رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الأول

استيقظت من نومها بتثاقل شديد .. تمنت لو تجد أي مبرر للبقاء في البيت هذا اليوم ، ولكن لا مفر من اللقاء ، فالتأخير لن يفيد ، وستضطر للمواجهة عاجلاً او آجلاً ، لذا لا داعي لأن تأخر الالم أكثر من هذا ، فلتنته منه سريعاً حتي تتماثل للشفاء من تلك الأثار التي لا تزول رغم مرور كل تلك السنوات .

أزاحت الغطاء من علي جسدها ، وهي لاتزال مستلقاة علي ظهرها ، واستمرت تفرك قدماها العاريتان في طرف الغطاء ، كان ذهنها مشتت تماما ، افكارها مبعثرة ، لذا حاولت أن تستجمع كل قوتها قبل النهوض .

وبعد ثلاثون دقيقة تقريباً كانت بكامل هيئتها تقف أمام باب غرفتها مرتدية بلوزة حريرية باللون الكشميري وبنطال أسود كلاسيك وتحمل حقيبة يدها الصغيرة بنفس لون البلوزة ... لا تعلم لماذا تركت شعرها منسدل ؟ ، فهي دائما تعقده للخلف اثناء العمل ، ولكن اليوم مختلف يجب أن تكون فاتنة ، بل فاتنة جدا ، لذا أسدلت شعرها البني الناعم المموج علي كتفيها ، وتركت العنان لخصلاته القصيرة من الأمام ترسم هالة علي وجهها فتزيدها جمالاً وفتنة وأنوثة ، وكحلت عيناها بالكحل البني ليظهر جمالها بدون أن يبدو صارخ أو ملفت ، واخيراً وضعت طلاء الشفاه بلون مقارب لنفس لون البلوزة ، ثم وقفت تتأمل نفسها في المرآة وعندما أعجبها ما تري ، غادرت غرفتها بثبات وثقة شديدة .


وقفت خارج باب غرفتها ، تتأمل والدتها وهي تضع صحون الأفطار علي المائدة ، وتساءلت هل ستحاول محادثتها مرة أخري ؟ ، هل ستعيد علي مسامعها نفس الحديث الذي دار بالأمس ؟ ، كانت شاردة تماما وهي تنظر لها ، حتي تنبهت لوالدتها وهي تلتفت نحوها ، فانتفض جسدها ، وشعرت باحتياجها للتأهب لما قد يحدث ، ولكن عندما تلاقت الأعين ، كانت نظراتهم كفيلة بأن تبوح بكل شيء ، لم يعد هناك أي داعي للحديث ، فكلتاهما تعلم جيداً ، أنه لن يفيد ، وأنه لن ترضخ أيا منهما وتغير رأيها .

تقدمت نحو المائدة في صمت بعد أن ألقت تحية الصباح ، وجلست تتناول الأفطار بسرعة شديدة ، حتي تتفادي أي حديث قد ينكأ جراحها ، فهي اليوم يجب أن تكون صلبة .. قوية .. لا يجب أن تضعف .

دقائق قليلة وهمت مسرعة نحو الباب ، تهرول للخارج وتتمني أن ترحل في سلام ، وهي تلقي علي والدتها وأخواتها التحية .

وفي تمام التاسعة كانت امام الجاليري الخاص بها القابع في أحد أحياء المعادي الهادئة، وكالعادة وجدت الفتي أكرم الذي يعمل معها في انتظارها ، فقامت بأخراج سلسلة المفاتيح من حقيبتها وأعطتها له قائلة : صباح الخير يا أكرم .
فأجابها وهي يقوم بفتح الأقفال: صباح الخير يا استاذة شمس ، دقايق أجيب لحضرتك النسكافيه من الكافيه اللي جنبنا وأجيء أنظف الجاليري .
أماءت برأسها له واتجهت إلي داخل المكان ثم إلي غرفة مكتبها الخاص .

وعلي الفور جلست تراجع عملها وتتأمل التصاميم الجديدة التي تنوي تنفيذها ، دقائق ودخل الصبي حاملاً القهوة إليها ، ثم ذهب إلي العمل .

مرت ساعة وهي منهمكة تماما حتى انها تغافلت عما كان يشغلها ، ولَم تنتبه الا عندما سمعت طرقات علي باب مكتبها ، ورأس أكرم تطل من خلف الباب ليخبرها بقدوم ضيف لها ، لم تعلم هل تنهض؟ ، أم تظل جالسة ، شعرت بالارتباك بضع ثوان ثم أنبت نفسها علي التخاذل سريعاً هكذا ، وحاولت التماسك او هكذا هيئ لها .

بضع ثوان تفصلها عن رؤيته ثانية ، هل مازال وسيم كما عاهدته ؟ ، أم تغير شكله كما تغير نبضها ، دقات قلبها تتسارع لتعلن الحرب عليها ، معدتها تنكمش من الداخل كأنها تريد أن تعتصرها ، الا يكفيها ما هي فيه ، أخفضت بصرها وظلت تطالع الأوراق التي أمامها ، لا تريد أن تتشابك أعينهما من اول لمحة ، لا تريد ان يجادلها قلبها ، يجب أن تستعد اولا ، ظلت تلتهم الأوراق بعينيها وكأنها طوق النجاة لها من عينيه ، حتي سمعت صوته وهو يناديها : شمس .


