رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل الأول

أسدلت الشمس أشعتها الحمراء على الكون محجوبة خلف السحب وكأنها تنزف دمًا علي وجعها وما مرت به ليلة أمس ، كان يوم تتحرك عقارب ساعته ببطء يلدغ طرف قلبها علي مهلٍ ، رجفة خفيفة أصابت قلبها فجأة ، رفعت أصابع كفها ثم بسطتها مجددًا ببطء شديد ، تتراقص جفون عينيها متمردة كأنها ترفض هراء هذا العالم واِستخفافه بألم تلك العضلة الموجودة أقصي اليسار ..


اِبتلعت تلك الحسناء غصة أحزانها لترطب حلقها بما أصابه من جفاف الوجع ، اتخذت عدة أنفاس متتالية كأنها تتأكد هل ما زالت علي قيد الحياة أم بُعثت لدار الخلد .. أصابها اليأس في مقتل عندما تحسست دقات قلبها وجدته يتراقص علي أوتار وجعٍ يقرضها من الداخل ... انتقلت أناملها من فوق قلبها إلي طرف عينيها لتزيل الدمعة المنسكبة التى باتت في عينيها منذ ليلة أمس ..


اتاها صوتاً جعلها تنهض كالملدوغه

 ماتقومى يااختى ... نموسيتك كحلي

ارتفعت دقات قلبها وسالت سيول دمعها فوق وجنتها أكثر وهى تلتقط أنفاسها بقوة

زاد معدل الطرق علي الباب ، كأنه يتنافس مع ضربات قلبها ..
- يعنى نموت من الجوع هنا ماتحنى علينا ،،، قومى يلاا بلا دلع بنات ...

أردف زوج أمها كلماته الأخيرة قبل أن يبتعد عن أعتاب غرفتها التى تحكم غلقها كل ليله خشية من نظرات ذلك اللعين ، انتصب عودها ودارت بجسدها حتى لمست أقدامها أرضية الغرفه الباردة ، طافت بعينيها تبحث عن نعالها ساندة قلبها بكف يديها مرددة


- يارب بقي هون عليا العيشه دى ..


رجّت رأسها قليلاً محاولة تشتيت ذكرياتها الأليمه التى تنهشها من الداخل متنهدة بصوتٍ عال ثم ألقت نظرة خاطفه علي شاشه هاتفها

- مممم اماا اشوف زين بعت حاجة ولا لا .......

وسرعان ماتراجعت بعيون سبحت في محيط الدمع وهي تردد بصوت مرتجف

- ز .. زييي ... زين !!!!! احنا سيبنا بعض امبارح حقيقي ولا دا كان كابوس ؟!!!!

بللت حلقها مجددا ثم أردفت قائله

- لا احنا متخانقين شويه بس وهنرجع تانى أكيد ، هو عارف إن قلبى متعلق بيه ومستحيل ههون عليه ... عادى يعنى مااحنا يااما اتخانقنا .. بس هو ليه قلبى واجعنى اوي المرة دي .. هو معقوله يكون مش هيرجع ..

فتحت درج الطاولة الجانبية الصغيرة وامسكت بصورته المدفونة بين ورقات دفترها .. شقت ثغرها ابتسامة باهتة

- صباح الورد عليك ...

فرت دمعه من طرف عينيها فسقطت علي صورته ، فشهقت بصوت مكتوم وهي تمد إبهامها لتزيل دمعتها من عليها ، استمرت تتأمل ملامحه بحسرة ووجع وهى تمرر أناملها لتتحسسها فنحن جميعا نتحسس الأشياء عندما نفقد الأمل في وجودها .. ثم ابتسمت بيأس وهى تردد لتوهم نفسها


- أكيد كلامك اللي قولتهولى كان في ساعة عصبية وضيقة .. حق أنا عارفاك لما بتتعصب مابتشوفش قدامك ..


جففت الباقي من دموعها بطرف كُمها ثم أكملت قائله

- أنا هقوم دلوقتى أفطرهم وهرجع ألقى رسالة منك زي ماعودتنى كل يوم .. ماتخلنيش استنى كتير ،، ممكن !!

وضعت صورته في مكانها المعتاد ثم وثبت قائمه وهي تجفف وجهها وتلتقط عدة أنفاس متتالية

- اجمدى يا داليدا اجمدى ، زين معرفش الحب غير معاكى فمسير الحب يرجعه ... هو كان بيقولى كدة ..

استجمعت شتات شملها وخرجت من غرفتها كجبل صلب قوي من يراه يخشاه ولكن مابداخلها تصدعات وشقوق أوشكت علي الانيهار ...

أصوات تصدح بداخله جعلته يستيقظ من نومه الهادئ مسح بكفه الخشن على وجهه وهو يغمغم بنوم :
_ صباح القلق زمان دليدا باعته مليون رسالة
دليدا ...؟!
دليدا...؟!
لقد انفصل عنها بالأمس تذكر بكاءها صدمتها توسلها له ولكنه تذكر أيضا تلك المشادات الدائمة بينهم أزال عن باله تلك الذكريات واستقام يعد قهوته رفيقته العزيزة وهو يردف بهدوء :
_ القهوة لا تكذب وإن كانت كل يوم بوجه.

ابتسم بحنان لصورة والدته الراحلة منذ سنوات وهو يردد :

_ صباح الخير عليكي يا ماما وأنا مش بخير من غيرك عشر سنين من غيرك يا ست الكل
امبارح أنا ودليدا سيبنا بعض دليدا مملة وصعبة أوي امبارح مكنتش زعلان وأنا بسيبها بس هو النهاردة أنا حاسس بلخبطه سيكا يعني ووجع خفيف بس أكيد هيروح الواد أكرم عازمني علي الغدا مامته بتعمل أكل حلو أوي بس مش أحلى من أكلك هقوم أروح أفطر وأروح لأكرم وأرجعلك يا ست الكل بالليل مش هتأخر عليكي علشان متزهقيش.
قبل وجنتيها الظاهرين بالصورة واتجه يبدل ملابسه ويغادر.

_ وأنت بقا سنجل ولا مرتبط يا زين

ابتسم بتلاعب وهو يردد :
_ ده أنا لو مش سنجل اسنجلك نفسى والله سنجل يا قمر من امبارح الصراحة
صدح صوت ضحكتها وهى تقول :
_ يا بختي
_ ده أنا اللي يا بختي والله الفطار وصل افطري يلا ونتقابل بالليل عند أكرم فى الخن
_ ما تيجي نطير بعيد عن أكرم
_ نطير فين
_ العجمى عندك
اختفت الابتسامة من على وجهه ليردف بحدة وجمود :
_ العجمى لا واتفضلي افطري خلينا نمشي

ذلك الحي أصابه فى مقتل أنه حي ذكرياته الجميلة العزيزة حي داليدا المفضل لها وله ولن يلوثه بزيارته له مع أي فتاة أخرى حتى ولو انفصل عن داليدا.




في إحدى منازل حي امبابة


انتهت داليدا من إعداد الطعام ووضعه فوق الطاوله الخشبيه المستديرة ، ولم تخل من نظرات زوج أمها ( اسماعيل ) التى تشعر بها تأكل معالم جسدها المستتر ..


 عاوز حاجه تانى أعملهالك

وقفت أمامه بضيق وحنقة وهي تقول جملتها ، رفع حاجبه قليلا ثم أردف قائلا
- لو بس الجميل يحن علينا ويجى يقعد جمبي يحلى اللقمة معايا بدل ماهى نازلة وحيدة كدة .. ماتيجى تفتحى نفسي ياديلوو ..

نظرت له باشمئزاز وسرعان ما دارت بجسدها هاربة من حصار نظراته اللعينة

- انا هصحي أخواتى يفطروا قبل ماأنزل الجامعة ..

انسحبت من أمامه علي الفور ، مازال يتاملها بنظراته الخبيثة ثم أردف قائلا وهو يعبث بشاربه

- كنت فين ياخشب لما كنا نجارين ... يامستقووووى!!

أيقظت داليدا أخواتها من أمها ثم ارتدت ملابسها الفضفاضة وغادرت منزلها الأشبة بسجن يتربع في قلبه سجانها ...


لمست أقدامها أرضيه الشارع الطينى الممزوجة بأصوات المارة المزعجة ، كانت عيناها تطوف يمينا ويسارا كأنها تبحث عن جزء فقدته من أجزاء جسدها وربما فُقدت كلها ولم يبق منها إلا شبح يمر بين الخلق .. كانت تبحث عنه تحديدا في أوجه المارين حذاها حتى أن قلبها كان يرتعش بمجرد أن مر الشبيه او تنسمت ريح طيفه القابض علي قلبها بقوة ..


وصلت إلي موقف سيارات النقل تبحث عن سياراته التى كانت كل صباح تنتظرها ، ولكنها أصيبت بخيبة أمل جديد كمثل التى أصيبت بها فلم تجد اسمه علي شاشة هاتفها .. فاقت من شرودها علي صوت السائقإ

- ٢٦ يوليو يااابله ..

لم تلتفت إليه وأكملت طريقها بتثاقل شديد في قدميها ،، وصلت إلى مدرجها كالتائهة لم تع كم استغرقت من الوقت للوصول ، كأنها تصارع شيء ما بداخلها لم تصل له حتى الآن فلا تهتم بمحطات وصولها علي أرض الواقع ...


 يادودو .. مش بتردى. ليه عليا من امبارح ؟!

قالت شروق رفيقتها جملتها بعفوية وهي تقترب منها ..

رفعت داليدا عينيها بأسي

- انتى بعتى حاجه ....
- اه يابنتى وكنتى أون لاين طول الليل امبارح .. حتى زعلتينى منك والله ... كده تنفضيلى ...

نظرت لها بأسف

- سامحينى .. مخدتش بالى والله .. كنتي عاوزه حاجة ..

《《 عندما ننتظر رساله بعينيها من أحدهما فإننا نصاب بالعمى الكلى عن باقي البشر ، كأن الرسالة المنتظرة تأسر بين طياتها جميع الحواس الآداميه 》》

نظرت لها شروق بعيون غير مصدقة
- أخبار زين ايه ؟!!

اسمه كان بمثابة آله حاده مرت علي جدار القلب ، وقفت بجسدٍ مرتعش

- زييين !! انتى شوفتيه ؟!

تعجبت شروق من ردها وارتباكها ، فأردفت قائلة

- داليدا !! مالك ؟ انا بسألك عادى علي فكرة .. اتفزعتى ليه ؟!

شهقت نفسًا بألم

- انا ماشيه ..
قبضت شروق علي معصمها
- استنى .. والمحاضرررة ؟؟!!

زاحت كفها بعيدا

- مش قادرة بجد .. ابقي ابعتيلى الريكورد ..

تركتها داليدا قبل أن تنتظر منها ردا ، سارت خلف خريطة قلبها بدون وعى كالهائم علي وجهه في قلب الصحراء باحثًا عن طوق النجاة لينتشله من توهانه ..

 بعد ساعات
قادتها أرجلها لمكان ذكرياتها ، المكان الوحيد الذي ضحكت فيه كثيرًا واليوم جاءت إليه لتبكى له أكثر ، فالشاهد علي الضحك له كل الحق لمسح دمع العين ..

تحركت فوق أحجار شط اسكندرية بتوازن مختل كالطائر الذي أقسم على الطيران بجناح مكسور ، وصلت إلى المكان الذي عاش معهما لحظاتهم المسروقه من الزمن ، لمس الهواء البارد وجنتيها مختلطا بقطرات من أمواج البحر القويه التى رست علي وجنتيها بهدوء تاام كأن جيوش حزنها كانت أقوى من اندفاع الموج فنجحت بجدارة علي تهدئته وسكونه ..


ظلت طويلا تتأمل البحر مستلذة بخلوتها معه متكأة علي عكاز الصمت ، أصبحت ذكرياته ، طيفه ، كلماته ، لمساته ، ضحكاته تدور أمام عينيها كشريط سنيمائى .. ساكنة مكانها كالمصاب بشلل الذكريات ..

《《 يقولون أن المرأه حينما يهاجمها الحب تفقد القدرة علي كل شيء ،، وعندما تصاب بغيابه ذلك يهدد طاقات القلب بالنفاذ 》》
على طاولة الطعام
سيدة خمسينية تردد بحنان :
_ كل يا زين يا حبيبى
ابتسم هو بألم مردفًا :
_ بأكل يا سوسو تسلم إيديك ربنا يخليهالك يا أكرم.

أنهى طعامه الذي لم يأكل منه شيء يعبث به فقط يعبث مثل قلبه يوجد شيء يعبث به لا يعرفه لكنه يؤلمه حد الموت ..فقدان .. خذلان.. حقًا لا يعرف

غادر هو وصديقه إلى مقر شركته الذي سيتم افتتاحها عن قريب
يجلس وسطهم بنصف عقل نصف روح نصف قلب عقله فقده عندما رأي عينيها وروحه فقدها عندما فقد أمه وقلبه عندما ابتسمت له ولكن كل ذلك تعوّد فقط تعوّد انتشلته من دوامته اللعينة صوت أنثوى يردد :
_ يا زوز سرحان فى ايه
هز رأسه عدة مرات قبل أن يردف بخبث :
_ سرحان فيكى يا جميل واقفة بعيد ليه قربى هنا.

اقتربت وهى تترنح من أثر المادة الكحولية التى تناولتها مغمغمة :

_ بحبك يا زوز ومحبتش حد قدك والله
ردد بسخرية :
_ لا منا عارف متقلقيش قربى بقا هاتى الورق اللي هيتمضي ده وتعاليلى أكرم فين صحيح
أجابت بغنج :
_ فى المكتب اللي جنبنا هو و سوزى
_ يا حبيبتى يا سوزى
اقترب منها وهو يقبل شفتيها عنقها كفيها كل جزء بها يقبلها تارة وينظر للأوراق تارة ويأخذ رشفة من النبيذ الأحمر الذي أمامه مشروبه المدمر المفضل تمر أمام عينيه سحابة طيف دليدا ليزفر بحنق ويجذب الفتاة يقبلها مرة أخرى بعنف.

لازالت جالسه أمام بحر اسكندرية ساكنة العينين ، ولكن قلبها لم يكف عن البحث .. كأنها تريد البحث عن شيء تتعمد نسيانه .. ابتسمت بآسي كأن شبح ذكري ما هاجمتها


 أنا حقيقي حاسة قلبي طاير من الفرحة... أنا نجحت خلاص ، كدة عديت أول سنة من الكليه وهابقي صحفية اد الدنيا

قالت دليدا جملتها بفرحة وهى تتنقل أمام عينيه كطفلة مشاغبة حصلت للتو علي مرادها ..

وضع كفيه الاثنتين على ذراعيها حتى أصبحت محاصرة بأسوارهما ، تلك المرة الأولى التى تكون بقربه بهذة الدرجة .. كان قلبها ينجذب منها أوشك علي الانخلاع .. كانت مغناطسية عينيه قوية للحد الذي يمكنها أن تقلي بجسدها صوب بؤرة جاذبيته .. قلبه تحديدا ...


قطع زين حبال الصمت قائلا

- المهم دلوقتي مش هوصيكى علي دعايا وإعلانات لشركتى اللي ناوي افتحها .. كام مقال من إيديكى الحلوين دول .. دا أنا حتى زيزو حبيبك ...

احمرت وجنتيها بخجل

- أنت هتوصينى علي قلبي يازين .. وبعدين ياحبيبي احنا واحد ... فأكيد نجاحنا هيبقي واحد ..

اقترب منها خطوة سلحفيه قائلا

- إن شاء الله ياديدا هعوضك على كل وجع إنتى عشتيه .. وطول منا عايش هيكون هدفي الوحيد إني إزاي أخليكي طايرة من الفرحة ...

ردت باندفاع

- أنا عاوزة أبقي طايرة من الحب يازين ... الحب اللي محستهوش غير معاك ..

ابتعد عنها قليلا ثم وضع أناملها على شفتيه طابعا قُبلة دافئة قائلا

- وأنا أوعدك يا داليدا عمري ما هسيبك مهما حصل ...

شعرت بقلبي ينخلع بداخلى ، يقاومنى شعرت ، كلماته شنت الصراع بينى وبين قلبي .. قلبي يريد أن يحضنه حضن تسمع له آذانى صوت قرقعة عظامى بداخلة ،، ولكنى كنت أريد أن أحضنه أنا كحضن أم تملؤه حنان وحب يروينا سوياا ..


فاقت من شرودها علي صوت تكبير آذان العصر


نظرت في ساعتها

- خبر أبيض دانا يادوب الحق أرجع القاهره قبل العشا ..
لملمت شتات شملها بعد ما ألقت آخر نظرة علي البحر كأنها تودعه ..
- هرجعلك تانى عشان أنت اللي باقيلى دلوقتي ..

نصبت عودها متنهدة بحرارة ثم دارت بجسدها فجاة وللحظات أصيبت بالشلل ، كل عضو بجسدها عجز عن الحركة .. إلا قلبها لازال يؤلمها ضجيجه ، اغرورقت عيناها ، وتجمد الدم بداخلها .. ثم أردفت قائلة بذهول

- زين !!!! أنت هنا من إمتى ؟!!!!!
رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل الثاني

ظلام احتل عينيها وهي تراه أمامها يقف بجمود لا يوجد بعينيه شوق من الأمس إلى اليوم يقف صامدًا غير مباليًا لأسهم العتاب التى تصيبه من عينيها التى أصابها الذبول أي ذبول هذا الذي يحدث بين يومًا وليلة أجابها بهدوء :

_ جاي هو إني آجي هنا ممنوع أنتي ايه اللي جايبك مش خايفة تتأخرى أو حد يخطفك أو أي حاجة
أجابت بصوت مبحبوح من كثرة البكاء :
_ خايفة وجيت أطمن بريحتك هنا
زين ..؟ا

رجفة قوية يشعر بها عندما تنطق اسمه من شفتيها الناعمة أردف بهدوء على عكس الضجيج الذي بداخله :

_ نعم
تنهدت وهى تهمس بنبرة مهتزة :
_ زين أنت واحشني يوم واحد ومش قادرة فيه أفضل من غيرك أنا بحبك أرجوك متسبنيش أرجوك أنا مليش غيرك
لو زعلان منى علشان بتخانق معاك كل شوية
أو بغير عليك أوفر أنا هتغير أوعدك
بنبرة جدية مصطنعة أجابها :
_ داليدا كدة أحسن لينا أنا تعبت ومليت من العلاقة دى أنتي صعبة ومملة وحمل تقيل عليا.

وأنا مش قد الحمل ده أنا آسف بس لما أقولك الكلام دة دلوقتي أحسن لما أقولهولك بعد أربع خمس سنين واحنا بينا أطفال ملهاش أي ذنب

داليدا أنتي جامدة وجبل وهتعرفى تقاومى مشاكل الحياة
جلست أمامه على الرمال وهي على وشك البكاء تنظر له فقط وفى ثوانٍ تمرد داخلها وبكى بعنف شديد تبًا لبكائها وشهقاتها هتف باقتضاب:
_ قومى علشان أروحك
ردت ببكاء :
_ هروح لوحدى
صدح صوته العالى الشواطئ وهو يقول :
_ قولت قومى.

دقائق وكان على الطريق عائدًا بها إلى القاهرة

غفت هى من تعب البكاء والطريق وقبل الوصول للقاهرة ببعض الكيلو مترات أوقف سيارته وأخذ ينظر لها مجاهدًا نفسه ألا يقبل شفيتها المرتعشة من برودة الجو والبكاء وضع يده على جبينها وباليد الأخرى احتضن كفها الصغير مرددًا بتوجس :
_ كده أحسن ليا وليكي مينفعش أنا كمان أظلمك معايا صدقيني مينفعش
ترك كفها وانطلق مرة أخرى حتى وصل إلى الحى التى تقطن به ليوقظها برفق هامسًا :
_ داليدا قومى احنا وصلنا.

غمغمت بتقطع :

_ بابا ..، وحشتنى ..، أنا كويسة ..، بتسيب إيدي ليه ..، أنت مش قولت هتاخدنى معاك ..، بابا متمشيش ..لا استنى ...لاااااااااااااا
آه بابا .. بابا فين
ردد بلهجة مطمئنة :
_ اهدى ده حلم أنتى كنتى بتحلمي
نظرت حولها ِلثوانٍ قبل أن تترجل السيارة وهى تهزي :
_ كله راح كله مشي وسابني حتى أنت يا زين

ينشق قلبه نصفين لأجلها لما كل هذا الوجع هو من قرر واختار ونفذ فلماذا ذلك الشعور الذي يهاجمه كل شيء يؤلمه انطلق عائدًا مدينته قاصدًا إلى قبر والدته

ظلام دامس هدوء مخيف شئ يتكشل فى يدٍ تقبض على قلبه وهو يتحرك فى هذا المكان المرعب خاطف المحبين لكل محب حبيب هنا يشتاق له يتألم لأجله يفتقده فى كل مرحلة يمر بها وهو وصل لقمة الألم والفقدان يفتقدها فى الثانية وهو يتناول طعامه وحيد وهو يتفوق فى كل سنة دراسية فى الأعياد والمناسبات يوم ميلاده تنهد بقهر وهو يردد بصوتٍ عالٍ :

_ أه يا أمى وحشتيني ..، الدنيا واقفة من غيرك أوى أنا تعبان تعبان أوى حاسس إني لوحدي حتى داليدا اللي كانت مالية عليا يومي سبتها ده أحسن ليها مش هينفع تاخد واحد كل شبر فيه ضايع منه نص أو مات منه نص مات معاكى ماما القميص البيج اللي جبتهولى هدية آخر عيد ميلاد مبقاش بيدخل فيا بحاول ألبسه مش عارف كمان الأزرار بتاعته وقعت وأنا مش بعرف أركبها عارفة يا أمى مبخليش حد يعملى حاجة لما قميص يتقطع أو زرار ليه يقع بجيب غيره علشان مينفعش حد يعملى حاجتي غيرك يا أم الزين .. أنتي مبتزورنيش فى الحلم ليه زعلانة منى لو زعلانة زوريني وعاتبيني بس متقطعيش بيّه كده ومتطلبيش منى أسامح حد أنا مش مسامح ولا هسامح زوريني بالله عليكي مبقاليش غير زيارتك فى حلم جميل عايش بيه متقاطعنيش وغلاوتى أنا همشى بقا وهجيلك تانى يا حبيبتي فى جنته ورعايته يا أمى.


وصلت داليدا منزلها الكئيب محاولا عقلها أن يستوعب ما مرت به ، اليوم قادها قلبها لموطنه كأن قلبه أرسل تنبيه لقلبها ليجذبه لمكانهم .. وربما يكن قلبها هو من أرسل التنبيه لرداد قلبه فأتى به هائمًا على وجهه لمكان تواجدها ..


فاقت من شرودها علي صوت أمها (سعاد) وهي تعد العشاء لصغارها قائلة

- داليدا جات ياإسماعيل ؟!

اعتدل في جلسته مبتسمًا وهو يتغزلها

- القمر بتاعنا وصل .. طب والله البيت ما له لازمة من غيرك ...

خرجت أمها من المطبخ وهي تجفف كفها بالمنشفة

- الله !!! مش انا بكلمك ياراجل مابتردش ليه !!!

انتصب إسماعيل في جلسته مرتسم الجدية

- معلش التلفيزيون عالي وكدة ..

رمقتها بنظرة معاتبة ثم اقتربت من ابنتها

- ليه التأخير دا ياداليدا .. كنتى فين ياحبيبتى ..

نظرت لأمها بعيون باهتة ، حاصرها الأرق والوجع ثم أردفت قائلة بارتباك

- أصل ككان عندى كورس ونسيت أقولك ، وكمان موبايلي فصل شحن .

ربتت أمها علي كتفها بحنو

- طب ياحبيبتى يلا روحى غيري هدومك وأنا خلصت العشا أهو ..

أومأت إيجابًا ثم انسحبت بهدوء ، لم تشعر بأي شيء حتى ضجيج قلبها سكن .. سكن تماما وجف دمع عينيها وأصبح نفسها يدخل إلى رئتيها بصورة طبيعية ، تلك المرة لم يحمل معه حرارة الخزي والوجع .. أصبحت كلها تحت تأثيره ووجوده .. أغلقت باب الغرفة خلفها وبدلت ملابسها بتكاسل شديد ..


قربت من مكتبها الخشبي ثم أمسكت بدفترها لتكتب شيء ما ، وقف قلمها أول الصفحة حائرًا .. ماذا سيتكب !! لم لا تحركه اناملها !! لم لا تتخلص من قطرات دمعها بحبري !! الليله أين ذهبت دموع عينيها !! هل هي سعيدة أم حزينة ؟! اليوم تحاصرنى أناملها بنبضٍ هادىء عكس المعتاد ، لم أرتعش في يدها ..


أخيرًا تنهدت داليدا بارتياح ثم كتبت


 للمرة الألف أخوض حربًا بكُل قواي وجيوش جوارحي للقضاء عليك بداخلي ، فانهزم وبجدارة .. وسرعان ماأرفع راية الاستسلام وفتح بوابات حصن قلبي لتملكه ..

أحتاجُ إلى هُدنة لوقف أعمالك الاستحواذية على قلبي وعقلى ..ربما أستعيد بها قواي مجددًا
للأسف فالهُدنة ليست انتهاء للمعركة بعد
للتو آمنتُ بأن
لا مفر منك إلا إليك

تركت قلمها فوق دفترها ثم رفعت شعرها على هيئة ذيل حصان مغادرة غرفتها بسلام داخلى ، وجدت أمها وأخواتها التؤام الصغير  عمر و زينه


زينة بصوت طفولي

- ياديدو وحستينى أوي ..

طبعت قبلة علي وجنة أختها ثم جلست بجوارها


سعاد بحنو : ما تاكلي ياداليدا مالك يابتنى مخطوفة ليه كده ..


ابتسمت ابتسامة باهتة

- لا ياماما أنا كويسة ...

عمر بصوت عفوي : مش تباركى لماما ياديدو !!


رفعت عينيها قليلاً ثم أردفت قائلة

- أباركلها علي إيه ؟!

ضحكت أمها : أنا اترقيت وبقيت مدرس أول .. يعنى المرتب زاد ومش هخليكم تحرموا نفسكم من حاجه خالص ..


داعبت شفتيها شبح ابتسامة ثم قالت بهدوء

- مبروك ياحبيبتى ...

نفث ( إسماعيل ) سحب دخان سيجارته وهو ينظر لداليدا نظرة خبيثة قائلاً

- ربنا يخليكى لينا ياسعاد ومنتحرمش منك أبدًا ..

اتسعت ابتسامة أمها

- ويخليك لينا ياإسماعيل وأنت دايمًا مضلل علينا كده وحمايتنا وسندنا ..

شعرت باشمئزاز يحتلها سرعان ماتركت ما بيدها ودلفت إلى غرفتها وهي تلقي بجسدها في منتصف مخدعها

- بابا مكنش يستاهل منك كل دا ياماما !! لو كنتى فاكرة إنك كدة بتعاقبيه تبقي غلطانة .. أنا اللي دفعت التمن بزيادة . ...

‏《《لقد بدأت روحي تنتقم مني، بات هذا واضحًا

لم أعتني بها بشكل جيد ، أرهقتها ف كل شيء .. فأنا ثمرة الحب التى أهُلكت بسبب جذعها 》》



 في العجمى


بعد منتصف الليل وصل إلى شقته المظلمة الذي لم يكرس أي اهتمام لإشعال نورها .. إنه يصم حواشي منزله ، أردف سريعًا نحو غرفته واضعًا مفاتيحه فوق ( التسريحة ) ثم وقف أمام نافذته يتأمل أمواج البحر القويه التى تنحت في الحواف ، كان حاله لم يختلف كثيرا عن حواف البحر .. فالموج يفتت بها هنا وهناك وهي صامتة لم تطلب الاستغاثة ظلت محتفظة بصلابة بصرف النظر عما ينهار من جوابنها ،، عقد ساعديه متنهدًا ثم أردف قائلاً:


إنني ملأت بأجساد النساء جيوبى .. ولم أر قبلك إمراة وصلت لصميم قلبى


نظر الي صورتها المعلقة جانب فراشه

- غلطتك إنك عطيتى أكتر ماأخدتى ياداليدا .. وبصراحة إحنا كرجالة عاوزين اللي يشحتنا الحب ، عاوزين البنت اللي تلففنا وتنشف ريقنا ، حبك كان عفوي واندفاعى وللأسف من غير ماتحسي غرقتيني في بحر عينيكي ،، يمكن عشان حبيتك بعدك عنى كنت عاوز أحميكى مني .. أنا ماستاهلش حبك أنا زي السمك مابحملش جواز سفر بروح مكان ماأحب وقت ماأحتاج ، كل ساعة بتعجبنى حاجة بنت شكل إلا أنتى عجبتينى وملكتينى كلك ، وأنا كان لازم أعاقب أنانية قلبي ببعدي عنك ، عمرى ماكنت هكون الفارس اللي مستنياه بحصان يخطفك من الضلمه اللي حواليكى ، بعدت عنك عشان مش عاوز نهاية اعتيادية للحب تنتهى ببيت صغير وطفلين ينادونى  بابا  ،، صدقينى أنا مستاهلش ... وأنتي بعيدة عنى فى أمان أكتر.

أخذ صورتها وأنزلها من فوق الحائط ثم وضعها مقلوبه فوق سطح مكتبه ، دار بجسده ليروي جسده بالماء كأن شيء ما بداخله يحترق يود أن يُطفئه ،، علقت عينيه بصورة أمه الباسمة ..


- دلعتينى زيادة يافوفا .. ومشيتى قبل ماتربينى .. ودلوقتي أنا اللي بدفع التمن ...


(اكل الحب من حشاشة قلبي والبقايا تقاسمتها النساء)

 نزار قبانى

وصل للمرحاض ملقي بجسده في حوض المياه الفاتر متذكرًا


 زين أنت اتجننت !!!

أردف أكرم جملته بصوت خشن وقاسي مندهشًا على حال رفيقه الذي ينفرد بموظفته في مكان عملهما ..

ابتعدت سونا عنه قليلا ولم يعتريها أي خجل أو اهتمام ..


اقترب أكرم من رفيقه ينهره بقوة

- فوق بقي ياأخى فوووق ... وسيب الزفت دا اللي ف إيدك ..

دفعه زين بعيدا عنه

- سيبنى ياأكرم .. سيبنى محدش حاسس بيا ..

فاجئه رفيقه بزجاج المياه التى سكبها فوق رأسه

- أنت حالتك بقت صعبة أوووى

هز زين رأسه بكلل ليشتت قطرات المياه من فوق راسه

- فوقتنى ليه !! كنت عاوز أنساها ..

انعفل رفيقه أكثر

- ياخى وتنساها ليه ؟! انضف وعيش عيشة بنى آدمين بقي وسيبك من القرف اللي غارس نفسك فيه .. بتعذب نفسك وتعذبها ليه

لأول مرة تنسكب دمعة من عينه بمرارة

- ماستاهلهااش .. هي تستاهل حد نضيف وطاهر زيها .. هي وحشانى لييييييه !!! أنا كنت فاكر إني هرتاح ببعدى عنها ..

راقبته سونا بذهول ودهشه علي حالة الضعف التى احتلته .. ربت أكرم علي كتفه برفق

- طيب اهدى وتعالي نقعد ...

أبعده زين عنه بقوة

- لا سيبنى أنا ماشي !! وفهّم المهندسة على الشغل المطلوب ...

تركهم زين وغادر يجوب الطرقات بسيارته ، يراها في كل أنثى تمر من أمامه ، يتمزق قلبه لفراقها لم يشعر بنفسه إلا أمام عينيها ، شيئا ما بداخله اطمئن ، كان يشتاق إليها كان شغفه يقوده ليتذوق دمع عينيها ولكنه صُدم بها تثرثر من جديد ، فلبس ثوب البرود والعند القاتل مجددا ، كأنه يستلذ بثرثرتها ، احتله جيش الكبر وقراراته التى لم تتراجع مطلقا .. فحنيتها تثير ما بداخله من نفور ، ربما لو استخدمت معه سلاح القسوة كان انهزم أمامها.


