحمله لها أسامة وتقبلته جامدة وهي تغمغم بأنفاس متسارعة:

- البقاء لله يا أسامة ، نص ساعة بالكتير وهكون عندك فقال أسامة:

- تحبي أبعتلك السواق فردت قاطعة بسرعة:
- لاء . أنا جاية حالا وانقبض قلب مجيدة وهي تراقب وجهها الذي أظلم فجأة ولم تقدر على النطق وهتفت سیرین جزعة:
- خیر ؟
هزت سالي رأسها نافية وتنهدت بكلمات مبتورة:
- طنط سوسن . . .  فغمغا الإثنان:
- لا إله إلا الله وربتت أمها على كتفها مواسية فقالت سالي:

-- أنا هدخل أغير هدومي وخرجت لتتجه للقصر وهي تشحن نفسها بالقوة اللازمة للقيام بتلك المهمة التي لم تقم بها من قبل ، ترتب في ذهنها المتقد ما يتوجب عليها فعله وكان على رأس أولوياتها تحاشیه فهي لن تدعه يظن أنها ستستغل ذلك الموقف للتقرب منه خاصة بيومهما الأخير   لا تعلم كيف مر النهار بسرعة البرق بل كيف خرج جسدها من القصر مهرولا نحو مثواه وكيف تآزرت بنفسها لنفسها فقط كي تنفذ وصية أخيرة لتلك المرأة اليي تراها بعد نزع أثواب الحياة البالية عنها مسكينة رغم كل شيء أعدت طعام الغداء لطفليها وأطعمتهما بنفسها وتماسكت أمامهما وقلبها ينفطر ألما وذكريات نعش والدها المسجی تستقر جنبا إلى جنب جوار مشهد نعش حماتها القريب وقفت لتلقي واجب العزاء من النسوة القريبين بعضهن تعرفت عليهن في الحال.


فکانت درية ومدام هدی رئيسة الحسابات بالشركة من أقبلن عليها بتحية حارة والآخريات لم تكن رأتهن من قبل وتلك الفاتنة تقف على مقربة منها تعرف نفسها للغرباء عنها بزوجة الابن الأكبر بفخر لكأنما حازت على جائزة نوبل في الفيزياء قامت بواجب الضيافة ، كانت كالنحلة الطنانة تدور ولا تهدأ تكاد تستمع لكلماتهن ينبذونها من وراء ظهرها بعضهن تحدثن بجرأة عن فقدان وزنها إثر عملية جراحية قامت بها بعد أن حصلت على أموال طائلة من الأكبر المنكوب في أمه والآخريات تشدقن بألسنة حداد عن جحود الأمهات في ذلك الزمن الغابر والذي جعلها تترك فلذة كبدها لتعيش حياتها بحرية كلمات وأحاديث لاتمت لرهبة وعظم المشهد بصلة تنالها وتتلقاها بظهرها وقلبها يأن وجعا ، وترسم إبتسامة ودودة بمقابل وجوههن المنافقة التي تحييها على عملها النبيل تجاه الراحلة وتلك الحية تراقبها بأعين كالصقر تخشى أن تغيب عن ناظريها وتستأثر بطيف من كان يوما زوجها فبكلمة واحدة لا بل بلمسة واحدة أو بإشارة يعيدها اليوم قبل أن تغيب شمسه لعصمته وداخلها يشتعل بالغيرة فالبدينة ماعادت بدينة وردائها المحتشم المكون من قطعتين ينحسر عن خصر رشیق وأرداف مثالية والأسود يليق بشحوب وجهها الخالي من مساحيق الزينة بعكسها وبشدة واختارت اللحظة الملائمة عندما عادت سالي للسكون بأحد المقاعد القريبة من درية قائلة للنسوة حولها بصوت عذب يصيب سمع المحيطين بأجمعهم وهي تحيط بكفيها حدود رحمها المسطح:


- الله يرحمها كانت غالية علينا أوي بس كأن ربنا بيعوضنا بغيابها عننا ، ياخد مننا روح ویوهبنا روح فشهقت المرأة التي تجاورها:

- مبروك يا حبيبتي ألف مبروك ، سبحانك يارب ، ليه حكمة أكيد والتفتت سالي تراقب ذاك الجمع المفترض به حزينا فإذا به ينبعث بالتهاني لتلك التي يرونها لأول مرة بحياتهم متناسين القريبة التي وارها الثرى كأنها لم تكن يوما ! وطعنة أخرى تقبلتها بهدوء وارتسمت على وجهها إبتسامة كإبتسامة الموناليزا أثارت حيرة وغضبا وحنقا داخل الزوجة السعيدة بنبأ حملها فقامت لتنصرف بعد أن أدت مهمتها التي كانت تتوق لها منذ بداية النهار على أكمل وجه وهي تقول بصوت منهك:
- معلش مضطرة استأذن فردت إحداهن:

- روحي ياحبيتي إرتاحي ربنا يتمملك على خير وما أن اختفت حتى قالت أخرى وهي تمصمص شفتيها:

- ياشيخة وليها عين دي قدمها قدم شوم واكتفت سالي بهذا القدر من النفاق غريبة هي وسطهن وداخلها عاري كرجل يستظل بجدار وسط الصحارى ففقده إثر هبوب رياح أطاحت به وبكل ما يحيطه أو كطفل فقد أمه فطفق يبحث عنها بظلام الليل تحت زخات مطر منهمر ولم يجدها وتحت إلحاح من درية التي طالبتها بالانصراف فهي تبدو متعبة للغاية وطمأنتها أنها ستقوم بالواجب انصاعت مرحبة بهذا العرض ، فهي بحاجة لاستنشاق الهواء النظيف بعيدا عن زفرات الكذب والنفاق وانصرفت لغرفة أطفالها الساكنين واحتمت بأحضانهم حتى قالت سلمى بعيون واسعة ملئت رجاءا:

- هتباتي معانا يا ماما ، أنا خايفة ، ماتسيبناش لوحدنا فهزت سالي رأسها نافية وقالت بعزم لن يردعه أحد على ظهر الخليقة:

- هتيجوا تباتوا معايا عند تیته مجيدة فأشرقت وجوه أطفالها وقالت لهم بعد برهة وهي تحمل بعضا من متاعهم:
- يالا بينا وفي طريقهم نحو الخارج قابلت أسامة الذي استوقفها قائلا:
- سالي أنا مش عارف أشكرك إزاي على وقفتك دی هزت سالي رأسها لتنكر فضلا لم يكن إلا واجبا بالأساس- إحنا أهل يا أسامة . . . وهيا كانت زي أمي بالظبط ، الله يرحمها هز أسامة رأسه وهو يكبح دموعه فطرد بعضا من أنفاسه الخشنة وقال راجيا:
- سالي أنا ليا عندك رجاء ونظر للصغار المتشبثين بكفوف أمهم فقال مشيرا لأحدى الأركان المنزوية:

- سلیم خد أختك وروح أقعد هناك أطاع سلیم رغبة عمه والتفت أسامة مرة أخرى بعد أن ابتعدا الصغار وقال وهو يضع كفه على صدره راجيا:

- خليها عليا المرادي ، هوا محتاجك بس بيقاوح ، عشان خاطر الولاد ياسالي نظرت له سالي وقالت وهي تقر الحقائق أمامه:
- أنا كنت عارفة أنك هتقول كده ، بس أنا هقولك على اللي أنا محتجاه وياريت تقدره أنا اللي محتاجه أبعد عن أخوك ومراته خصوصا بعد ما بقت حامل واللي محتجاه أكتر منك أنك تخليه يسيب الولاد معايا على الأقل لحد الفترة دي ماتعدي فرد أسامة مصعوقا بالخبر الذي لم يتوقعه بالمرة:
- حامل ! أنت متأكدة يا سالي ؟

أخفضت ناظريها وهي توما برأسها بالإيجاب وقالت ساخرة:

- هيا كانت أكتر من حريصة عشان توصلي الخبر وأكيد حقيقي ، وعموما خلاص دي صفحة وانطوت والتفت لأطفالها المنتظرين لإشارة منها وهمست بأعين أغروقت بالدموع:

- وكفاية وجع لحد كدة أنا ماعملتش اللي أستاهل عليه كل ده زم أسامة شفتيه وهز رأسه وهو يقول مؤكدا بحق:

- أنت تستاهلي كل خير يا سالي ، أنا هخلي السواق يوصلكوا ماينفعش تمشي بيهم والدنيا ليل كده لوحدكوا فهزت سالي رأسها ورافقها أسامة نحو الخارج حتى تقابلا بوجه آخر لم يتوقعا رؤيته واقتربت صاحبته من أسامة قائلة:
- البقاء لله يا أسامة أنا لسه عارفة والله دلوقت تناقلت عيناه من محيا اشري الصادق لمحيا سالي العذب فيبدو أنه مقدرا على رجال تلك العائلة بفقدان النسوة الرائعات اللاتي مروا بحياتهم وقال بحزن:
- البقاء لله وحده یا آشري ، اتفضلي فالتفتت آشرى لسالي وللأطفال وقالت راجية:
- سالي استني ماتمشيش أنا كنت عوزاكي مش هأخرك فهزت سالي برأسها وقالت:
- طب هستناك في العربية مضت سالي في طريقها والتفتت آشري نحو أسامة قائلا:

- ما تأخذنيش يا أسامة أنا ماعرفش حد من الليدز اللي جوه وبابي دخل صوان الرجالة بس كنت عاوزة أعزي جاسر و . . زیاد تنهد أسامة قائلا:

- هوا جاسر في الصوان جوه هروح أندهه دلوقت ، لكن زیاد هتلاقيه في أوضة المكتب     ضوءا طفيفا ينبعث من جانب الحجرة المظلمة والسكون يغلف أركانها فتوقفت برهبة أن تقطع خشوع صوته أثناء تلاوته للقرآن الكريم ومع ذلك شعر بوجودها فالتفت لها رأته بعد غياب أشهر ويبدو كمن كبر عشرون عاما فتقدمت هامسة:
- البقاء لله یازیاد انتصب قائما وتقدم منها بخطوات واثقة وتلقى كفها برحابة صدر قائلا:
- متشكر إنك جيت يا آشري فقالت آشري مستنكرة:
- ده واجب عليا يا زياد هز زیاد رأسه بألم وقال مؤكدا:

- طول عمرك صاحبة واجب وساد الصمت بينهما وخفقت صدورهم بالكلمات المحتبسة لا صرح هو عن ندم يغتال لياليه ولا صرحت هي عن شوق تأن به أضلعها فقالت في محاولة لجذب أطراف الحوار:

- اختفيت هز رأسه بإيجاب وقال مصرحا بذنبه الذي أدمى قلبه:
- استقريت في القاهرة فتحت مشروع کده صغير ، كافية مع واحد صاحبي معرفة ، وكنت مشغول شوية الفترة اللي فاتت ، أول ماعرفت الخبر جیت ، بس كعادتي متأخر فقالت آشري وهي تشد من أزره:
- بس المهم أنك جيت في الآخر هز زیاد رأسه بإيجاب:
- لحقت الدفنة بس كان نفسي . . . . . . وصمت واختنقت أنفاسه فهزت آشري رأسها باكية هي الأخرى وجذبته لأحضانها فهو سيظل طفلها الوحيد:
- کله مكتوب ومقدر یا زیاد ضحك زیاد من بين دموعه المنهمرة وخفقات صدرة العشوائية الإيقاع رغما عنه وقال وهو يبتعد عنها:
- اسمها مقدر ومكتوب ، أنا هفضل أعلم فيكي لحد أمتي؟!

رفعت آشري كفها بلا مبالاة ساخرة:

- مهما تعمل ، وبعدين ما أنت خلاص سيبتني أصابته كلماتها بحرقة بالغة لتزيد أحزانه للضعفين ثم قال مقرا:
- أنت تستاهلي الأحسن مني حدقت فيه بقوة من بين دموعها وعيناها تصرخ أنها لا تريد سواه ولكنها بعزة نفس رفعت رأسها بكبرياء وقالت:
- أشوف وشك على خير يا زياد خرجت آشري مسرعة لتستوقف مرة أخرى أمام الرجلين فحيت جاسر قائلة:
- البقاء لله يا جاسر شد حيلك رد جاسر بصوت هادىء متماسك عكس حالة أخويه المتصدعة بحزن دامي:
- مانجلكيش في حاجة وحشة آشري فهزت آشري رأسها بتحية وانصرفت نحو السيارة التي تقل سالي والأطفال مما جذب إنتباه جاسر الذي التفت لأخيه الساكن الجواره وقال:

- هيا سالي أخدت الولاد هز أسامة رأسه وقال بعند:

- أيوة ، هيا طلبت مني أقولك بس ده أمر مفروغ منه ، مش مستحب يقعدوا في أجواء زي دي فانصاع جاسر بعقلانية للأمر وقال:
- کده أفضل فعلا
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل العشرون

- أنا آسفة اتسعت عيناها متعجبة واقتربت منها لتربت علي ذراعها وهي تتأمل رأسها المتدلي بذنب:

- آسفة علي إيه آشري ؟
تنهدت الأخرى الغارقة في بحر من الندم والضياع وما يسحب الهواء من صدرها بحق ذاك الشعور بالإثم- أنا اللي شجعتك على الخطوة دي ، لولا زني كان زمانك معاه وأردفت ساخرة وفي الواقع من حالها:

- كنت فاكرة أن الطلاق ده " بيس أوف كيك " لو لم يكن اليوم مأساويا بامتياز ، ولو لم تكن عاصرت مشاعر وأحاسيس طاحنة مزقتها وأعادت ترتيب أشلائها على نحو جديد وغريب عليها لأطلقت الضحكات المتعالية وسط جنوح الليل ولم تبالي لأعراف ولا لتقاليد اقتربت منها ورفعت رأسها لتواجهها ومزقت ذنبها الفاضل بعناق طاحن ووضعت قبلة قوية على وجنتها وسط ذهول بقية معالم وجهها:


- بالعكس ، ده أنا اللي بشكرك ، حقيقي ومن كل قلبي ، أنت أنقذتيني من نفسي ولازالت الدهشة تقتات على أنفاس صدرها المتلاحقة:

- أنا ! أنا حاسة إني ضيعتك زيي لم تظن أنه قد يأتي اليوم وتتبدل فيه الأدوار ولكن اليوم أضحى أعظم معلم عرفته منذ سنوات اليوم حملت من كانت تحمل لها دوما الحقد والعداء إلي قبرها راضية داعية لها بالخير واليوم أيضا تقف أمام من دفعتها دوما لتدفعها هي بالمقابل:

- أنا ماضعتش یا آشري بالعكس أنا لقيت نفسي اللي توهت عنها من زمان ، أنت اللي دلوقت محتاجة تفصلي بين حالتك وحالتي أومأت بالموافقة:

- فعلا زیاد مش جاسر ، بس أنت حملك أكبر مني ، ولادك . . . . ضحكة خافتة انفلتت منها ليست ساخرة بقدر ما كانت مريرة:
- هيبقالهم أخ أو أخت ، المدام حامل . كان زماني قاعدة أسمع منها عن تعب الوحم ، وتقوليلي آسفة فاتسعت عينا آشري بذعر وهتفت بإنجليزية خالصة:
he is an idiot- التفتت سالي لتطالع وجوه أطفالها المتعبة التواقة وبشدة للخلود للفراش والنوم وقالت:

- ماعدتش تفرق . . . أنا هروح إبقي طمنيني عليكي ، سلام رفعت كفها لتودعها وقد اطمأن قلبها أنها لم تكن مذنبة بحقها أنها لم تدفعها دون قصد لتعيش تلك المرارة التي تذوقتها مؤخرا ولم تدري أنها كالعلقم لإختبار كسر أقوى مايكون على ظهر المرأة وبالأخص عندما تفقد أبنائها فالكسر يكون مضاعفا    ودعت درية آخر النسوة اللاتي كن يتسامرن حتى ظهور السائق الخاص بإبتسامة صفراء فيما كان رنين هاتفها يتصاعد إلحاح مزر فأخرجته من حقيبتها متأففة لتجيب بصوت جاهدت لتجعله لطيفا قدر الإمكان:


- أيوه يا بابا أنا خلصت نص ساعة وأكون في البيت رد والدها منفعلا:

- ماتتحرکیش منغير طارق هوا جايلك في السكة فاشتعلت النيران في عروقها فأبيها أصبح يفرضه فرضا بين أدق خطوط حياتها اليومية وبالتالي أصبح الرسم الذي كانت تتعامل معه سابقا شاذا غير مألوف لعيناها:
- يا بابا ماکنش له لزوم تتصل بيه تكلمه يجي فقال الأب مدافعا بمكر:
- یعني أسيبك تيجي لوحدك في أنصاص الليالي نظرت درية مرة ثانية لساعة معصمها وقالت وهي تجز على أسنانها الأمامية بغيظ:
- الساعة عشرة إلا ربع تنصل والدها سريعا من التبريرات التي لا طائل منها وقال:
- خلاص اللي حصل حصل وهوا جاي ، استنيه مايصحش الراجل ياخد المشوار على الفاضي وما أن أنهى إتصاله حتى رن هاتفها مرة أخرى فتمتمت درية بغيظ:
- طبعا ما أنت كمان لازم تديله نمرة تليفوني خرجت درية للحديقة الواسعة ولمحت أضواء سيارته تشق عتمتها وفيما كانت تتجه نحوها سمعت إسمها يتردد خلفها فالتفتت له ولاحظت إقترابه العابس نحوها قائلا:

- أنا كلفت عم عيد السواق يوصلك أنت ومدام هدی ولكن بدلا من أن تتعالی موجاتها الصوتية الرقيقة بإعتذار تصاعدت نغمة صوته الخشنة بتحية المساء مقاطعا:

- مساء الخير يا درية فالتفتت أسامة ليطالع الرجل الفارع الطول والمرتسمة على وجهه إبتسامة مضيئة خصها فقط ل " درية " بشيء من الحيرة ردت درية تحية المساء بخفوت قائلة لأسامة:
- مافيش داعي سيادة العقيد هيوصلني ، متشكرة وعند ذكره مد يده مصافحا أسامة معرفا بنفسه:
- عقيد طارق الأسمر ، خطيب مدام درية وعندما لمح الذعر المرتسم بعيناها قال مصححا:

- أقصد بإعتبار ماسيكون تقبل أسامة مصافحته بإقتضاب وعيناه لا تفارق درية التي هربت بأنظارها بعيدا وداخلها فعليا تخطى مرحلة الغليان وسارت إلى جوار طارق بعدما تمتمت بوداع وشبه کلمات تقبلها أسامة شاكرا لجهدها في تلك الليلة العصيبة وظلت طيلة الطريق صامتة فقط لأنها تدرك جيدا أن الكلمات ستكلفها إنفجارا مأساوي النتائج حتى وصلا للشارع الذي تقطنه وتوقف بسيارته أمام العقار الذي تسكنه فتمتمت بتحية لتنصرف ولكنه أستوقفها قائلا بنبرة إعتذار:

- أنا آسف إن كنت دايقتك لكن . . . . فالتفتت له وقد حان موعد الإنفجار بتوقيت درية المسائي بعد مهازل تلك الليلة التي يبدو أنها غير منتهية:
- اللي حضرتك يا سيادة العقيد صرحتله بخبر الخطوبة واللي أنا ما أعرفش عنها حاجه ده يبقى رئيسي في العمل ، حضرتك فاهم ده معناه إيه ؟
هز رأسه مذعنا وقال راجيا:

- درية أنا بقالي كتير بحاول أقرب منك وآخر مرة كنا في المزرعة سوا أظن إني وضحت رغبتي في القرب ده ويكون بشكل رسمي همست غاضبة:

- وأظن إني وضحت إني ما بفكرش في الارتباط نهائي فاعترض طارق:
- لكن والدك . . . قاطعته بحزم:

- والدي ! أعتقد إني أنا صاحبة القرار ، وأنا مش لسه عيلة صغيرة فاقترب منها وعيناه مركزة على ملامح وجهها الغاضبة وقال ا بإفتتان:

- أكيد أنتي صاحبة القرار لكن أنا طمعان أنك تغيري رأيك وتديني فرصة فتحت باب السيارة وقالت قبل أن تنصرف:

- كان ممكن تطلب قبل ما تصرح بحاجة بإعتبار ماسيكون ، وعموما أنا متشكرة على تعبك فترجل هو الآخر واقترب منها بخطوات مسرعة وقال بإنفعال ملح- أنا آسف وبعتذر منك حقيقي لكن أرجو أنك فعليا تديني فرصة ، لينا إحنا الأتنين نظرت حولها بتوتر فالوقت قد تأخر وليس من المناسب أن تطيل الوقوف برفقته فهزت رأسها وانصرفت مسرعة نحو الدرجات التصعد للأعلى     حد الإنهاك حد الألم حد الفقد حد الوحدة حد البعد رغم القرب حد الذنب رغم الكبرياء حد الإشتياق حد الكرامة حد النهاية حد البداية حد المجهول حد الأمل حد الظلام الذي يقبع به منذ ساعة بعد إنصراف الجمع الغفير يبكي بصمت ، دموع قهرت عزيمته وانسابت لتعلن معها حد الضعف وبسنوات عمره التي تخطت الأربعون ، ضعف يختبره ولأول مرة ضعف يجده ساکنا بأضلعه ، أليفا ترتاح له نفسه أليس من حقه أن يشعر ولو لمرة بالحرية في كونه ضعيفا ؟