أجفلت جفنيها، ووجلت نبضات قلبها في وهن ، شعرت بأنها ستنهار ،ولكنها كانت علي علم بما سيحدث ، وأعدت عدتها جيداً لتلك اللحظة ، لَم يكن عليها سوى أن تعيد لذهنها لمحات من الماضي ، لترفع بصرها نحوه بهدوء شديد وثبات قائلة : أهلا شريف .. اتفضل

تقدم نحوها وجلس في الكرسي المقابل ، وهو يجول ببصره في المكان ثم قال : اول مرة ازورك هنا ، المكان جميل فعلا ، وذوقه راقي اوي ، الف مبروك يا شمس تستاهلي كل خير .

فأجابته بثقة : شكرا ، اللي وصلت ليه ده أخذ مني مجهود كبير ، ووقت وتعب عشان أوصل وأبقي في المكان ده ، والحمد لله دلوقتي براند شمس قرب يوصل للعالمية ، وقربت أني أصدر شغلي لدول أوروبية كمان .

تأملها بإعجاب وهو يشعر ان مهمته لن تكون سهلة ولكنها ليست مستحيلة : برافو عليكي يا شموسة ، طول عمرك شاطرة ، وفنانة في كل حاجة ، اي حاجة كنتي بتلمسيها كنتي بتحوليها لقطعة فنية .
ضحكت بخفوت ثم قالت : شموسة .. انت لسه فاكر الاسم ده .

حدق بها قليلاً ثم نهض من مكانه والتف حول المكتب ليقف أمامها تماما ، ثم انحني نحوها وهو يقترب منها هامساً بصوت يدغدغ كيانها : انا منستش اي حاجة تخصك .

رفعت رأسها وألقت نظرة عليه وهي تقاوم من داخلها رغبتها في الاستسلام وإجابته بجفاء : بس أنا نسيت ، ثم نهضت من مكانها ، موالية ظهرها له ، ولكنه قبض بيده علي ذراعها وأدارها باتجاهه ، لتصبح في مواجهته تماما لا يفصلهما سوى بضع سنتيمترات ، نظرت له بعينين لا يخضعان ، وقلب لا يلين ، كانت نظراتها مليئة بالتحدي والقوة، لم يرتعش جفنها ، ولَم تخفض نظراتها ، ظل يبحث في وجهها عن أي بارقة أمل ولكنه لم يجد ، لذا جذبها نحوه لتصطدم بصدره العريض ، ونظر لها بتحدي أقوي قائلاً : لا يمكن تكوني نسيتي ، قلبك اصلاً عمره ما كان ملكك عشان تنسي ، قلبك طول عمره ملكي أنا ، عيونك دي اللي مش عايزة تلين ، بتقول انك لسه بتعشقيني ، ايديكي اللي بتحاولي تخليها متترعش ، نفسها ترجع تاني تحضن أيدي ، شفايفك اللي بتحاولي تبيني انها قاسية ، نفسها تاني ...

ولَم يسترسل في كلماته بل انحني سريعا نحو شفتاها يسرق منهما قبلة تعيد لها شعلة الحب الذي خبئت قليلاً ، طوَّق جسدها بذراعاه وضغط عليها بشدة ، وحاول ان يلتهم شفتاها ليشعل بها نار الحب ويعيد بداخلها مرة أخري ما تحاول أن تنكره ، ولكنه فوجيء بها لا تتحرك ، لم تقاوم ، ولَم تتجاوب معه ، كانت بين يديه كالتمثال لا يوجد بها حياة ، فتح عيناه ليواجه نظرتها البارده له وكأنها تقول : هل انتهيت ؟.

تراجع للخلف في دهشة وقال لها : ايه اللي حصلك ! ، جبتي القسوة دي منين !.
نظرت له ببرود وابتسمت بسخرية ثم إجابته : أنت بجد مش عارف ، والا عامل نفسك مش عارف .

اخفض بصره أرضاً وتحدث بتلعثم قائلاً : يا ... يا شمس ، سامحيني .. أنا ... أنا عارف أني غلطت ووجعتك ، بس مفيش حاجة تستاهل اننا نضيع الحب الكبير اللي ما بينا ، يا شمس احنا مع بعض من واحنا عمرنا شهور ، انا بحبك من قبل ما افهم يعني ايه حب ، ارجوكي متضيعيش العمر ده كله عشان غلطة واحدة .

حدقت به بعينين حزينتين ، حتي أنها لم تحاول أن تمنع دمعة من السقوط وإجابته بحزن : ....

مفيش حاجة تستاهل ... يا قلبك يا شيخ .. ووجعي السنين اللي فاتت ولا حاجة .. وحرقة قلبي وانت بتقدم حبيبتك ليا ولا كأنه حصل .. والخطوبة اللي اتعملت وعزمتني عليها بكل برود كأن مكانش في بينا وعد ولا عهد .. كل ده ولا حاجة ، كل ده بالنسبة ليك غلطة بسيطة ، أمال ايه الغلطة الكبيرة ، ايه اكبر من الخيانة !، من انك تجرحني ببساطة وتقف تتفرج عليا ! ، في ايه تاني أكبر من كده ! ،صمتت لتستعيد انفاسها المتقطعة وتهدأ ثم قالت : أنت جاي ليه دلوقتي يا شريف ؟ ، ايه اللي فكرك بيا ؟ ، رجعت تاني ليه ؟ .