خدعوك فقالوا أن الحُب يأتى بدون ثمن ، متجاهلين ما يدفعونه من طاقاتهم الداخليه التى تتصدع لها قمم الجبال


فاق زين من شروده عندما شعر بأنفاسه تختنق تحت المياه كالملدوغ ، متنهدًا بصوتٍ عالٍ وهو يردد لعقله

- خلاص اسكت كفايه ،، بنت عجبتك سنة اتنين واتسليت زي ماانت حابب .. خلصنا بقي .. فوق لمستقبلك يازين فوق ... ولا أنت لعبت اللعبه وهتشبط فيها زي العيال .. تمشي واحدة يجي بدالها ميه ....
يتخيلها هنا وهناك كأنها كانت تقطن معه وغادرت غاضبه منه كأي زوجة .. زوجة هي ليست بزوجته هي حبيبته أراد البكاء أثر الشعور المهاجم له ظهر طيفها واضحًا يهمس له :
_ زين أنت أكلت.

أجاب بطفولية حزينة كطفل لم يتعدى السابعة وهو على مشارف الثلاثيين :

_ نسيت أنتي مكملتنيش تسألى
_ مكملتكش علشان أنت قطعت الخيوط اللي بينا يا زين يلا اخرج من هنا الجو برد عليك وتروح تأكل هتوحشني أوى على فكرة
اختفى طيفها كأنه لم يكن هنا ضرب بيده المرآه جعلها حطام كقلبه الحطام جلس أسفل الباب يبكى من كل ما يؤلمه ومن وحدته أول يوم فراق لم يتخيل أنه سيكون مؤلمًا هكذا رغم اختياره له لم يتخيل أنه سيسبب له كل هذا الوجع ..، صوت خطوات يصدح من الخارج ويقترب من المرحاض.

قبل ساعة عن أذان الفجر

كانت تجلس أعلى سريرها وفى يديها ألبوم الصور الخاصة بهم

الصورة الأولى

يوم ميلادها وهو يحتفل بها على شاطئهم الخاص شاطئ العجمى تقف فى دائرة ورد أزرق بفستان أبيض جعلها كالملائكة يحتضن كفيها ويقبلهم

الصورة الثانية

يوم جاءها من عروس البحر المتوسط خصيصًا ليفاجئها فى امتحانات فصلها الدراسي الأول بالكلية وفى يده باقة من الورد والشوكولاتة المحببه لديها

الصورة الثالثة

وهى تحت ذراعيه تبتسم بطفولة ووجهها ملطخ بالألوان المائية ويبتسم هو لابتسامتها التى تربك فؤاده

يجلس بجانب زوجته النائمة وفى مخيلته تلك الحورية القابعة بالغرفة المجاورة له تهدد كيانه الرجولي بالإنفجار من جمالها هيئ له الشيطان كل شيء ليتجه إلي غرفتها ويضع يده على مقبض الباب عازمًا على إطفاء النيران المشتعلة به.
رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل الثالث

أصابها الخوف في مقتل ، فزعت كالملدوغة  من فوق مخدعها ثم ثنت ساقيها بالقرب من صدرها ، كُورت جسدها حتى إصبع قدمها كورت بمجرد ان سمعته يقترب من غرفتها ويحاول فتحها ، ابتلعت. رياح صوتها أصبحت بكماء ، كل عضو فيها سكن إلا قلبها أصبح يتراقص كالطير الذبيح في آخر أنفاسه .. انسكبت دمعة حارة من طرف عينيها .. وازدادت سيول دمعها عندما سمعته يتفوه بصوت خافت

- افتحى يا داليدا .. دانا عمك إسماعيل !!

ظن أنه بذلك سيطمئنها ولكنه أرهبها أكثر ، تمنت لو يكون لصًا لتقاومه بكل ما أوتيت من قوة ، تمنت أن يكون قباض روحها ( عزرائيل ) على أعتاب غرفتها ولم يكن ذلك اللعين الذي استحوذ على فكر وقلب أمها متسللا إليها خلف جدار الحب ..


ابتلعت داليدا ما تبقي في لُعابها من رطوبة ، متجاهلة وجوده بعد ما اطمئن قلبها قليلاً عندما رأت الباب مقفولا ..


نحبت بصوتٍ مكتومٍ على مرارة حالها ، أصبحت كالسجين الذي يود أن يلحس أسوار سجنه ربما تنصهر من حرارة أوجاعه ، تمنت أن تجد مفر إلى آخر الدنيا أو بالأخص بعيدًا عن ذلك السجان ، ازدادت محاولات فتح إسماعيل للباب بحرص شديد خشيه من استيقاظ زوجته ..


 أنت واقف عندك ليه ياإسماعيل

أردفت سعاد جملتها بدهشة وهى تقف على أعتاب غرفتها بصوت يغلبه النوم ، انتفض زوجها من موضعه ، يبدو عليه بوادر الارتباك والتوتر ..

- أصل ... أصل ... أصل ..


عقدت سعاد حاجبيها

- أصل ايه !!!!! مالك ..

اقترب منها بحركات مطصنعه ليثير شفقتها

- كنت قايم أشرب سمعت داليدا بتصرخ وبتقول كلام كده مفهمتوش ، حبيت اطمن عليها وأسقيها بؤ ميه طلعت قافله على نفسها .... يلا الواحد مايعرفش يعمل خير فالبلد دى !!!!

ربتت امراته علي كتفه بحنو

- تشكر ياإسماعيل .. ماأنت أبوها ومربيها يعنى من وهى عيله آد كدة .. خش نام أنت وأنا هطمن عليها ..

طأطأ إسماعيل رأسه بتصنع ثم دلف إلى غرفته يردد في سره

- ماشي ياداليدا أنا وراكى والزمن طوويل ..

طرقت سعاد على باب غرفتها ابنتها

- داليدا حبيبتى إنتى صاحيه ...

لم تصدر داليدا أي صوت ، فقط إكتفت بصمتها الممزوج مع دمعها المنهمر .. تسللت أمها بهدوء من أمام غرفتها فاقتربت من صغارها النائمين بغرفة الجلوس ، بسطت عليهما الغطاء حتى عادت إلى غرفتها


- مالك ياإسماعيل .. أنت لسه منمتش يااخويا .


إسماعيل متكئا على جانب السرير مفكرًا

- أصل بفكر في كلامك .. مش سبق وقولتيلى افتح مشروع استرزق منه بدل قعدة العواطليه دى ..

عقدت سعاد حاجبها فوق رأسها

- اااه ياخويا .. يسلم فومك .. وناوي على ايه ؟

أجابها بمكر

-سبينى أدورها الأول وبعدين هقولك ..

ابتسمت سعاد ثم ربتت على كتفه

- ربنا يكتبلك الخير .. تصبح على خير عشان نازلة الادارة الصبح بدري .

رمقها بنظرة خبث

- وأنتي من أهله ياأم عمر ياغالية ...

ثم عاد إلى حبال تفكيره الدنيئ .. كأنه ينتوي فعلاً ما ..


 في غرفة داليدا

اعتصرت جفونها بمياه عينيها حتى غلبها النعاس فألقت بجسدها المُتهالك رغماً عنها حتى سبح في بحر أحلامها الذي لم يختلف عن سواد واقعها ، لم تخل أحلامها من رؤياه بمختلف حالاته ، مرة ضاحكًا وأخرى مستنجدًا ومستغيثًا بها ، استمرت في صراعه طويلاً لا تستطيع الهرب منه ولا إليه ..

ارتدى زين منامته ثم خرج من مرحاضه باحثًا عن مصدر الصوت ولا يخلو ذهنه من التفكير المستمر

- ياترى مين !! داليدا !! هى الوحيدة اللي معاها المفتاح !! بس لا مظنش إنها ترجع ...

قطع حبال الشك وأوهامه التي كان يرغب أن تتجسد أمامه ، كان قلبه يؤلمه قليلاً يشعر أنه بحاجة لرؤيتها ، ظهر أمامه رفيقه أكرم  ، شعر زين بقبضة اعتصرت قلبه

- أكرم !!! أنت هنا ؟!

أكرم ممازحا : أومال هناك ؟؟


- مش قصدى .. بس دخلت هنا اززاي ؟

أشار أكرم على شنطة زين الجلدية
- حضرتك نسيت دى فالمكتب ، وطبعا تليفونك مقفول ، وكنت قلقان عليك فقولت مابهدهاش بقى أما أطب عليه ... اي أنت معاك حد كدة ولا كدة جوه !!!

ابتسم زين رغم عنه

- والنبى أنت فاضي ورايق .. وأنا مافيش دماغ لرخامتك ...

- ياعم اضحك محدش واخد منها حاجه ..


ثم بسط أكرم كف زين واضعا مفتاح شقته داخل راحته

- مفاتيح ياهندسه ...

تأمل المفاتيح باندهاش

- دي المفاتيح اللي كانت مع داليدا !! أنت جبتها إزاي ؟؟

قضب أكرم حاجبيه

- يابنى كانت في شنطتك ..

تذكر زين اللقاء قبل الأخير بينهما ..

- دا آخر كلام عندك ؟؟
صمت زين ولم يبد أي رد .. اكتفى بالنظر طويلاً نحو البحر .. أومأت داليدا بارتضاء تخفي خلفه بركانها الذي يحرقها من الداخل .. ثم أخرجت المفتاح من حقيبتها العالق في ميداليه فضيه تطوى صورة لهما
- تمام .. اتفضل أظن إنه ملهوش لازمة معايا .. أبقى إديه لعروستك بقى اللي هتعمل ديكورات الشقه على مزاجها ..

قبض المفتاح المعدنى في يده ثم أردف قائلاً

- أشوف وشك بخير ..

أجابته باستياء

- ياريت تخليها آخر حاجة ممكن تتمناها .. يستحسن إنك ماتشوفنيش تانى يازين .. عن إذنك ..

خطت من امامه حاملة في قدمها بذرة وجع نابتة حتى رأسها .. تحارب عينيها كى لاتسقط قطرة استغاثه ، راجية قدميها أن تتحملها حتى مخدعها فقط ، راجية قلبها أن يكُف عن ركضه حتى تصل شط الامان بالأخص بعيدًا عن مرمى عينيه ..


فاق زين من شروده على صوت أكرم

- لا دانت مش معاايا خالص .. زين صباح الخير بالليل ..
- هااا .. أنت لسه هنا؟!
أكرم ممازحًا
 ماشي ياعم أهو .. خلاص اطمنت عليك .. المهم ٧ الصبح ألقاك في مقر الشركة .. عندنا شغل يهد جبل .. تصبح على خير ..

تركه أكرم في شروده ودوامة فكره الذي تسحب به إلى أسفل ، أسفل لا يدرك مدى نهايته ... ألقى نظرة أخيرة على المفتاح العالق بيده ثم ألقاه بلا اهتمام معاودًا إلى غرفته

- يومين ويروحوا لحالهم يازين .. بلاش والنبي كلام فارغ وحب وقلب فاضي ، وأنت هتشتغل نفسك ولا ايه !! نام نام أهم حاجه مستقبلك ...

ألقت الشمس ستائر أشعتها المحجوبة خلف السحب المتكثفه ، اكتفت بإصدار نور فقط بدون حرارة كأنها اكتفت بالحرارة التى في جوف سُكانها ..


انتهت داليدا من ارتداء ملابسها بعد كسل وعناء شديد ، خرجت من غرفتها لم تجد أحد بالمنزل سوى صوت التلفاز المرتفع .. دارت بجسدها وقفلت باب غرفتها خلفها ثم اقتربت من التلفاز أغلقته ، وأيضًا جثت على ركبتيها فوق الأريكه لتغلق النافذه التى ينبعث منها أصوات مزعجة ، ما أن انتهت من غلقها فجاة شهقت كشهقة الولادة ..

 أنتى قفلتى التلفيزيون ليه
قال اسماعيل جملته وهو خارجًا من المرحاض ويحكم قفل بنطاله الفضفاض ..

تنهدت داليدا بخوف

- ماما وأخواتي فين .. ؟

غمز زوج أمها بطرف عينيه

- تقدري تقولي مافيش غيرنا هنا ياجميل ..

كانت نظراته إليها مقززة ، جعلتها تشمئز من بدنها ، لملمت شتات شملها سريعًا

- ماشي أنا ماشية ..

قبض إسماعيل على معصمها بنظرات شهوانية قبيحة

- ما تستنى إحنا مخلصناش كلامنا يا حلوة ...

ارتجف جسدها وأوشكت على الانهيار أمامه ، لم تعلم من أين اتتها القوة التى جعلتها تزيحه عن طريقها وتفك قبضة يده ، كانت تعتقد أن زين غادر وسحب مع روحها قوتها أيضًا ،، رمقت زوج أمها بنظرات متوعدة

- انت لو مبطلتش طريقتك دي أنا هقول لماما وهى تتصرف معاك بقى ، إنسان مجنون مش طبيعي عايش على قفا مراته ..

قهقهه إسماعيل بسخريه وهو يقترب من الأريكة ليجلس فوقها بفظاظا

- ولا هتقدري تقولى حاجة ، ولا أمك نفسها هتقدر تعملّي حاجة ،، عارفه ليه ؟ عشان أنا واكل بعقلها الحلاوة ومشربها المهلبية ...

نظرت له بضيق واغتياظ ثم اقتربت من الباب لتتحرر من سجنها ولكن أوقفتها جملته الاخيرة

- اااه ويستحسن تبقي حلوة معايا وتسمعى الكلام .. عشان انا سايبك بمزاجى هاهاها ..

أغمضت عينيها لبرهة ، كانت كلماته كالزئبق الذي اخترق أذنيها ، أخيرًا خرجت من البيت وأغلقت الباب خلفها بقوة وهى تجر معها خيبات الأمل والقهرة ..


وصلت لموقف الأتوبيس ، وصعدته جالسة بجوار النافذه الزجاجيه مستندة برأسها عليها .. شغل السائق مجموعة من الأغاني واحدة تلو الأخرى ، وكل واحدة منهما كانت تخاطب شعور ما بداخلها ، إلا أغنيه واحدة صفعت قلبها بقوة _من أعطى الحق لعمرو يمزق قلبي لهذا الحد_  أسرني عمرو بكلمات مبعثره ولحن شائك يمر على جدار قلبي ( عكس بعض!!)


مبزعلش أما بفتكرك، بلاقي كل ما أتأمل

ماضينا مكانش فيه حاجة، تقول إن إحنا هنكمل
كنا دايما عكس بعض، قولي من إمتى إتفقنا
دا احنا لو نشبه لبعض، ف الشبة يمكن فراقنا
بعدنا أكتر ما قربنا، وسبنا الحب وأهو سابنا
ولما بنحكي حكايتنا، يا بنزود يا بنجمل

وضعت داليدا كفها فوق قلبها متنهده بمرارة وخذي ثم أردفت قائلة

- حرام عليك ياعمرو .. حتى أنت !!

لم يكف عمرو عن كلماته بل أكمل يبدو أنه مستلذ بأحزانه ويريد أن يأسرنا معه كي لا يكون وحيدًا


       رسمتلي صورة للجنة في أول مرة نتلاقى

مشيت وياك بطيب خاطر، لقتني ف حيرة ومتاهة
عرفت ف قربك الوحدة، في حضنك كنت متغرب
وسيرة الحب لو تيجي، بقيت منها بخاف و أهرب

فرت دموعها خلف بعضها كالسجين البرييء الذي هرب من سجنه للتو ، ظافرًا بحريته ...


 في مقر شركة زين قيد الإنشاء


زين باشا .. عندك أي تعليق تاني بخصوص الديكورات ؟

أردفت مهندسة الديكور جملتها بصغية رسميه ..

أومأ زين رأسه إيجابًا

- ااه في شوية ملاحظات كدةبخصوص مكتبى .. أما باقي الشغل تماااام ...

ابتسمت بامتنان

- تحت أمر حضرتك في أي حاجة ..

نظر أكرم إليها

- كدة قدامك أد إيه ؟!

- ممم مش قبل ٢٠ يوم ..

أكرم بحماس: لا والنبي استعجلي شوية معاد افتتاح الشركه أول شهر ٣ .. ولسه قدامنا حاجات كتير ..

- سيبها بظروفها يابيشمهندس .. بعد إذنكم


انصرفت فريدة مهندسة الديكور ، وجهه أكرم حديثه إلى زين

- أنا مبسوط أوي ،، أخيرًا حلم العمر هيتحقق ..

اقترب زين من النافذة بهدوء

- هانت خطوة خطوة .. هتبقي الشركه الصغيرة دي من أكبر شركات العالم في مجال الكمبيوتر ..

- حيلك حيلك ياهندسة .. داحنا لسه بنقول ياهادى بكام جهاز روبابيكية كدة نصلحهم وننزلهم السوق ..


تنهد زين بحماس

- متخفش الأوضه اللي جمب مكتبك دي مسيرها تبقى مصنع كبير .. وسع خيالك أنت بس وهتتعدل ..

شعر أكرم بالحماس الزائد

- إيدى على كتفك أهوو ... يامسهل ..

نظر زين في ساعته الفضية

- أوبا الساعه ١ .. بص خليك انت مع الصنايعية وأنا عندي مشوار كدة وراجعلك ..

- رايح فين يابني ! أنت ماتعرفش تقعد ساعه على بعضها ..


- فكك مني ياعم أكرم .. يلا ع تليفونات ..


ضرب أكرم كف على الأخر على حال رفيقه

- مش مرتاحلك ياابن السباعى ..!!

صعد زين سيارته متجهًا نحو جامعة اسكندرية بحماس


فلاش باااك


اسيقظ زين بعد محاولات عديدة من أكرم ، ارتدى ملابسه بتكاسل ثم علقت عيناه على صورتها الموضوعة فوق مكتبه ، تأملها طويلاً .. ظل يتساءل دومًا لما يعود إليها بعد الفراق ، ما الشيء الذي يسحبه من ظهر قلبه إليها ، أصبح كالمجرم الذي يعود دائما لمسرح الجريمة عاشقًا النظر في عينيها ، وهكذا حال المجرمون يعشقون ويستلذون بوجوه ضحياهم ..


نزل من منزله أخيرًا وقاد سيارته يستمع لإحدى أغاني رامي صبري الذي خطفته من مكانه لشط إسكندرية الموجود أقصى يساره


غمضت عيني وقولت نفسي أشوفها تاني

وألمس إيديها وأضمها حتى ولو ثواني
من بعدها مش لاقي حاجة مطمناني
شئ مستحيل ينساها قلبي ولو لليلة
في بينا عشرة وذكريات وحاجات جميلة
ضاعت خلاص مني وياريت بإيديا حيلة
كل ما أنساها أفتكرها مهما أشوف مابشوفش غيرها
الوحيدة اللي معاها وفي هواها ارتحت أنا
عمرها ماهتبقى ماضي اللي بينا مكنش عادي
حب عاش من يوم لقائنا ولسة هيعيش مليون سنة

سبح في أعماقها ، لماذا كلما أقرر التخلص منها ألف شيء يثبت لي أنه لا خلاص منها سوى احتضانها ، لم يدرك كيف ازدادت سرعة سيارته ، أصبحت تطير فوق الأرض ولكنه فرمل فجاة حتى أصدرت صوتًا مزعجًا عندما فوجئ بفتاة تسقط أمام سيارته ..


        دلف من سيارته مهرولهًا ليطمئن عليها ، تلك التى جثت على ركبتيها وبُعثر كتبها أرضًا

- أنتي كويسة؟! حصلك حاجة ؟ أنا ممكن أوصلك المستشفى ..

زاحت شعرها عن وجهها ثم أردفت قائلة بكلل

- لا الحمد لله سليمة ..

ارتبك زين ثم سألها

- متاكدة ؟؟ طيب أنا أساعدك إزاي .. قوليلي ..

حاولت الفتاة أن تنهض لوحدها ولكنه سرعان ما تقدم ليمسك بها ويساعدها أردفت قائلة

- حصل خير ، تقدر حضرتك تمشي .. وأنا هوقف تاكسي ..

نظر إليها بعيون ضيقة

- ودي تيجي !! أنا ممكن أوصلك مكان ماأنتى عاوزة واعتبريه اعتذار رسمي مني ..

- مش عاوزة أتعب حضرتك  ..


- لا أنتي هتتعبينى فعلاً لو موافقتيش أوصلك .. وإلا هعرف إنك لسه زعلانة ..


ابتسمت رغمًا عنها ثم أردفت قائلة

- أصل ......

زين مقاطعًا

- أصل ايييه ؟؟؟؟ يبقى لسه زعلانة !!!

ضحكت الفتاة بصوتٍ خافت ثم أومأت إيجابًا واتجهت نحو باب سيارته ولكنه سبقها وفتح لها الباب

- اتفضلى .. والله العربية بتزغرد ..
اكتفت بابتسامة خفيفة ، صعد زين بجوارها
- ها معاليكى تحبي تروحى فين ؟!

- الجامعة لو مفهاش تعب ...


- من عينيا ..


اختلق زين معها ألف حديث بأسلوبه المرن الخدّاع الذي يجذب كل الفتيات إليه ممزوجًا بصوت ضحكاتهما المرتفع .. وصل أمام بوابة الجامعة


- الطريق خلص بسرعة .. ياخسارة ..


ضحكت الفتاة قائلة

- سعيده جدًا إني اتعرفت على حضرتك ..

أجابها بمزاح

- وأنا أسعد والله .. طب إذا كان كدة رقمك ياجوجو بقي عشان اطمن عليكي ..

نظرت إليه بعدم تصديق

- انا بقيت كويسة خلاص .. مافيش داعي ..

خطف زين من يدها هاتفها بعفويهة وطريقة مرحه وقام بتسجيل رقمه ثم رن على نفسه

- أصل نسيت أقول زين السباعى مابيحبش الكلام الكتير ..

نظرت له بااعجاب ثم دارت لتدلف من سيارته ، قاطعها زين

- قولتيلى محاضراتك هتخلص إمتى

نظرت إليه جهاد باستغراب

- ماقولتش ع فكرة !!!

زين بعفوية : بجد !! يبقى قوليلي بقى هاا إمتى ؟؟؟


- ليه ؟!

أجابها ممازحًا
- عشان أعرف هتخرجي إمتى وآجى أخبطك تاني  ..

ضحكت جهاد بصوت عالي ثم أردفت قائلة

- لما أحب أتخبط تاني هابقي أكلمك ...سلام

نزل زين خلفها سريعا ووقف أمامها

- طيب وأنا اللي أتخبطت في قلبي أعمله إيه !!
- لو سمحت ممكن توسع عشان مستعجله ؟!
- منا مش هوسع غير لما تقولى .. &صلك متعرفنيش دماغى جزمة قديمة ... هااا يلا ..

ابتسمت جهاد ثم قالت

- هخلص ع الساعه ٢ كدة .. يلا بقى ممكن أعدى ..

انحنى زين أمامها مشيرا لها بكفه

- اتفضلي معاليكى ...
لم تنكر جهاد أن أسلوبه واندفاعه أربك شيء ما بداخلها .. شعرت كأنها تعرفه من زمنٍ طويلٍ ، انتظرها زين حتى دلفت داخل البوابة ثم لوح إليها بكفه مبتسمًا

استعجبت جيهاد قائلة

- والله مجنون !!!!!!

بااااااك




أمام بوابه جامعة إسكندرية ينتظرها وينظر في ساعته تارة وتارة أخرى على البوابه ، قرر أن يهاتفها تليفونيًا ولكنه توقف عندما وجدها تخرج بصحبة رفيقتها ... نزل سريعا من سيارته نحوها ..


- جهاد ...

ارتبكت بمجرد أن رأته ، تبادلت هى ورفيقتها النظرات بدهشة .. أكمل زين حديثه
- عاوزك بس ١٠د ..

أومأت صديقتها إيجابًا

- طيب ياجوجو هامشي أنا بقى .. باي باي ..

إلتفتت نحوه جهاد باغتياظ

- أنت مجنون !! أقولها إي أنا دلوقتي ...

ابتسم زين ابتسامة جذابة

- قوليليها إنك وحشتينى .. وبعدين أنتي نسيني اتفاقنا ؟؟

رفعت حاجبها مستفهمة

- اتفاقنا ؟؟!!

- مش انتى يابنتى اترجتينى الصبح عشان أجى أوصلك لأنك تعبانة وكدة


اتسعت حدقه عينيها بذهول

- أنااااا !!!

ضرب زين كفًا على كفٍ

- وكمان نسيني إننا هنتغدى سوا فالمكان اللي تختاريه ؟؟

ازدادت دهشتها

- كمااااان ؟! أنت بتجيب الكلام دا منين ..؟

- هنزغي فالشارع كده ؟! ميصحش أنا بردو ماحبش حد يقول على مراتى كلمه كدة ولا كدة ..


- هاااااار منيل على دماغى !!! أنت شارب إيه


زين بفظاظة

- كلمه كمان وهشهد عليكي الناس دي كلها ، سايبة ولادك وجوزك كدة لوحدهم .. تحبي تشوفي .. هااااااااااا يلاه ..

لم تجد أي مفر سوى أنها تطاوعه وتصعد معه سيارته

- أنت طلعتلي منين ؟؟
- اششش صوتك مايعلاش .. دا مش كلامي ماستغربيش!! دا كلام العقل والأصول .. عمومًا لينا بيت ياهانم نتخانق فيه ..

ضربت رأسها بكفها باغتياظ

- بيت إيه دا كمان !!!

قهقهه زين بصوتٍ عالي وهو يتحرك بسيارته

- بيت ؟؟ بيت ايه !! هو أنا قولت بيت ؟؟؟؟
                        **********
مساءًا
عادت وهى تشعر بشيء مبهم يأكل فى قلبها تشعر بثقل شديد لو وزع على العالم لاكتفوا وفاض الكثير لها بدأت تظهر على معالمها أثار الإعياء النفسي التى تمر به لتجد والدتها تجلس أمام التليفاز مردده :
_حمدلله على سلامتك يا ديدا غيري هدومك وتعالي عايزاكي
قالت بخفوت :
_ حاضر يا ماما.

دلفت لغرفتها ببطئ من شدة الألم الذي تشعر به لتبدل ملابسها ولسوء حظها تقع عيناها على سلسال فضي به اسمها وخلف الاسم اسمه هو محفور بها ممزوجة بعطره الذي لم يفارق تلك السلسال من يومها فتمسك دفترها وتدون :

_ رغم اتساع الكون من حولي احتلني الضيق ورغم حدة سطوع الشمس غامت عيناي ولا ترى أي شيء سوى ظلام دامس ورغم خفقان قلبي لوجوده بالداخل لا يؤلمني ويجعله يئن حقاً سواه ورغم ثرثرتي المعتادة يوجد بمنتصف حلقي ألف آه وآه تود الخروج.

أغلقت الدفتر وخرجت لوالدتها تسألها بهدوء :

_ خير يا ماما في إيه
ردت بسعادة :
_ النهاردة وأنا فى الإدارة قابلت طنطك ميرڤت  زميلتي اللي كانت بتيجي هنا زمان عندها رامى وعبدالله رامى اتجوز من خمس سنين وهاجر كندا وعبدالله مسافر أبو ظبي بيشتغل محاسب هناك وطلبت إيديك مني لعبدالله ميرڤت طيبة ومحترمة وابنها ميتخيرش عنها يا بنتي ومش هلاقي ليكي عريس أحسن منه وأنا موافقة.
رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل الرابع

كنيزك ترك براح الكون وسقط فوق قلبها تحديدًا ، لم تتحمل صاعقة الحديث ، لم تخطط له ، لم تتوقع اقتحامة لقلبها بهذة الطريقة ..


منذ الصغر كانت أنتظر اليوم الذي سأرتدي فستاني الأبيض ، ولكن اختلف الشعور مئة وثمانون درجة ، لم يعد لدي الرغبة في ارتدائه ، أصبح من حلم منتظر إلى واقع مقتحم حياتى رغم عني ، شعرت بجبلين ينطبقان عليّ ، تبخرت الكلمات من حلقي أصبحت إنسانة باردة متثلجة ..


 داليدا إنتى سرحتي في إيه ياحبيبتى ؟!

قالت سعاد جملتها باندهاش ، ولكن لم تبال لها ابنتها أي اهمية ، لازالت شاردة بعيدًا ، لماذا قلبي ينعصر بداخلي ، إنني حلمت الحلم وفصلته عليك .. عليك فقط ، زين ..اليوم أنا أمام عرض مغري لارتداء الأبيض ولكنه ليس لك .. ربما لو كنت أنت العريس لتحول البيت والحي بأكمله لحديقة واسعة أطير فرحًا وأتمايل على كل بستان من بساتينها ، ولكن ما جرى عكسًا !! لم أضع ذلك اليوم في حسباني ، فقط وضعته لك ولأجلك فقط ماكنت أتمنى سوى أن أطير بين ذراعيك .. زين إحتضر إنني أضيع منك بلا رجعة !!!

رجتها أمها برفق

- يابنتى روحتى فين !! أنا بكلمك

لازالت تحت سطو دهشتها

- هاا ياماما معاكى ...

ربتت أمها بحنو

- ها ياقلب ماما قولتى إيه .. أكلمهم يجوا يوم الخميس !!

فزع قلبها بألم جعلها تربت عليه وتتوسل له بالهدوء سينقضي الأمر

- لا ياماما .. أنا معنديش استعداد أرتبط دلوقتي .

انكمشت ملامح أمها ضيقا

- قوليلي ناقصك إيه يابتى ... ماإنتى خلاص كام شهر وتبقي خريجة ، ياحبيبتى اسمعى منى البنت لها زهوتها وسنها لو اتعدته هتبقى زيها زي الأرض البور ....

انفعلت داليدا لتشبهات أمها التى لم تحاول أن تستفسر عن سبب رفضها اجغابت متأففًة

- لا يعنى لا ياماما .. ولو سمحتى قفلي عالحوار دا .. بعد إذنك ...

قبضت أمها معصمها بقوة جعلت جسدها يرتج ثم أجلستها عنوة عنها

- اقعدى هنا .. لسه مخلصناش كلامنا ..  كلمينى زي ما بكلمك ...

- تمام .. العريس دا شافنى فين ؟؟؟


أمها بفرحة

- من غير مايشوفك ياقلب أمك .. دا جااي على السمعة وهو أنتى شوية بردو ياديدا ..

داليدا باندهاش : ياسلام !!!! هيتجوز واحدة من سمعتها .. يعني لو حد قال عليا إن مشيي بطال هيسيبنى .. طب حلو أنا بنت عيارها فالت حاجة تاني ؟؟!!


مسكت أمها كفها مرة أخرى

- يابنتى الكلام أخد وعطى .. طولى بالك .. بصراحة من إعدادية وأبلة مرفت حاطة عينها عليكى وأنتي عجبتيها أوي ياداليدا يابنتى ...

ازدادت دهشتها بالأكثر

- لا والله !!!!! يعنى أنا عجبت أمه فقررت تجوزنى ابنها !!! هتجوز أمه أنااا !!!!!!!

- وفيها ايه يابنتى ما كلنا اتجوزنا كده ..


داليدا بانفعال

- ااااه الماما تيجي تعاين البضاعة ولو كيفتها وجيت ع هواها يبقى تجوزنى ابنها ..... بذمتك دا عقل ..

أمها نفذت طاقات صبرها

- بت انتى اتكلمى عدل ... مال كلامك كدة مش عاجبني .

داليدا بنفاذ صبر

- وعلى إيه أنا هقوم أهو .. وبلغي أبلة مرفت ردي .. لا .

وقفت أمها بلهفة

- بس إحنا كلنا موافقين ...