لقد رحلت من كانت ترفض ضعفه تحاربه قبل أن يعد هوا نفسه للحرب تركته رغم أنها تركت له دوما مؤشرات بقرب الرحيل ربما منذ سنوات ولكنه كان عنيدا لدرجة ظن معها أنها لن ترحل أبدا هل كان عنیدا ؟

، لا بل كان غبيآ كما نعتته مؤخرا رحلت ورحل معها اليوم الأخير ليبدأ من جديد وليست له أي رغبة في تلك بداية خطوات تسحق الحصى من خلفه ولم يحتاج أن يلتفت ليعرف هوية صاحبها فقال:
- قريت كل في الأظرف وأديت أخوك بتاعه ؟

جلس وافترش الأرض إلي جواره:

- أخده بس أظن مش هيقراه دلوقتي فالتفت له جاسر:
- بس لازم علي الأقل يعرف محتوى الباقي ، ده حقه نظر له أسامة وشعور بالشفقة مثير للإشمئزاز والحنق داخله يتصاعد نحوه رغم غضبه الشديد منه ، مشاعر مختلطة ارتسمت على معالم وجهه ففضحت ما هو مختبأ بين حنايا صدره حتى قال جاسر منزعجا:
- مالك ؟
أنت مفكر أني قولتلها تعمل كده ؟

هز رأسه نافيا وبشدة:

- أكيد لاء ، لأنه ده مش في مصلحتك تنهد وقام فقد سأم الجلوس والتراخي:
- لا مصلحتي ولا غير . . ولا هيفرق معايا فرفع أسامة قامته هو الآخر وقال مؤنبا بغيظ:
- واضح ، ولا يفرق معاك حتى أن يكونلك من كل ست مرت في حياتك ابن ولا بنت يشيلوا عاهات تفكيرك حد الغضب ومشاعر أخري على الجانب الموازي ، خيانة وكشف ، وتوقيت سيء والأدهی تورط- وأنت عرفت منين ؟

والضحكة الساخرة دقت أجراس الليل والظلام ورغم أنف التقاليد ، كانت من نصيبه:

- هوا أنا بس اللي عرفت؟!
فكان حد الإنتقام وذراعها القابع بين قبضته بصرخ ألما ولسانها يصطرخ:
- جاسر أنت اتجننت ؟
وهسیس صوته المنبعث من بين إصطكاك أسنانه الدامي أثار ذعرها:
- أنت إزاي تجرؤي تقلبي عزا أمي لصوان تهاني . أنت مابتحسيش فامتقع وجهها وغادرت الدماء ولا رجعة قريبة لها على مايبدو:
- بيبي أنا ماقصدتش- أخرسي أنا مش بيبي ، أنا جاسر سليم وإن كنت نسيتي مين هوا جاسر سليم يبقي أنت محتاجة اللي يفكرك هل ظنت أنها سترى الشيطان يوما رؤى العين بوجهه المتجهم؟!

هل ظنت أنها ستكون يوما على مقربة من أبواب الجحيم بأنفاسه الملتهبة؟!

هل ظنت أنها ستفقد أنفاسها رغم أن كل ما يحتبسه بين أنامله غليظة الملمس والقوة ، ذراعها الأيسر؟!
والسبب نظرة عيناه وفقط- أنا آسفة ، حقيقي أنا آسفة ، صدقني أنا آسفة همست راجية ، فجل ما ترجوه هو النجاة خشیت وإن علا صوتها فستفر شیاطین غضبه من معقلها ويقبض على أنفاسها لأنها تجرأت فقط وارتفعت حد الكراهية- مافيش خروج من باب البيت وهتحترمي ذكرى أمي وسيرة الحمل ده ماتجيش سيرته على لسانك وبذراعها السليم احتضنت الأيسر مثيله ونظرة رعب خالصة تلقي بظلالها على عيناها فلقد عاد بضعة خطوات للخلف وبصوته الساخر المتوعد تابع حديثه:
- أنت مفكرة إنك كده بتربطيني ، غيرك مشيت وغصب عنها سابته لأنه ببساطه أصبح يخصني وأنا اللي يخصني مابيتلویش دراعي بيه تحشرجت أنفاسها وعقلها يرفض أنه يلخص أمنيتها بكيونة الأمومة لطفل يكن هو والده لمجرد ملكية لا نزاع عليها ، لقرار بالتحفظ والأسر ، لعقاب إن أراده يوما كما فعل بسابقتها:

- ده ابننا على فكرة مش ليك لوحدك والرد كان فوريا حد الإقرار ولا مجال للنزاع- بيتهيألك ، صلبي وملكي ملكية لا نزاع عليها ملكية لن يفرط فيها فالنساء بحياته وضع مؤقت ومن تردن منهن الرحيل يمنحها حريتها وفورا ولكن من تسري بعروقه الدماء فلا مجال لرحيله إلا بإرادة الله عز وجل هو ليس بظالم وليس بذلك المتجبر بل هو دیکتاتور بنزعة ديموقراطية خالصة قد يظنها البعض تهاونا وتخاذلا ولكنه فقط يدرك حدود ملكيته أتظن نفسها امتلكته بطفل لتصرح بحملها علنا حتي يعرف القاصي والداني أتظن نفسها صاحبة القرار ، ألا تدري أنه هو الآمر والناهي؟!