تريث قليلاً يحاول أن يجد كلمات تقنعها ولكن شعور باليأس بدأ يتسلل له، احس أن جرحها سيكون حائل بينهما ولكنه يجب ان لا يستسلم فأجابها قائلاً : جاي عشان بحبك ، عشان اكتشفت اني مغفل ، اني كنت مخدوع ، انا طول عمري معاكي يا شمس ، انتي اللي فتحت عيوني عليها ، معرفتش حد غيرك ، حتي في المدرسة مكانش ليا اصحاب بنات غيرك ، انتي كنت كل حياتي ، لحد ما حصلت الظروف اللي خلتني اكمل لوحدي ، بقيت مرتبك ، مش متعود اني اكون من غيرك في اي مكان ، فترة ثانوي عدت عليا زي كابوس ، ولما دخلت الجامعة كنت مشتت وتايه ، اتعرفت علي اصدقاء كتير ، شفت بنات غيرك وأتعرفت عليهم ، مش حأنكر أني انبهرت بيهم مدة طويلة ، وده اللي خلاني اتغيرت ومبقتش عارف احكم علي مشاعري ، غصب عني تهت شوية وبعدت عنك ، بس ده مش بمزاجي ، ظروفك هي اللي كانت السبب ، صدقيني انا ندمت واتاكدت بعد الانبهار ما راح اني محبتش حد غيرك ، وان مفيش اي واحدة تستاهل تكون مكانك في قلبي .


تعالت صوت ضحكاتها الهستيرية رداً علي كلماته ، ثم هدأت قليلاً وقالت : أنت مصدق نفسك ، مصدق الكلام الخايب ده ، جيت لما أتاكدت من حبك ليا ، يعني مش لما عرفت اني ناجحة ، مش لما أتاكدت أنك مش حتتكسف لما تقدمني للناس ، للأسف يا شريف انت اخر واحد كنت متوقعة منه كده ، عمري ما كنت اصدق انك تتخلي عني ، كنت فاكرة ان اللي بينا اقوي من اي حاجة ، طلع اللي بينا عبارة عن بيت من ورق شوية هوا بسهولة ممكن يهدوه ، أمشي يا شريف، امشي وانسي ، اللي بينا مات واتدفن ، انا دفنته وعمري ما حأحيه تاني .


قالت كلماتها ثم أدارت ظهرها له ، ووقفت تنظر من النافذة ، حتي سمعت صوت غلق الباب ، التفتت لتجد نفسها في غرفة خاوية ، كانت تلك الإشارة ، أشارة لقلبها ان يسقط الأغلال الذي تقيده ، ولعقلها ان يأخد هدنة ويطلق العنان لمشاعرها ان تخرج في العلن ، وبالفعل انسابت دموعها علي وجنتيها بهدوء ثم بدأت تدخل في نوبة من البكاء حتي كاد قلبها ان يتوقف من شدة النحيب ، لم تكن تعلم عما تبكي بالفعل ، عن عمر مضي في خديعة ، ام عن حب لا تعرف كيف ستستمر بدونه ، ولكنها علي يقين انه مهما حدث لن تعود له ثانيةً .


غادر شريف المكان كما طلبت والإحباط يتملكه ولكنه لن ييأس ، كان علي يقين من داخله ان علاقتهما قوية كالجبل لن تتزحزح ، وان حبهما كبير بطول عمرهما سوياً ، لن ينتهي بتلك السهولة ، لذا قرر أن يقدم علي خطوته الثانية ، نعم سيتركها قليلاً تهدأ ولكنه لن يرحل بهذا الهدوء وسيظل يلاحقها حتي يستعيدها ، لن يتنازل عنها ابدا ، فهي دائما كانت ملكاً له وستظل هكذا .


في مكان اخر بمدينة أخري (شرم الشيخ ) ، جلس في مكتبه الفخم بداخل فندقه ، كان يشاهد الشاشات التليفزيونية امامه ، ليتابع سير العمل في الفندق ، حتي سمع صوت طرقات خفيفة علي الباب ، ليفتح وتطل منه (حسناء ) السكرتيرة الخاصة ، مرر عيناه علي جسدها ببطء من أعلي لأسفل فقد كانت ترتدي فستان قصير أعلي الركبة يلتصق بجسدها كأنه جلدها ، لونه اسود بحمالات عريضة علي الكتف وفتحة كبيرة من علي الصدر ، تكشف اكثر ما تخفي ، وعندما انتهي أشاح ببصره مرة أخري إلي الشاشات أمامه .


كانت حسناء فتاة جميلة ، مثيرة ، فاتنة كالعارضات ، ذات قوام ممشوق ، ووجه صارخ بالجمال ، يفتقد البراءة فيه ، شعرها ناعم طويل لونه أسود كليل حالك السواد ، عيناها رمادية تميل للأخضرار ، وشفتاها كحبات الكرز الذي تشتهي أن تلتهمها، نعم هي تعلم جيداً قدر نفسها ، ولا تتواني في إظهار ما تملكه حتي تصل لغايتها ، وغايتها هي ( قصي الدالي) سليل عائلة الدالي صاحبة سلسلة الفنادق الشهيرة في كل أنحاء العالم ، ومديرها في العمل ، رجل في الثلاثين من عمره ، يهوي النساء الجميلات ولكن لم تستطيع أيا منهم إيقاعه في فخ الزواج ، فهو كالطائر الحر لا يبني له عِش ، يتنقل من غصن لأخر كما يحلو له ، به كل مقومات الرجولة التي تهواها النساء .. جسد قوي .. طويل .. مفتول العضلات .. ملامحه شديدة الوسامة .. له شعر بني طويل يصل إلي مؤخرة عنقه ، والأهم أن حسناء استطاعت ان تضع اسمها في قائمة نسائه ، علي أمل أن تتفوق علي الجميع ، وتصل للقب السيدة الأولي .


أحكمت حسناء غلق الباب ودخلت تتبختر في مشيتها بعد أن تأكدت أنها استطاعت ان تلفت انتباهه من النظرة الاولي ، وأنها اصابت الهدف ، وبجرأة شديدة دارت حول المكتب واتجهت نحوه ، ثم رفعت جسدها لتجلس علي المكتب امامه مباشرة لا يفصلها عنه شيء ، ورفعت ساقها لتضع واحدة علي الأخري بلا أدني حياء ، ثم انحنت نحوه بدلال وهي تضع يدها علي خصلات شعره المتمردة وتقول : إزيك يا بيبي ، وحشتني اوي .