داليدا بعصبيه

- كلكم مين بقى ... ؟
- أنا وعمك إسماعيل .. ووو
داليدا مقاطعه
- بسسسس .. ممكن محدش يرسملي طريقي ولا يشوفلي حياتي بعيونه ، والله أنا مفتحه أهو وبعرف أشوف كويس ..

الأم بنرفزة

- بت أنتى معاكى لبكرة تدوريها في دماغك وتعقلي كدة .. أنتى مش عارفة مصلحتك ومش فاهمة أي حاجة ... وبكرة أعرف منك هتقابلي مرفت إمتى ..

ضحكت داليدا ساخرة

- ماشاء الله .. حضرتك مخلتيش قدامي حل غير إني أوافق والمدة دي عشان أوافق يعني مافيش مفر ... !! ماما أنا مش هتجوز بالطريقة دي .. لو سمحتى طلعينى من دماغك وسبينى في حالي ...

تركت داليدا أمها تشتعل من الداخل وتضرب كف على الأخر ..

 أقول لمرفت ايه أنا دلوقتي ؟؟ اهديها يارب وعقلها

دخلت داليدا غرفتها ثم أحكمت غلقها وأطلقت العنان لعينيها تندفع في بحور أوجاعها ..


 ليه كده يازين دانا رسمت كل حلو معاك .. وأنت حبيت الرسمة ولونتها وحولتها لواقع بيطير قدام عينيا .. ياريتنى ما دخلتك حياتى .. كان زمانى طايرة وفرحانة زي أي بنت !!! أنا عطيتك الحق تدخل حياتي عشان تنورها .. مش عشان تطفيها أكتر ... ارجع عشان أنا مش هعرف أفرح غير معاك


في المعتاد أن المرأة كالرصاصة لاتريد إلا قتيلا واحدًا ، ولسوء حظي اقتنصتك بمهارة متدرب لأول مرة يحمل سلاحه ، فخذلته رصاصته.




قبل ساعات

كان يجلس معها فى أرقى المطاعم بالإسكندرية ينظر لها بخبث وتنظر له هو بارتباك له إطلالة غريبة تجعل من يراه يهابه فى أقل من يوم أربكها وأربك قلبها المسكين فاقت من شرودها على صوته العالي مردفًا:
_ الجميل سرحان في إيه
ردت بشرود :
_ سرحانة في اليوم بتفاصيله إزاي خبطتني الصبح ودلوقتي قاعدة بتغدا معاك لا وجيت عند الكلية برجلتني ولخبطتني خالص أنت عايز إيه خبطتني واعتذرت رجعت تاني وعازمني على الغدا ليه

لوهلة انتابه شعور بالشفقة عليها من تصرفاته معها التى أربكت كيانها كليًا اليوم ولكنه طرد ذلك الشعور مسرعًا وهو يردد ببعض الخبث :

_ معجب بيكي حسيتك خطفتيني لما بصيت فى عينك حسيت إحساس غريب أوي
ابتسامة شقية تود الخروج من شفتيها ولكن حياءها يمنعها لتقول بتوتر :
_ أنت لسه شايفنى النهاردة
_ مش عارف في إيه بس أكيد هشوفك كتير وأتعرف عليك أكتر وأكتر يلا كل يا جميل

فاق من ذكرياته على صوت رنين جرس المنزل فتح ليتفأجئ ب آخر شخص يتوقع أن يأتى إلى هنا سونا ليهتف بذهول:

_ سونا إيه اللي جابك هنا
ردت بدلال وضحكة رنانة :
_ وحشتني يا زوز
ردد بجدية متسائلًا:
_ جبتي عنوانى منين
أجابت بشئ من التوتر :
_ خليت سوزى تسأل أكرم وجيت.

للحظة ود أن يطردها من هنا ولكن شيطانه لم يسمح له ليجذبها إلى الداخل وهو يقول بخبث :

_ ليلتنا فل إن شاء الله
دلفت وهى تخلع ملابسها عنها بوقاحة ووقعت عيناها على الحاسوب فتحت علي أغنية المطرب الشعبى الشهير محمود الليثي وأخذت تتراقص على ألحانها بدلال صدرت من ضحكات متتالية على وقاحتها تتراقص ويتراقص معاها رغم أنين قلبه المؤلم خبثه ووقاحته وعبثه أقوى  منه اقتربت منه تقبل كل شبر به عينيه شفتيه ذهب سحر اللحظة وهو يرى طيف يظهر بوضوح لسيدات حياته الراحلين وصوت يصدر من طيف والدته :
_ دي آخر تربيتي فيك يا زين وبتسألني مش بزورك فى أحلامك ليه ..، ليه كده يا زين حرام عليك ..حرام عليك نفسك أبعد عن طريق الهلاك اللي أنت ماشي فيه ده لما ألاقي زين ابني اتغير هبقي أزوره.

غمغم طيف داليدا وهو يئن :

_ مش مسمحاك يا زين ولا فى اللي بتعمله ولا فى اللي بيحصلي من ساعة ما سبتنى مش مسمحاك على كل لحظة وجع بعيشها
في غمضة عين اختفى طيف كل منهما لينظر بذهول إلى أماكنهم وهو يهتف بهياج :
_ بس بقا بس جننتوني حرام عليكم مش قادر من الوجع ..
احتل الخوف صدر سونا وهي تتساءل :
_ مالك يا زين فى إيه
قبض على معصم يديها وهو علي حالته :
_ اطلعي برة اطلعي متجيش هنا تاني أبدًا هقتلك لو جيتي هنا تاني برة

رحلت بذعز وذهول من حالته وجلس هو موضعه وهو يشعر بنيران تأكل فى جسده

كل يوم بقول ، إمتى ترجع ليّا إمتى ، صعبة أوي الحياة
صعبة من غيرنا أنا وأنت ، قولي إزاي أعيش!!

ذكريات كتير ، بتقابلني معاك يوماتي ، بتفكرني بيك

و بسنين حلوة في حياتي ، قولي إزاي أعيش ..!!!

بعدت السماعات السلكية عن آذانها ، لم تتحمل مرارة ما يتذوقه قلبها ، أصبح بكاؤها حادًا مُدبب الأطراف يمر فوق وجنتيها فيخدشهما ..


تقلب في صورهما معًا ، أصبح قطعة معدنية تحمل بين طياتها ذكريات تتمنى ولو تعد منها ولو لحظه ، رفعت عينيها لأعلى في صمت تام ولكن كل عضو بها يطلب استغاثة ونجدة من تصدعها الداخلي ..


     لم أفتقدك ولكننى افتقدت شعور الأمان معك ، لم أشتاق إلى رؤيتك ولكنى اشتقت لرؤية وجهى ضاحكًا ، لا أريد احتضانك ولكن قلبي يريد أن يرسل السلام لقلبك ليتحسس نبضه ، كنت سببًا كافيًا لكى أزهر  ، فماذا أنا بفاعلة باليوم الذي غربت شمسك عن سمائي ، أصبح غيابك مريبًا ، أصبح عدوًا ينهشني بدون رحمة ..


بدون تفكير فتحت صفحته الإلكترونية  فيس بوك  تترقب يومياته ، ولكنه كالمعتاد حجر صلب لم ينطق تتحول الميديا عنده لصمت خالي من أي ثرثرة ، يراها وسيلة اتصال كاذبة تتلاعب بالمشاعر دون جدوى ..


كانت شديدة الحرص ألا تضغط على أي شيء لينكشف أمرها وأنها لازالت تترقبه ، لازالت تنتظره ، لازالت تفكر به ..


جففت دمعها بصعوبه ، فكل ما تزيح دمعة تركض خلفها الأخرى لتلحق بها ..


فلااش باك

 زين زين زين ... اقف على جمب والنبي
قالت داليدا جملتها باندفاع وحماس ، ركن زين سيارته جنبا ثم أردف قائلاً
- مالك يامجنونه أنتى .

فتحت باب السيارة وركضت نحو أتيلية لفساتين الزفاف ، دلف زين خلفها مندهشًا

- أنتى مجنونة !!!

اتسعت ابتسامتها وهى تتخيل نفسها بدال المنيكان الصلبة المتجمدة من أي مشاعر على عكسها فمجرد فكرة ما جعلت قلبها يغرد ..


زين بنفاذ صبر : أيوة يعني .. هنتنح للفستان كدة كتير !!!


هزت رأسها بالنفي

 زين شكلو حلو أوي .. حسيت قلبي اتخطف من مكانه

مسك كفها بإصرار وسحبها خلفه ثم دخل المحل .. داليدا بصوت منخفض

- أنت هتعمل ايه؟!
- هتعرفي دلوقتي ..
ثم رفع نبرة صوته لإحدى عاملات الأتيلية
- لو سمحتي ياأنسه .. خطيبتى حابه تقيس الفستان دا ..

ذهبت العاملة لتحضر الفستان ،، اتسعت أعينها بذهول ثم قالت بهمس

- زززززززززين
ضغظ على كفها بإصرار .. كانت تشعر بضآله جحمها أمامه ، رفعت عينيها لأعلى بنظرة تحمل شلالات مندفعه من الحب ، فبعض النساء تمتلك سطو شرس مخيف لتغرق قلب الرجل عشقًا ..
- مجنون !!!
- بيكييي..

أحضرت العاملة الفستان قائلة

- اتفضلى معايا ياعروسة ..
وقعت الكلمة على أحزانها كلحن أسكرها ، جعل قلبها يتمايل يمينا ويسارا يريد أن يسمعها أكثر وأكثر يريد أن بها يطمئن .. نظرت إليه بقلق بالغ ، أومأ لها زين بثبات ، تحركت داليدا خلف الفتاة بخطوات متباطئة ..

بعد مرور عدة دقائق خرجت داليدا مرتدية فستان الزفاف ، تبدو كأميرات ديزنى ، دار زين بجسدها نحوها مذهولاً ، مبهورًا بالحورية التي سقطت من السماء للتو ،  تبادلوا الأنظار فيما بينهما لغة خاصة بهما لم يفهمها أحد سواهم ، كانت نظراتهم تمارس ذلك الحب المؤجل تتوسل لأقدامهما أن تلقي بهم في منتصف الدائرة ، فأسوار قلبهما في حاجة لعناقٍ قوىٍ يحطمه ..


تنهد زين بحب ودهشة

- يخربيت جمالك .. إية الحلاوة دي !!!!!

دارت أمامه كالفراشة

- إية رأيك أنفع عروسة ؟!!!

تأملها من قدمها لرأسها مرة أخرى ثم تنهد بصوت مرتفع

- انا مش مصدق عينيا ...

أجابته ممازحة

- كده ناقصك البدلة صح !! ونبقي أحلى عريس وعروسة .

قرب منها بوله وهيام

- بدلة إية بس!! أنا الود ودي أخطفك دلوقتي وأطير بيكي على مكان مافهوش غيري أنا وأنتي بس ...

احمرت وجنتاها بخجلٍ ، قطعت أحلامهم الجميلة صوت العاملة

- هتاخديه حضرتك ..

فزعت داليدا لثقل سؤالها

- هاااا !!

تنحنح زين ، للتو أدرك حجم الورطة التي أسقطها فيها ، سرعان ما ارتسم الجدية

- احنا هنلف شويه كدة وهنرجعلك تانى .. يلا ياداليدا غيري .....

حاولت كتم ضحكاتها قدر المستطاااع وبصعوبة قدرت تتحكم في غيبوبة الضحك التى كانت ستنتابها ..


باااااك

فاقت من شرودها ومازالت مبتسمة ، فمجرد التفكير به يجعل قلبها يأنس .. وقعت عيناها على صورته المفتوحة على شاشة هاتفها
- عملتلك إيييه بس أنا ياا زين ،، !! سبتنى لييييه ؟؟

أكرهك .. ولكن من فرط ما أحببتك أود أن أكرهك


صوت طرق على الباب ، اعتدلت في جلستها بعدما أزاحت دموعها سريعا

- أيوة ...

سعاد بضيق : تعالى يا داليدا عاوزاكي ..


تنهدت بمرارة

 استرها يارب

خرجت إلى أمها باستسلام

- خير ياماما !!

سعاد : هاا ياقلبي فكرتي ؟


داليدا بلا مبالاة : في ايه ؟!


أمها بضيق : في العريس يا داليدا يابنتي .. تعالي اقعدي كدة جنبي نتفاهم بالعقل ..

استسلمت لرغبة أمها ثم جلست بجوارها متأففة
- اسمعيني يابنتي .. أنتي عاجباكي المرمطة دي !! أديكي شايفة اللي جاي على أد اللي رايح .. وأنا عاوزة مصلحتك والواد شاريكى ياضنايا ..

داليدا مقاطعة

- ياااامااااما

لم تسمح لها أمها بالتحدث

- اسمعينى للآخر .. ياحبيتى كلنا بنكبر ومحدش ضامن عمره .. وبعدين الواد ابن ناس .. ولما ظروفه تسمح هياخدك معاه وتشتغلوا سوا وتبنوا قرش مع بعض ياحبيبتي ..

اختنقت لكلامات والدتها

- دي مش جوازة ، دا مشروع فاشل وجوده والعدم واحد .. حضرتك حولتى الود والرحمة اللي ربنا أمرنا بيهم ، لقرشين عشان نعيش ..

- يابنتي متتعبيش قلبي ،، الواد لقطة ..


أجابتها ابنتها بنفاذ صبر

- أنا مش عارفة إيه الووواووو والانبهار فيه .. ياماما إنتى متخيلة يعني إية بيشتغل بره !!! أنا هقولك .. يعني أنا مافرقش حاجة عن الكرسي والتلاجة اللي هيكونوا فالبيت ، ولما يخلص لفته طول السنه يبقى يفتكرنى ٤٠ يوم يجي يقضيهم معايا .... اووووووه واووو بصراحة عيشة ولا أحلى ،، لا ياماما أنا مش هسمح بالعك دا .. ومادام عاجبك أوي كده اتجوزيه إنتى أما أنا مش هتجوز جوازة الاموات دي .. عن إذنك ..

نادى عليها إسماعيل بحدة

- داليدددددا ...

دارت بجسدها متأففة

- أفندم !!!!

زفر اخر نفس من دخانه ( شيشته )

- قومى ياسعاد سبينى مع ديلو شويه ..

كرهت اسمها من بين شفتيه ، كانت تود أن تطبق على عنقه لا تخرج إلا بروحه ،، تركتهم أمها ذاهبة نحو المطبخ


أردف إسماعيل بصوتٍ منخفض : مش موافقة ليه على العريس ؟


زفرت بضيق : ملكش دعوة ..


وقف ثم تحرك بقربها بخبث

- واللي يخلصك من الجوازة دي ؟؟

- مش عاوزة حاجة منك .. انا هعرف أخلص نفسي ..


قهقهه إسماعيل بسخرية

- بتحلمي .... أمك مش هتغير رأيها غير بكلمة مني .. وأنااااااا

صمت لبرهه وهو يتفتنها ثم أكمل قائلاً

- هخلصك من الجوازة دي .. بس بشرط .. قولتى اييه ؟!!!
رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل الخامس

شهقة عنيفة صدرت منها وهى تنظر له بذهول وقلبها يئن بضعف تشعر ببرودة في جميع أطرافها لتجر أذيال الخيبة والخذلان والضعف

هاربة إلى غرفتها الصغيرة وبثقل العالم ترتمي على سريرها باكية راجية عفو الله عن قلبها
- فينك ياازين .. كنت بتهون عليا كتيررررر ..

صباح ليس له شمس عليّ ،كُنت شمسي وكنت قمري ، سلمت لك فُلك سماي لتسبح فيها كيفما تشاء ، استيقظت اليوم وأنا أحمل فوق قلبي أضعاف همٍ ، استمعتُ لطرق إخوتي الصغار على باب الغرفة مرددين :

_ يلا يا ديدا هتتأخري على الكلية ..

 نهضت بتكاسل شديد وألم بجسدي أعجز عن تحديد موضعه ، انهيت كل مهامي ثم خرجت إليهما بجسد به

رعشه فُقدان ، جلست بينهم على طاولة الطعام فى صمت بالغ ، أصبح طعم الكلمات في حلقي علقمًا

أنهت طعامها الذي لم تأكل منه شئ عبثت به بعض دقائق ونهضت مغاردة إلى الكلية لبدء يومها الروتيني كل شيء به كما هو ، ولكن ينقصه بريق وجود زين فيه ..


بالحرم الجامعى تجلس بجانب صديقتها فى صمت شاردة ذهنها في عالم أخر ترمق السماء بنظرة حزينة مغمغة :

_ أنت العالم بقلبى يارب .. الصبر ياصاحب الصبر

شعرت بيد صديقتها تربت على يديها مرددة :

_ مالك بس يا داليدا فيكي ايه

كارت أخضر لها ليندفع من عينيها شلالات من الدموع وهى تهزي :

_ تعبانة يا شروق الدنيا جاية على قلبي أوي كأن مفيش فيها غير قلب داليدا كل حاجة حلوة بتسيبني بابا سابني زين سابني ماما سيباني من زمان حتي وهى موجودة اتجوزت واحد زبالة مفيش فى قلبه ذرة من الرحمة أنا حاسة بوجع غريب أوي فى قلبي يا شروق .. حاسة إني بنتهي !!

نظرت لها متوسلة مسترسلة حديثها:

_متسيبنيش زيهم وحياة أغلى حاجة عندك ..

ضمتها إلى صدرها وردت بحنان :

_ أنا جنبك يا داليدا متخافيش علشان خاطري اهدي شوفي أنا عملت إيه .. يارب يعجبك ..

غمغمت من بين بكائها :

_ عملتى إيه !

ابتسمت بفخر وهي تبتعد عنها برفق قائلة :

_ حجزتلنا فى رحلة إسكندرية اللي الكلية مطلعاها إيه رأيك ،، وطالعة بعد بكرة .. وأهو فرصة تغيري جوو .

 إسكندريه !! بلد الحب ومن أحببت ، البلد التي يتحرك ويحترق قلبي فيها على مهلٍ

حنين وشوق يستوطنها عندما تسمع اسم هذه المدينة العظيمة باريس العالم وليس العرب من وجهة نظرها شردت في ذكرياتها القابعه هناك ، اعتلى نبض قلبها بداخلها بدون توقف ، حاولت حبس الدمع بداخلها ولكن أصعب ما يخوضه المرء هى الحرب الناشبة بين الذات والمفترض أن يكون

(بالإسكندرية)


في شركته الخاصة ألم حاد يمزق رأسه متسطح على الأريكة الخاصة المغطاة بالأكياس البلاستيكية بمكتبه مرهق وداخله يحترق من ليلة أمس دلف عليه صديقه مرددًا بتوجس:

_ مالك يا زين ؟؟! يابنى أنت خزان أحزان كدة ملهوش نهاية !!!

مسح على وجهه بتعب حتى بدى أحمر وهو يقول :

_ مفيش يا أكرم تعالى عملت إيه ؟!

غمغم بحماس وهو يجلس بجواره :

_ المهندسة شغالة بإيديها وسنانها وكل حاجة قربت تخلص متقلقش كله ماشي زي ما خططنا المهم دلوقتي ..

_ إيه المهم !!


تنفس قبل أن يردف بهدوء :

_ زين حرام عليك نفسك واللي بتعمله ده لما أنت تعبان أوي كده فى بعدها سبتها ليه مكنتش تسيبها مش سبب إنك تسيبها علشان هى تستاهل أحسن منك هى مكنتش عايزة الأحسن منك يا زين.. كانت عايزة زين وبس داليدا بتحبك متخسرهاش

غرز صديقه سكين بارد فى قلبه الملتهب مرة أخرى ، ابتسم بألم ثم قال :

_ انسى داليدا يا أكرم كأنها ممرتش فى حياتي
أنا تعبان أوي محتاج مني حاجة ولا أروح ؟!

ابتسم بيأس مرددًا :

_ قوم روح بيتك لو في حاجه هعملها أنا

غادر إلى منزله وكعادته لا يحب المضاجع ارتمى بجسده على أقرب أريكة بالمنزل وهو يغمض عينيه ليراها فى الأصل هو يراها فى كل لحظة أغمض ليراها تقف أمامه مد يده ليجذبها إلى أحضانه يقبل شفتيها بشوق ولهفة ببعض العنف وبعض الرقة وهو ينتقل إلى عنقها حتى غفت عيناه وهو يتذوق شهد شفتيها فى منامه ..


《 من المفترض أن يُمنح الخيال وسام الحب من إمبراطور الواقع ،لأنه عندما يبخل الواقع علينا ، لجأنا إلى أحضان الخيال لننتشي بشعور ما فقدناه 》


جميع الألوان اختلطت عليّ لم أرى إلا لون غيابك ، أشتاق إليك بعدد دقات قلبى ، أشتاق إليك بعدد أنفاسي ، كل ما بي يشتاق ، ويشتاق ، أدركت معنى الوحدة في غربتك ، أصبح قلبي يتيمًا بعدما كان مكفولا بالونس ، الصداع تلك المرة بالقلب والضجيج بالعقل ثم ابتسمت بحزن مرددة خلف عمرو

فكرة إنك روحت منى مش قابلها.



في كافتيريا الجامعة


ربتت شروق على ظهرها بحنان

- هتفضلي مبحلقة كدة فاللي رايح واللي جاي كتير!!!

تنهدت بأسف

- بدور عليه بين الناس ، وأنا واثقه إنه مش هنا بس قلبى مصمم يتعلق بوهم ..

أشفقت شروق على حالة رفيقتها ثم أردفت قائلة

- أنا مش شايفة زين عاملك حلو عشان متعذبة بغيابة كدة .. !!

ابتسمت ساخرة

- انا مادُقتش طعم الحلو غير معاه ،، زين الحب اللي بيجي فالعمر مرة واحدة وبس ، جيه متفصل على مقاس قلبي ، حتى ولو كان بيمثل .. أنا موافقة أعيش معاه تاني في تمثيلية

رمقتها بنظرة استغراب

- غريبة !! أنتي مستحلية عذابك يابت إنتى !! لازم تتعلمي تنسي اللي يمشي بمزاجه ، احنا بشر ولينا طااقه ..

دار بجسدها نحو صديقتها

- لا القلب ينسي حبيبًا كان يعشقه .. ولا النجوم عن الأفلاك تنفصلُ

- ياسيدى يااسيدى ، طب والله هو الخسران ، حد يلاقى الحب دا ويسيبه ، دا سوري يعنى يبقي متخلف !!


تنهدت بأسف

- هنمشي ؟؟؟!!!

شروق بتلقائيه : استنى الأول .. قولتي إيه في موضوع إسكندرية ؟؟ طالعة صح ؟


داعبت شفتيها أعذار عديدة للرفض ولكنها قضت عليهما جميعًا بكلمة  تمام


هللت شروق فرحًا : صدقينى متاكدة إن الرحلة دي هتحسنك كتيررر  طب يلا يلا عشان نجهزز


حسيت قلبك بيفكر فيا ، فهب طخ دوم قلبي اتخطف وقولت لازم أكلمك


قال زين جملته وهو يتحدث في هاتفه ويسبط جسده فوق الأريكة ..


جهاد أصابتها معالم الدهشه والاستغراب الممزوجه بالشغف والفضول

- وبعدين فيك ؟؟ أنت مش واخد بالك إن دي المرة ١٢ بتكلمنى فيها ..

ضحك بصوت منخفض

- منا خدت عهد على نفسي لازم اكملهم ٥٠ ، المهم الجميل بيعمل إيه ؟

ابتسمت ابتسامة واسعة ودق قلبها أول دقة تعلق به

- بكلمك .

- تؤؤ ،، وقبل ما أكلمك ؟

جهاد ممازحة : كنت بكلمك بردو

-كمااااان !!! طب إيه رأيك نتقابل حالا وأعفيكى من زنى ؟


- مش عارررفة .. أصلاً مش هينفع


اصطنع زين الضيق

- ايه اللي مش هينفع أصلاً إني أنام من غير ماأشوفك ..

ردت عليه بتلقائية

- أنت مش طبيعي !!!

- احم ومجنون وكل حاجة .. قولتي ايه بقى ؟؟ هااا قولى ااه وهتلاقيني تحت البيت بسرعة ضربات قلبى .


ضحكت بصوت أنثوي جذاب جعلته يبتسم بمكر

- الله اكبر . بعد الضحكة دي أنا بقيت مصمم إننا نتقابل .. ٥ د كده وهتلاقيني فالمكان اللي خبطّي قلبي فيه .. اااااا قصدي اللي خبطك فيه ..

لم ينتظر منها أي رد ثم أغلق هاتفه سريعًا ليستعد للقاها ..


وصلت داليدا لمكان جحيمها ، وجدت أمها وزوجها في صالة المنزل ، أقفلت الباب بخفوت ثم أردفت قائلة

- مساء الخير ..

إسماعيل بمكر : مش راجعة متاخر ياداليدا !!


رمقته بنظرة سخط

- أنا داخلة أنام ياماما ومش عاوزة إزعاج

- استنى هنا ياداليدا .. متريحي قلبي يابتنى وتقولي أرد على الست أقولها ايه ..


شعرت بقبضة تطبق على عنقها مجددًا .. زفرت بضيق وهى تتجه نحو غرفتها

- أووووووف ، ماما انا طالعه رحله إسكندرية تبع الجامعه ولما أرجع أبقى نشوف الموضوع دا ..

دخلت غرفتها وقفلت الباب جيدًا خلفها ،، ناظرة إلى صورته الملقاة على سطح المكتب ، وضعت كفها فوق قلبها ليهدأ ثم جلست فوق مقعدها وبدون ماتشعر احتضنت قلمها ثم عدلت الصورة على الجهة البيضاء


 لازلت أتنفسك ، لازالت شمسك محتلة وجداني ، تسللت داخلي بدون أي مجهود منك يذكر ، فقط وجدك قلبي كما يبحث عنه فسلمك مفاتيح بوابته بصدرٍ رحب متسع برغم صغره ولكنه تشكل لاحتضانك واحتوائك ،، اليوم هو الثالث من يوم فراقك ، مر على جدار قلبي كقطعه زجاج مدببة أطرافها ، قلبي ينزف بغيابك ، وروحى لا تبحث إلا عنك


عقدت ساعديها فوق سطح المكتب ثم استندت برأسها فوقهما وسبحت في بحر نوم عميق قاصدة الفرار من كآبه ذلك العالم .


مرت الساعات ببطء شديد بدون أحداث تذكر حتى أتى يوم انطلاق الرحلة الجامعية، اجتمع الطلاب في الأتوبيس مهللين فارحين ، صوت صخب الأغاني يقرع الآذان والتصفيق وتردد الطلاب خلف (الكاست ) ..


ركن السائق أمام الفندق الموكل بالوصول إليه .. دلف جميع الطلاب بصفين متساويين خلف بعضهما ..


علقت شروق في ذراع رفيقتها بحب ثم همست قائلة

- طول الطريق وأنتي في دنيا تانية وسرحانة ، فكّي بقى ياديدا ..

ابتسمت برغم عنها

- عاوزة أنزل أتمشى على البحر ..

شروق بفرحة : هننززل بس استنى نرتاح شوية الأول ..


- لا دلوقتي .. خليكى إنتى هنزل لوحدي ..


شروق بإصرار : إيه لوحدك دي ! وأنا مش ماليه عينك يعني ؟؟؟ هستأذن من مشرف الرحلة وننزل .. خليكي هنا .


بعد عدة دقائق عادت شروق للمكان الذي كانت تنتظرها فيه داليدا

 سووري اتاخرت عليكي .. بس على بال مااقنعته بقى ،، أصلوا ياستي مكنش موافق خالص

أومأت رأسها إيجابًا ثم تحركت نحو الشط ببطء وما يدور بداخلها

 يارب أقابله يارب .. حتى أشوفه من بعيد .. يعنى هيحصل إيه لو شوفته الدنيا هتخرب مثلاً !! ولا قلبي هيوجعنى أكتر .. يارب خليني أشوفه ، استجيييب بقى

رجتها شروق برفق

- هنرجع نسرح تاني ؟؟؟!!

- هاااا لا معاكي .. عادي ، تعالي نقعد هنا


جلسا الفتاتان فوق صخور شط إسكندرية

- هاا احكي سمعاكي
داليدا بخفوت
- أقول إيه ؟؟!!
شروق وضعت وجنتها فوق قبضه كفها
- مالك ؟؟ وسرحانه في إيه ؟

ضحكت داليدا بسخريه

- متقدملي عريس ياستي

شروق بحماس

- اوووووباااا . ودي حاجة تزعل !!!! احكي احكي مين وشافك إزاي وبيشتغل إيه والأهم من كل دا أموور ولا لا . يلا متشووقة أعرف ..

صمتت داليدا لبرهه ثم أردفت قائلة

- معرفش حاجة عنه غير إنه بيشتغل ف أبو ظبي باين .. ومامته كانت مدرستي ..

شروق بفرحة

- اوووووعى ،،، يابن المحظوظه يافوززى .. أبو ظبي يا ديدا .. أيووة ياعم .. حظووظ بكرة تلعبي بالفلوس ومحدش هيعرف يكلمك .. أوعدنى ياررررب .

نظرت لها بضيق

- دا كل اللي هامك !!!! وبعدين إنتى هتتكلمي زي ماما .. حولتوا الجواز لمشروع استسماري عظيم .. إنتوا إزاي كدة ؟!

ابتلعت ريقها بتفكير ثم قالت

- مامتك بتفكر صح يا داليدا .. سيبك من الحب والمشاعر دول .. في مثل بيقولك الفقر لو دخل من الباب الحب هيفر من الشباااااك .. فكري عشان ماتندميش .. إنتى حاليًا السكينة سرقاكي ومش عارفة تاخدي قرار

- انتوا ليه كلكم مفكرين الشخص اللي بيشتغل برة ومتغرب بنك فلوس ، ليه مش بتفكروا إنه بيتعب على القرش هناك ، ليه مش حاطين في بالكم إنه بيخسر كل حاجه مقابل غُربته حتى مستقبله ، تخيلي لو بطّل سفر هيرجع بلده يشتغل ايه ؟؟؟؟؟ الشخص المتغرب هو عواطلي مع تأجيل التنفيذ  بلاش سطحيه وشوفوا الموضوع من زواية غير بتاعت المديات ..


لم تقتنع شروق بما قالته رفيقتها

- مش معاكي خالص ،، إنتي اللي مش شايفة غير حبيب القلب قدامك فبالتالى مش عارفة تشوفي غيره وبتقنعى نفسك بحجج فارغة ..

- براحتك .. أنتي حرة.


صمت ساد بينهما لدقائق قطعته شروق فجاة

- ديدو !! أنتي وزين اتعرفتوا على بعض إزاي !!

اتسعت ابتسامتها وانخلع قلبها لمجرد سماع اسمه ولمعت عينها بنور الحب فجاة .. تنهدت بعمق

- هقولك .. بس هطلب منك طلب الأول ..

شروق بعفوية : أنت تأمر ياجميل ..


- هاتى موبايلك ..


- هتعملى إيه ؟؟


لقطت داليدا الهاتف من رفيقتها وهى تضغط على لوحة الأرقام أمامها

- أصل زين وحشنى ونفسي أوي أسمع صوته .. بصي أنا هتصل بيه وإنتى كلميه افتحى أي حوار معاه وخلاص ..

فزعت شروق من مكانها

- بت أنتى .. استنى أكلم مين !!! نهارك مطلعتلووش شمس ..

داليدا بإصرار

- بصي تحاولي تفتحي معاه أي موضوع كدة بحيث تخليه يتكلم وخلاص .. والنبي والنبي يارووووكه عشان خااطررري ..