   تعويضا مناسبا ، هكذا كانت تفكر فأنفاسهم الهادئة المطمئنة بالقرب من صدرها كانت أكثر من تعویض مناسب لما مرت به منذ بداية اليوم مدت ذراعها لتحتضنهم أكثر وأكثر ، فكم اشتاقت لدفئهم لا تريد التفكير في الغد وما يليه وتبعاته الغامضة التي كانت ترهق لياليها سابقا هي الآن تشدو فقط للراحة والنوم بأحضانهم ففيها سكينتها ورغم ذلك شهد الفراش تقلب جنباتها بغير راحة حتى سمعت آذان الفجر يشق سكون الليل فقامت لتوضأ وتفرغ ما في جعبة قلبها في سجود مطول وبكاء لا تدري مصدره ولا سببه ولكنها شعرت بالراحة في طرد الدموع خارج مقلة عيناها وارتاح قلبها بالتخلص من ذلك العبأ وفي الصباح استيقظت متأخرة وبالكاد تستطيع اللحاق بموعد عملها وسمعت أصواتهم الضاحكة برفقة أمها فخرجت من غرفتها وعلى وجهها ترتسم إبتسامتها المشرقة ، وارتمى الصغار بأحضانها وقبلها سليم بقوة وهو يلقي عليها بتحية الصباح وسلمی تقول بإنفعال ضاحك:


- المدرسة راحت علينا ابتسمت لها سالي وقالت:

- وواضح أنك مبسوطة ألقت تحية الصباح على والدتها وقبلت رأسها ولم يغب عن ناظريها نظرة أمها المتأملة والمتألمة لحالها وقالت هاربة:
- أنا يادوب ألحق الشغل فعبست مجيدة:
- ما تاخدي أجازة وريحي يابنتي النهاردة واقعدي مع ولادك هزت رأسها بإعتراض:
- مش هينفع يا ماما أنا غبت إمبارح ممكن بكرة أو بعده ، بس ححاول أرجع بدري ماتقلقيش تناولت فطورها برفقة أسرتها الصغيرة سريعا وارتدت ملابس الحداد کالأمس دون تفكيير ، فقط لم تستطع الخروج من المنزل بملابسها المعتادة    قطعة من الورق هذا ماتبقى له بحوزته کلمات تحمل له ذکری غالية ووصية ثمينة تعوضه بجزء يسير من فقدان ثروته ولكنها فشلت في تعويض روحه التي تشعر بالخواء دون أنفاسها لم يكن قريبا منها ولكن كان يكفيه مجرد المعرفة بأنها موجودة في إنتظاره بأي وقت واليوم ماعادت بإنتظاره عودته كما إعتاد لقد رحلت ورحل معها شعوره بالاطمئنان لقربها سمع طرقا على الباب فرفع رأسه ومسح عيناه بسرعة وطالع وجه أخيه المتجهم الذي ما أن رآه مرتديا حلته حتى قال:

- أنت رايح على فين على الصبح كده ؟

فرد بإقتضاب:
- راجع القاهرة فزجره أسامة ساخرا:
- مستعجل ليه ؟
وراك إيه هناك أهم من اللي هنا ؟
تنهد زياد بتعب وقال:
- ماعدتش تفرق يا أسامة صدقني ، عموما أنت معاك أكيد نص من الوصية ورقم حسابي في البنك أنت عارفه ولو جاسر مش عاجباه الوصية فأنا هاخد نصيبي کفایه قبض أسامة على ذراعه وقال غاضبا:

- أنت مش كل موقف تتحط فيه تهرب منه . اتحمل مسئوليتك للآخر أنا وأخوك مش مسئولين عنك فرد زیاد بغضب أكبر:

- أنت بتسمي ثقتي فيكوا تنصل من المسئولية يا أسامة فعقد أسامة حاجبيه غاضبا:
- أقف وواجهه ، أطلب حقك ، دي شركتك فهم زیاد ما كان يرمي له أخيه فقال مستهزءا:
- وفكرك هيدهالي وبعدين ملعون الفلوس اللي هتخسرنا بعض ، خليهاله ، أنا الحمد لله ماشي في حياتي كويس ومش ناقصني حاجة هز أسامة رأسه وقال معنفا:
- وأنت فاكر أخوك طمعان في فلوسك ، هوا عاوز يحس أنك خايف على أملاكك واتعلمت الدرس فمضى نحو الطاولة ورفع الظرف الذي خطته أمه بيدها وقال بأعين دامعة وأنفاس مختنقة:

- صدقني أنا اتعلمت حاجات كتير أوي خصوصا بعد ده ، ده أعظم درس فنكس أسامة رأسه وتمتم معتذرا:

|- أنا مش قصدي . . . . فقاطعه زیاد بصوت هادیء:
- أنا عارف أنك بتخاف عليا ، علينا ، بس اطمن أنا كويس وراجع إن شاء الله قريب   غيابها المفاجيء بالأمس بالإضافة لهيئتها المتشحة بالسواد صباحا أثار قلقه ، ولم يستطع منع نفسه من إستراق السمع لهمهمات العاملين حولها حتى اقتنص فرصته بالإقتراب عندما كانت بمفردها في العيادة طرق الباب بخفه وابتسم لها على حذر وهو يقترب:
- البقاء لله هزت رأسها وقالت بأسف:
- أنا آسفه على غيابي المفاجيء إمبارح والنهاردة كمان جیت متأخر و جلس وعيناه لا تحيد عنها:
- مايهمكيش ، أنا عرفت أنها كانت حماتك ، أأقصد اللي كانت هزت رأسها متفهمة وقالت لترفع عنه الحرج:
- آه الله يرحمها فقال بفضول لم يستطع كبحه:

- هيا كانت مقربة منك ؟

إرتسمت الحيرة على وجهها ، ولم تدر لوهلة ما الإجابة هل كانت يوما مقربة منها ؟
حسنا ، إذا كان الشجار اليومي والمشاكل التي كانت لا تحصى ولا تعد ، تقاربا فنعم هي مقربة وللغاية كان ينظر إليها محدقا بكل خجلاتها والانفعالات المتابينة التي تمر على وجهها مرور الكرام تباعا حتى قال:
- للدرجادي الإجابة صعبة؟!
ضحكت ساخرة رغما عنها وقالت وهي تشعر بالحزن لأنها وأخيرا تلقنت الدرس على نحو جيد ومؤسف في الوقت ذاته:
- یعني أحيانا بتعيش مع ناس عمرك كله ماتحسش بوجودهم أو ساعات بتتمنی تبعد وساعة الفراق تحس أن العشرة كانت حاجة مهمة أوي هز رأسه متفقا معها وزم شفتيه مستاءا:

- الفراق بيعيد ترتيب حساباتك ، بيخليكي تشوفي اللي ماكونتیش عاوزه تشوفيه قبل كده صمتت لبرهة ، بالفعل لقد أعادت هي ترتيب حياتها بعد الفراق أبصرت تغيرات جذرية أطاحت بما كان في مأمن ومسكن ومستقر أطفالها في المقام الأول ولكن هل خسرتهم بالفراق ؟

لم تشعر بخسارتهم ولكنها باتت تشعر الآن وعلى نحو يومي بقيمتها بحياتهم بقيمتها هي في الحياة ولكن مع ذلك تتوق لمعرفة قيمتها بحياته ، هل يفتقدها ؟
سخرت من نفسها وبشدة عند تلك الخاطرة فالزوجة المصونة تحمل بأحشائها بذرة تنمو ، فأي إفتقاد يشعر به ؟
لقد محيت من حياته وشرع هو بإستئناف مسيرته على أكمل وجه كل ذلك وملامحها باتت مدروسه بإتقان بين ثنايا عقل کریم الذي أصبح متعلقا دون يدري بخباياها حتى قال دون مورابة:

- سالي أنت انفصلت عن زوجك إمتی ؟

إنتشلها من بحور حيرة أفكارها لترتسم الدهشة على ملامحها بل والصدمة ، إذ أنه لم يسأل فقط عن أمر شخصي يخصها بل رفع أيضا الألقاب الرسمية بينهما ونادها بإسمها ومع ذلك لم تتمالك لسانها الصريح وأفصحت عن ما يدور بخاطرها:
- مش شايف أنك بتسأل في أمر شخصي جدا؟!
هز رأسه وقال بإصرار وعيناه مركزة على تورد وجنتيها الخفيف:
- عارف ، بس على نحو ما حاسس أنه حقي ماتسأليش إزاي فضحكت رغما عنها وقالت:
- أنت صريح أوي هز رأسه متفقا معها:
- مش بيقولو الصراحة راحة ، وبلطف أردف:

- ماجاوبتيش عن سؤالي فأجابته ببساطة:

- بالظبط 91 يوم فلمعت عيناه وهو يكرر بهمس ورائها:
- شهور العدة زائد يوم فهزت رأسها صامتة وساد الصمت بينهما لوهلة حتى قام فجأة وقال قبل أن ينصرف:
- عشان كده النهاردة وشك باين عليه أنفاس الحرية فعبست متعجبة ولم تفهم ماذا يقصد أو فهمت ولكنها لم تصدقه هل تحررت بالفعل من أسر جاسر سليم؟!
هل باتت تطير حرة في سماء الكون بعيدا عن فلكه؟!
  ببساطة لا يوجد تعريف آخر على ظهيرة الأرض سواه فهذا هو جاسر سليم يدفن أمه بالأمس القريب وفي اليوم التالي يظهر بكامل عنفوانه حلة أنيقة قاتمة ذقن حليق عطر يصيب المحيطين بالدوار وخطوات واثقة كأنما تخضع حدود جاذبية الأرض لقوانينه الخاصة راقبته درية وهو يتقدم منها ملقيا عليها بتحية الصباح بنبرة صوته الهادئة وأتبعها بأمر حاسم:

- کلمي مجدي المحامي خليه يجي ، واتصلي بأسامة بلغيه بالمعاد اللي هيوصل فيه مجدي هزت درية رأسها وشرعت بالفعل في أداء ماطلبه منها وماكانت سوی ساعة من الزمن حتى كان يجلس برفقه أخيه والمحامي الذي كان يقلب أوراق الوصية التي تركتها الراحلة متحيرا وإمارات العجب مرسومة بوضوح على وجهه حتى قال:

- أنتوا یعني موافقين على الوصية بالشكل ده إحنا ممكن نطعن فيها لأنها مش مستوفيه الشروط القانونية زجره جاسر بنظرة نارية ونبرة صوته إحتدت:
- الوصية هتتنفذ بحذافيرها أنا جايبك عشان تبدأ في الإجراءات نظر له مجدي ومن ثم لأسامة الساكن والذي كان يبدو أنه متفقا مع أخيه فقال مرة أخيرة:
- وزیاد موافق هوا كمان ؟

فرد أسامة مؤكدا:

- أيوا ماعندوش إعتراض حمل المحامي الأوراق وقال بعملية وهو يهم بالإنصراف:
- إذ أنا محتاج أقعد مع دادة نعمات ومدام سالي وزياد مفروغ من أمره وبالنسبة لبقية التركة فهبتدي في إجراءات إعلام الوراثة | فورا خرج مجدي مسرعا وهم أسامة بالإنصراف وراءه ولكن جاسر استوقفه قائلا:
ا- ماکنش قادر يستنی كام يوم كمان ؟

تنهد أسامة والتفت له مؤنبا:

- زیاد بیمر بوقت صعب يمكن أصعب مننا وأنت الوحيد اللي تقدر ترجعه هو المتهم الأول والأخير كان حريا بهم القول " فتش عن جاسر سليم " وليس عن المرأة كما قال نابليون فابتسم متهكما وهو يخرج من درج مكتبه مظروفا ألقاه ليد أخيه فتلقفه عابسا بعجب:
- إيه ده ؟
فرد بإقتضاب:
- افتحه تطلع أسامة للأوراق التي تثبت ملكية زياد لشركته وعقد البيع الذي خطته " داليا " بتوقيعها لجاسر مباشرة ومن ثم بتاريخ لاحق عقد بيع من جاسر لصالح زیاد فغمغم أسامة خجلا:
- کنت مفكر أنك . . قاطعه جاسر غاضبا:

- على فكرة لولا أن الشركة كانت محتاجة شغل كتير مني وطبعا أخوك لغي التوكيل اللي كان بيني و بينه أنا كنت خليت عقد البيع من داليا ليه مباشرة ، أول ما أمور الشركة أتعدلت عينت مجلس إدارة وعضو منتدب مسئول عن أمور شرکته اقترب منه أسامة وأعاد له المظروف:

- خليه معاك ، كده ولا كده أنا حاسس أنه ماشي في طريق ومش هيغير مساره دلوقتي رفض جاسر عرضه وقال مصرا:
- خليه معاك أنت ، أنت اللي هتدهوله وقت ماتحس أن مساره أتعدل وهمس وهو يعود للوراء متنهدا بعتب:
- أنا فيا اللي مكفيني جلس أسامة وأنظاره مرتكزة على وجه أخيه يحاول إستنباط مايدور في عقله من أفكار معقدة:
- سوسن الله يرحمها عقدتهالك ، خمسة مليون لحساب سالي مش مبلغ هين رمقه جاسر بغيظ:
- ده الشماتة هتطق مع عينك يا أخي فضحك أسامة بصخب قائلا:

- قال يعني أنت هتغلب بكرة تلاقي طريقة تعيد بيها الوصال ، هيا يعني هتعرف تعمل حاجة بالفلوس دي كلها وأقطع دراعي إن ماكنتش ترفضهم تألقت أنظاره وكأنما بعثت النشوة من جديد بخلاياه ، ودبت الحماسة بأوصاله فمهما تقطعت الخيوط بينهما ومهما صارت لعبته بعيدة عنه ومهما شعر بیدیه عاجزتين عن الإمساك بها فستتجدد الخيوط بينهما تلقائيا وللقدر تدابیره فغدا تعود لعبته بمكمن بين أصابعه وتلك المرة سيحرص على جذب الخيوط وشدها بقوة فلن تبرح مكانها بين أنامله ذلك قدرها المرسوم منذ البداية فهي دائما وأبدا لعبة عاشق أنظاره قاتمة سوداء كحلته خرج ولم يبرح مكانه من أمام مكتبها المستطيل فرفعت أنظارها الحذرة نحوه وقالت ببرود:


- خیر یا باشمهندس؟!

فرد ببرود يماثلها:
- من هنا ورايح إطبعي نسخة زيادة من التقارير المالية للمجموعة تعجبت وقالت:
- ليه ؟
فقال ساخرا:
- بعني علي إعتبار ماسيكون رفعت رأسها بغتة واحمرت عيناها وارتسمت ملامح الغيظ على وجهها وقالت:
- وياترى إيه اللي سيكون ؟

فاقترب منها وبفحيح صوته أجاب:

- ده اللي مستني أعرفه منك يادرية فقامت وانتصبت قامتها نحوه بتحدي:
- شؤوني الشخصية مش من حق أي حد يحاسبني عليها فاكفهر وجهه بطوفان غضب وقال بصوت جعلها تهتز في وقفتها رغم أنه لم يكن مرتفعا بل بالكاد مسموعا:
- إلا أنا...

iklan banner

Abdulrhman Sayed
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع قصص وروايات .

جديد قسم :