نظر قصي لها وألقي نظرة وقحة علي جسدها ثم تحدث ببرود قائلاً : شكلك نسيتي نفسك يا حسناء ، ونسيتي انك في الشغل ، اللي بتعمليه ده يتعمل في أوض النوم مش في المكاتب .

ازدادت في الدلال وبنعومة اجابته : كده يا بيبي ، انا غلطانة يعني انك وحشتني من امبارح بالليل ، وقلت أجيء أشوفك قبل ما ابدا الشغل ، ثم أعقبت كلماتها بأن وضعت ذراعاها علي كتفيه ، واحتضنت بكفيها عنقه من الخلف ، وهي تداعب شعره ، واقتربت من فمه في محاولة منها لأغراءه بشفاهها .

رفع قصي بصره نحوها ، ونظر لشفاهها الوقحة وجسدها الذي يسري به رعشة هو يفهم مغزاها جيداً وما تنوي فعله ، وفِي حركة واحدة نهض من مكانه وهو يحملها من خصرها ليزيحها من أمامه ، ويتجه صوب الباب قائلاً : مش بقولك نسيتي نفسك ، ثم توقف والتفت نحوها قائلاً : مش قصي الدالي اللي حد يفرض عليه حاجة ، أنا لما أعوز حأخد ، وللمرة المليون يا حسناء مكان الشغل للشغل ، ولو تصرفاتك دي اتكررت يبقي بتكتبي نهايتك مع مجموعة الدالي بأيديكي ، ثم غادر المكتب ليبدأ جولته الصباحية ، تاركاً أياها وهي تكاد تموت غيظاً ولكنها لن تتراجع فقط ستغير خطتها لخطة أخري بديلة .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الثاني

غادر شريف الجاليري وهو عازم علي استخدام الخطة البديلة ، لذا لم يتواني او يتريث قليلاً ، وبدأ علي الفور في التنفيذ لاستخدام كل اسلحته البديلة،ذهب الي وجهته الثانية الذي رأي أنها ستكون العون له في استعادة حبيبته ، وبالفعل وصل إلي العنوان المحدد وصعد إلي الطابق الثالث ثم قام بقرع الجرس ، وبعد بضعة ثوان فتح الباب ليجد ضالته أمامه ،السيدة رقية والدة شمس التي اندهشت عندما وجدت شريف أمامها ولكنها سرعان ما استعادت أصول اللياقة وقالت : اهلا يا بني ، اتفضل نورتنا .


تقدم شريف نحوها وقبل يدها وهو يقول : وحشتيني يا طنط ، عاملة ايه .

ثم اتجها سوياً وجلسا في حجرة الجلوس ، وبعد الرسميات والترحيب ، بدأ الحديث بينهما علي الفور ، وبجرأة شديدة قال : طنط أنا عايز شمس
ارتبكت السيدة رقية من جرأته ودخوله المباشر إلي لُب الموضوع ، وصمتت قليلاًوهي ممزقة بين قلب ابنتها المحطم ، وبين مصلحتها التي في اعتقادها انها لن تستطيع ان تحب شخص اخر مثلما أحبت شريف ، وأنها يجب ان تسامحه حتي تبدأ حياتها وتنعم بالسعادة مرة اخري .

تنهدت بحزن وقالت : الموضوع صعب ، انت جرحتها اوي يا شريف ، جرحتنا كلنا .

نكس رأسه أرضاً من الخجل وقال : انا عارف ، ومش حادافع عن نفسي ، لأن انا ماليش عذر ، بس انا معترف اني ضعفت ، وكنت مشوش ، مقدرتش اعرف قلبي عايز ايه بالضبط ، لكن دلوقتي صدقيني ، انا متأكد اني مش حأقدر في يوم أحب حد غير شمس ، وأتمني ترجعلي تاني ، ومفيش غيرك أنتي وأمي اللي تقدروا تقنعوها .
عقدت رقية ذراعاها علي صدرها وأسندت ظهرها للخلف ونظرت له نظرة عتاب ثم قالت : اللي فيه الخير ربنا يقدمه .

عودة للمعادي مرةاخري وبالتحديد في مكتب شمس الخاص، حيث كانت جالسة تحاول أن تنغمس في العمل بكل طاقتها حتي تمحي من ذهنها أي شيء قد يلهيها أو يجعلها تتراجع عن قرارها ، ظلت منكبة علي المكتب تصمم مجموعة جديدة من أشكال الإضاءات التي تتميز بها وكانت السبب في شهرتها وجعلت براند شمس من الماركات المميزة في هذا المجال ، كانت كل حواسها منصبة علي التصميم الذي أمامها إلي ان علا صوت رنين الهاتف فجأة وقطع حبل الإلهام وافزعها فانتفض جسدها وأطلقت صرخة صغيرة : عاااااااا .. تلاها سباب صغير للمتصل في سرها .. ثم أجابت :


الوووو..

_.........
اهلا يا شاهي ازيكِ حبيبتي
_..........
جاية دلوقتي ، اوك حأستناكي .. بس متتأخريش بدل ما امشي وأسيبك .
اوك يا قلبي .. باي .
أنهت الاتصال ثم حاولت إنهاء التصميم الذي أمامها قبل قدوم صديقتها .