استسلمت لطلب رفيقتها ، صوت رنين الهاتف وعلى المقابل يرن قلب الفتاتان الأولى عشقا والأخيرة رعبًا وقلقًا


رد زين بثبات

- ألوووووو

انتفضت الفتاتان ثم أشارت لها داليدا بالتحدث .. قربت شروق الهاتف من فمها بارتباك

- ح حضرتك هو دا مش رقم ريهام ؟؟؟

أجابها زين بتأفف

- لا حضرتك الرقم غلط

أشارت لها داليدا أن تكمل حديثها ارتبكت شروق أكثر

- ااااا طب هو أنا ممكن اعرف مين معايا ؟

زين متأففا

- أنتي شكلك فاضية وعاوزة تتسلي وأنا مافيش دماغ .

قفل زين هاتفه بمجرد أن أنهى كلماته


شروق سحبت نفسًا طويلاً

- أوووف  ارتاحتى كدة .. أهو قفل في وشنا

ابتسمت داليدا

- استني بس ، دا قفل في وشك .. هو ماله اتغير ليه كدة .. دا كان مابيصدق يسمع صوت بنت .

دارت داليدا بجسدها بفرحه

- يااااااه زين اتغير .. أنا فرحانة أوووووووي

رصاصة أصابت قلبها فجاة ، تجمد الدم في عروقها ، أصبح كل شيء بداخلها يحترق ، تتراقص جفونها بعدم تصديق ، جف لعابها كالهائم على وجهه في قلب الصحراء .. انخرطت دمعة من طرف عينيها بصدمة


- ززززززززززين !!!!!!!!!!!!!!!!!..
رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل السادس

بالإسكندرية

انخرطت دمعة من طرف عينيها بصدمة

- ززززززززززين !!!!!!!!!!!!!!...........

هتفت شروق بتعجب :
_ ماله زين
أشارت لها لترى زين يقف ويده على يد فتاة شديدة الجمال
ابتلعت داليدا غصة بحلقها وهى تراه يضحك معها كطفل صغير لم يضحك مع هذه وهى لا، لم يتجول مع هذه وهى لا، ما ينقصها حتى يقترب منها يلثم وجنتها مثلها سقطت أرضا وهى تبكي ولا تعرف شروق بما تخفف عنها أتى طفلاً صغير من أطفال متلازمة الحب في السابعة من عمره يمسح على وجهها بحنان جعلها ترتعش من الصدمة مردفًا :

_ بتعيطي ليه ده أنتي حلوة أوي

صمتت ليمسك كفها مرددًا بطفولية :
_ هو أنتى اسمك ايه
ردت بهمس :
_ داليدا
ابتسم مهللًا :
_ على اسم فراشتي
_ أنت عندك فراشة.

_ أه أه بتدخل كل يوم الأوضة بتاعتي وسمعت اسم داليدا في التليفزيون حبيته سميتها بيه أنتي فراشتي التانية بس متعيطيش ماما قالتلي لما تلاقي حد بيعيط طبطب عليه وقوله ربنا جميل

مسحت أثار بكائها مغمغمة :
_ هى فين ماما يا حبيبي
_ عند ربنا أنا همشي بقا ومتعيطيش باي يا فراشة
_ اسمك ايه الاول
_ مروان يلا باي بابا بينادي
_ باي يا حبيبي
ابتسمت شروق وقالت بحنان :
_ قومى يا داليدا وسيبك من زين يا حبيبتي كفاية الطفل ده كأنه طبطب على قلبك الغلبان
ألمها قلبها وهى تراه على بعد يضحك معها وهى تغادر هاربة من رؤيته مع أنثى غيرها فى حياته.

فى شاطئها المفضل تقف تراقب الأمواج وهى تلاطم بعضها البعض وفى حضرة ما تشعر به غمغمت :

_ إسكندرية حلوة آه.. لكن بدونك زيها ..زي المداين كلها الحزن كان طبع الشوارع والبيوت الأمكنة والناس هناك وأنا مش هنا
محمد إبراهيم.

عبثت الأمواج بقدميها جعلتها تجلس منهكة تعبث بها بيديها أخذت تدلف بالماء أكثر تسبح بكل ما بها من قوة تشعر بالماء باردًا سيبرد على قلبها انهمرت دموعها الغريبة وهى تسبح بغزارة من أين تأتى كل هذه الدموع لماذا خلق الله العين بكل هذا الضعف لتكبي على كل شئ وكل مفقود لماذا خلق الإنسان له نصف آخر يبحث عنه قلبه طوال حياته موجة قاسية

أخذت تتذكر حديث زوج والدتها معدوم الضمير والإحساس
فلاش باك
أردف إسماعيل بصوت منخفض : مش موافقة ليه على العريس ؟

زفرت بضيق : ملكش دعوة ..


وقف ثم تحرك بقربها بخبث

- واللي يخلصك من الجواة دي ؟؟

- مش عاوزة حاجة منك .. أنا هعرف أخلص نفسي ..


قهقهة إسماعيل بسخرية

- بتحلمي .... أمك مش هتغير رأيها غير بكلمه منى .. وأنااااااا

صمت لبرهه وهو يتفتنها ثم أكمل قائلاً

- هخلصك من الجوازة دي .. بس بشرط .. قولتى إييه ؟!!!
همست بتساؤل :
_شرط إيه
اقترب منها أكثر جعل أنفاسه تلفح بعنقها الناعم مغمغمًا :
_ تنازل لطيف منك عن الشقة الحلوة دي ليا
جحظت عيناها وهى تنظر له بذهول مرددة :
_ تنازل
ابتسم ببرود وقال :
_ ويكون متوثق في الشهر العقاري.

دمعة هربت من جانب عينيها على ما تعانيه منه ومن بطشه من بطش العالم من قسوته غمغمت بألم :

_ حرام عليك أنت عايز مني إيه هو أنا مش زي عيالك بتضايقني ليه ده أنت المفروض تحميني من يوم ما اتجوزت أمى وأنت بكل الطرق بتضايق فيا بتبصلي وأنا مش قادرة أتكلم ولا أقول حاجة حرام عليك أنا ده أنت قد أبويا
رد بسخرية :
_ أبوكى إيه بس يا ديدا صلي على النبي في قلبك كدة وبعدين ببصلك من حلاوتك وأنتي زي القشطة تتاكل أكل ها قولتي إيه
شهقت بعنف من حديثه البذئ غادرت من أمامه وهى تشعر أنها فتات أنثى لطمتها الحياة مثل ما تلطم المياه الصخور تفتتها اللطمة الأولى فقدانها لأبيها اللطمة الثانية زواج أمها اللطمة الثالثة ظهور قذارة إسماعيل اللطمة الرابعة فقدان زين ولا تعلم إن كانت الأخيرة أم لا...

باك

لطمتها فى وجهها جعلتها ترتشف مياه البحر المالحة وتصاب بدوار حاد وآخر ما رأته هو شخص على الشاطئ يهتف بذعر :
_ غريق الحقونا غريق

إعادة حسابات

شهقة عنيفة صدرت منها وهى تعود للوعي وكل شئ مشوش حولها أشخاص كثيرون يقفون حولها أصدقائها حولها أيضًا استردت المياه التى ارتشفتها وهى بالبحر عدة مرات حتى تلونت عيناها بلون الدم وشروق تبكي جانبها همست بصوت مبحوح :
_ شروق هو فى إيه
هتفت بذعر :
_ داليدا أنتي كويسة حرام عليكي نزلتي البحر ليه وأنتي حاسه بتعب قلبي وجعني عليكي
ردت بتعب :
_ كنت محتاجة أنزل شوية هو إيه اللي عرّف التيم بتاعنا..؟! وكمان أنا رقبتي وجعلني أوي.

أجابت إحدى صديقاتها :

_ سمعنا الدوشة اللي حصلت قولنا نشوف فيه إيه طلعتى أنتي بصي على رقبتها كده يا شروق
نظرت إليها تتأكد من سلامتها لترى جرح بسيط برقبها أثر العقد الصغير المعلق بها يحتاج إلى تطهيره قالت بقلق :
_ ده جرح صغير فى رقبتك يا حبيبتى متخافيش هنطهره ونحط عليه شاش معقم وهتبقي بخير يلا نطلع
شكرًا أوي يا شباب تعبناكم معانا
غادرت مع صديقتها وغادرت الشمس معها معلنة حزنها الشديد على تلك الفتاة.

تجلس أعلى السرير وانشغل عقلها بكل شيء اليوم رأت الموت بعينيها هل تستحق منا الحياة كل هذا الحزن والتعب ..؟! هل يستحق أي إنسان أن نمنحه كل المشاعر التى بداخلنا ؟! الشئ الذي نحارب من أجله سيعادل ثمنه ما سنفقده فى الحرب ..؟!

هل هى قادرة على الوقوف أمام المولى عز وجل الآن وهى تبحث عن الموت فى كل مكان ..؟؛
ألف سؤال وسؤال سألته لنفسها أيقظها من كل هذا آذان صلاة الفجر
تحاملت لتصلي فرضها وتطلب من خالقها الرحمة والمغفرة لها على كل ذنب فعلته
ركعت خاشعة تشعر بالثقل الملقى على أَكتافها ينهار مع كل ركعة تركعها أنهت صلاتها وأبدلت ثيابها مغاردة الفندق بأكلمه لا تعرف إلى أين ستذهب ..؟!

يجلس فى بلكون منزله يرتشف مشروب النبيذ الأحمر اللاذع للمرة الثالثة فى حياته لا يرتشفه إلا عندما يود النسيان وياليت يكون النسيان موافق على هذا الأمر يجعله يترشف أولى كاساته ويذكره بكل شيء يؤلمه دقات متقطعة على الباب جعلته يخرج من ذكرياته

فتح الباب ليلتقي بعينيها على الفور منهكة شاحبه عنقها ملتف بالشاش والقطن باكية مرتعشة بها كل شيء همست بتعب :
_ زين أنا تعبانة
دلفت وأغلق الباب متسائلًا :
_ مالك يا داليدا وإيه جايبك إسكندرية نص الليل كده وإيه الشاش ده ؟!

ردت بصوت يغلبه البكاء :

_ تعبانة .. تعبانة من كل حاجة وأنا فى إسكندرية من الصبح رحلة تبع الكلية ورقابتى اتجرحت من العقد اللي كنت لبساه لما كنت بغرق فى البحر زين أنا تعبانة من غيرك خلينا ناخد فرصة أخيرة لو مرتاحتش خلاص مش هضايقك تانى والله بس متروحش لغيري أنا النار أكلت قلبي النهاردة وأنا شيفاك مع واحدة تانية غيرى بتضحك وتهزر معاها.

قطب حاجبيه وهو يقول :

_ كنتى عند القلعة النهاردة
_ أه وشوفتك بتضحك معاها كانت حلوة بس هى أحلى مني يا زين هتقدر تحتل مكانتي عندك مقدرتش استحمل مشيت نزلت البحر وسرحت والموجة خبطتني كنت هغرق زين تعالى نرجع وحياة أي حاجة حلوة بينا
رفع يده وهو يقول :
_بس اسكتى داليدا احنا خلاص مبقاش ينفع نكمل مع بعض أرجوكى متصعبيهاش على نفسك أوي كدة أنا مش مستحمل كلامك
أشار إلى رأسه وهو يغمغم :
_ فى صداع ودوشة كبيرة هنا مش هتيجي أنتي تزوديها اتفضلي ومتجيش هنا تاني متجيش إسكندرية أصلاً تاني إسكندرية متعبة للي زيك مش هتاخدي منها غير شوية هوا بريحة الذكريات كل ما تيجي تقفي على رجلك الريح بتاعتهم تيجي قوية توقعك
امشي يا داليدا امشي بقولك

غادرت مع ما تبقى من كرامتها المهدورة وقلبها يئن بضعف أنين مؤلم جدًا حد الموت


أحيانًا يدفعنا ضجيج القلب إلى مغارات مظلمة لم يتسلل بداخلها شعاع نور العقل ، وتكون العاقبة هى الندم الذي تتمنى أن لو تمنح قلبك شهادة تعاقد مبكرة ، وتترك زمام الأمر لعقلك فهو أنضج فهو أصدق فهو نادر أما يخطئ .


تجر فُتات قلبها خلفها ، وتتسع أضلعها لكثرة ما تحمله من تصدعات بداخلها ، تسير بين الطرقات بدون وعي كالمجنون الهارب من المشفى للتو، كل ما تقع عليه أنظارها فهو فراغ برغم من وجود المارة حذاها وهمزهما وغمزهما على حالتها ، بعضهم ظن أنها مجنونة ، وغيرهما توقع أنها ملأت جوفها من النبيذ حتى فقدت صوابها ..


جلست على الرصيف جانب الطريق ، ليصوب نحوها الأنوار المنبعثة من السيارات التي تتسابق وتركض خلف بعضها ، شعرت أن العالم من حولها يتحرك يلتف إلا هى راسخة مكانها حتى أوشك أن يلتف عليها قابضًا روحها ..


غريب ذلك الشعور بالحب ، أرى أنه نوع أخطر من الجنون ، هو القوة الكونيه التي جعلت قيس يتحرر من ملابسه هائما على وجهه في حرارة الصحراء القاتلة ، جعل كليوبترا تضع يديها في جُحر ثعابين لأنها أيقنت أن لا حياة بدون من ملك زهو الحياة ، ارتشاف (جاك) السُم بعد ما تركته من خطفت قلبه بنظرة !!


وكثير من قصص الحب التى جُن لها العقل ، ونفرتها الطبيعة .. أغلبنا يُقيم الحب من وجهة نظره أنه عبث ولهو متجاهلين شلالات المشاعر المتدفقه من تلك العضلة الضامرة التى تستوطن أقصى اليسار بإمكانها نشر رائحة مميزة بنكهة دافئة تحضن قلوب سكان العالم ..


تنهدت داليدا بصرخة قوية جعلت كل الموجودين بقربها يلتفتون إليها ظلت تتوسل إلى ربها

- أنا عارفة إني غلطت ،، وأكبر غلطة إني سمحتله يدخل حياتى ،، أنت العالم بقلبى يااااارب متسبنيش ، ليه خلتنى أحبه الحب دا كله طالما مش هنكمل .. ليييييييييه الدنيا كلها متفقة إنها توجعنى أنا وبس ..

اقترب منها رجل اختلط به المشيب ، يتكأ على عكازه لديه ظهر منحنى كأن الزمن إتكأ عليه فثناه ذلك المسكين .. قدم لها قنديلاً من الذرة المشوي وهو يجلس بجوارها


- اتفضلي يابنتي ..


نظرت إليه بعيون مُحمرة ووجه اغتسل من كثرة الدمع

- مش عاوزة ..

ابتسم العجوز بخفوت ثم أردف بحكمة

- كل واحد مننا جواه ركن مظُلم مسيطر على عقله ومفهمه إنه منور ، وإنه دايمًا صح ودايمًا مابيغلطش والبني آدم غبي من غير مايحس بيصدقه ..

نظرت له باهتمام ثم أكمل العجوز حديثه ولم تفارق شفتيه ابتسامه أمل

- أبسط مثال انتي أهو ، بتعاقبي معدتك على غلط ارتكبه قلبك أو عقلك ، أنتي شايفة إن دا عدل !!

ساد الصمت لبرهه حتى قطعته داليدا

- الدنيا مش حباني ياعم الحج ..

- طيب خدي كلي الأول .. واحكي .


أخذت ما بيده باستسلام ثم أرسلت له ابتسامة شكر

- ها احكي أنا سامعك ..

تفوهت بيأس شديد

- عادى .. مش هتفرق ..

أردف العجوز قائلاً

- البنت مابتنهارش كدة غير لما تفقد حاجتين ، وفاة أبوها وأمها .. وحبيبها .. أنتي مين فيهم ؟

نظرت له كالغريق الذي يود أن يتعلق بعشبة النجاة

- أنا !!! أنا الاتنين ياسيدنا ... أبويا سابنى زمان وسافر عشان كان بيدور على حلم ملقهوش هنا ومفكرش فيا ،، آخر حاجة قالهالى أمك هتاخد بالها منك أكتر _جففت دمعتها بطرف كمها_ ثم أكملت.

كنت محتجاه هو .. غيابه خلاني أدور على الحب برة ،، غيابه دمرني ، نمت وصحيت لقيت راجل غريب مكانه نايم ،، مش بشوف منه غير نظرات قذرة .. حتة عضمه مرميه قدام عيونه ،، اضطريت أدور على حضن برة ،، وياريتني استحملت صبار القدر عاندت وطاوعت قلبي لحد ماجنيت علقم مرر حياتى أكتر .. هو كمان سابني .. طب ليه كل حد بيقرب منى بيبعد هما بيعرفوا إني محتاجاهم أوي كدة ومقدرش استغنى عنهم فبيمشوا !! الناس بقوا وحشين اغوي ،، حاسة مكاني مش بينهم ، أنا ماينفعش أعيش في غابتهم كلها أسود شر ونمور طمع ونسور مابترحمش..


ربت العجوز صاحب عربة الذره المشوى على كتفها بحنو

- هقولك كلمه يابنتي تحطيها حلقة في ودنك ..
الناس عاملة زي الموج .. موج البحر بالظبط ،، لو مشيتى معاهم هلكوكي ،، ولو عاندتيهم هيغرقوكي .. وأنتى عملتي الاتنين ودي كانت النتيجة .

نظرت له بحيرة وألم

- وهو المفروض أعمل إيه ؟

- كلي الاول من الدرة عشان بردت واسمعي عمك جمعة هيقولك تعملي إيه ..


اقتطمت قنديلها عنوة عنها ، أكمل الحج جمعة كلامه

- اسمعي من راجل عجوز الزمن مرحمهوش بس طلعت منها بدروس كتيرة ..
منهم اكتبى الناس اللي في حياتك على ورق وبصي عليهم كويس .. و اطلعي على كل حد فيهم وحطي حدود لوجوده في حياتك ، وتعتبريهم بيوت قدامك .. شوفي مين فين محتاج ترميم ، ومين فيهم محتاج إعادة بناء، ومين محتاج إزالة من حياتك .. ومين فيهم القصر اللي محتاجه تعلي عليه سقف قصرك ..  المنافس ليكى  اللي ياهتغلبيه ياهيغلبك .. وانطلقي متقفيش لسه هتشوفى ،، أبوكى هيندم وأمك مسيرها تعرف غلطها وحبيبك مسيرة هيجى يترجاكى عشان تسامحيه بس ، اعملى اللي أنا ملقتش حد يقولي أعمله بس علمته لولادي ، انجحي وذاكري وحاربي هتلاقي كل اللي سابك تحت رجليكي...

حروف مبعثرة اتخذت شكل كلمات تمر على جدار القلب كخيط شمل كل أوجاعها انحصر في خُرم إبرة اخترق حافة قلبها ليخرج من الجهة الأخرى فيعد تماسك قلبها من جديد ككتلة واحدة بدل من تشتته ...


أكمل جمعة كلماته بطاقة إيجابية

- مش هوجع دماغك بحكايتي ، بس أنا واثق إنك هتقومى دلوقتي وتتغيري ، وتبدئي وتستقوي .. وهترجعيلي بعد كام سنة وتشتري مني درة كمان ..

ضحكة ظهرت على شفتيها كوردة نبتت من بين غابات حُرقت أشجارها بنيران وجع ليس له نهاية .


وثبت داليدا واقفة متحمسة

- متشكرة أوي ياعم جمعة ، حقيقي متعرفش كلامك عمل فيا إيه ،، كان نفسي أسمع حد يقولي كدة مكنش دا هيبقى حالي ..

وقف مقابلاً لها

- كلنا مشتتين محتاجين حد بس يحطنا على سلم البداية وبعدين هننطلق كلنا .. متقفيش يابنتي .. كملي .. بلاش دموع ضعف ووجع بدليهم بفرحة وبس ...

نظرت له بإمتنان ، مجموعة كلمات أتوا في وقتها أزالوا ضباب مكثف ينطبق فوق سماء صدرها تلاشوا على هيئة أمطار ممزوجة بقطرات أمل وبهجة ..


تركته داليدا مغادرة على الفور ولا يتردد بداخلها إلا جمله واحدة

 كلنا مشتتين محتاجين حد بس يحطنا على سلم البداية وبعدين هننطلق كلنا.

في شقة العجمي


جلس زين خلف باب شقته يرتشف نبيذه الأحمر بجنون ، خصيلات شعره القصير تنسدل على جبهته .. دارت أسئلة كثيرة في نفسه رددها بصوت مسموع

- أنا إزاي سبتها تنزل وحدها فالوقت دا ؟؟!! هى جات ليه؟ مكنش ينفع تيجي ؟! هى فترة وعدت ، داليدا تعويض تعويض بس؟؟

قبض على رأسه بقوة كأنه يتوسل لها أن تكُف عن التفكير الذي ينهشه بدون تردد أسرع نحو هاتفه متصلاً برقم ما

- ألووو .. ألوو دكتور عماد ؟ أنت موجود ..

الدكتور عماد بحماس

- زين !! في إييييه مالك ؟

زين بتوسل

- لازم أشوفك حااااالاً ... حااااااااالاااااا ....

نهض عماد من فوق مقعد مكتبه

- مستنيك فالعيادة .. تعالى ..

زين بتوتر

- لا العيادة لا تعالى ليا البيت ...

قصد الدكتور عماد أن يترك ما بيده ويذهب إليه ، لأنه يعلم بسوء حالته النفسية التي يعاني منها ما يسمى  بالهوس الإكتئابى  ..


بعد مرور ساعة كان عماد جالسًا في غرفة زين فوق مقعد جلدي جانب مخدعه مرتديًا نظارته الطبية ، زين يدخن بشراسة أمام نافذته ..

 زين هتفضل كدة كتير ؟ سيجارة ورا سيجارة وسكوت .. حصل إيه
أردف الدكتور عماد كلماته بهدوء وهو يغلق الدفتر الذي بيده .. ألقى زين سيجارته من النافذة ثم اقترب منه جلس على طرف السرير .

- مش عارف أخرّجها ..

رد عماد باهتمام : مين ؟!

- داليدا .. روحها طابقة على قلبي مش عارف أهرب منها .


أجابه بهدوء

- دي نتيجة منطقية للطريق اللي أنت مشيت فيه يازين ،، وأنا سبق وحذرتك ،، مسيرك هتلاقى واحدة قلبك مش هيقدر يتجاوزها .. وأهو حصل .

ابتسم زين بيأس

- كل ماأشوفها أحس بقرف من نفسي ..

الطبيب مقاطعًا

- طب ماترجعلها .. مش يمكن علاجك معاها وبس .

بعثر شعره بأنامله بضيق ثم قال

- هى الوحيدة اللي ماينفعش أرجعلها .. أنا بشوفها بخاف ، بكون عاوز أتخبى منها ، بحس إنها كشفاني وبتعريني قدام نفسي ...

- زين أنت ليك خمس سنين بتدور على تعويض لفقدان أمك .. زرعت نفسك في سكة بنات مابتخلصش ولسه مصمم .. أسألك سؤال ؟


التفت إليه زين باهتمام ثم أكمل الطبيب حديثه

- بتحس بإيه وأنت مع كل بنت في حياتك ..

- بحس إني مبسوط .. جوايا طاقه حب تكفى قلوب بنات الكوكب كله ..


أومأ الدكتور عماد بخفوت

- ولما تغرقها فيك وتسيبها بقى بتحس بأيه ..

ابتسم ابتسامة انتصار عجيب

- بحس إني رضيت غريزة جوايا ورفعت عليها علم نصر جديد ، بيكون عندي إحساس بالفخر عظيم وهى مكسورة وبتترجاني .

- طيب إيه رأيك في كسرتها وهى بتترجاك ،، شايفهم حب بجد ولا تمثيل ؟!

وثب قائمًا متجهًا نحو النافذة ليتنسم هواء نقي وبعد صمت ساد لدقائق أردف قائلاً
- البنات مابيعرفوش يحبوا ، مابيعرفوش طعم الوجع ، كل اللي شاغل تفكيرهم شاب وسيم غني يتجوزهم عشان يتباهوا بيه قصاد الناس ، بتمسك فيه بإيدها وسنانها كأنه آخر إنجازاتها .. كلهم كدابين كلهم خونه ياعماد كلهم اتخلقوا عشان ياخدوا مننا !! بدأت بضلع وانتهت بحبل بيلفوه على رقبتك ، زي المثل اللي بيقول خدوك لحم وراموك عضم..

تنهد عماد بحيرة وكلل ثم أردف قائلاً

- وداليدا زي كل البنات ؟!

إتكأ بظهره على جدار الحائط ثم قال بتنهيدة طويلة

- كلهم واحد .. بس اللي كان مختلف معاها إني كل ماأشوفها بحس إني من حقى أحضنها وبس .. برغم من جسمها الضعيف الصغير إلا إنها كانت قادرة تتشكل على مقاسي بالظبط ، كنت أحضنها أنسى نفسي ياعماد .. فيها لقيت ريحة أمي ..

- حاسس بإيه دلوقتي ..


زين بحماس : حاسس إن محتاج أتعرّف على بنات الكوكب كلهم وأكسر في كل بنت الجزء الحلو اللي شدنى ليها ..


- أنت كده بتنتقم من مين ؟؟!!

- هما يستاهلوا أكتر من كدة .. هما سبب كل مصيبة احنا فيها ، اللي نزل سيدنا آدم من الجنة كانت ست .. سيدنا يوسف اتسجن عشان ست .. فكر معايا كدة هتلاقيهم هما سبب كل المصايب ..

عماد بحكمه

- بس ربنا برئ حواء وقال
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}
يعنى الشيطان هو السبب وعرف يدخل لآدم من أي ناحية ، الضلع الضعيف اللي اتخلقت منه ، ودا مايدلش على عيب حواء بالعكس دا ميزة لينا ، لو كانت قوية ومفترية زي ماأنت شايف احنا هنطفي نار تعبنا ووجعنا فين !! لازم تشوفهم بزاوية تانية غير اللي في دماغك .. تفكيرك غلط يازين .. شوفهم سكن وأمان .. . وبيت وحيطان بياخدوك من العالم ..

صمت زين لبرهه ويبدو عليه علامات التفكير والتشتت ، أكمل عماد حديثه

- تعرف لو شوفتهم من زاوية الرحمه اللي ربنا قال عليها هتترحم من كل وجعك وعذابك ..

ثم ربت على كفته قائلاً

- فكّر ليه ربنا خلقها من ضلع آدم الأول قبل ما تتكلم ، ربنا قادر إنه يخلقها من تراب وطين زي ماخلق آدم ، دور على الحكمه السبب وراء إنها اتخلقت منه غير باقي المخلوقات ...

ثم دار بجسده

- هسيبك تنام ويومين وهنتكلم تاني ، تكون فكرت في سؤالي ..

وقفه زين بتردد

- مش ناسي حاجه ؟
ابتسم عماد عن قصد قائلاً
- صدقنى مش محتاج مهدئات النهاردة .. كل اللي في الموضوع محتاج تستكين بس أنت بتعاند ..

ثم توقف وكأنه تذكر شيئًا ما

- لو شايف راحتك في إنك تكلمها .. كلمها ماتبخلش على قلبك .. تصبح على خير يابطل ....

وصلت داليدا لغرفتها بالفندق وبداخلها طاقه حماس رهيبة ، وجدت شروق مستيقظة تنظر من النافذه

- أنتى لسه صاحية ياشروق ..

زفرت شروق براحة

- كنت هتجنن عليكي .. كدة ياداليدا !!

خلعت حِذاءها بتعب ثم أردفت قائلة

- محستش برجليا غير وهى وخداني لعنده .

اقتربت منها شروق وهى تقول

- وارتحتى ؟!
ابتسمت ابتسامة رضا
- اتوجعت بس كان وجع مؤقت ، زي ألم الحقنة بظبط في بدايتها بتوجعك وفالأخر بتشفيكى .. دا اللي حصل معايا .. حسيت رجليا خدتنى لهناك مخصوص عشان أشوف بعينيا شعاع نور جديد ينجيني من اللي أنا فيه .

شروق بحنو

- حابة تحكي ؟!

هزت رأسها بالنفى قائله

- الكلام فالماضي بيرجّع مابيقدمش .. حد من الجروب لاحظ غيابى ..

ابتسمت شروق بخفوت

- متقلقيش .. محدش عرف أنا قولت استناكي ومكبرش الموضوع ..

فتحت الخزانة وأخذت منشفة وزيها

- هاخد شاور وآجي أنام .. عشان حاسة إن جسمي واجعني أووي ..

- تمام .. وأنا هجهزلك حاجاتك لأن الرحلة اتقطعت لظروف خاصة بالكلية والمشرف هيعوضنا فالاجازة ..


أومات داليدا إيجابًا وهى تغلق باب المرحاض

- أحسن بردو .. محتاجو أرجع أظبط مذاكرتي وأركز بقا ..

تعجبت شروق من حالتها التي تغيرت ١٨٠ درجة للأفضل

- لا حول ولا قوة إلا بالله .. سبحان مغير الاحوال !! ..

مر حوالى ستة أشهر ملخص ما حدث بهما


اتخطبت شروق لشخص يعمل مهندسًا بالسعودية .. كانت الفرحه تغمرها ، وترى أنها قطعت شطرًا كبيرًا من أحلامها ..


انتهت داليدا من دراستها الجامعية وتخرجت بتقدير جيد جدًا .. كانت تتجنب أي لحظة تسرقها للتفكير به ، كانت من حين لآخر تتابع اغخباره على مواقع التواصل الاجتماعي ،، كلما تشتاق إليه تكتبه كانت تطبق مقولة كل ما هو مكتوب متلاشي .. وضعت منارة أمام عينها ظلت تسعى لتحقيقها ، صنعت من الوجع جسراً معلقاً في الهواء تصعد فوقه لتلمس نجوم أحلامها بأناملها ..


اليوم تشعر بشيء من الرهبه والتوتر ، استيقظت ورتبت شملها ثم وقفت أمام المرآه فتذكرت شيء ما


فلاش باك


 يابنتى متعذبنيش ، وافقي أحسن يجى اليوم اللي تقولي فيه ياندمي

قالت سعاد جملتها بقهر وحسرة لداليدا محاولة إقناعها أن تقبل بالعريس المتقدم لها  عبدالله

وثبت أمامها داليدا بقوة وثبات

- وحضرتك هتبقي مبسوطة لما أوافق وأرجعلك مطلقة بطفل ولا اتنين ..

سعاد بتوسل

- وأنتي بتقدري القضى لييه قبل وقوعه يابنتي ..

داليدا بصوت ثابت وهادىء

- غريبة ! أنا شايفة دا نفس اللي حضرتك بتقدريه ،، وتقدير قصاد تقدير اخترت القضا الأهون ..

- أنا عاوزة اطمن عليكي قبل مااموت يابنتي ..


ابتسمت داليدا ابتسامة باهتة

- أصعب طريق ممكن الأم أو الأب يدخلوا بيه قلب ولادهم ، يلعبوا على نقطة ضعفهم ، يرمولهم فلاش فيوتشر عن المستقبل اللي مستنيهم لو ناموا وصحيوا ولقيوهم مش موجودين ،، ودا ضد العقل والمنطق .. أنا مش هروح برجليا لقدر عارفة نهايته الفشل عشان خايفة من المجهول اللي بتخترعه عقولكم ..

- بتعصي كلام أمك ياداليدا دى اخرتها .


- ياماما مش بعصيكي ،، حضرتك أديتي رسالتك معايا وزيادة سبيني بقى اختار أنا طريقي وأفشل وأنجح واقع تاني ، مشكلة الأمهات إنها بتفكر حياة بنتها ملكها ترسمها زي ماهى عاوزة لآخر يوم في عمرها .. ودا أكبر غلط ..


- أنا...


داليدا مقاطعه

- أنتي مش عاوزاني غير مبسوطة .. لو سمحتة قفلي على الموضوع دا ..

تكمن المشكلة في إنك منحت قلم حياتك لآخر بهدف المساعدة فتمرد حتى ظن أنه حق مكتسب ليسطر به ملامح مستقبلك أيضًا


بااااااااك


تنهدت داليدا بحماس

- يلا يلا ياداليدا عندك مقابلة مهمة .. يارب عديها على خير يارب ..