انقضت خمسة عشر دقيقة علي الاتصال قبل أن تصل شاهي، التي كعادتها دائما تقتحم عليها غرفة مكتبها دون استئذان ، لتنتفض شمس للمرة الثانية من جراء فعلة صديقتها الذي دائما توبخها عليها ، وتحاول ان تقنعها أنه ليس من المقبول ان تفعل هذا لأحتمال ان تكون في جلسة عمل مع أي زبون او عميل ، ولكن هيهات ان تتغير شخصية شاهي او تنصاع لها .


حدقت شمس بصديقتها التي كانت تقف أمامها مرتدية بنطال جينز ممزق من علي الساق ، وبلوزة قطنية بيضاء ذو حمالات رفيعة وحذاء رياضي ابيض وترفع شعرها إلي اعلي ولا تضع اي مساحيق سوي ملمع الشفاه ، شاهي او ( شهيرة الدراملي ) صديقة شمس المقربة ، تعرفا سويا في وقت كانت كلا منهما تحتاج إلي صديق حقيقي ، شهيرة سليلة عائلة عريقة تنتمي لأصول تركية ، فتاة جميلة ، جمالها يفوق جمال شمس البسيط الهادئ ، فهي الفتاة التي يتمناها الجميع ، الشعر الأشقر والعينان التي من المستحيل ان تحدد لونهما هل هو لون سماء صافية ، ام بحر هادئ ، تخدعك مرارا وتظل تتسائل هل عيناها زرقاء تميل للأخضرار ام خضراء تميل للزرقة ، بشرة مرمرية تشعر انها من العاج ، شفاه وردية تدعي البراءة ولكنها مثيرة إلي حد التيه ، جسد ينافس جسد آلهة الجمال ، كل ما فيها يصرخ بالجمال ، يتهافت عليها الصبية قبل الرجال ، يرتمي تحت قدميها كل يوم العديد والعديد ، ولكنها عازفة عنهم جميعاً ، لقد ملت هوسهم بها ، وتذللهم ، تتمني رجل يجذبها إليه قبل أن ينجذب لها .


دخلت شاهي المكتب وشاهدت الفزع في عين صديقتها ، فانفجرت ضاحكة : ايه يا بنتي شفتي عفريت .

ضيقت شمس عيناها غضباً وقالت وهي تكاد تنفجر : أنتي ايه يا بنتي ، مليون مرة اقولك مينفعش دخلة المباحث دي ، خبطي الاول ، ارحميني بقي ، أفرضي معايا عميل ، يقول ايه لما يلاقيكي داخلة كده .

فأطلقت شاهي ضحكة تشبه ضحكات فتيات الليل ثم قالت : كده يا شموسة ، يعني دي غلطتي انا جاية اشوفك ، وبعدين أفرضي العميل ده اتغرغر بيكي ، مش ادخل اخضه واخليه يجيله سكتة قلبية .

لانت ملامح شمس بعد سماع منطق صديقتها ثم ابتسمت رغماً عنها قائلة : اتغرغر بيا ، انتي بتجيبي الكلام ده منين .
_ فأجابتها بتهكم وسخرية : من اللمبي
رفعت شمس يدها للسماء باسلوب درامي ثم قالت : صبرني يارب ، ها يا شاهي يا حبيبتي ، خير ايه اللي خلي سمو البرنسيسة تتعطف وتنزل من برجها العالي وتيجي تزورني .

فأجابت وهي يبدو عليها الشعور بالضجر : زهقانة .. عندي ملل فظيع ، ايه رأيك تيجي نسافر شوية تركيا ، نغير جو ، ونعمل شوبينج ونيجي .

ابتسمت شمس واعادت نظرها للتصميم في محاولة لإنهائه وهي تقول : حبيبتي الشوبنح وتركيا والحوارات دي تناسبك انتي ، اما انا اخري لما ازهق اروح اشرب حمص شام علي كورنيش المنيل ، وانزل وسط البلد في التصفيات اعمل شوبنج ، قال شوبنج في تركيا قال ، مسمعتكيش الحاجة رقيه كان زمانها سمعتك كلمتين وجعوكي في عظمك .

تأففت شاهي من حوار صديقتها وإجابتها بعصبية : يوووه ، هو أنا كل ما اقولك حاجة ، تأخديها تريقة ، انا بجد يا ستي مخنوقة وعايزة أغير جو ، ومش بحب السفر لوحدي .

اعادت شمس النظر لصديقتها وشعرت انها بالفعل مستاءة فتركت الفرشاة من يدها وسألتها : مالك يا شهيرة ؟ ، فيكي ايه ؟ ، في حاجة مضايقاكي .
صمتت صديقتها قليلاً وأطلقت تنهيدة من صدرها ثم قالت : مخنوقة يا شمس ، بجد مخنوقة ، مفيش حاجة بتسعدني ، مش لاقية نفسي في حاجة ، يومي ملل ، اوله زي اخره ، مفيش جديد ، مش نافعة في شغل ، ومفيش حاجة بحب اعملها ، طول اليوم ما بين النادي والبيت ، زهقت من الناس ، ومن وشوشهم ، عايزة أغير الوشوش ، والاهم زهقت من الباشا والدي اللي بيفتكر يكلمني بس لما يكون بيعزمني علي فرحه ، خلاص مفيش اي حاجة مهمة ، عارفة لولا وجودك في حياتي ، كان زماني ميتة من زمان .

نهضت شمس من مقعدها لتذهب إلي صديقتها تحتضنها قائلة : بعيد الشر عنك يا قلبي ، ربنا يخليكي ليا ، متضايقيش نفسك ، عشان خاطري ومتفكريش في حاجة ، انا معاكي .