في الشركة عند زين

أكرم بصلابة : مالك يابنى متوتر كدة ليييييه ..

فرك زين كفيه ببعضهما

- برا شو وإعلام والدنيا خربانة .. طبيعي لازم أقلق مش أول يوم افتتاح ..

ربت أكرم على كتفه

- طب يلا ننزل شكل المحافظ وصل ..

زفر بقلق بالغ

- طب يلا .. بينا ..
رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل السابع

اليوم الأول في حياتها العملية

تجلس أمام رئيس مجلس إدارة الجريدة تعقص خصلاتها على هيئة ذيل فرس
و بتوتر خفضت عينيها فى الأرض لا تمنحه نظرة واحدة ولا ترفع رأسها تنظر إليه قطع صمتها حديثه وهو يقول :
_ تقديراتك فى الكلية بتقول إنك كنتي ممتازة يا داليدا وواضح إنك بتحبي شغلك ودراستك.

رمقته بأدب وهى تهمس :

_ شغلي هيبقي حياتي وأتمنى أكون عند ظن حضرتك يا أستاذ فؤاد دلوقتي هتستلمي شغلك عايز أشوف إبداعاتك بقى
ردت بجدية :
_ تمام يا فندم
دلفت المكتب بخطوات ثقيلة ليس خوف بل إنها تهاب من كل شئ جديد تقبل عليه رأت شابًا وفتاة كل منهما يجلس على مكتبه يعمل أردف الساعي خلفها موضح من هى :
_ دي أستاذة داليدا يا أساتذة الصحفية الجديدة معاكم اتفضلي يا أستاذة
قدمها لهم ورحل قبل أن تردد سارة زميلتها فى العمل وبجوارها علي :
_أهلا بيكي يا داليدا يارب تحبى الشغل معانا
ردد علي هو الآخر :
_المكتب نور اتفضلي.

جلست معهم تتعرف منهم على نظام العمل وجدته شاق بعض الشيء فالصحفي هو دواء البلد وطبيبها هو من يتكشف العلة وهو من يقترح كيف يكون الدواء عزمت أن تكشف كل علة بهذه البلد وتصنع الدواء أليس من حق الجيل الحالي و القادم أن ينعم صغيرها قبل كبيرها بالحرية والعدالة والديمقراطية والتخلص من الفساد من حق كل مواطن أن يعيش مطمئن على نفسه وأولاده وأحفاده فى المستقبل ستفعل كل ما فى وسعها حتى تجعل هذه البلد أحسن بلاد العالم ولو كان السبب جرة قلم قلمها سيغير التاريخ وسيحارب الفساد والأحداث الخاصة بقلمها لن تنتهى ولها بقية.


بعد انتهاء اليوم الأول فى العمل

تشعر بسعادة كسعادة الفراشات فى الربيع اليوم أولى خطوات نجاحها اليوم هو وقوفها على السلم للصعود حتى الوصول إلى القمة
ابتسمت لصغير رأته فى الشارع بائعًا للفل والياسمين وهي تأخذ منه عقدة من كل نوع
لا شعور يضاهي شعورها الآن أخدت تغمغم بعبارات الحمد والشكر إلى ربها متمنية منه أن يوفقها فى كل ما ستقبل عليه.

بعد يومين

خطوة جديدة
بمقر شركته يجلس بشموخ فهو اليوم سيتتم صفقة ستكون نقلة قوية له يجلس بجانب صديقه وهو يقلب فى الأوراق باهتمام اليوم إثبات ذاته فى عالم رجال الأعمال دلفت سكرتيرته وهى تقول :
_ زين بيه فريدة رشوان برة علشان الميعاد اللي بينكم

ردد بعصبية :

_ أنتي هبلة إزاي تسبيها برة روحي دخليها بسرعة
دقيقة ودلفت بهدوء وسط ترحيب زين وأكرم :
_ أهلاً أهلاً فريدة هانم نورتينا
ردت وهى تتفحص زين :
_ أهلاً يا أستاذ زين سمعت عنك كتير من أكرم بيقول إنك عبقري فى شغلك
ضحك صاخبة صدرت منه وهو يقول :
_ لا أنا كدة هتغر.

تحدث أكرم بهدوء ورزانة على عكس زين :

_ طيب يا زين اتكلم أنت مع مدام فريدة وأنا هروح الاجتماع
غادر وكل منهما ينظر للآخر يتفصحها بوقاحة بجراءة يتفحص كل شبر بها وهى متسمتعة بذلك فهى فريدة رشوان علم من أعلام الجمال بالإسكندرية ورغم جمالها فهى صاحبة أكبر شركة برمجة وتطوير ابتسمت بعبث وهى تردد :
_ شكلنا هنرتاح في التعامل مع بعض
همس بعبث هو الآخر :
_ واضح كدة، قمر إسكندرية عنده كام سنة
ردت بحنق :
_ عيب تسأل واحدة ست عن سنها مش فير خالص.

استمر العبث فى حديثه وهو يقول :

_ لا مليش حق دة احنا بعد الشغل نصالحك بقهوة فى أي حته نتكلم في الشغل
_ تمام نتكلم
ارتسم الجدية وهو يقول :
_ دلوقتي احنا عايزين منك أي أجهزة كمبيوتر قديمة هبرمج وأطور وكل حاجة تنزلها السوق متعرفيش تفرقيها عن الجديد بل بالعكس هتبقى أحسن شغلنا هيبقى مريح لحضرتك جدًا تسلمينا الأجهزة وكدة تمام.

ردت بهدوء :

_ طموحك عاجبني وشكلك ناوي تكبر بسرعة أنا بحب الشباب المكافح اللي زيك هنمضي العقود بس الشرط الجزائي هيكون مليون جنيه وطالما محدش فينا هيتعب التاني مظنش إن الشرط هيضايقك فى حاجة.

لوهلة تسرب داخلة شعور بالخوف من الشرط لكنه بمهاراته وتصميمه وإرادته سيصعد بدل سلم النجاح سريعا غير ذلك فهو زين السباعى حلم كل فتاة وكل سيدة ولن تأخذ فى يده ثواني ليجعلها خاتم في إصبعه.


رد بابتسامة عريضة:

_ تمام نمضي
دقائق وكان يوقع ذلك العقد الناقل به لمستوى رفيع فى مجال عمله ويأخذها مغادرًا إلى إحدى المقاهي الراقية بمدينتهم من الوهلة الأولى اكتشف أنها مثله عابثة فى أولى مراحل الجنون مثله فى كل شيء حتى في ضجيج قلبه يبدو في عينيها أن بقلبها ضجة كبيرة تحدث.

بعد أسبوع

يقف بجانبها مرددًا :
_ أنا أول مرة أطلب منك طلب متكسفنيش
ردت بغضب :
_ لا يا زين هتمشي يعني هتمشي
هتف بابتسامته المعهودة :
_ علشان خاطرى المرة دي بلاش قطع العيش
زين السباعى شخصياً قاعد يتحايل على القمر دي برضوا ينفع كدة
ابتسمت بخبث وهى تقول :
_ علشان خاطرك أنت بس يلا روح استلم الدفعة الأولى وورينا همتك.

ردد بهمس :

_ تمام نتقابل بالليل يا قمر
غادر وطلبت من السكرتيرة الحضور
دلفت وهى ترتجف خوفًا :
_ أخر مره هحذرك يا سمر تبصي لحاجة مش بتاعتك لما تبصي يبقى على قدك مش زين السباعي والقهوة اللي وقعتيها وأنتي بتسبلي ليه ومش فايقة تفوقي بعد كدة فاهمة
هسمت بخوف :
_ فاهمة يا هانم فاهمة
_ يلا برة
انصرفت وهى تكاد تبكي بضعف من جعل مسار حياتها فى عمل هذه السيدة لتفعل بها كل هذا لتتحكم بها هكذا له في ذلك حكم.

في باريس العالم بلد الفن والجمال والروائع يقف أعلى المسرح الذي دومًا كان يحلم به. بالوقوف عليه والمئات ينتظرونه بكل حماس ينتظروا سماع رائعة من روائع القيثارة فى العالم جلس وسط هتاف الجمهور ولعب على أول وتر جعل الجميع يصمت والصوت يصدح فى كل ركن من أركان المسرح وخلف الستار تقف تراقب الوضع وسط الجمهور ردود الأفعال انتهى من عزفه وسط تصفيق حار من الجماهير وعلى الرغم من نجاحه العظيم ينقصه شيء قام بابتسامة ينحني لهم شكر وتقدير وفى استراحة المعرض يقف بين المئات يريدون التقاط بعض الصور التذكارية لهم معه لم يرد أحد التقط صور مع الجميع

انتهى وأخذها من يديها واتجهه إلي منزله.

بالمنزل

هتفت بلهجة عربية ضعيفة :
_ كنتى هايل ألفريد الحفل كان يجنن
ابتسم مرددًا :
_ نفسي تتكلمي عربى كويس من يوم ما جيت وأنا بعلم فيكي وأنتي مش عارفة تتكلمي
ردت بضيق :
_ ألفريد أنتي بتزعلي مارتن منك كده
_ لا كله إلا زعل مارتن هانم ترامب
رددت بجدية :
_ أريد استبدال ملابسي سأذهب إلى الغرفة.

غادرت إلى غرفتها وجلس هو على أقرب كرسي بجانبه اليوم هو فى قمة مجده اسمه يلمع في سماء الفن لا يوجد أحد فى باريس لا يعرف ألفريد ترامب فريد نور الدين يحمل أسمين أحدهما عربي والآخر فرنسي ملقبًا بلقب عائلة زوجته العازف المشهور يأتي الناس له من جميع أنحاء الدولة غير مسار القيثارة فى باريس ولكن يشعر بشيء ينقصه يجعل قلبه يتآكل كل ليلة مسح على وجهه وقرار تصحيح خطأ الماضي أمام عينيه لا يعرف يتخذه أم لا....


لا يصرخ القلم إلا إذا فقد صاحبه القدرة على التحدث


من أكثر الجُمل التي تؤمن بها في إضاءة جانب معين من حياتها ، جالسة أمام شاشة الحاسوب ، ثم دارت بزاوية حادة صوب مكتبها ، وانحنى ظهرها قليلاً ، وجدت نفسها تحتضن قلمها وتقف على أول سطر في الورقة البيضاء التي أمامها .


شقت شفتها بابتسامة باهته بعدها ما التقطت نفسًا طويلًا ثم خطت على جدار صفحتها راسمة بالكلمات


[ هُناك أشياء بالرغم من كونها ميتة إلا أن لديها القدرة لتقتلك بجانبها .. كذكراك مثلاً ..

فهو يشُق قلبى لنصفين .. أحدهما يفكر بك والآخر تائه لم يُناد إلا عليك .. أعلم أنك لازلت تبحث عن إمراة مثلي .. أما أنا ياعزيزي مازلتُ لا أبحث إلا عنك ]

انتصب عودها مستندًا للخلف وهى تمسك الورقة بيدها ، عادت لتقرأ ما كتبته ببطىء ثم تنهدت بكلل

- ياترى عامل إيه يازين دلوقتي .. !!

 يااداليدا .... داليييداا .. اللى واخد بالك ياجميل

فاقت من شرودها على صوت سارة زميلتها في العمل التي أقبلت نحوها بعفوية قائلة جملتها ممازحة .

تركت داليدا ما بيدها متبسمة

- ولا أي حاجه ياستي .. بس قوليلي في حاجة ؟
جلست سارة على مكتبها المجاور لداليدا
- أصل فؤاد بيه عاوزك جوه ..
وثبت قائمة على الفور
- حصل حاجه ؟؟!!
 أكيد بخصوص توزيع الشغل وكدة
أردفت سارة جملتها وهى تدور بمقعدها نحو شاشة الحاسوب ، رتبت داليدا ملابسها ثم تحركت نحو غرفة رئيس الجريدة .

 صباح الخير يافندم .. حضرتك عاوزنب

ألقت داليدا جملتها وهى تتقدم نحو مكتبه بخطوات متباطئة ممزوجة بشيء من الرهبة .. أشار لها بالجلوس قائلاً
- ااه كنت عاوز أعرف ناوية يكون العمود الأسبوعي بتاعك بيتكلم عن إيه ؟!
فركت كفيها بارتباك قائلة
- عاوزاه يكون بعيد عن كوارث السياسيه ونركز في الكوارث الاجتماعيه ..

نظر لها باهتمام

- مش فاهم قصدك إيه !!
تحمست داليدا لفكرتها فردت بثبات
- هسمي العمود الأسبوعي  من قلب الشارع  حابة أنزل أشوف المشكلة اللي جوه كل شخص ونسلط الضوء عليها ، أنا اطلعت على كل أعمدة الجريدة وملقتش عمود مخصص بالجانب دا .. حاجه كدة متعلقة بعلم النفس ، من هنا اتحمست للفكرة جدًا وحاليًا شغاله عليها .. إيه رأي حضرتك .. ؟

فكر رئيسها لبرهه ثم قال

- تمام ياداليدا .. هستنى المقال بتاعك يوم الأربع .. عاوز حاجة تشرف .

وثبت قائمة والفرحة تغمرها

- أنا مبسوطه أوي إن الفكرة عجبت حضرتك .. وإن شاء الله هكون عند حسن ظنك ..

خرجت داليدا من مكتبها شاعرة بأن القدر استبدل ذراعيها إلى جناحين تود أن تحلق بهما في أعنان المساء .

- وأخيرًا ياديدا حلم العمر بيتحقق _ثم صمتت لبرهه لتستمع صوت صادر من قلبها_ أكيد زين لو كان معايا كان هيفرح أوووى .. زين !!!! هو أنا لسه بفكر فيه ؟!

في شركة زين

واقفا بجوار نافذة مكتبه سابحًا في سُحب دخانه المنبعث من أنفه وفمه ، تحديدًا ما ينعكس من صميم قلبه ، استدار كليًا صوب الباب الذي فُتح .
أردفت مديرة مكتبه قائله
 زين بيه .. في واحده اسمهاا ..
قبل ما تكمل جملتها دلفت جهاد بوجه شاحب باهت منضفئ قائلو
- أنا يا زين ..
شعر بتأفف وضيق هجم عليه دفعة واحده .. أشار لسكرتيرة مكتبه للمغادرة ثم اقترب من مكتبه جالسًا عليه مردفًا بفظاظة
- أنتِ مش واخده بالك إن دا مكان شغل ؟!
اقتربت منه بجسد مرتجف
- مابتردش عليا ليه .. هو أنا زعلتك ؟!
انشغل في الاوراق التي أمامه
- مش فاضي عندي شغل ..

أردفت ساخرة

- غريبة ماأنت زمان كنت بتفضي نفسك عادي .. !! اشمعنا دلوقتى ؟؟ فهمنى !
التزم الصمت ولم يبد أي جواب اكتفى بتجاهل سؤالها .. زاحت دمعة من طرف عينيها رغم عنها ثم أردفت قائله بصوت مرتعش
- وحششتننى .. اا ااووى ى ..
لم يلتفت إليها ولم يؤثر على صخور قلبه المتحجر رياح صوتها ، اكتفى بشعور النصر الذي يتراقص بداخله .

اقتربت منه بتوسل

- زين .. بصلى أنا جهاااد ... أنتي بتعاملنى كده ليه متجننيش ......
نهض فجأه من مجلسه قائلاً
- هنا مكان شغل مش عواطف وهبل .. بس أنا هريحك ، متنكريش إننا قضينا يومين حلوين مع بعض أنتي اتبسطى وقضتيها خروجات وفسح وأنا كمان اتسليت ، وخلاص انتهينا مبقاش لوجودك لازمه في حياتي ...

نيزك تلو الآخر يهبط على قلبها بعدد الحروف المتدفقو من بين شفتيه ، أوشكت على الانهيار أمامه .. انسكبت الدموع فوق وديان وجنتيها ، رمقته بنظرات ممزوجة باللوم والعتاب ، بالصدمة والدهشة ..


《 قيل أن الرجل يحب لترميم شيء ما بداخله ، فماذا عن ممثل الحب ؟!! لماذا يتأرجح على حبال الحب هكذا ، ربما يحاول التحرر من قيود فيعلق كل قيد بقلب إحداهما .. عسى أن يتحرر منها يوما ما 》


كانت ترمقه بنظرات حزينة منكسرة لم تحرك به ساكن الشفقه ثم أردفت قائله

- معاك حق .. أسفه إني ضيعت وقتك ..
رد بلا اهتمام
- هتعرفي تمشي ولا أجيبلك حد من الأمن يوصلك !!
- لا يا زين بيه هعرف .. عن إذنك ..

خرجت جهاد تجر فُتات قلبها خلفها لم تلتفت لأحد ، لا ترى أمامها أحد ، أصبح شيء ما بداخلها يحترق ، جزء اليسار به وجع يرهقها ، حالتها ثارت انتباه الدكتور عماد الجالس في انتظار زين خارج مكتبه .. قام خلفها سريعًا معتقدًا أنه وجد خيطًا جديدًا في حالة زين

- يا أنسه .. ياأنسه ....

لم تجيبه ، لم تلتفت ، والأصح أنها لم تسمعه كأن ضجيج قلبها هجم على آذانها ..


مديره مكتبه تحدثت بصوت مسموع

- دكتور عماد اتفضل ..

رمقها عماد بنظرة ونظرة أخرى أرسلها نحو جهاد التي وصلت أعتاب السلم .. ثم تنهد بصوت مسموع ولملم أشيائه متحركًا صوب مكتب زين


 مابتجيش أنت ،، قولت أما آجي أنا

قال عماد جملته بنبرة مبهجة ، قام زين ليحتضنه
- طب والله واحشنى .. تعالى تعالى ..
جلسا كلاهما على مقاعدهم
عماد : إيه ياعم فينك .. الشغل أخدك كدة ومش بنشوفك فالعيادة ..
زين بفظاظة : ربنا يكفينا شرك ياعم .. خلاص خفِينا ..

مط عماد شفته لأسفل بعدم تصديق

- بأمارة البنت اللي لسه خارجه دى !!!
قهقهة زين
- مشكلتك بتاخد بالك من حاجات غريبه أوي ياعماد والله ..
- عيب عليك لما تقول لدكتور نفسانى كدة .. ولا أنت شايفنى برش كنافه !!

ابتسم زين

- لا ياعم أنت أحسن دكتور في مصر كلها ..
وقف عماد متحمسًا
- إذا كان كدة تسمح تقبل عزومتى على الغدا !!
زين مرحبا بالفكرة
-يااسلام .. طبعا ياباشا وأنا أطول يعنى ..

في إحدى السيارات الناقلة من القاهرة إلى إسكندرية .. تجلس داليدا بجوار النافذة عاقدة ساعديها أمام صدرها ، ساندة رأسها على النافذة ، شاردة في الطرقات ..

 انا ايه اللي خلانى آجي إسكندرية ، عشان أول مقال حبيت يطلع من هنا .. أنتي بتكدبي على نفسك ياداليدا ،، أنتي جيتي عشان تلمحيه وتشاركيه أول فرحة ليكي .. أووف يارب بقى هونها على قلبي.

ثم ابتسمت ساخرة كأنها تذكرت شيء مااا

فلاش باك
 بصي ياحلوة عشان تطيري موضوع العريس دا حلك في إيدى .. بس سُماعيلو مابيعملش حاجه بلووشي .. من فراغ .. لازم يكون في مقابل
أردف إسماعيل كلماته بهمس شديد بقرب آذانها ، نظرت له باشمئزاز ثم أردفت قائلة
- مش عاوزة منك حااجة ..
وقف أمامها ليعيق خُطاها
- استنى بس أحسن تندمي .. وساعتها هتقولي ياريتني ..
توقفت للحظه قائل. بنفاذ صبر
- خيررر .. طلباتك !!
أردف قائلاً بثقة
- الشقه الحلوة دي .. باسمك مش كدة ؟! دا ميعجبنيش ،، تكتبيلي تنازل بكرة .. هخلي أمك ترفض العريس وبس .. شوفتي سهلة إزاي ..

جميع اللعنات والألفاظ البذيئة لم تعد كافية لوصف ماديته الدنيئة ، تأملته بنظرات ساخطّة ثم أردفت قائلة

- اااه اظهر على حقيقتك كمان وكمان . لعلمك بقى اللي أنت بتقوله دا على جثتى يااااا إسماعيل بيه ..

باااااك

 ياأبله ياأبله وصلنا
فاقت من شرودها علي صوت صبي السائق وهو يُناديها .. لملمت أشيائها ثم اتجهت نحو المطعم المطل على البحر المفضل بالنسبه لها ..

ومن خلفها شاب في أواخر العشرينات يترقبها بعنااايه منذ مغادرتها مبنى الجريدة إلى أن وصلت مكانها المفضل ..


جلست على إحدى الطاولات وبالأخص مكانها المفضل معه ثم أخرجت جهازها الخاص  لاب توب  بتفكير

- ياتري إيه اول موضوع هكتبه .. فكري ياديدو ..

قطع شرودها النادل

- تأمري بحاجة حضرتك .. ..
للحظه مرة أمام عينيها مقطع سنيمائي معسول جعلها تتبسم بدون وعي
 فلاش باك
 باشا مصر والعالم كله يحب يشرب إيه
قال زين جملته بحنو بالغ وبابتسامة ساحرة تتربع فوق ثغره ..
- مممممم أشرب مانجا ..
- يالهوى عليا مانجا هتشرب مانجا ياناس .. طب والله دا كتير على قلبي ..

ثم أشار إلى النادل وبتلقائية وجه كلامه لداليدا

- تأمري بإيه حضرتك ؟
تغير لون وجه زين مختلطًا بدماء الغضب قائلاً بعصبية
- أنت بأي حق تتكلم معاها !!! هو أنا مش مالي عينك ؟
اتسعت حدقة عينيها
- زين زين بس .. بس .
وثب زين قائمًا بمعالم وجه متهجمة
- دا أنت نهارك مش فايت النهاردة ..

ارتبك النادل

- ياباشا مقصدش والله .
سريعًا ركضت لتقف بجواره وتتشبث بمعصمه لتقول برجاء
- يازين بطل جنان يخرب عقلك .. بأي حق هو يكلمك .. محدش يكلمك غيري ..

أشارت داليدا للنادل : امشي أنت دلوقتي .. امشي ..

باااااك
 ياأنسه .. ياأنسه تأمري باايه
فاقت من شرودها متبسمة كانت رؤيته تصيب قلبها بنوع خاص من الفرحة
- سوري .. هاتلي مانجا ..

عادت داليدا لتتابع شغلها مجددًا .. مشتتة كل الأفكار العالقة في رأسها

- ركززي يا داليدا ركزززى ..

 على جسر الحب بباريس


يتأمل فريد الأقفال المغلقة بتساؤل واسغراب مع مارتن .. ثم أردفت قائله باللغه الفرنسية

- Tu es quoi, fared ?
- مستغرب ياماري .. معقوله كل أقفال الحب دي صحابها كملوا للآخر .
ابتسمت بحب ثم أردفت بالعربيه
- أجل فريد .. كل من وضع قفل وألقى مفتاحه في ماء النهر ، يعني ذلك إنه تعهد لهما بالمحافظة على حبهما لآخر العمر ..
احتضنت ذراعه بحنو قائلة
- أشتاق إليك ..
ضمها الي صدره بحنان
- ماري .. إيه رأيك في مصر ؟؟
ابتعدت عنه بخوف
- مصر عند زوجتك وابنتك .. !!
قربها لحضنه بهدوء
- لا عند بنتي بس .. قولتي إيه ؟
ردت بخوف وتردد
- داليدا فقط !!
طبع قبله رقيقة على جبهتها قائلاً
- داليدا فقط ..

صف عماد بسيارته أمام إحدى مطاعم إسكندرية ، دلف منها ونظر خلفه يبحث عن زين فوجده يصف سيارته الجهه الأخرى ..


قرب زين منه وهو يضع نظارته الشمسية فوق عينيه قائلاً

- اشمعنا المطعم دا ..
عماد بثبات
- ياسيدي برتاح هنا .. يلا تعالى نشوف هنقعد فين ..
»»»»
عند داليدا الجالسه تستمع لأم وابنتها الجالسين بقربها ، ما جذب انتباها سؤال ابنتها التى لاحظت داليدا إصبعها في الكف الأيسر تحاصره دبله تنيره ..
 ماما هو إيه اللي يخلي أي اتنين في الدنيا يكملوا مع بعض لآخر العمر .. من غير ما يزهقوا أو يملّوا ... _ثم هزت رأسها بالنفي قائلاً_ ماتقوليش حب .. أنا عاوزه أعرف إيه القوة الكونية اللي في الحب تخيلب أي اتنين متعلقين في روح بعض للأبد ؟!

تحمست داليدا لتعرف رد الأم ، يبدو أنها هى ما تحتاج أن تلقِ الجواب بعد برهه من الوقت فكرت الأم فيها ثم أردفت قائلة

- زي ماأنتي بتاكلي وبتشربي كل يوم ومابتزهقيش ..

لم تقتنع الفتاة برد أمها حيث انعقدت ملامحها بفضول

- بس أنا مقدرش أعيش على أكله واحدة طول عمري ..

تبسمت أمها ثم قالت

- هتفضلي طول عمرك تاخدي كلامي من النص ومتسمعيش للآخر ..

ابتسمت ابنتها بحب قائلة

- أهو ياستى أنا سكت خالص .. كملي .
ردت آلام بحكمة قائلة
- لو أنا عملتلك كل يوم مكرونة هتزهقي صح ؟
- أكيد ..
- طيب ولو مرة عملتها بشاميل .. ومرة تانية سادة وغيرها بصلصة .. هتملّي ؟

فكرت لبرهه ثم هزت رأسها بالنفي

- لا .. لا أكيد مش هزهق ..

- أهو الحب كدة هو المكرونة الموجودة في بيوتنا كلنا بس بتختلف من بيت لبيت على حسب ماأنت بتستعملها إزاي !! فهمتي حاجة ..


- قصد حضرتك الاهتمام ..

هزت آلام راسها نفيا
- لا .. العطاء .. أنا على أد ماهديكي على اد ماانتي هتاكلي .. فهمتي ياحبيبتي !!

كانت تركز في حوارهما بعناية شديدة حتى تبسمت بفرحة عارمة كأنها وجدت مقالها الأسبوعي .. فتحت ملف على جهازها بإسم  الحبل السُري  ..


فوجئت بشخص طويل وسيم يقف على طاولتها قائلاً بهدوء

- حضرتك داليدا هانم ؟!

رفعت حدقة عينيها نحوه باستغراب

- ااه انا داليدا .. مين حضرتك ؟! ...
رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل الثامن

أنا عنكِ ما أخبرتهم لكنهم ..لمحوكِ تغتسلين في أحداقي

*نزار قباني*

فوجئت بشخص طويل وسيم يقف على طاولتها قائلاً بهدوء

- حضرتك داليدا هانم ؟!

رفعت حدقة عينيها نحوه باستغراب

- اه أنا داليدا .. مين حضرتك ؟!

لا يعرف ماذا يقول يشعر بالخجل ..، التوتر ..، القلق فهذه المرة الأولى له في هذا الموقف هتف بقلق :

_ أنا.. أنا مراد توفيق ممكن أخد من وقت حضرتك ربع ساعة
_ اتفضل خير ؟!
يرتجف حرفيًا مما يفعله الآن قلبه يرتجف بعنف خوفًا من ردود الأفعال التي سيتلقاها
أردف بهدوء :
_ هو حضرتك مرتبطة
ردت بغضب :
_ حضرتك قاعد وآخد من وقتي علشان تسألني مرتبطة ولا لأ.

تنفس بصوت مسموع قلقًا وهو يردد :

_حضرتك متفهميش غلط أنا بس معجب بحضرتك أنا الصراحة جاي وراكي من القاهرة لما لقيتك جاية هنا علشان أتكلم معاكي وأقولك إني معجب بيكي وعايز يعني أزور حضرتكم فى البيت
رددت بحدة وصوت عالِ :
_ أفندم

فى تلك اللحظة ولسوء الحظ وتعاسته وهو يتحدث مع صديقه استمع إلى صوتها الذي لو استمع إلى مائة صوت فى وقت واحد يستطيع تميز صوتها من بينهم رفع بصره يراها تجلس مع شخص غريب رجل آخر غيره هل تخطت عقبته ..؟! هل قدرت على نسيانه ...؟! لا وألف لا فهو زين السباعي من هى لتتخطى عشقها له سواد احتل عينيه اتجهه نحوها تحت نظرات عماد التي لم تظهر عليه أي دهشة أو استغراب

ردد بصوت أجش :
_ مين ده يا داليدا
همس مراد لنفسه :
_ هى ليلة سودة أنا عارف
تنفست بصوت مسموع وهى تراه أمامها والغضب يتراقص أمام عينيه لكنها تماسكت مرددة بجدية :
_ أهلا يا زين ده أستاذ مراد توفيق بيتكلم معايا علشان عايز يجي يتقدملي لو حصل قبول عقبالك.

قبض على رأسه بشدة غير قادر على استيعاب حديثها داليدا ليست له ولا لغيره داليدا ستعيش فقط على ذكراه جذب مراد من قميصه مرددًا بنبرة متملكة مهتزة صارخة:

_ بتاع إيه عايز تتجوزها داليدا مبتتجوزش داليدا مبتحبش غيري ومش هتعيش غير ذكرى حبي،
ضرب مبرح كان من نصيب مراد لا أحد يستطيع أن يقيد زين فهو في حالة انفلات عصبي جلس بجانبه بعد ما هدأت ثورته قليلًا يقبض على رأسه متألمًا مما يحدث بعقله يئن يصدر أصوات مخيفة وبجانبه عماد يضع يده عليه مرددًا :
_ زين اهدى أرجوك اهدى هيجرالك حاجة
ضرب على صدره وهو يصرخ بانهيار :
_ داليدا مش لحد سامعين داليدا مش هتكون ملك حد بعد زين السباعي آه عقلي الوجع هيموتني.

اقتربت منه بدهشة وخوف ودموع من رؤيته هكذا ردد عماد بقلق :

_ متقربيش منه امشي من المكان كله دلوقتي مينفعش تقربي ممكن يعمل أي مصيبة امشي دلوقتي

غادرت وقلبها يؤلمها لرؤيته هكذا ويؤلمها على نفسها على أنانيته وعلى ضعفه وعلى الوجع الظاهر بعينيه خانتها دموعها وهى تركب السيارة عائدة إلى مدينتها والخوف ينهش قلبها وجسدها.


بالقاهرة

بحى إمبابة دلفت لمنزلها وهى تبكي تشهق تهزي أنفاسها عالياً تغمض عينيها وتفتحها مرات عديدة تشعر بالهواء ينسحب من حولها وهى تهزي:
_ زين بيعمل كده ليه بيرميني ويرجع يقول أنتي متحبيش غيري متعيشيش حياتك مع غيري هو أنا لعبة في إيديه ولما هو عايزني سابني ليه رماني كدة ليه ... ليه يارب إيه الحكمة فى كدة يارب طيب هو تعبان كدة ليه مرهق ليه ... طيب إيه الحالة اللي هو فيها دي طيب ليه أنا اللي حياتي متعبة كدة ...لا أنا مبقتش مستحملة يارب اااااااااه.

سقطت مغشيًا عليها لم تتحمل تساؤلات عقلها لم تتحمل كل ما تعانيه رطمة قوية جعلت كل من فى المنزل يفزع مهرولين إلى الخارج صدح صوت والدتها بهلع :

_ داليدا مالك يا ضنايا
شيلها يا إسماعيل.

فرصة من ذهب حملها إلى غرفتها وذهبت أمها من التوتر تأتى بالطبيب هى جلس بجانبها مستغلًا لذلك الوضع يتحسس ساقيها عنقها والشيطان يتلاعب بعقله جعله يجذب ورقة زرقاء من غرفته وبعض من الحبر السائل لطخ إصبعها بالحبر ثم الورقة يبتسم بتشفى فهو أقوى انتقام لها صفعة قوية ستجعلها حطام.