ثم جلست أمامها مباشرة وهي تحتضن يدها : هو أونكل رأفت اتصل بيكي .
فابتسمت شاهي ابتسامة حزينة وانحرفت دمعة من جانب عينيها حاولت منعها ولكنها عجزت اخيرا عن التحمل : ايوه ، بيعزمني علي فرحه ، رقم سبعة ، ثم شردت ببصرها أمامها وقالت : الله يرحمك يا ماما ، تخيلي بيقولي ايه !! ، بيقولي انا من بعد والدتك مش لاقي ست قادر أكمل معاها ، مفيش واحدة قدرت تأخد مكانها ، عشان كده بيتزوج كتير يمكن يلاقيها ، تخيلي المنطق اللي بيبرر بيه عينيه الزائغة .

ربتت شمس علي يد صديقتها بحنان وقالت : يمكن ده فعلا احساسه ، بلاش نظلمه ، ثم حاولت ان تغير الموضوع فقالت : بصي تركيا مقدرش أوعدك ، بس احتمال تجيلي سفرية لشرم الشيخ لو ضبطت ، حأخذك معايا ، ايه رأيك بقي .

فأجابتها شاهي : يعني مش حينفع تركيا خالص .
فحركت شمس رأسها بالنفي وهي تضم شفاهها في حركة طفولية علامة علي الرفض .
لتستسلم شاهي للأمر قائلة : خلاص شرم الشيخ حلوة بردوه ، بس ايه بقي نوع السفرية دي ؟ .

فأجابتها وهي تعود إلي مقعدها خلف المكتب : فندق هناك ، عايزين يعملوا شوية تجديدات فيه ويغيروا اشكال الإضاءات اللي في الغرف ، وانا قدمت ملف بشغلي ليهم لو عجبهم ، حيبعتوا ليا عشان نتفق ، وقتها نروح مع بعض ونقضي كام يوم هناك .

تجهم وجه شاهي وقالت : امممم .. يعني مش حتكوني فاضية وحأبقي بردوه لوحدي .
فأجابتها صديقتها : لا طبعا .. الشغل مش حيبقي كتير ، كام ساعة في اليوم ، ارفع المقايسات واشوف الديزاين اللي يليق مع استايل الفندق ، واكيد حيكون في شوية اجتماعات ، بس كلها فترة الصبح ، وأنتي نايمة .

ابتسمت شاهي وشعرت بالرضا .. ثم قالت : هو اسم الفندق ايه ؟

فأجابت شمس : فندق الدالي
فغرت شاهي فاهها ولمعت عيناها ببريق يعبر عن دهشتها وسعادتها ، ووقفت تقفز في مكانها كالطفلة الصغيرة التي عثرت علي حلوي مميزة وهي تقول : واوووو ، ايوه بقا .
حدقت شمس في صديقتها بغرابة ثم قالت : مالك يا هبلة ، أتجننتي .

_ والله انتي اللي مجنونة .. فندق الدالي .. يعني حنشوف المز هناك ، وأكيد حنتكلم معاه عشان الشغل ، وممكن يعزمنا علي العشاء بالليل ، ونهيص بقي .

علامات من البلاهة ارتسمت علي وجه شمس : مز مين !!
فصرخت بها شاهي قائلة : حرام عليكي بقا ارحميني ، انتي حتفضلي خيبة لحد أمتي ، (قصي الدالي )صاحب مجموعة الدالي ، اشهر راجل عازب في مصر ، الستات كلها حتتجنن عليه ، حتي اللي متجوزين ، واد كده قمر ، مالوش حل ، والا شخصيته فظيعة ، من الاخر حاجة محصلتش ، ده يا بنتي صوره علي طول في المجلات ، وبعدين ازاي تبقي مقدمة في حاجة ومتعرفيش صاحبها ، مش حتبطلي الخيبة دي ، قلتلك ميه مرة ، لازم تجمعي معلومات عن الناس اللي حتشتغلي معاهم عشان تعرفي تتعاملي معاهم ازاي .

ابتسمت شمس بسخرية : والله طيب يا حلوة ربنا يهنيه بنفسه ، وبعدين ما انا قلتلك قبل كده اشتغلي معايا ، وتمسكي انتي العلاقات العامة والاتفاقات ، وانا عليا الشغل والتصميمات وبس ، انتي اللي مرضتيش .

_ اوك خلاص حأشتغل معاكي واتكلم انا مع المز ده وانتي خليكي في التصاميم بتاعتك .
نظرت شمس إلي وجه شاهي وبعد تفكير قالت : لا .. بعد الشغلانة دي ، بمنظرك ده وجنانك حتبوزي الشغلانة ، والراجل يفتكر اننا من البنات التافهة اللي جايين يدلعوا مش يشتغلوا ، انا عايزاهم يأخدوا عني فكرة بالجدية والالتزام .

جلس قصي في قاعة الاجتماعات مع أعضاء مجلس الادارة يناقشوا جميع الاعمال المتعلقة بالفندق ، وبعد عدة مناقشات بدا الحديث عن التجديدات السنوية ، ووجه سؤاله إلي مدير التسويق : أستاذ أحمد ايه اخبار التجديدات ، جمعت ليا ملف بالشركات اللي بعتت شغلها لينا .

أحمد : ايوه يا مستر قصي ، كل الداتا موجودة في أيميل اتبعت لحضرتك .
فأجابه وهو يفتح الكمبيوتر المحمول الذي امامه : في أي ترشيحات لشركات معينة ؟.
أحمد : انا دققت في كل الاعمال اللي مرسلة لينا ، وبصراحة عجبني اتنين ، حسيتهم مختلفين وتصميماتهم مبتكرة ، بس في شركة منهم لسه جديدة ، يعني مبتدئين .

قصي : اسمائهم ايه .