دلفت والدتها ومعها الطبيب يتفحص ابنتها والقلق ينهش بقلبها عليها ردد الطبيب بجدية :

_ هى اتعرضت لضغط نفسي كبير يا مدام أنا أعطيتها حقنة مش هتفوق منها غير الصبح
ياريت محدش يضايقها ويشوف إيه مزعلها
رد إسماعيل بخبث :
_ تمام يا دكتور اتفضل
غادر مع الطبيب وبقيت هى بجانب ابنتها تقبل يديها جبهتها كل شيء بها بحنان وألم وهى تسمعها تغمغم :
_ بابا بتسيب إيدي ليه ... مشيت وسبتني ليه أنا تعبانة من غيرك والله يا بابا متمشيش علشان خاطرى أنا هبقي كويسة بوجودك مع ماما بابا لاااااا.

رجفة عنيفة بكيانه وهو نائمًا أعلى السرير داخل الغرفة البيضاء التي يبغضها طوال عمره وفي يده محلول جعل جسده يرتخي بعد شدته يصرخ بألم كالأطفال يبكي بعنف يهاجمه دوار شديد جعل عقله على أبواب الفقدان دلف عماد وهو يردد بتوتر :

_ زين باشا عامل إيه دلوقتي
رد بوجع :
_ تعبان أوي مش مستحمل اللي بيحصل في دماغي يا عماد مش قادر
هتف عماد بجدية :
_ ده الطبيعي يا زين

زمجر فيه بشراسة :

_ والحل أنا مش قادر حرام عليك بقا خليني أخد مهدئ تاني وحياه أمك يا عماد مش قادر

ردد بهدوء :

_ مينفعش مهدئ زين لازم تتواجه مع نفسك لما أنت تعبان كل ده فى بعدها ومش مستحمل حد يتجوزها ليه متتجوزهاش أنت فكر يا زين
داليدا تستاهل إنك تفكر أنا هسيبك دلوقتي جنبك فى الدرج حبة مهدئ واحدة فكر لما توصل لحل وبعدين خدها ونام والصبح هجيلك تانى
غادر وتركه وحيدًا يتحدث مع نفسه مرهق هل تستحق داليدا كل ما يعانيه ماذا لو اجتمع هو وهى تحت سقف بيت واحد ..لا هو لن يتزوج
عناد.. كبرياء.. حيرة .. غرور لا يعرف فهو لن يتزوج وهى لن تتزوج غيره وستعيش على ذكراه تناول المهدئ جعله يتعب حتى غفلت عينيه فى ثبات.

بفرنسا

يغلق الأمتعة وبداخله سعادة لا توصف اليوم عائدًا بعد غياب خمسة عشر عامًا عائدًا إلى حبيبته التى طردته وهو فقيرًا لا يمتلك شيء
حبيبته أرض العزة أرض الكنانة تتمثل حالته وحنينه واشتياقه فى مقطع من أغنية بالورقة والقلم *طرداك وهى بتحضنك وهو ده اللى يجننك* انتهى من كل شئ وفي يده زوجته يغلق باب منزله الحبيب الذي حمل فى طياته ذكريات كثيرة غادر إلى المطار يجلس وهى نائمة بجانبه وبداخله أحاسيس ومشاعر كثيرة.

وبعد ساعات صدح صوت المضيفة بجملة جعلته يرتجف قائلة :

_ برجاء ربط الأحزمة ستهبط الطائرة بمطار القاهرة الدولي فلتصحبكم السلامة
استقيظت زوجته وتمسكت بيده فالخوف يراودها فهى لا تعلم ما المجهول لها هنا فى هذه البلد
على سلم الطائرة يقف يستنشق الهواء بسعادة
هواء حبيبته وأرضه ووطنه وكل شيء لكل مغترب وكل مقيم بها

جيوش من الكوابيس هاجمت منامه بدون رحمة ، جعلته يتمايل في فراشه كطير ذبيح مُلطخ بالدماء يلتقط أنفاسه الأخيرة ، قطرات العرق تتصبب من جميع أجزاء جسده ، تمر لقطات خاطفة أمام عينيه عندما نهض من فراشه في المشفى ينتوي المغادرة ، صور مشوشة من الممرضات اللاتي يحاولون تهدءته ، آخر ما تذكره صورة عماد وهو يسنده لفراشه في منزله ، فاق من نومه مفزوعًا وجد ممرضه بجواره تعد إبراه مُهدئه .

 أنتي بتعملي إييه هنا !!!

قال زين جملته وهو يشعر ببركان يتوق برأسه للانفجار ، ارتبكت الممرضة وأسرعت في انهاء الإبرة المهدئة ، ولكن ما جرى عكس ما توقعته ، فوجئت بزين يقف أمامها بجسد مرتجف ينهرها بقوة أرعبتها

- اطلعى بررا .. برررا ..
وضعت ما بيدها فوق المكتب وحاولت الإمساك بهاتفها لإخبار الدكتور عماد ، ولكنه لم يُطيعها الفرصه لذلك ، قبض على ذراعها بقوة وسحبها خلفه ، كلاً منهما يتألم هو من ضجيج رأسه وهى من قبضته القويو ، ألقاها زين خارج منزله ثم أقفل الباب بقوة ممسكًا برأسه التي أوشكت على الانفجار .. ركض نحو بار مطبخه باحثًا عن نبيذه المُفضل بجنون وبدون وعي ..

صوت رنين الجرس اخترق آذانه ، حاول بقدر الإمكان أن يتجاهله ولكن إصرار الضيف كان أقوى من كل تجاهلاته ، بيده عبوة النبيذ يمشي مختل الاتزان ، يتمايل يسارًا ويمينًا كمن فقد عقله ، يهذي بكلمات غير مفهومة ، فتح الباب إذا ب ( فريدة درويش ) أمام عينيه ، يراها أمامه طشاش ، جسد امرأة فقط دون التعرف على الهوية ، مد كفه وسحبها للداخل

- داليدا .. تعالي...

أصيبت بالاندهاش لحالته المتدهورة

- زين !! زين مالك ..
تمايل بجسده عليها بدون إدراك ليقفل الباب ، لم تخل عيناها من الاستغراب والتعجب ، هذا هو زين السباعى أمامها ضعيف هزيل شخصٍ مُختلف أمامها اُصيب بفقدان عقله ، اقتربت منه وهى تحاصر خصره بذراعها وتضع ذراعه فوق كتفها مستندًا عليها
- تعالى اقعد طيب !!

ألقى زين بجسده فوق الأريكة ليرتشف رشفة أخرى من مشربه قائلاً

- هى قالتلي لا ،، هى ماكملتش ،، هى صممت تمشي وتسيبني ..
حاولت أن تجد من كلامه معنى تفهمه ثم دنت منه
- هى مين دي .. زين أنا جمبك أنا أهووه ..
دفعها بعيدًا عنه
- لا هى .. مش أنتي .. هى داليدا .. هى هى...

اقتربت منه بحركات خبيثة قاصدة أن تلقي بجسدها بين ذراعيه

- بص لي كدة ! أنا فريدة أنتي مش وعدتني هنتجوز أنا قدامك أهو .. ولا أنت مش بتحبني !!
في تلك اللحظة ظهرت أمامه صورة لداليدا ، شعر بمغناطيس يجذبه من ياقته ليقبلها ، فقد جميع زمام تحكمه على مشاعره ، سار خلف خطوات شيطانه بدون تفكير ليشبع غريزته المحرمة ، ارتطمت بالأرض عبوة النبيذ التي كان فجوة يتسلل منه شيطانه إليه ليملكه ويُحركه كما يهوى .

في عيادة الدكتور عماد

الدكتور مراد بحيرة
- طيب احنا كدة عملنا اللي اتفقنا عليه !! حالة زين ادمرت أكتر بمجرد ماشافها مع حد غيره...
إتكأ عماد بظهر مقعده للخلف واصابع كفيه متشابكة في بعضهما مردفًا بهدوء
- المشكلة إن زين مش بيعاني من مرض واحد بس ، الحب زرع في حياته شجره سابت جذور كتير جوه قلبه احنا مش عارفين نوصلها ..
عقد مراد ساعديه أمام صدره قائلاً
- بس دا مش غريب يادكتور ، هو أي حد فينا هيحب هيتجنن !! ويفقد عقله زي زين!! كانت الناس كلها اتجننت ..
ابتسم الدكتور عماد قائلاً
- أنت عارف نسبة الحب الحقيقية في العالم كله لا تتجاوز ١٠ % !!
رفع الدكتور مراد حاجبه متعجبًا : دا بجد !!

- هو أنت فاكر إن أي حد يحس بدربكة جوه قلبه على كام دمعة من عيونه كدة نسميه بيحب !! الحب روح مخلوقة منك لو اختفت تموت ومش أي حد هيوصل للمرحلة دي .. آديك شايف المجتمع اللي احنا فيه ، بنات ماشية بمبدا راح قرد يجي غيره غزال .. وشباب ماشي يتعرف على طوب الأرض .. حب إيه بس اللي بيتكلموا عنه !!

ضحك مراد بصوت مسموع ثم أردف قائلاً
- وأنت إيه رأيك في حالة زين ، احنا لينا أكتر من ٣ سنين مش عارفين نوصل لحل ..
- عمرنا يامراد ماهنوصل لحل طالما التشخيص غلط ، وفي الطبيعي كل اللي مروا بحاله زين كانت أخرتهم يإما انتحروا أو اتحجزوا في مستشفى الأمراض العقلية .. ودا اللي خايف منه..

مراد بتفكير :-

- زين من الأشخاص اللي فقدت لحد مامتلكها الوهم ، بقى عنده إدمان لشعوره بإن أي شخص هيعرفه بيحبه . وكان بمجرد أول واحدة تقول له: أنا بحبك، ويرضي غروره بيها يمل ويروح لواحدة غيرها على طول .

عماد بحماس

- إلا داليدا .. عارف ليه اتعلق بيها ! لأنها قالتله لأ .. كسرت كبره وثقته في نفسه ، كل بنت بتخوض علاقة مع زين بتدمره أكثر ، داليدا الوحيدة اللي فوقته وكشفت جرحه..

- أنا شايف إن دا له علاقة بطفولته ، زي مثلاً الشخص اللى بيحس بحالة من عدم الاستقرار النفسي الشديد لأنه مالقاش الحب الكافي في طفولته ربما يكون أكتر عرضةً للغيرة المرضية التملكيو !!


- احنا كده وصلنا إنه مصاب بنوع من أنواع الممارسة الإكلينيكية ، الهوس الشبقي Erotomania3 ، وولع بالحب الأوحد ، بالإضافة لشخصية زين الرومانسية زيادة ، تملكية ، شخصية نرجسية سادية !!! ..


قطع حديثهم دخول الممرضة بسرعة

- دكتور عماد .. إلحق زين باشا طردني وحالته متدهورة خالص .. أحسن يعمل حاجة في نفسه ..

فزعا كلاً من مراد وعماد سريعًا ليتوجهوا إلى منزله ..


 في مبنى شركة المجهول

في مكان ذي أثاث فخم ، وعدد هائل من العاملين يؤدون مهامهم بنشاط وهمة ، تجلس فوق مقعدها الجلدي بجسد مرتجف ، وأصابع قدمها متكوةه مما يدل على ارتباكها وقلقها .. فاقت على صوت فتاة يُناديها بهدوء
- آنسة جهاد اتفضلي ، فايز بيه في انتظارك ..

وثبت جهاد قائمة ببطء هى تحتضن حقيبتها الجلدية أمام صدرها بخوف ، طافت عينيها في جميع أنحاء المكان إلى أن وصلت لأعتاب مكتب ضخم متسع يبدو عليه معالم الروعة والفخامة،إذا بشاب في منتصف الثلاثين واقفًا أمام النافذة قائلاً بنبرة رسمية

- ياريت تقولّي بسرعة عاوزة إيه عشان معنديش وقت ..
تحركت شفتاها بتردد قبل ما يتحرك لسانها وبعد مُعاناة استجمعت كلماتها بداخل فمها
- أنا جاية لحضرتك بخصوص زين السباعي ..

استدار إليها بجسده باهتمام ويبدو على هيئته الغضب الملحوظ قبل ما يتفوه سبقته جهاد بالتحدث

- عارفة إنه كان السبب في ضرب آخر شحنتين لحضرتك .. وأنا هساعدك تاخد حقك منه ..
رمقها بنظرات توحي بالفخر والفرحة
- تعالي تعالي .. اقعدي .

في إحدى فنادق الجيزة

 لوسمحت عاوز غرفة لشخصين
- باسم مين حضرتك ؟!
- باسم فريد .. فريد نورالدين ..
ابتسم موظف الاستقبال
- حضرتك الموسيقار فريد نور الدين معقولة ! حضرتك أنا من أشد المعجبين بعزف وألحان حضرتك ، حقيقي أنت فريد ولون عزفك فريد بردو ... اتفضل اتفضل ارتاح وأنا هخلص كل حاجه..

نظرت له مارتن بفخر قائلة

- أنا سعيدة جدًا بنجاحك فريد .
قبّل فريد كفها بحنو
- وأنا أسعد عشان أنتي السبب فيه ...
- متى ستذهب لداليدا ؟

شعرة خوف انتابته من مواجهتة لابنته التي آثر أحلامه وأوهامه عنها وتركها لأم طامعة فى المال والمادية .

- بكرة الصبح هروحلها وأعرفك عليها .. متستعجليش .
مارتن بفرحة : متاكدة أنني سأحبها لأنها ابنتك فريد ..
صوت الموظف قائلاً
- اتفضل حضرتك مع العامل الأوضة جهزت ..
حضن فريد زوجته بحنو وسارا معًا خلف العامل الذي يحمل أمتعتهم ..

في شقة زين

فاق من غفوته وجد نفسه في منتصف مخدعه ذو جسد عاري ، تحركت عيناه ببطء ليجد شعر طويل يطوق عنقه ، وذراع يحاصر خصره ، لجزء أقل من الثانيو تخيلها هى بجانبه متذكرًا حديث سابق بينهما ثم تبسم له ليفوق من شروده وتسقط عينيه على امرأة رغم رشاقتها وجمالها إلا انها كانت على صدره كجبل صخري راسخ ، ابتلع ريقه ليبلل حلقه شاعرًا بفرحه تملأه برغم شوقه واشتياقه الذي يجذبه من ياقة قميصه نحو عينيها قلبها احتضانها .. داليدا فقط التي تذوق معها طعمًا عذبًا للحب ، كأنها أتت مفصلة على مقاس اُمنياته..

نهض بهدوء ذاهبًا إلى مرحاض غرفته ، شعرت فريدة بحركته ثم استقظت من منامها والبسمة تشق ثغرها قائلة

- بقيت احسن !!
ابتسم زين ساخرًا وهو يقول
- يعني يكون جمبه فريدة درويش ومايتحسنش ؟!
رن صدى صوت ضحكتها في جميع أرجاء المكان بصوت أنثوي جذاب ثم أردف زين قائلاً محاولاً إخفاء ضيقته
- ينفع تمشي دلوقتي !!
صُدمت من طلبه الغريب وتغيرت ملامح وجهها
- نعممم ..

حاول زين تلطيف الجو قائلاً

- والله يادودو مايتشبعش منك ، بس مش حابب حد يشوفك هنا ..
نهضت من مخدعها واقتربت نحوه بتمايل محاولة إظهار معالم جسدها
- حد زي مين بقى اللي خايف يشوفني ..
ابتسم رغم عنه قائلاً
- أكرم مثلاً .. مش لطيفة يشوفك معايا هنا ..
داعبت أنفه بحب قائلة بهمس
- طب بالنسبة للشحنة .. تمام !!

قبل زين أناملها بتلقائيه

- الشحنه دي واللي وراها ولرقم عشرة لو تحبي ..
ضحكت بصوت آخر مرتفع
- شكلها هتبقى فتحة خير علينا كلنا ..

في حي إمبابة

صوت صاخب يخترق آذانها وهى تحت سطو نُعاسها حتى تردد في ذهنها كهواجس مرعبة ، امتلأت جبهتها بقطرات العرق المنبثقة من مسامها ، تمنت لو تفتح عينيها تجد كل ما فاتها وهم ، تصحى لتركض لحضن أباها بدلال منتظرة ما أحضره لها بعد يوم طويل ممل من العمل ، تجد إخوتها الصغار يتشاجرون ويقلقون راحتها ، أمًا تحضر لها أشهى المأكولات وتُناديها بصوت عذب كي تساعدها في تجهيزه قبل ما ينهى والده حمامه المائي الدافء ، ماذا ولو كان كل الألم الذي مررت به هراء عالم ، كابوس طالت مدته بسبب سباتها الذي تسببت به حبوب مخدرة ، ماذا ولو كانت الحياو عينة مجانيه للتجربة إذا أعجبتني حصلت عليها كلها .. والعكس ، لماذا لم يخلق مع الحياة كتالوج لنختار منه الحيلة التى تناسبنا !! بعد كثير من التساؤلات والأكاذيب التي تعيشها في خيالها لبخل الواقع عليها بتحقيقها فتحت عينيها بتثاقل وكأن فوق جفونها صخرتين تزيحهما بمعاناه شديده..

استمعت لصوت قفل باب الشقة وصوت أمها المتلهف نحو ذلك القاسي ذي النوايا الخبيثة

- كنت فين ياسماعيل !! قلقتنى عليك ياخويا ..
ابتسم بمكر تعلب الذي حدد هدف اصطياد فريسته قائلاً
- شغل .. شغل ياسعاد .. المهم أنا واقع من الجوع هاتيلنا لُقمة نسند بيها بطننا..

سعاد بحب : حالاً ياخويا .. أصلاً كنت سالقة فرخه للبت داليدا حلال عليك ، كل وإشبع وإملى بطنك داليدا مش هتاكل كعادتها ..

أحسّت باختناق لكلمات أمها وإهمالها وتفضيل زوجها على ابنتها ، يقولون أن الست تمتاز -بالحاسة السادسة- تستطيع من خلالها كشف الرجل قبل ما ينطق ، ولكن خطأنا نحن كسيدات نتجاهل إحساسنا ليستمر حبنا وفي نهاية المطاف نلوم أنفسنا ونحملها مرارة الندم مردفين ( طب والله قلبي كان حاسس ) !!

اقتربت نحو مكتبها تبحث عن هاتفها ، أصابها الشغف أن تحدثه ، تطمئن عليه ، تستمع لصوته الذي اشتاقت له كثيرًا ، تريد أن تغسل بصوته أكذوبة فراقه ، فتحت رسائله القديمة لتقرأها بقلب مضطرب وهى تقلد طريقته لإخراج الحروف من ثغره كأنها تبحث عن صوته من بين حروف الكلمات ، كل عضو بجسدها يتحرك ليجبرها على الحياة لأنه منتظرها ، منتظر عودة من لا يعود ، تنهدت بمرارة وجع ممزوجة بدمعة تخدش وجنتها ، احتضنت قلمها ملجأ قلبها الوحيد لتكتب بيد مرتعشه

أصبحت أسيرة حبك وأنت بفؤاد قلبى جاهلًا ، مهما طال الأمر فلم يصاب قلبي بجزعٍ وكيف يجزع بستان الورد من ورده مهما الشوك أوجعه !!

تركت قلبها جنبًا عندما تذكرت حديث الفتاة مع والدتها ، قامت بحماس أنساها كل آلالمها المبرحو لتفتح جهازها _ اللاب توب _ لتستكمل مقالها مردفه في ذهنها

- اشتغل أحسن لأني لو قعدت كدة مش هبطل تفكير وحركات مجنونة ، أنسب حل للنسيان الشغل ..

فتحت تتطبيق الوررد لتكتب عنوانًا بالخط العريض باسم  الحبل السُري  ثم اتخذت نفسًا عميقا وشرعت بنثر كلماتها فوق أحرف اللوحة الالكترونية باللهجة المصرية ..


[ بما أن العمود بتاعي اسمه من قلب الشارع  ، فأنا قررت كلامى يكون بلغتنا كلنا ، بعيدًا عن الكلام الفصحى والجرائد ، كلام يخرج من القلب للعقل ، كلنا نفهمه ونترجمه.


كنت قاعدة في كافيه بدور على موضوع افتتح بيه مقالي الأسبوعي ، اتفاجئت بوداني اتحدفت على التربيزة اللي جنبي لما بنت سألت مامتها سؤال بيتردد في ذهننا كلنا يوميًا وعمرنا ما فكرنا نواجهه ، البنوته دى كانت بتقول ايه !!


 ماما هو إيه اللي يخلي أي اتنين في الدنيا يكملوا مع بعض لآخر العمر .. من غير ما يزهقوا أو يملوا ... ماتقوليش حب .. أنا عاوزة أعرف إيه القوة الكونية اللي في الحب تخلي أي اتنين متعلقين في روح بعض للأبد ؟!

كنت متحمسهة جدًا أعرف رد مامتها ، وحقيقي ردها عجبني ، مختصر ردها إن الحب من الحاجات الاساسيه اللي منقدرش نستغنى عنها ولا نعوضها حتى ولو مافيش حب ، فى نوع من الحب ممكن نحطه تحت بند التعود ، أنت اتعودت ترجع من بيتك تلاقى مراتك مجهزه الأكل والمكان النضيف اللي بتلقائية نفسيتك بترتاح أول ماتدخل وعلى المقابل تكون مجبر تقدرها وتحسسها بمجهودها وأد إيه أنت من غيرها ولا حاجة .

وقفة .. طبعًا كلنا عارفين الكلام دا ، طيب تيجوا نتخيل لو في يوم الزوجة قامت بكل مهامها على أتم وجه ومستنية كلمه شكر واحدة من جوزها تهون عليها فللأسف متلاقيش غير عنف وصوت عالي وووو .. دايما طرف قايم بدور العنصر المضحي على سبيل عمار سفينة حياتهم ، هنا بقى هيدخل رتم العلاقات في نوع من الملل والزهق والكأبة ، والشخص اللي بيدي هيتعب .. ودا سبب اسم المقال بتاعي ..


بمجرد ما طنط مامت البنوته جاوبتها ، جيه في بالي مقال للدكتور  طه محمد  كان بيقول فيه إن أي علاقة بين أي اتنين ما ينفعش تقوم على طرف واحد ، وهو الطرف المعطي دايما هو مصدر كل حاجة في الحياة والطرف التاني كل اللي عليه يمرع وينعم بالعطاء كالجنين في رحم أمه .


أي علاقة فالدنيا لازم تكون العصاية فيها ممسوكة من النص ، كفتين ميزان على أد ماتاخد على أد ماتدي ، بلاش نرسخ فكرة إن شخص واحد هو محور الكون ، مافيش حاجه اسمها أنا وبس وأنت من غيري مش هتعرفي تكملى !! بلاش علاقات استعبادية واعتمادية قائمة على طرف واحد وبس .


نرجع لسؤال البنوته ونختصر إجابته في معادلة بسيطة ، الحياة مبنية على معادلة الأخذ مساوٍ للعطاء ، لو كفة خفّت عن التانية هنلاقي نوع من الخلل ، عمر الحب ما هينفعنا لو معندناش فن التعامل مع الحبيب ،بالعكس أزواج كتير مابيحبوش بعض بس مكملين عشان عارفين يتعاملوا مع بعض إزاي .. كلنا مخلوقين من نفس واحد مكملين لبعض مش مستعبدين لبعض ، يبقى القوة الكونية مش فالحب .. القوة الكونية في استمرار الحياة بين أي اتنين فينا إحنا .. وفي فن تعاملنا مع بعض .


 فن التعامل أساس أي علاقة

بقلم داليدا فريد ...

تنهدت بارتياح قائلة : يارب يعجب دكتور فؤاد

لم يشغلها مقالها الأسبوعي عن التفكير والانجذاب له ، وبدون تفكير قررت أن تهاتفه لتطمئن عليه .. ظل عقلها يوعظها
- ياداليدا ماينفعش بطلى جنان ..
قلبها محاولا السيطرة على عقلها
- هرن رنه بس .. لو مردش أنا هقفل .. منا لازم أطمن عليه وكمان أعرف هو اتعصب ليه كدة لما شافنى

 في شقة زين

انصرفت أخيرًا من شقته فريدة درويش وبعد مغادرتها بدقائق كان الدكتور عماد بصحبة الممرضة أمام شقته ، فتح زين الباب قائلاً
- تعالى اتفضل ..
عماد بذهول واستغراب : أنت مجنون ولا قاصد تجنني معاك ..
زين ممازحًا : ولما أنت تتجنن أنا مين يعالجني !!
أردف عماد داخل المنزل مشيرًا للممرضة
- الواضح عليه بقى كويس .. استنني فالعربية تحت ..
غادرت الممرضة وأقفلت الباب خلفها تنهد عماد قائلاً
- طردتها ليه ..
زين بمزاح : والله لو كانت حلوة ما كنت هسيبها تخرج حتى دقيقة !!

عماد بنفاذ صبر : يابنى أنت مش راحم نفسك ليه !

زين بلا مبالاه وهو يتجه نحو المطبخ
- ياعم وأنت متعصب ليه وهو كان حد منهم اشتكالك ، ما الدنيا حلوة أهي وكلنا بننبسط !!
عماد وهو يجلس على الأريكة
- لا وكمان بتهزر ، وأنا اللي جاي على سرعه ٢٤٠ عشان أحسن تعمل في نفسك حاجة ..
وقف زين أمام بار مطبخه قائلاً.

- متخافش مش هنتحر ، لسه ماوصلتش للمرحلة دى .. المهم قولي أنت خايف عليا !!

رمقه عماد بنظرة سخط قائلاً
- ودا سؤال !! ياخى لو مكنش بحكم مريض ودكتوره ، فأكيد باعتبار إننا ولاد عم .. ودا واجب إني اتسحل وراك لما تكون واقع في مصيبة ..
قهقهه زين وكأنه لم يصاب بشيء منذ ساعات ، كأن ما جرى مجرد نوبة لم يتذكرها ..
- تشرب إيه ؟!
- اعمل قهوة عشان شكلك ناوي تطير آخر شوية العقل اللي في دماغي .. أنا حقيقي مش عارف مين فينا الدكتور ومين المريض على بال ماأغسل وشي وأجيلك ..

 في غرفة داليدا

تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا بقلق وتوتر ، فهو من ضيع طريق عودتها له ، ولكنها مازالت تحبه بصدق ويرفضه كبريائها بصدق أيضًا .. أظهرت رقمه على شاشة هاتفها مستجمعة شتات قوتها وعازمة الأمر وصوت يصدر من جوفها ليحمسها على ارتكاب جريمتها
- هطمن عليه وبس .. يلا ياداليدا ... مش يمكن هو مستنى اتصالك !!!
رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل التاسع

دلف يعد القهوة مرددًا وراء كوكب الشرق أم كلثوم "وقسوة التنهيد والوحدة والتسهيد لسه مهمش بعيد لسه مهمش بعيد "

ارتفع صوته عن صوتها وهو يقول "وعايزنا نرجع زي زمان قول للزمان ارجع يا زمان"
ابتسم عماد بتعجب من حالته وهو يدلف إلى المرحاض يمسح وجهه ببعض الماء متمتمًا بتعجب :
_ زين على أول أبواب الجنان يا حرام.

مسح على وجه وغادر إلى بلكون المنزل قاطعه صوت رنين هاتف مريضه وشقيقه وصديقه معلنًا عن اتصال هاتفي من اسم مدون ب "داليدا" فرصة ذهبية أتت إليه أغلق بوجهها سريعًا وهو يدون رقم هاتفها لديه ويمسح مكالمتها لزين قبل أن يراها وقبل أن يضع الهاتف مكانه مرة أخرى دلف زين متسائلًا باستغراب :

_ بتعمل إيه بالتليفون يا عماد
هتف بتوتر وشهقة مضحكة :
_ ايه يا زين ما تقول احم ولا أي حاجة قطعتلي خلفي يا راجل مبعملش حاجة أنا كل ما أبص لتليفوك ألاقيه بينور هو ملبوس...؟!

صدح صوت ضحكته الرنانة بالمنزل قائلاً:

_ البعيد جاهل هقول إيه يعني ده أوبشن فيه يا عمده.. أحلى قهوة يارب تعجبك
جلس معه يحتسي قهوته وتجلده ذكرياته المرهقة أصبح أسيرها قلبه يرتعش بعنف على عكس الإبتسامة التي تزين ثغرة وعيناه التي يحتلها الحزن والسواد متخفيًا فى نظاراته الشمسية في الخارج وإحدى نظارات العصر ليلاً تعطي له جذابية كبيرة تجعله وسيمًا يحدث بداخله معركة دامية ..لا يعلم هل ستنتهي على خير أم ستترك أثر سلبي

يهتز جسدها بعنف من كرامتها التي تبعثرها معه كل يوم يغلق الهاتف بوجهها يطردها كل يوم من حياته وهى لا تستوعب ذلك بكت بحرقة تشعر بتلوي في أحشائها وهى تعض على شفتيها مبتلعة غصة مؤلمة أخذت دفترها تدون به :

_ أشعر وكأني قطعة خبز صغيرة لا تقوى على تلك الأسنان الحادة التي تمضغها وتجثو الأيام على قلبي بقوة تجثو وتجثو وتجثو حتى تفتفت تلك المسكينة ...،أشعر وكأني عجوز سبعينية ألقى بها أولادها بدار مسنين لثقل حملها
وعلى الرغم من أن سيكون عمودها الأسبوعي باللغة العامية هي تفضل اللغة العربية الفصحى وتدون كل ما في صدرها بالفصحى.

عاودت تدون مرة أخرى وهى تبكي :

_ إلى ذلك البعيد القريب .. إلى ذلك الراحل يؤلمني قلبي أشعر بالعجز مما تفعله بي وبقلبي
إلى ذلك البعيد القريب قلبي ممتلئ بمشاعر مختلطة تجاهك إليك يا أنا وعُد مني لي .. لا تحاول عبثًا الخروج من تلك الحلقة التي نطوف بها .. ف إن كنت الأمير الحائر أنا صاحبة الحذاء الزجاجى ستبحث عني فى جميع النساء وفي النهاية ستعود لي
..، إلى ذلك البعيد القريب عُد أرهقنى الفراق.

أغلقت الدفتر وهى تبكي بقوة كطفل فقد والديه ولما كطفل هى في عمر الطفولة فقدت والدها ومن بعده والدتها عند زواجها بذلك الرجل الذي صاحب كل صفة سيئة مسحت دموعها وهى تشهق مغمغمة :

_ يارب ريح قلبي يارب
نادتها والدتها قائلة :
_يلا يا داليدا علشان تتغدي
وصوت إسماعيل يصدح هو الآخر بخبث :
_ يلا يا ديدا يلا يا حبيبة عمو
مجرد سماع صوته يجعلها تشعر بالغثيان ويمر عليها كل لحظة صدر منه فعل شنيع لها.

مساءاً

يجلس وحيدًا لا يوجد معه سوى بضعه صور..، لقطات من لحظات مضت لحظات سعيدة لن تمر مرة ثانية يتذكر عندما كان في الخامسة ووالدته تبدل له ملابسه وهو يقبلها ووالده يلتقط صورة لهذه اللحظة .. ما أجمل تخليد اللحظات السعيدة ..؟! وما أقساها عند رحيل من هم معنا بهذه اللحظة ..؟!
تحشر صوته وهو يقول :
_ الغاليين هما بس اللي بيفارقوا .. هما بس اللي بيوجعوا قلوبنا عليهم
وقعت عينيه على صورة له معها ومن سواها يلتقط الصور معه ..، من سواها يجعله يبتسم هكذا في صورة..، من سواها تعشقه ويعشقها
"يعشقها" صدحت الكلمة برأسه مئات المرات
وشرد في يوم ما قبل الفراق ببضعه أيام...