أحمد : شركة الإضاءة الحديثة ، وشركة شمس .
قصي : اوك ، حأراجعهم واستني مني القرار بعد ساعة ، ثم التفتت للجميع وأضاف : اعتقد كده خلصنا ، الاجتماع انتهي يا اساتذة ، الكل علي شغله .
ثم عاد مرة اخري للشاشة امامه ليحدد الشركة التي سيقع عليها الاختيار ، جلس يتصفح الملفات لكل شركة والسيرة الذاتية لأصحاب الشركات والتصميمات الخاصة بهم ، وفِي النهاية بعد ان استعرض جميع الملفات لم يعد لديه اي شك في قراره ، وعلي الفور قام بالاتصال بمدير التسويق : الووو أحمد مفيش أي مجال للمقارنة بين كل المعروض علينا ، هي شركة شمس بس المتميزة بينهم جدا ، تصميمات الشركة مختلفة وجديدة ، الباقيين تقليد ، وكلهم شبه بعض ، اتصل باصحاب الشركة وبلغهم باجتماع معاهم اول الاسبوع الجاي .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الثالث

انهي قصي عمله وغادر مكتبه سريعاً ، تجنباً أن يضطر لمواجهة حسناء وتحمل سخافاتها ، فهو اليوم ليس لديه مزاج لها او لغيرها ، صعد إلي جناحه بدون حتى أن يمر علي صديقه في المكتب الذي في نهاية الردهة ،وقرر أن ينعم بحمام هادئ طويل ،ولو تعدل مزاجه بعدها قد يطلب أن تحضر اختصاصية المساج ليحظي جسده ببعض العناية المميزة ، وما ان وطأت قدميه الجناح ، شرع علي الفور بخلع ملابسه ، ليغمر جسده في المياه الدافئة الممزوجة ببعض الزيوت العطرية الخاصة التي تساعد جسده علي الاسترخاء والتى أعدت خصيصاً له بناءاً علي طلبه ، ظل مستلقياً في مياه المغطس عدة دقائق مغمضاً عينيه حتي غلبه النعاس وغفا قليلاً ، وأثناء ذلك سمع صوتاً رقيقاً صادرً من خلفه منادياً : قصي .. قصي .


لا يعلم ما انتابه ولكنه انتفض وكاد أن يهب واقفاً ولكنه أدرك أنه عارياً بدون ملابس ، فالتفت حوله قائلا : مين ؟ ، مين هنا ؟ ،لكنه لم يري أحد .

شعر انه يخَيل إليه هذا من شدة إرهاقه، تمني لو يستطيع أن يعزل نفسه تماما عن العالم كله ، فاستلقي علي ظهره في أرضية المغطس وغمر جسده ورأسه داخل المياه، وحبس انفاسه في محاولة منه للاسترخاء والراحة والانفصال عن أي اصوات خارجية حتي لو كانت في رأسه فقط ، كانت عيناه مفتوحتان عندما فوجيء بصورة امرأة علي صفحة الماء ، امرأة لم يراها من قبل تقف بجوار المغطس وتنظر إليه ، انتفض جسده داخل المياه ، وأمسك الحافة بذراعاه ليخرج رأسه سريعاً وهو في قمة الغضب ، وبدأ يطلق السباب والشتائم ، ولكنه لم يجد من يستمع إليه ، بحث بعينيه في كل ارجاء المكان لا يوجد أثر لها ، شُل تفكيره وكادت رأسه أن تنفجر من شدة الحيرة ، فاسندها علي حافة المغطس وأغمض عينيه وهو يحدث نفسه عن تلك الأوهام التي أصبح يراها ، حتي احس بأنامل ناعمة تلامس جسده ، وتتحرك علي صدره المبلل العاري ، لتصيبه برعشة خفيفة أجتاحت جسده بأكمله ، كما لو كان جسده لم يتذوق لمسة امرأة من قبل، ثم سمع صوت يقول : استيقظ ، استيقظ انت ما زلت نائم .

شهق قصي شهقة قوية وجلس في المغطس وهو ينظر حوله ، وظل مشتت لبعض الوقت ، لا يدرك ما حدث ، وكأنه بين الحلم واليقظة ، الحقيقة والخيال ، هل ما شعر به حقيقي ؟ ، ام ماذا ؟ ، حتي أيقن اخيراً أن كل هذا كان حلماً ، وأنه كان يغط في نوماً عميقاً ، لذا نهض سريعا من المياه وجفف جسدها بالمنشفة القطنية الكبيرة التي بجواره ، ثم أرتدي بنطالاً رياضياً ودخل في الفراش لينعم بقيلولته القصيرة لعلها تفيده .


خرجت شمس وشاهي من الجاليري لتناول الغذاء في المطعم المجاور والمفضل لهما ، شرعت كلا منهما في اختيار وجبتها وأثناء انتظار الطعام ، جاء اتصال لشمس لأعلامها بوقوع الاختيار علي شركتها لتنفيذ التجديدات في الفندق ، وأنه قد أرسل لها أيميل بالتفاصيل ، اما شاهي التي كانت تستمع للمحادثة وعلمت فحواها ، فكانت تجلس متحمسة جدا وبمجرد أن أنهت شمس الاتصال ، صاحت في صديقتها بلهفة شديدة وترقب : السفر أمتي !

فأجابتها شمس بهدوء وبلا أي اكتراث : الاجتماع يوم السبت الصبح الساعة ١٠ ، يعني ممكن نسافر الصبح طيران .
اعترضت شاهي : لا انتي عارفة مش بحب الصحيان بدري ، خلينا نسافر بالليل نرتاح وتقومي لأجتماعك وانتي فايقة .
صمتت شمس قليلاً تفكر ثم قالت : اوك ، احسن بدل ما تروح عليكي نومة وتضيعي السفر علينا .