يجلس معها أعلى الصخور يحتضن كفها الصغير بكفه وشعرها يتطاير على وجهه ومستمتع هو بذلك يبتسم لها بهدوء لا يتحدث

"فإذا وقفت أمام حسنك صامتاً فالصمتُ في حَرَم الجمال جمالُ كَلِماتُنا في الحُبِّ .. تقتلُ حُبَّنَا " نزار قباني
هتفت هى بسعادة :
_ بتحبني يا زين
ردد هو بغمغمة :
_ على دروب العشق التقينا فكيف بربك لا أعشقك أيها الجميلة صُدمتِ بقلبى تربعتيه على الفور ..!
شردت في عمق حديثه هل يمكن للإنسان أن يحب إنسان أخر أكثر من نفسه وهل يوجد من يضحي بعمره من أجل شخص يعشقه التضحية جزء لا يتجزأ من الحب مرتبط كل منهما بالآخر ولو وضعت فى اختيار بين حياتها وحياته لقدمت حياتها من أجله على طبق من فضة
رفع كفها لشفتيه يقبله من باطنه مغمغمًا وهو ينظر لعينيها : تتجوزيني يا داليدا ..!؟

عاد من ذكرياته عندما مرت من أمامه رؤيتها بالأمس تجلس مع غيره والتساؤلات تتكاثر بعقله

لماذا ثار عليها وهو من تركها ؟! وهل هى تخطت عشقها له في هذه المدة القصيرة ؟! لماذا ضرب الشخص الذي رآها معه ؟!
أنقذه من جنونه مرة أخرى بسبب تفكيره المستمر صوت هاتفه معلناً عن إتصال من "فريدة" جاءت فى وقتها فالذكريات كادت تقتله أجابها مرددًا :
_ قمر إسكندرية كله بيكلمني مخصوص.

صدحت ضحكتها الأنثوية بالهاتف وهى تقول :

_ بكاش أوي يا زين أنت فين
هتف بعبث :
_ في الشقة
_ اجيلك ؟!
عبث فى خصلاته قبل أن يردف :
_ تنورى يا قمر مستنيكي
أغلق معها شئ داخله يرفض ما يفعله يرفض حياته بأكملها يرفض فريدة وعالمه يرفض نفسه بدون داليدا هز رأسه بضيق واستقام يعد المنزل لاستقبال فريدة وعلى ثغرة إبتسامة عابثة.

صباحاً

استقيظت والحدق وشر النفس متملكًا منها عزمت على القضاء عليه تمامًا هو من جعل قلبها المسكين يؤلمها هو من رسم لها أحلام وردية معه هو من اختطفها من نفسها له هو من رفعها إلى السماء السابعة وفي لحظة سحب يده من تحتها لتقع على جدور رقبتها
هو من أذاقها من الألم والخذلان كاسات هزت رأسها عدة مرات واستقامت تبدل ملابسها مغادرة إلى نقطة البداية ..،نقطة بداية انتقامها ..... دلفت بخطى واثقة وقفت أمام السكرتيرة وقبل أن تردف هتفت السكرتيرة بترحيب :
_ فايز بيه أعطاني أوامر أول ما تيجي في أي وقت تدخلي اتفضلي يا فندم.

دلفت وهي تبتسم وكلها ثقة أنها على الطريق الصحيح :

_ صباح الخير فايز بيه
_صباح الورد اتفضلي
جلست بعنجهية مرددة :
_ مش عايز تعرف هساعدك ازاي
ابتسم بتلاعب مرددًا :
_ عايز طبعا
ردت بجدية :
_ قدامك حليين تقضي بيهم على زين السباعي الأول هو إنك توصل لفريدة رشوان عكاز زين هى اللي مسانداه في كل حاجة لو وصلتلها زين هيقع من غيرها والتاني هو إنك تحرق المخازن وورش الإنتاج بتاعته كلها إيه رأيك.

عم الصمت لدقائق يفكر في حديثها ثم قال بسعادة :

_ وليه منلعبش على الجانبين
_إزاي
_ نحرق المخازن والورش ونحاول نوصل لفريدة بما إن المخازن هتتحرق علاقتهم هتبقى مش مستقرة وهنقدر نوصلها بسهولة جدًا ونبقى ضربنا عصفورين بحجر بس بس أنا عندي سؤال
ردت باستغراب :
_ دماغك سم ..، إسأل
_ مصلحتك إيه من ده كله ...؟!

تصفق بسعادة ووالدها يمشط لها شعرها الثقيل ومن سواه يمشطه ترفض أي شخص يفعل به شيء غيره هتفت بطفولية :

_ القطتين حلوين أوي يا بابا
ضمها إلى صدره بحنان فهى ابنته الوحيدة ومدللته يريد أن يفعل من أجلها الكثير ولكن ما باليد حيلة يفعل ما في مقدرته فقط وتقدر هى ذلك رغم صغر سنها تبتسم له كلما رأته تغفو في أحضانه دومًا تقطف له الزهور من بستان مدرستها الرائع تفعل أفعال طفولية رائعة فقط من أجلة
رد بحنان أبوى :
_ مش أحلى منك يا داليدا.

واستقيظت هى أصوات كثيرة تصدح فى الخارج غير قادرة على تمييزها من كثرة المتحدثين في آن واحد.


" في فندق بالجيزة "

أشعة الشمس تسللت من بين فجوات الستائر الخشبية الملقاه على النوافذ ، بمجرد رؤيتي للضوء استشعر وكأنني للتو لمست حزمة ضوئية للحب ، أرى بين الضوء والحب علاقه قوية ، الضوء مثالًا لابد أن يُحتذى به الحب من حيث الإصرار والعناد في الوصول إلى هدفه ، ولو بُنيت الصخور بينه وبين مقصده نصب خيام انتظاره أمامه متأملًا في أن يلين الصخر أو يميته الغروب مشفقًا عليه ليرحمه من شيب انتظاره .. وأظن على الحب أن يكون هكذا !!...
يمرر وردة حمراء على وجنتيها بحب وهو يتأملها بعيون محب ، تبسمت ليشرق من بين شفتيها نورًا يُضيئه بهجة مردفة
- Bonjour ..
- Bonjour mon amour ..

تغنجت في منتصف مخدعها بدلال قائلة باللغة العربية

- أظن إنك انتهيت من أغنيتك .. حقًا ؟!
قبّل فريد أنامل زوجته صاحبة العيون الزرقاء والشعر الكستنائي الملوّن باللون - الأشقر الزبدي - لتردف بحب
- لدي الشغف أنني أسمعها الآن ..
ضحك فريد وهو يتحرك نحو الخزانة ليخرج ( قيثارته ) بحماس كي يطرب آذان زوجته صاحبة الفضل عليه .. ثم عاد ليجلس بجوارها وهو يعد مفاتيح آلته الموسيقية ، ظلت مارتن مسترخية في فراشها تنتظر الموسيقى التي انتظرتها أكثر من ستة أشهر .. أرسل زوجها إليها نظرة تلقتها عيناها وترجمها قلبها بأنه سيبدأ الآن .

شرع فريد في العزف على أوتار الحب ليصدر صوت أنين متألم بداخله لم يسمع ضجيجة غيره ، صوت بصيص من الأمل حاوط جدران الغرفة ، دائما يرى أن قيثارته لسان قلبه عندما قلبه يستغيث يرتفع صوت آلته ، وعندما يرهقه أمر ما .. فهى تصدر صوت رقيقًا تمر على جدار روحه ليستكين .. خضعت مارتن بانتشاء تحت تأثير موسيقته فظلت تتأمله بشغف وحب ، تستلذ بحركاته وحركة أنامله الانسيابية وعينيه المقفوله دائمًا كأنه ترك زمام الأمر لجماد يستحس ما بداخله فيترجمه .. سافرت معه على بُساط قيثارته شاردة الذهن سكيرة لألحانه التي كانت سببًا كافيًا أن تغرقها فيه حُبًا .


انتهى فريد من عزف أغنيته التي استغرقت ثلاث دقائق كانت أشبه بمسرحية خلود مؤقتة في الوجود ألفاني ، تنهد فريد تنهيده طويلة تكاد تسحب أكسجين الغرفة ثم وضع آلته جنبًا وهو يتأمل ملامح زوجته المستجمة قائلًا بالفرنسية

- Que pensez-vous ?
- ( ما رأيك )
لازالت تحت مخدر ألحانه مردفة
- Il me semble que je ressens ce que tu ressens ..
- ( يبدو لي أننى أشعر بما تشعر به ).

كانت كلماتها دائما تشحنه بطاقة أمل لديها القدرة على انتشاله من مكانه متوجهه به لأعلى قمم النجاح .. أحيانًا يصبح كل ما يُنقصنا هو فن الكلمات ، كل منا بداخله طاقة تائهه بجسده تحتاج فقط إلى بُوصلة وخريطة للوصول إليها ، فالبوصلة هى شمس وجود شخص بعينه مقربًا لقلبك يملأك بشعاع الطاقة ويرسم لك بكلماته خريطة طريقك المنقوشة بالورد ليجعلك تظن أن نهايته فردوس عليك أن تظفر به .


تبسم فريد لفلسفية زوجته التي تأثر بها صاحبة الذوق الرفيع والحس الترفيهي العاطفي ثم أردف قائلًا

- ما اشعر به الان هو حبًا لا ينبض إلا لكِ .
اعتدلت في جلستها لتطبع قُبلة الحياه على ثغره ، ثم ابتعدت عنه بوجه يشع منه نور الحب :
- ماذا ستُسميها ؟!
فرك باطنه كفها بحب مردفا بحزن
- داليدا .. أول هدية حابب تكون ليها يمكن تغفرلي .
تبسمت بحنو
- ستغفر لك فريد .. أنت زوج رائع ، بالطبع ستكون أبًا أروع ..
حاول تغير مجرى الحديث
- طيب يلا قومي نفطر وا
أفرجك على جمال مصر ، عشان اليومين الجايين ديدا هتاخدني منك ..
طافت عيناها بحيرة محاولة ترجمة كلماته بداخل ذهنها ولكن حركاته التلقائية لم تسمح لتفكيرها أن يطول لأنه جذبها من فوق فِراشها إليه بعفويه وحب .

في حي إمبابة

صوت صراخ عويل ، أصوات كثيرة تنبعث من الخارج ، فلم يكفي صوت العويل بداخلها بل أصبح الصوت من الخارج أيضًا ، تشعرها كأنها مثل البلون المنتفخ على وشك الانفجار ، فتحت عينيها بخوف تتسائل نفسها ، من أين تلك الأصوات المزعجة ، إنه صوت أمي ، تستغيث وتستنجد بأهل الحارة !! أيكون ربى استمع لدُعائى فاخذ زوجها إسماعيل لرحلة طويلة عنده لكي أستطيع أن أتنفس قليلًا .. ولكن طافت عيناها برعب مرددة .. ألا يكون أصاب إخوتي مكروهًا

فزعت داليدا من فراشها سريعًا لتفتح بابها المغلق لتتفاجئ بأمها ملقيه أرضًا وشعرها كمن وجه نحوه صاعق كهربي ليبدو في تلك الحالة ، دارت رأسها لتجد إخوتها الصغار منكمشين حول بعضهما بجسد مرتعش اغتسلهما الدمع ، لم تلتفت لبركه الدماء التي تسيل أرضاً حتى استشعرت بشيء ما كالمياه يتغلغل بين أصابعها ملطخ باللون الأحمر ، رفعت أنظارها بجسد مرتجف لترى من أين منبع تلك البركه الدامية ، بللت حلقها وأصيبت بجحوظ في حدق عينيها عندما فوجئت بالمنبع هو جوف أمها أعلاه مرخرة سكين ، أنامل كفها ترتعش فوق فمها ، ذرفت بشلالات من الدمع لم تعلم من أين أتت ، وطأطأت رأسها لتنظر للدم الذي كسى قدميها ونظرة أخرى على أمها الملقاه أرضًا تلفظ أنفاسها الأخير ة وهى تنظر نحوها ..


أصيبت داليدا بشلل كلي ، تشعر كأن صوت طنين من سرابيل النحل يتراقص على نغمات حُزنها ، تقدمت نحو أمها بخطوات سُلحفية بصدمه حتى جثت على ركبتيها بتثاقل شديد ، فتحت فمها لتنطق ولكنها لم تجد صوتًا بداخلها كأن حدية صدمتها قطعت حبال صوتها ..


أخذت سعاد نفسًا بصعوبة بالغة لتردف قائلة بصوت هامس

- طلع وحش .. أنتِ ماكدبتيش يابتى .. د دا دالييدا سامحينى ..
كانت تلك آخر جملة أردفتها سعاد قبل ماتصعد روحها لأبواب السماء .

ظلت تراقب أمها بسكوت ، بعيون متسعة ، بجسد فقد عظامه لم يتبق منه إلا رخو ، توقف الهواء عند بوابة أنفها لم تجد ممرًا لتنفذ بداخلها ، أتت سيدة عجوز لتربت على كتفها

- قومى يابتى قومى .. ربنا يقويكى .
لم تستشعر بأى شيء يحدث حولها كالغارق في غيبوبته ، وضعت أذناها فوق قلب أمها لتستمع لنبضها فلم تستمع لأي شيء ، مدت كفها لتمسك كف أمها ببطء وتثاقل وجدته باردًا ، ذرفت دمعة من عينيها لتردف بصوت مرتعش
- ماااما .. ردى عليا ..

اقتربت سيدة أخرى

- قومي يابتى عشان تلحقي تبلغي عن جوزها قبل مايفلت بعملته .
لم تستقبل أذانها أي كلمة كأنها أغلقت حصونها منتظرة صوت واحد فقط ليُفتح
- أنتب هتسبينى لمين !! قومي عشان خاطري وأنا هتجوز العريس اللي عاوزاني أتجوزه ، طيب بصي قومي عشان أفرحك وبعدين امشي تاني .. أنتي أنتي بتختبرينب صح !! بطلي بقى الحركات دي قلبي معدش مستحمل ،، أقولك على حاجة قومي زعقيلي اضربيني اقتليني بس ماتسبينيش ، كنتي العكاز اللي باقيلي همشي إزاي أنا دلوقتي !! لو بتحبيني قومي متعمليش فيا كدة ، عارفة قلبي حاسس بإيه دلوقتي !!

ثم مسكت كف أمها المُلقاة أرضًا ووضعته فوق قلبها

- اسمعغى كدة... شايفاه بيصرخ إزاي!! أنا وجعي دلوقتي زي اللي وقع في عينه رمش ومش عارف يخرجه لأن إيديه مقطوعين .

رفعت نبرة صوتها بصراخ وألم

- يااااااماما كفاااااية هزار بقى كفاية قووومي ...

في شركة فايز نصر الله

فايز وهو يجلس فوق مقعد مكتبه ليقول بصيغة آمرة لمديرة أعماله
- ريم عاوزك تجمعيلي كل المعلومات اللازمة عن زين السباعي ..
كتبت ريم ما يلقيه على مسامعها ثم أومأت ريم إيجابًا ثم أردفت قائلة
- أي أوامر تانية حضرتك ؟
- اااه عاوزك تعرفيلي كل حاجة عن فريدة رشوان ، بتعمل إيه ، نشاطاتها الحالية ، علاقاتها الشخصية كله كله ..
رفعت حاجبها باندهاش
- وأنا هعرف كل دا منين ؟!

رمقها فايز بنظرة حادة أربكتها جعلتها تردف بقلق

- ااه ااه تمام حضرتك اللي تأمر بيه !!
- عاوز المعلومات دي في أقرب وقت ممكن .. فاهماني !!
نظرت ريم للورقة التي أمامها بشك ثم عاودت النظر إليه بعدم تأكد
- هااا ..... اااه قصدي حاضر يافندم حاضر .
فايز باهتمام وهو يشير لها بسبابته :
- ااه وعاوزك تعرفيلي مين جهاد محمود ، والبت دي عوج ولااا !!
نظرت له بعيون ضيقة تحمل الدهشة والخوف ، تنحنح فايز بقوة قائلًا
- امشي يلا شوفي شغلك ..

في مطعم الفندق

- فيما تُفكر ؟!
أردفت مارتن جملتها بعدما تركت ما بيدها لأنها لاحظت شرود فريد طويلًا .. ألتفت فريد نحوها كالفائق من غيوبة أفكاره للتو .
- آسف يامارتن سرحت شوية ..
تبسمت بحنو ثم قامت من مقعدها الذي كانت تجلس فوقه المقابل له لتجلس بجواره واضعة كفها الرقيق فوق كفه قائلة بمزاح
- هل تعلم أن .. إذا الزوج شرد لدقيقة أثناء تواجده مع زوجته فهو لا يُحبها !!
تبسم رغم عنه ثم أردف قائلا بالفرنسيه
- إذًا .. وماذا إذا كان شروده فيها ؟!
اتسعت ابتسامتها لكلماته العذبة
- إذًا ، فهو يُحبها أكثر .
ربت فريد على كتفها العاري بحنان قائلًا باللهجة المصرية
- ربنا يخليكِ ليا ..
- لدي اقتراح ، هل يُمكننى أن أقوله ؟!

رفع فريد حاجبه قائلًا

- Bien sûr que oui .. !!
- نحن الآن بمصر ، إذًا لا نتحدث إلا العربيه دون الفرنسية ؟!
ضحك بصوت مسموع قائلًا
- اتفقنا يا أميرتي الجميلة ..
شعرت بسعادة بالغة تملأها ، طافت عيناها بحيرة قائلة
- أسأل سؤال آخر .. !!
- ربنا يستر .. قولي .
صمتت قليلًا كي تجمع الكلمات بذهنها ثم أردفت قائلة بصوت متردد
- هل تفكر بزوجتك الآن ؟!

لم يتعجب لسؤالها لأنه توقعه ، فمن ارتباكها ظن أن السؤال بخصوص زوجته السابقة .. أومأ رأسه إيجابًا قائلًا

- ااه ، لسه بفكر فيها ..
تبدلت ملامحها لحزن يرتسم فوقهما ثم أكمل فريد قائلًا
- بفكر ياترى قالت عليا إيه لداليدا ، ياترى قالتلها الحقيقة ولا طلعت نفسها الضحية من الموضوع وأنا السبب في كل حاجة !!
سألته بصوت فضولي
- لم يعد لدي الحق لأسألك ما الأمر ولكن سأسالك فيما يعنينى ، إذا رأيتها هل يمكن أن يحدث اللقاء إحياء مشاعر مدفونة بداخلك نحوها ؟
أجابها بدون تفكير.

- لو في مشاعر ناحيتها عمري ما كنت هسيبها دقيقة ، أنا محبتش سعاد يامارتن ، جوازنا كان تقليدي اللى هو اتجوزوا يلا والحب هيجى بعد الجواز .. بس اللي لقيته غير كدة لقيت شخصية شكايا دايمًا قيادية عاوزة هى تمسك زمام كل حاجة ، كانت دايمًا تستقل مني بما إنها مدرسة لغة عربية مجتهدة وبتدي دروس وهى اللي بتصرف وأنا مدرس موسيقى أخري مرتب آخر الشهر كام مليم ، كانت دايمًا مصممة تبينلي إنها صاحبة فضل عليا ، دايما بتسخر من الموسيقى والعزف وبتشوفهم تفاهات ، عشان كدة الحياة ما بينا كانت مستحيلة ، مافيش راجل يستحمل كل دا ، إحنا كرجالة بنتجوز عشان نستريح مش نتعب أكتر !!


حاولت تركيب كلماته التي أردفها بسرعة لتفهم مغزاهم ، نظر إليها بتبسم

- فهمتي حاجة ؟!
أجابته بثقة محاولة التحدث باللهجة المصرية
- فهمت كُل هاجه على فكرة !!
ضحك على أسلوبها الطفولي وعاد ليستكمل تناول طعامه ولكنها كانت تستجمع صيغو سؤال آخر وبعد بُرهه أردفت قائلة
- لدي سؤال آخر !!

سقطت الملعقة من بين إصبعي فريد قائلًا بطريقة ممازحة

- نهارك زي الفل يامري !! أنا بدأت اشك إن في حاجه فالجو هى اللي مأثره على الستات عندنا ، شايفك من أول ما قعدنا وأنتي بتزني وبتسالي كتير !! في إيه ياحبيبتي هو احنا لحقنا دا يادوب تاني يوم ، أنا بقيت أخاف منك ..
تبسمت بخفوت وهى تقول
- آخر سؤال !! في فرق بين الست المصرية والأجنبية ؟!
أجابها ممازحًا
- طالما كل واحدة فيهم في بلدها ففي فرق السما والأرض ، إنما أول ما الأجنبية بتيجي هنا الفرق دا بينعدم ومابنعرفش نفرقه !!

رفعت حاجبها ثم زمت شفتيها متصنعة الضيق أكمل فريد حديثه قائلًا

- خلاص خلاص ياستي متزعليش هجاوبك وأمري لله ، الست المصرية بتتجوز عشان هدف واحد بس إنها تكون أم ، فأول ما تحقق هدفها بتهمل جوزها والحب دا لو كان موجود يعني مابينهم بيقل جدًا ، أما الست الأجنبية فالحياة بالنسبلها أوبن شوية ، يعنى إنها مش جريمة تتبنى طفل ، تجيب طفل من غير جواز فهماني طبعًا!! ، فالست الأجنبية مش بتتجوز غير لما تكون مقتنعة وحابة تكمل مع الشخص دا عشان تسعده وبس .. فهمتي الفرق الأجنبية بتختار بعقلها وقلبها ، أما المصرية بتختار بودنها " خايفة أحسن تكبر وماتلاقيش حد يتجوزها " وبفضولها لاكتشاف الحياة المجهولو ..
فكرت لبرهه في كلماته حتى شرعت أن تحرك شفتيها لتتحدث ولكنه سبقها بوضع ثمرة فراولة في فمها قائلًا
- إيه هنضيع اليوم في مناقشات ولا ايه !! كلي يلا وبلاش أفكار مجنونة .

في حي إمبابة

احتشاد جمهوري من أهل القرية في منزل سعاد ، ليشاهدوا تلك الفاجعة التي وقعت ذلك اليوم ، لازالت جالسو أرضًا كالقرفصاء تتأمل الأقدام وهى تتحرك أمامها بدون وعي منها ، اقترب منها الشرطي
- ممكن تتفضلي عشان ناخد أقوالك !
التزمت الصمت كأنه عكاز القوة الباقي لها ، اقتربت منها جارتهم أم سعيد لتساعدها في النهوض
- قومي يلا يابتى اصلبى طولك ..
تحركت معها بدون أي مقاومة منها لتجلس فوق أقرب مقعد تبحث بعينيها عن إخوتها الصغار لم تجدهم ، أرادت أن تطمئن عنهما ولكنها فوجئت بثقل لسانها عجزها عن النطق ، بدأ المحقق في اتخاذ أقوال أهل القرية كالآتي
- ياباشا أصلاً هو كان سكران .. قبل الحادثة جيه اشترى مني علبة سجاير وكان مش مظبوط وحتى سألته مالك زاحنى وقالي وأنت مالك أنت .

*يابيه أنا كنت بطبخ سمعت صوت صراخ ست سعاد الله يرحمها ، فتحت طاقة المنور أنادي على أم إبراهيم أشوفها سامعة اللي أنا سماعاه ولا لأ .. لحد ما جينا ولقيناها مصفية دمها ياحبة عيني !!


= يابيه جوزها دا كان راجل مش مظبوط .. أنا جارتهم من زمان ، كان يدلعها ويجيبلها الحلو كدة ، جيه في آخر أيامه كدة واتقلب وبقى واحد تاني .


- ست سعاد دي أميرة الأمرة كانت ولا تهش ولا تنش ، هو اللي كان متفرعن وشايف نفسه عليها. .. اكمنها يابيه بتحبه وكدة فكانت سايباله السايب في السايب .


انتهى المحقق من أسئلته على صوت العسكري

- ياباشا احنا لقينا الورقة دي مقطعة نصين جوه .. وكمان علبة الدهب دي لقناها فاضية ومرمية .

نهض الشرطي بحماس ليقرأ الورقه الممزقة محاول استكمال الصورة ثم أردف قائلًا

- دا عقد تسجيل الشقة باسم إسماعيل محروس .. رمقت الظابط بنظرة حزينة خلف ستائر دموعها
الظابط : داليدا خدى وقعي هنا ..
حاولت أن تمسك القلم كي توقع لكن هو الآخر خذلها وسقط من يدها ، راقبها الظابط بنظرات شفقة ، حاولت كثيرًا كي تستجمع قوتها لحمل القلم ولكنها أصبحت هشة للغاية ، تنهد الظابط بكلل قائلاً
- بصمها يابني خلينا نكمل شغلنا ..

في شركة زين

- ياباشا شغل أد كدة متراكم ومعاليك مبلط في العسل .
أردف أكرم جملته بحماس وهو يقترب من مكتبه ليجلس أمام مكتبه .. دار زين بمقعده المتحرك قائلًا
- ماتصبح يابني .. حد يدخل ع حد كدة !!
- ياحنين !! أنت مش واخد بالك إن الشغل كله فوق كتافي وأنت ولا على بالك
زين بلا اهتمام
- أدها وقدود يابطل ..
- أنت يابني عاوز تشلني !! بقول ورانا شغل متلتل !! تقولي أدها وقدود بدل ما تقولي نهبب إيه ..
شمر كُم قميصه الأبيض بتثاقل
- أها .. سامعك .. قول اللي عندك ..نظر أكرم في الورق الذي أمامه قائلاً
- اسمع ياسيدي ، فريدة درويش مدير أعمالها اتكلم وطلبت شحنتين زيادة ، في سبيل إنها هتوفرلنا المكونات واحنا علينا التصنيع من الأول ... ممم بس اللي مستغرب له واحده زي فريدة دي سايبة ليه أكبر الشركات وحابة الشغل معانا !! أنت عملتلها إيه يابني !!
قهقهة زين بثقة ثم أردف بفخر شديد
- منا بشتغل زيي زيك ،، فااكرنى نايم على ودانى .. والله ياأكرم كلنا بنتعب أنت اللي مش واخد بالك بس ..

ضحك أكرم بسخرية مردفًا

- ونعم التعب يااخويا !!
- طب كمل كمل .. قول اللي عندك .
أكمل أكرم قراءة الشحنات المتطلبة منهما على آذان زين وفي نهاية حديثهم
- أنت عارف الشحنات دي كلها لو تمت هتنقلنا كلنا نقلة كبيرة أوووي ، وبالذات الراجل الإماراتي اللي فتح شركته في مصر .. زين بص أنا متفائل أوي .. شد حيلك معايا والنبي الفترة دي .. عاوزين نعلى أكتر .. وفرصتنا وجات .
فكر زين لبرهه قائلًا
- تنزل تشرف على المصنع وتشوف إيه اللي ناقص نجيبه ..ونزل إعلان محتاجين موظفين ، وهنبدأ شغل من بكرة .. وهنخلص قبل المعاد كمان .
- والله يازين لما بتفكر بتبهرنى .. ورحمة أمك ياشيخ ماتحرمنا من أفكارك ..

غربت شمس يوم مُر كحواف سكين على قلوب البعض والبعض الأخر كان يومهم لطيفًا وغيرهم انغمس في شغله حتى لم يتدارك كيف مرت عقارب الساعة بدون مايستشعر بلدغة ملل عقاربه المتباطئة .


وصل فريد بصحبة زوجته إلى غرفتهم أخيرًا بعد يومًا طويلاً استمتعوا به كثيرًا ، كان يستحس بلذه مبهجة وهو يقوم بمهمة مرشدها السياحي وهى أيضًا كانت تجد عبق رائحة خاصة تغمرها باهتمامه البالغ بها .

- هذا اليوم استمتعت به كثيرًا ..
أردفت مارتن جملتها بهدوء وفرحة تملأها من الداخل ، وقف زوجها أمامها وهو يمسك كفيها بحنو
- وأنا استمتعت به كثيرًا لأنك كنتي معي ..

هُناك حُب يُشيب وآخر يشبب ، كن حريصًا على اقتناء الموضع المناسب لقلبك لأنك لو زرعته في غير أرضه ستذبل أنت !


في شقة زين

شقة امتلأت عيون جدرانها من جميع أنواع النساء ، وشهدت أثاثها على أعدادهن ، يجوب غرفته ذهابًا وإيابًا بحيرة مردفًا
- هى مفكرتش حتى تتصل تطمن عليا !! كلكم كدابين ، كلكم أنانين مش بتحبوا غير مصلحتكم ، أنا أصلاً غلطان إني عطيتها أكتر من حجمها ، وأصلاً خسارة إني بفكر فيها دلوقتي ..

قرب من هاتفه ليبحث عن إحدى فتياته ليقضي معهن ليلته ، غبيٌ من يحاول أن ينسي امرأة بأخريات لم يعلم أنه كذلك يبحث عنها بين أخرياته بدون إدراك !!


صوت رنين جرس شقته جعله يتوقف عن رحلة البحث بين العشرات على هاتفه ، غادر غرفته متجهًا نحو الباب غير مهتم بهوية الطارق ، فتح الباب مطلقًا صفيرًا قويًا من بين شفتيه وهو يتأمل حذاء نساء فاخر ذو كعب مرتفع بداخله عيدان من المرمر ، رفع بصره ببطء على ساقيها الأشبة بأنبوب السقي المذلل مرتدية تنورة قصيرة للغايه كأنها قاصدة لإظهار مفاتنها الجذابة ، وصل حد عيونها قائلا بتنهيد.


- ليلتنا صباحي !!!

أطلقت فريدة رشوان ضحكة أنثوية صاخبة جعلته يجذبها فورًا لداخل شقته ويغلق الباب خلفها
- في جيران وناس وأنا بخاف على سمعتي مش عاوز حد يفهمنا صح ولا ايييييه !!
ضحكت فريده أكثر ثم أردفت قائله
- هموت من الجوع وأنا مابحبش آكل لوحدي ، روحت فكرت كدة شوية ممكن آكل مع مين عشان يفتح نفسي ، لقيت قلبي جابني على هنا ..
- يازين مااااختار والله .
عقدت كفيها حول عنقه قائلة
- زين باشا يسمحلي أعزمه على العشا !
وضع كفيه فوق خصرها معتليًا على وجهه ابتسامه انتصار
- تؤتؤ ماتتقالش كدة .. اسمها فريدة هانم رشوان منارة الإسكندرية كلها ممكن تتنازل وتتعشى معايا ..

في حي إمبابة

مع مغادرة آخر شخص من شقتها بعد انتهاء إجراءات العزاء والدفن شعرت بارتياح الحريه ، حان الوقت لكي تفجر كبت حزنها ، آت الوقت الذي ينفجر به بركانها المتوق ، تأملت أركان الشقة الخالية أصبحت تضمها هى وأحزانها بمفردها ،ظنت أن اليوم ستنام بارتياح لأن نفس ذلك اللعين لم يعد يحاصرها ولكنه كي يغادر اصطحب أمها معه لم يتركها لها ، كان وجوده متعلق بوجودها وحتى عندما غادر أخذها معه ، أخذها وتركني .

جثت فوق الأرض خلف باب منزلها الخشبي بعيون طائفة لم تكُف عن البحث على أمها ، تعتقد أنها خارجة من الغرفة لتسائلها هل أتت ؟ لماذا تأخرت ؟ هل هى جائعة ؟ دارت رأسها نحو باب المرحاض المفتوح معتقدة أنها ستخرج منه لتطلب منها أن تصفف لها شعرها لأنها مرهقة تلك الليلة !! صوت أخر صدر من المطبخ يُناديها كي تعد معها الطعام ؟ دارت برأسها نحو الباب الخشبي معتقدة أن أمها لازالت بالسوق وستعود الآن كعادتها تظل تبحث لى عن فاكهتي المفضلة قبل أن تأت وهذا ما كان يؤخرها .. انتفض جسدها بمجرد سماعها لصوت دق الباب .. قامت سريعًا لتجفف دموعها وجدت أم إبراهيم جارتهم.


- افتحى ياداليدا .. دي أنا يابتى !!

اكتفت أن ترمقها بنظرات استفهامية ، أكملت جارتها
- يابتى إخواتك من صبحية ربنا مع عيالي خوفت عليهم عشان مايترجفوش ، هما ناموا تحبي تيجي تنامي جمبهم ولا اجيبهملك .
ردت بخفوت
- زينه وعمر .. لا أنا هاجي أخدهم ..
سارت نحو غرفة جارتهم مردةه لنفسها
- أنا إزاي نسيتهم ! إزاي ملاحظتش غيابهم ! إزاي كنت تايهة عنهم كدة ! ربنا يرحمك ياماما سبتيلي حمل أنا مش أده ..

حملت أختها على كتفها وحملت جارتها أخيها وساروا نحو غرفة سعاد لتريحهم فوق مخدعها .. انصرفت جارتهم بعد ما أكدت عليها إن احتاجت لأي شيء تطرق عليها ..


قربت داليدا من إخوتها النيام في سُبات عميق تتأملهم بحب ، شعرت بشيء من الطمأنينة ينبعث من داخلها ، أغلقت أنوار الشقه وتسللت بهدوء بجوارهم كمن يختبئ من مخاوفة ، كانت لهم حصن أمان من العالم الخارجي ، بل الأصدق الذي يجب أن يقال كانوا لها الأمان المحصن من أي حزن لتختبئ بداخله .. مرت أمام عينيها صورة أمها باسمة ذرفت دمعه حارة على وجنتها وهى تحتضن أختها بدفء وأغمضت عينيها ، لم تعلم من &ي فجوة بين جبال أحزانها تسللت صورة زين !! ربما ألمها كان يحتاج لأحضانه ، وحدتها تلجأ له لتأنس به ، كان لها بمثابة مياه تطفي بداخلها نيران عذابها .. وأخيرًا خلدت لنوم مضطرب .


بعد منتصف الليل أصوات غريبة تخترق أذانها ، ستائر الغرفة تزاح أمامها بدون فاعل ، أصوات ضجيج بالمطبخ ، صوت قفل وفتح باب الغرف يرهبها كأن شخص ما تولى تلك المهمة ليرعبها ، أصوات آدمية غير مفهومة تحاصرها ، لجأت لحضن صغيرتها لتدفن وجهها به لتشعر بكف آدميه تمر فوق جسدها ببطء حتى وصلت لعنقها لتطبق عليه بكل قوته.
رواية لازلت أتنفسك للكاتبتان آية عبد العليم و نهال مصطفى الفصل العاشر

شعاع الشمس كان بالنسبة لها كسفينة النجدة التي انتشلتها من الغرق في متاهة مخاوفها ، فزعت من فراشها بجسد مرتجف مما عاشته ليلة الأمس ، بدون تفكير وضعت مقعد مكتبها بجوار خزانة ملابسها ثم وقفت فوق لتتناول الحقيبة من فوقها ، سرعان ما دلفت من أعلى لتلملم ملابسها بداخل الحقيبة الجلدية على عجل ، وأثناء انشغالها بتجهيز الحقيبة لم تخل عينها من ذرف دموع الوجع والخوف معًا.


استيقظ عمر أخيها بجسد هزيل مردفًا بتباطئ

- داليدا !! ماما جات ؟
دارت بجسدها لتخفي دموع عينيها محاول استجماع شتات قواها ثم عاودت النظر له محاولة رسمت ابتسامة زائفة :
- ممكن تصحي زينة جنبك عشان هنمشي .
قضب الصغير حاجبيه بخوف وقلق
- هى ماما خلاص مش راجعه تاني زي ما إبراهيم قالي .. !!

سكينة أخرى تمر على ماتبقى من فُتات قلبها ثم تنهدت بمرارة

- ماما في مكان أحسن كتير دلوقغتى ياعمر .. ادعيلها .
ذرفت دمعة من طرف عين الصغير
- طيب هى لما توحشني أعمل إيه ؟!
تنهدت بمرارة وجع وألم ، فكيف تُجيب على سؤال يسكنها !! فماذا نفعل عندما نفتقد ونشتاق إلى أشياء لم يعد لها وجود ! الاكتفاء بذكريات !!.. أم البكاء على أطلال الماضي .. !! أم نعيد ترميم أرواحنا لمواكبة السير في السباق الدنيوي !! الاشتياق مؤلم ولكن إلى أي درجة من الألم نصل عندما نشتاق لأناس اختفوا من عالمنا !!

قربت من أخيها لتقبل جبينه بحنان قائلة

- يلا قوم عشان هنمشي ..
أردف عمر بصوت به نبره البكاء وهو يجفف دموع عينيه بكفيه الصغيرين
- داليدا .. أنا عاوز ماما دلوقت !
احتضنته بحنو وهى تذرف دموع قلة الحيلة والألم قائلة
- حرام عليك ياعمر !!
ثم مدت كفها لتوقظ أختها قائلة
- زنون يلا قومي ..
دافنه رأسها تحت وسادتها قائلة بصوت باكى
- أنا صاحيه ياداليدا .. بس خايفة أقوم ملاقيش ماما في البيت ..

كلما غادر ألم أتى غيره ركضًا نحوها ، كلما حاولت أن تستقوى تأتي رياح همومًا عكسًا فترجعها للخلف .. أصبح الحزن بالنسبه لها صديق مخلص ، مترسخ في صلبها دائما كأنه أقسم على عدم الفراق ، تنهدت بتنهيدة رجاء متوسلة له كى. يغادرها ، بداخلها أصبح ظلام ، كهف هجره الناس من ظلمته ، لم تجد عكازًا تستند عليه إلا حزنها ..


نصبت عودها بحماس محارب ممزق الجسد ولكنه وقف في ساحة الحرب ليعاود الصراع بشرف وبسالة ، تسلحت بسلاح بسمتها الزائفة قائلة

- وبعدين فيكوا بقى !! احنا من النهارده سوا ومحدش هيقدر يفرقنا أبدًا .. تعالوا نتفق على اتفاق !!
اعتدلت زينه من وضعية نومها وهى تجفف دموعها ، رفع عمر عينيه ناحيتها باهتمام ، كملت داليدا كلماتها لتعيد شحن قوتها مجددًا كأنها قاصده أن تلقي على أذانها الكلام لتنفذه ، لعدم استسلامها لضعفها
- أي رأيكم لما ماما توحشنا نقوم كلنا نصلي وندعيلها بالرحمة ..
زينة بحزن : هى ماما خلاص راحت عند ربنا ..

عبثت داليدا في شعرها بحنو

- ااه ياحبيبتى .. وربنا أحن عليها من أي حد ، ماما دلوقت قاعدة فالجنة وبتراقبنا من فوق تشوفنا هنعمل إيه ! هنبقى أقوية ونفرحها ولا نضعف وهى تزعل مننا !!
عمر ببراءة طفولية : يعني ماما هتزعل مننا لو عيطنا ؟
- ااه ياعمر هتزعل مننا .. وأنت طبعًا مش هيرضيك زعلها !!
زينة بتلقائية وبصوت طفولى :
- لا خلاص احنا مش هنعيط تاني خالص عشان ماما متزعلش ..
داعبت شفتيها شبح بسمة انتصار قائلة
- طب يلا قوموا جهزوا لبسكم عشان هنمشي ..
عمر بفضول :
هنسيب بيتنا ونروح فين ؟!
- هنمشي ياعمر .. هروح الشغل نطلب شقة صغيرة كدة ويارب يوافقوا .. المهم إننا مش هنرجع هنا تاني .. يلا قوموا قبل أهل الحارة مايصحوا ..

نهض زين من نومه بحماس ونشاط لتقع عيناه على عبوات النبيذ الفارغة فوق الطاولة الزجاجية ، شعر بشيء من الانتصار يملئه ،، طيف من ذكريات ليلة أمس مر أمام عينيه كشريط سينمائي معسول ، قرب من خزانة غرفته ليختار البدلة التي سيرتديها قائلًا بفرحة

- الستات دول نوع خمرة فاخر هما بس اللي قادرين يغيبوا الجسم كله عن الوعي ..

ألقى رداءه فوق مخدعه ليلتفت نحو مصدر رنين هاتفه .. ليرد بتبسم

- والله ياعم صحيت .. مافيش ثقة فيا خالص ؟!
أكرم وهو خارج من باب غرفته بنشاط
- نص ساعه ياسباعي لو ملقتكش فالشركة مش هيحصل طيب ..
ضحك زين بصوت عالي
- خلاص ياعم .. أهو أنت اللي معطلني .
- أنا بردو !! طب أنا نزلت ..
- وأنا نص ساعه وهتلاقيني عندك ..

انتهت مكالمته مع أكرم لتسقط عيناه على خلفية شاشة هاتفه ليجد صورتها .. ظل يتأملها طويلًا بعيون عاشت طول عمرها في الظلام متعطشة لشعاع نور

- كل مرة كنت أسيبك وبترجعي .. اشمعنا المرة دي مرجعتيش !! اااه ياداليدا لو تعرفي إني عملت كدة عشان احميكي من أنانيتي وظلمي .

شبح كبريائه وغروره ظهر أمامه في المرآه ليقول بصوت قوي

- تستاهل .. مكنش ينفع إنها تحبني ؛ أنا ما أتحبش كان لازم تاخد بالها من تمثيلي وتفهم ..

ليردف صوت آخر بداخله قائلاً

- بس أنت حبيتها !! اشمعنا هى اللي كانت ليك خط أحمر ! اشمعنا هى اللي كنت بتخاف عليها من نفسك ؟
احنا مش بنخاف غير لما نحب !! اعترف ياخى وبطل عند .. أنت مش عاوز تعيش شخص طبيعى أبدًا ! عاجبك القرف اللي أنت فيه ؟!!! مش يمكن هى شعاع النور اللي عينيك مستنياه !!

هز رأسه بقوة ليفوق من ضجيج أفكاره .. أصبح كل شيء يذكره بها حتى مرآته تشكلت بملامحها عندما ينظر بها يجد وجهها وليس وجهه ؛ طرد جيوش أفكاره بانشغاله فى ارتداء ملابسه لينغمس في أعماله معتقدا أنها ستساعدنا على النسيان .. للأسف إذا قتلت وقتك عملًا لنسيان من أحببت فذلك في حد ذاته تبصم له في ذاكرتك..


وصلت داليدا بصحبة أخواتها إلى موقف الأتوبيس لتلقي آخر نظرات وداع عليه ، تتفقد أوجه الماره وحالتهم .. همس لها عمر

- داليدا .. احنا واقفين ليه مش هنركب !!
هزت رأسها لأسفل ثم اتجهت نحو باب الأوتوبيس ..

وصلت أمام مبنى الجريدة الضخم ، في يدها حقيبة ملابسها والأخرى حاضنة بها أخوتها ..

زينة : أنتي بتشتغلي هنا يا داليدا !!
أومأت إيجابًا
- اااه .. بصوا هتقعدوا فالجنينه متتحركوش فاهميني ، هطلع أشوف المدير وأرتب الدنيا وأنزلكم ماشي ؟

سارت معهم نحو حديقه المبنى لتجلسهم فوق أريكه خشبيه منادية على الجنايني

- عم عباس .. معلش ممكن تاخد بالك من إخواتى !! هطلع فوق نص ساعه ونازلة ..

عم عباس : في عنيا يابتى متقلقيش .. حطي في بطنك بطيخة صيفي ..

أرسلت نظرة عليهما وجدتهم يمرحون مع بعضهم ويركضون بفرحة ثم أردفت قائلة بتوسل
- عم عباس مش هوصيك والنبي ..

تركتهم وسارت نحو المبنى ، دلفت داخلة بعجل صوب مكتبها

- سارة .. فؤاد بيه جوه !!
هزت رأسها بالنفي
- لسه هيجي الساعه ٩ .. أما أنتى مالك لابسه أسود ليه ؟؟! ووشك مخطوف كدة ليه ..

ذكريات ليلة أمس تمر أمامها ، جعلت جسدها يرتعد ليختل اتزانها فتجلس على أقرب مقعد ، ركضت سارة نحوها بلهفة

- مالك يابنتى !! دانتى ضايعة خالص !!
مسكت رأسها محاولة تجاوز ألآم رأسها
- ادعيلي ياساره ادعيلي ..
- حصل إيه بقى قوليلي ..
بللت حلقها من مرارة الذكريات التي تركض بداخلها قائلة ببكاء
- ماما اتوفت امبارح ، وأنا مش قادرة أقعد فالشقة ، شيفاها في كل مكان ، جيت أطلب من فؤاد بيه يشوفلي شقة حتى ولو أوضة وحمام تبع الجريدة ، المهم مرجعش البيت تاني ..

احتضنتها رفيقتها بحنان

- ياحبيبتي .. هوني على نفسك .. اهدي اهدي إن شاء الله هتتحل ..
جففت داليدا دموعها المنسكبة
- أنا بخير .. متقلقيش .. ادعيلي بس ربنا يسترها عليا ..
- يارب يارب ياحبيبتي .. ربنا يهونها عليكي ..

في فندق بالجيزة


يتقلب فراشه من شدة القلق والرهبة ، تراقبه بعيون حائرة أثناء نومه ، أرادت أن تسأله ، تستكشف ما يقل راحته ، ولكنها تعلم جيدًا أن الإنسان عندما يصل إلى مرحلة القلق المكتوم ليس من حق مخلوق أن يسأله عما يشغله ، فقد يُحضن .. يُحضن ليطمئن ..


وثب فريد قائمًا فوق مخدعه متجهًا نحو المرحاض ، رمقته بنظرة حزينه صامتة ، بعد مرور عدة دقائق خرج فريد ليجدها مجهزة له ملابسه التي سيرتديها قائلة بحب بالعربية

- ملابسك جاهزة .. اتفضل .
نظر لها بامتنان واخد ما بيدها ليرتديه ، عاونته في ارتداء ملابسه وبعد ما انتهوا صوت طرق على الباب ، تبسمت مارتن بحب
- طلبت فطار ، غير صحيح خروج بدون طعام ..

في مبنى الجريدة

دلفت داليدا إلى مكتب رئيس الجريدة بعدما انتظرته قرابة ساعة ، تسير بخطوات بطيئة راجية إلى ربها كي لا يخيب ظنها .. تبسم فؤاد ثم أردف قائلاً بمزاح
- من أول شهر كدة غياب ياداليدا !!
طأطأت رأسها أرضًا ثم أردفت قائلة
- أنا أسفة .. بس ماما اتوفت ووو
فؤاد مقاطعًا
- الله يرحمها ويصبرك .. مطلبتيش ليه أجازة !!
أجابته بيأس قائلة
- أنا دلوقتي محتاجة الشغل أكتر من أي حاجة في الدنيا ..
نظر لها بشفقة قائلا
- لو احتجتى أي حاجة فاأنا تحت أمرك ..

تبسمت بامتنان ثم قدمت ما بيدها من أوراق قائلة

- مقال الأسبوع .. اتفضل حضرتك ..
أخد ما قدمته ليمرر عينيه عليهما باهتمام
- تمام ياداليدا .. شكلوا حلو ..
- يارب يعجب حضرتك ..
- كفاية أنتي اللي كتباه ..
فركت كفيها بتوتر ثم أردفت قائلة
- هو أنا ينفع أطلب !!
اجابها بتلقائية : طبعا ياداليدا أنتي زي بنتي .. اتفضلي
- اللي أعرفه إن الجريدة بتقدم شقق بسعر مخفض للصحافين المغتربين .. صح .

أومأ راسه إيجابًا

- دا صحيح .. بس الحاجات دى بتحتاج وقت ..
أجابته بلهفة
- يعنى أد إيه !!
- مش أقل من ١٥ يوم لشهر .. أنتي محتاجه شقة ..!
طأطأت رأسها بضعف محاولة إخفاء دموعها لتقول بخفوت
- محتاجة شقة ايجار بنص مرتبي .. عشان ظروفي صعبة أوي اليومين دول ..
شعر فؤاد بالأسف والحزن على حالتها قائلًا
- صعب أوي دلوقت ياداليدا .. بس أنا ممكن أصرفلك مرتب شهر مقدمًا .. تمشي بيه أمورك .. وأنا هحاول أدبرلك مع الإداره حوار الشقة دا ..

آخر حبل للأمل بالنسبة لها انقطع ، بللت حلقها الجاف قائلة

- طيب ممكن آخد أجازة اليومين دول من الشغل ، واشتغل إلكتروني ،، والمقال هيوصل لحضرتك في معاده كل أسبوع ..
فكر فؤاد لبرهه ثم قال
- مع إنه ما ينفعش بس تمام .. إن شاء الله صحتك تتحسن وتعوضي كل دا .. أنا هكلمهم دلوقتي يصرفولك الراتب .. وأي جديد في موضوع الشقه هقولك ..

أومات إيجابًا ثم شكرته بامتنان وغادرت .

في إحدى أقسام الشرطة
صفعة قوية تهبط فوق عنق إسماعيل من أحد العساكر قائلًا
- كلم الباشا عدل يلااا ..
تألم إسماعيل من شدة الصفعة قائلاً تحت تأثير مخدره
- ياعم إيدك تقيلة ..
كاد أن يصفعة العسكري مجددًا ولكن الظابط أشار له بالتوقف ثم أردف قائلًا
- قتلت مراتك ليه ياإسماعيل ..
يقف مختل الاتزان أمامه ثم أردف قائلا
- يابيه كانت وليه زنانة فكنت بربيها ..

ضجر الظابط من برودة رده قائلاً

- تربيها تقوم تقتلها ياروح أمككككك !!
ساد الصمت لبرهه ثم زفر الظابط بضيق قائلًا للكاتب
- اكتب يا بني ، في صباح اليوم .. اكتب التاريخ ، تم إلقاء القبض على إسماعيل محروس القط في إحدى إشارات المرور تحت تأثير جرعة عالية من المخدر بواسطة أحد ظباط المرور ملازم أول حمدى السيد ..

بعد ما أنهى الظابط من التحقيق معه أشار للعكسرى قائلاً

- خده يابني على الحجز أما نشوف أخرتها ..
انتهى زين من إعطاء شحنات الأوامر إلى الموظفين ، وتدوين ماينقص بداخل مخازنه ، وتقسيم الشحنات المطلوبة من أجهزة الكمبيوتر على أيام العمل .

جالسًا مع أكرم في غرفة مكتبه يتفقان على برنامج العمل ، أردف أكرم قائلاً

- بص شحنات فريدة رشوان هتكون معايا هى والسيبر .. والراجع الإماراتي وطلبية القاهرة عليك .. تمام ؟
زين باهتمام
- لا مش تمام .. فريدة رشوان دي سيبهالي أنا .. وأنت خليك مع الراجل الإماراتي ..
رمقة بنظرة شك قائلًا
- مش مرتاحلك ياصاحب والله ..
- ياخي .. كله بزنس متقلقش .. ثق ف صاحبك ..
- المصيبة صاحبى مش محل ثقة ..
ضحك الصديقان ثم قطعت مزاحهم السكرتيرة قائلة
- زين باشا في موظفين تحت عشان الإنترفيو للشغل الجديد ..

نظر زين لأكرم باستغراب

- يابني وأنت لحقت !!
ضحك أكرم بثقه وفخر
- ياعم مافيش وقت للجرايد والإعلانات .. هو بوست نزلته بالليل على صفحتي .. في ظرف ساعة كان مقفل الألف لايك .. وأهو النتيجة تحت ..
رفع زين حاجبه بتعجب
- لا ناصح .. طب انزل قابلهم واختارهم كويس .. اللي يستاهل بس ، ولازم يكون عندهم خبره .. وأنا هعمل إتصال كدة وجاى وراك ..
وثب أكرم قائمًا بحماس
- بس على الله ماتخلعش بعادتك ..

انصرف أكرم ثم أجرى زين إتصالًا تليفونيًا بابن عمه الدكتور عماد

- فينك مختفي يعني !!
عماد وهو يرسل نظرة لمراد بالتزامه الصمت
- مطحون فالشغل والله يازين ... مالك فيك حاجة !!
تردد زين في حديثه ثم أردف قائلاً
- عماد .. هو انا ممكن أخف من سطوة أوهامي امتى ..
فكر عماد في حديثه مستغربًا لكلماته التي يردفها لأول مرة ، فهو يبحث عن كونه إنسان طبيعيًا ، إنسانًا مُكتفيًا بشخصٍ واحدٍ في حياته بدون ملل أو كلل ، بدون نفور .
ضحك زين بصوت خافت:
- أنت اتصدمت ولا إيه !!
- بصراحة جدًا ... احنا لازم نتقابل .

زين بتفكير

- مشغول أوي الفترة دي مش هينفع .. بس عاوز أسألك .. هو أنا ينفع أرجع طبيعي ..
- انت طبيعي يا زين .. مشكلتك مش عارف عاوز إيه ، لو رميت نفسك في مكان وأنت عاوز غيره عمرك ماهتعيش مستقر .. فهمتني ؟!
- هرجعلها .. معاها أنا ببقي طبيعي ..
عماد رغم انه يدرك الاجابه ولكنه أردف قائلاً بفضول
- مين هى !
اجابه زين بتلقائية
- داليدا ....... هرجع أكلمك بعدين سلام ..
مراد بفضول
- ماله ..

عماد بقلق : حالته بتدمر .. عاوز يرجع لداليدا ..

مراد بفرحة : طيب ما دي خطوة حلوة .. مالك بقى ..
عماد بخوف وقلق بالغ
- داليدا لو ظهرت لزين تاني يبقى بتدمره بتدمر نفسها !! فاهمني يامراد ..
مراد باهتمام
- لا براحة عليا كدة وفهمني ...
قرب عماد من ساعة البندول العالقة فوق الحائط
- زين عنده طفرة شاذة ، الطفرة دي تملكيه زيادة بمعنى إن ماتخلقش اللي يقوله لأ ... حاجة جواه بتصحى تفكر وتلعب في دماغه عشان يوصل للحاجة اللي بعدت عنه .. زين كان طبيعي لحد ما طردها من حياته .. لأنه حب .. واللي بيحب من حقه يحمى حبيبه من نفسه ، لكن زين اللي كلمني دلوقتى على أول سلمه الخطر .. زين عاوز ينتقم من داليدا بس خياله المريض دخله من حتة كونه إنسان طبيعي ..

فكر مراد بقلق قائلاً

- معاك حق .. هتعمل إيه ؟
- داليدا لازم تختفي من حياة زين .. لازززم .
- طب أنت معاك رقمها ؟
- مابتردش طول الوقت مقفول .. وأنا معرفش عنها غير اسمها وشكلها ..
مراد بثقه
- والجريدة اللي بتشتغل فيها ..
عماد بحماااس معاك حق .. لازم نروحلها قبل مايوصلها ونفهمها حالته .. يمكن توصلنا لحاجة ..

في حي إمبابة

وصل فريد إلى الحارة محاولًا استرجاع ذكرياته الأليمة التي قضاها في هذا المكان .. ظل يتفقد المنازل القديمة ، والزحمة وتصادم المارين بين الأزقة ، وصل عند بوابة العمارة مشققة الجدران مدلفًا داخلها بحماس مستعدًا للمواجهة التي في انتظاره .. صعد لأعلى محاولًا أن يتذكر الشقة .

وجد أمامه إحدى السيدات تضع سلة القمامه أمام شقتها مردفة

- أنت مين ؟ وعاوز مين !!
أجابها فريد قائلاً
- الست سعاد أم داليدا .. فين! مش دي شقتها ؟
ضربت أم ابراهيم كف على الآخر قائلة
-ألف رحمة ونور عليها .. الموت خطفها من وسطينا .. إنما أنت فين يااخويا ..
صاعقة سقطت على آذان فريد ، لم يستوعب ما قالت السيدة ردد بخفوف
- سعاد .. مااتت !!

ألقت السؤال نحوه مرة أخرى بفضول

- ماقولتش أنت مين يابيه !!
رفع عينيه نحوها قائلاً
- أنا طليقها وأبو داليدا ..
تفتنته باستغراب قائلة
- أنت لسه عايش!! قصدي داليدا جوه استنى أخبطلك عليها ..

تركت أعتاب شقتها متوجهة نحو باب الشقة المقابل لتدق الباب بقوة

- ياداليدا اصحي .. أبوكى رجع .. عوضك يابتى على حرمان أمك ... افتحي كل دا نووم !!
فريد بقلق : أنتي متأكدة إنها جوه ؟
- اااه دانا بنفسي سبتها بالليل .. تلاقيها نايمة وقافله باب الاوضو مش سامعة ..

مرت دقائق على انتظار فتح داليدا للباب دون جدوى ، أصيب فريد بخيبه أمل جديدة ثم قال بقلق

- يمكن جرى ليها حااجة ، انا لازم اكسر الباب ..
اخترق حديثهم قدوم صبي يحمل طاقة الخبز فوق كتفه قائلًا
- العيش ياأم إبراهيم ..
أم إبراهيم : شالله تعيش ياعبده .. إلا قولى أنتوا وبتفتحوا الفرن الصبح ماشوفتش ست داليدا
عبده : اااه مشت هى وأخواتها الصبح بدري ، وكان في إيدها شنطة كبيرة .
ضربت السيدة فوق صدرها بقوة
- يامري .. البت راحت فين باخواتها وهى ليها مين تروحله .

قرعت طبول الخوف على فقدان ابنته مرة أخرى قائلاً بلهفة

- طب أنا ممكن أدور عليها فين !!
أم إبراهيم : في الجريدة .. مكان شغلها ..
- شغلها !!!
- ااه دى بتشتغل صحفية كد الدنيا وهتطلع على التلفيزيون ..
- طب اسمها إيه الجريدة دي .. أو عنوانها اييه ؟
- استنى ياخويا آخد العيش من الولا وادخل اصحي ولدى أجيب منه العنوان.

على شاطئ إسكندرية

دلفت من _التاكسي_ الذي صف أمام شاطئ بصحبة أخواتها وهى تجر خيبات الوجع والألم بداخلها ، لم تُدرك لماذا أقدامها تقودها دومًا لذلك المكان ، ما العلاقة بين المكان وراحتها !! ربما الذكرى الوحيدة الملموسو الباقية لها ، ملأت صدرها بهواء إسكندرية كي يطيب ما بداخلها من أوجاع ..

ظلت تتفقد البحر بعناية كأنها تروي عليه ما فعلته بها الدنيا ، تشكي له همها ، كانت تراه يصاب بهياج في أمواجه المتراطمة بمجرد ما تردف عليه أوجاعها .


أردف أخيها الصغير بصوت ممزوج الهواء القوي قائلاً

- احنا جينا هنا ليه ياداليدا .
رمقت أخيها بنظرة خاطفه فقالت
- هنعيش هنا كام يوم وهنرجع تانى القاهرة .
زينة ببراءة : أنتي عندك بيت هنا !!
وطأطأت رأسها بخزي ثم أردفت قائلة
- اااه ياحبيبتى عندى .. وهنروحه حالاً .. يلا بينا.

وصل فريد إلى مبنى الجريدة ليبحث عن ابنته كالتائه، أوقفه نداء الحارس قائلاً

- انغت ياافندينا .. رايح فين ..
وقف فريد ليجيبه
- داليدا .. داليدا فريد فوق ؟!
طافت عيني الحارس بتردد
- هو في ناس كتير جات اشتغلت هنا جديد .. مش عارف إذا كانت فيهم ولا لا ... بس استنى اسألك عم عباس ..
نظر فريد لأعلى راجيًا ربه ، فالتفت لنداء الحارس قائلًا
- في واحده هنا اسمها .. اسمهاا ..

أكمل فريد بلهفة

- اسمها داليدا فريد ..
عباس بتلقائيه : اااه ست داليدا .. كانت هنا الصبح ومعاها عيلين .. إنما أنت مين يابيه !!
فريد بلهفة
-متعرفش راحت فين !!
هز رأسه بالنفي قائلاً
- لا يابيه معرفش .
خيبه أمل جديدة صوبت نحو قلبه ، جعلته يتألم من الداخل قائلاً
- سامحينى يابتي سامحيني أنا السبب.

غادر فريد مبنى الجريدة كالهائم على وجهه يبحث عن بنته ، منسكب عليه شلالات من الحسرة والندم والوجع .


بعد مرور أكثر من ساعتين وصل عماد بصحبة مراد إلى مبنى الجريدة ليفقوا أمام بوابه المبنى باحثين عن حارسها ..

مراد باهتمام : أهو هو دا اللى هناك ..
دلف داخل المبنى نحو رجلين يجلسون بصحبة بعضهما فأردف عماد قائلاً
- كنت عاوز أسأل على واحدة بتشتغل هنا .
الحارس باهتمام : مين دى ؟!
عماد : اسمها داليدا .. داليدا فريد ..
ضرب الحارس كف على الآخر قائلاً
- هى الست دي كله بيسأل عليها ليه ..
مراد باهتمام : قصدك اييه .
أجابه الحارس بتأفف
- معرفش يابيه عنها حاجه ولا أعرف شكلها .. بس هى بتشتغل فوق .. على حسب كلام عم عباس .. ومحدش عارفلها طريق ..
تبادلت الأنظار بين عماد ومراد بقلق وحيرة ..

أمام شقة زين

في مساء اليوم صف زين سيارته أمام إحدى البُنيات الراقية ليدلف منها بجسد متعب وهزيل ، يجر أقدامه بتثاقل من شدة الوجع ، ألقى التحية على البواب الذي ركض نحوه بعجل
- يابيه في واحدة سألت عليك !!
:مين دي؟؟
البواب : ماخابرش .. بس هى قالت هتستنى حضرتك فوق .. وأنا منعتها بس مقدرتش عليها ..

علامات استفهام تراقصت فوق ملامحه بفضول عن هوية الفتاة التي بانتظاره .. قرب من مصعد العمارو ضاغطًا على الزر الأيسر .. فتح الأسانسير ليدلف داخله ، شبح طيفها رُسم أمامه ليفق من شروده على صوت فتح باب المصعد ..


اتسعت حدقة عينيه بذهول عندما وجدها جالسه أمام شقته بصحبة طفلين صغيرين كلاهما منغمسين في سُباتهم ..


تأملها بذهول وصدمة ، رجفة قلبه تجذبه إليها ، لمع بريق عينيه ، شعر بشيء ما بداخله يغمره ، لم يفهم مغزى شعره ولكنه كان سعيدًا جدًا ..


نكث على ركبته واضعًا كفه فوق وجنتها بحنان ليفقيها

- داليدا .. داليدا

رفعت عينيها بتكاسل شديد بعينين متورمتين ، ترى منه طشاش ، أضغاث أحلام ظله أمامها .. أردفت اسمه بخفوت ..


تأملها بشفقة بالغة ثم مرر إبهامه على عينيها ليزيح الدمعة الهاربة منها .. شعرت بأنامله فوق وجنتيها كبذور ورد ألقيت فوقهم أوشكت أن تزهر .


همس بخفوت : أنتِ هنا بتعملى إييه !!

اعتدلت في جلستها ، ورفعت رأس أختها الصغير لتريحها فوق الحقيبة ، مسك كفيها برفق ليساعدها على النهوض ، وقفت أمامه بجسد هزيل هرم وهى تنظر في عينيه لتستمد القوة منهما ..

بللت حلقها الجاف بصعوبة بالغة فضغطت على كفه أكثر ثم ذرفت دمعة أخرى خدشت بها وجنتها قائلة بتوسل

- عندي قلب ما بيجريش غير عليك .. لما يكون فرحان أو حزين أو خايف أو حتى زعلان منك ، أعمى عن كل الطرق إلا طريقك .. وفي الوقت دا هو مش محتاج غير ليك يازين .. زين ما تسبنيش تاني أنا اتكسرت وأنت الحاجه الوحيده اللي بقيلي...

iklan banner

Abdulrhman Sayed
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع قصص وروايات .

جديد قسم :