حل المساء ، وكعادته كل يوم يجلس في الملهي الليلي في الركن الخاص به وعلي مائدته المميزة ، يتابع بعينيه كل ما يدور حوله ، لا يعلم ما الذي اصابه في الآونة الأخيرة ؟ ، لقد اصبح يبغض كل شيء ، لم يعد يشتهي تلك الحياة ، ولم تعد تغريه الفاتنات اللاتي حوله ، لقد اصابه الضجر الشديد ، وأصبح يفترسه من الداخل ، جلس يرتشف من الكأس الذي امامه جرعات صغيرة حتي رأي صديقه ( وليد الصيرفي ) يدخل من الباب الأمامي للملهي ويتجه صوبه وعندما اصبح امامه ، صاح به معاتباً : ايه يابني الندالة دي ، فينك ، مختفي من الصبح ، لا عديت عليا نشرب قهوتنا مع بعض ، ولا حتي كلمتني وانت نازل دلوقتي .


رفع قصي بصره نحو صديقه ثم أشار له بأصابعه ان يجلس وأجابه : عادي .. نمت شوية.

تفحص وليد وجه صديقه وشعر بغرابة في تصرفاته : مالك يا ابني ، انت متغير ليه كده ، بقالك كام يوم مش علي بعضك ، في حاجة حصلت معاك .
ابتسم قصي بسخرية شديدة وأجابه بتهكم : وهو ايه اللي ممكن يحصل معايا .
وليد باستهجان : بطل العنجهية دي وقولي مالك .

ترك قصي الكاس من يده ، وبدا يطرق المنضدة بأصابعه في عصبية ملحوظة ثم قال : ولا عنجهية ولا زفت ، انا بس زهقت ومحتاج أغير شوية .

أفلتت ضحكة عالية من صديقه ، تبعها ضربة خفيفة علي ذراع قصي وكأنه يخبره به ( كفي مزاحاً ) ثم استرسل في حديثه وقال : مين اللي زهق ؟ ، الباشا الإمبراطور زهقان ، ليه واحنا هنا لزمتنا ايه ، وكل البنات اللي يحلوا من علي حبل المشنقة دول بيعملوا ايه هنا ، ايه يا عّم الدراما دي ، والا خلاص البت حسناء مبقتش جاية علي هواك ، لو مبقتش تلزمك ، انا صاحبك وحبيبك ، وبصراحة البت فرسة ، متتسابش لوحدها .
رمق قصي صديقه بنظرات يملئوها الاشمئزار ثم قال : حسناء ايه وزفت ايه ، دي واحدة سافلة ، مخدتش في أيدي كلمة ، دي كان ناقص هيا اللي تعرض نفسها عليا ، انا مش عارف البنات جرالها ايه.

ضحك وليد بسخرية وقال : مالهم ، زي الفل اهو ، حد يكره النعمة .

أما هو فكان يشعر بالاستياء ولَم تعد لديه القدرة علي مواصلة الحوار ، فنهض مغادرا بدون ان ينبس بأي كلمة ، ولا حتى التفت لنداءات صديقه المتكرره له ، بل غادر متجها إلي جناحه فهو لا يشعر باي رغبة في مواصلة تلك الليلة ، ولا يريد الاحتكاك بأي شخص أيا كان .
توجه علي الفور إلي غرفته وخلع عنه ملابسه ولَم يهتم حتي بارتداء ملابس النوم بل رمي جسده علي الفراش قد ينعم ببعض الهدوء ، ولكنه شعر بحركة غريبة في الفراش ، ثم وجد ذراعان يلتفان حول جسده من الخلف ، واشتم رائحة عطر أنثوي مثيرة تلهب الرغبة بداخل أي رجل ، عطر يستطيع جيداً تمييز صاحبته ، ثم همس ناعم وقبلات ناعمة صغيرة علي أذنه : وحشتني اوي ..

كاد قصي ان يلتفت نحوها ويقذفها خارج الفراش ، ولكن لمساتها المثيرة ، وأسلوبها الجريء أفقده عقله .. وجعل لغة الجسد هي السائدة والغريزة هي المتحكمة ، ليتلاقا الجسدان والشيطان بينهما ، يتلاعب بهما كيفما شاء ، ويزين لهما الخطيئة والشهوة ، ليعبثا كما يحلو لهما .


جلست شمس في غرفتها شاردة ، عقلها مشوش ، تحاول ان تعيد ترتيب افكارها وحياتها أيضا ، ولكن هيهات ان يتدخل العقل فيما يصنعه القلب ، حاولت ان تعزل مشاعرها وتفكر بهدوء فيما هو قادم ، ولكن يبدو ان ذلك من المستحيل ، فهي طوال حياتها ، لم تفعل شيء سوي حب شريف ، كان هو الغاية والهدف ، الحلم الذي تنتظر تحقيقه ، لقد دق القلب من اجله سنوات ، كان شريكها في كل شيء منذ الطفولة ، صديقها الوحيد ، حبيبها الاول ، حياتها كلها بكل تفاصيلها كان يشاركها بها ، والأن لم يعد له وجود ، وهي لم تعتاد علي فعل شيء بمفردها ، ولا تعرف كيف سيكون شكل الحياة بدونه ،مع من ستطلق ضحكاتها المرتفعة بدون خجل او حياء ، امام من ستنهار دفاعاتها وتترك دموعها تنساب بدون ان تتردد ، من سيتحمل ترددها الدائم عندما تذهب للتسوق ، جلساتهم اليومية في الردهة التي بين البابين ، وأحاديثهم علي الهاتف التي كانت لا تنتهي الا بسقوط احداهما نائما من الأخر ، كل هذا انتهي ، كأنه لم يكن ، كيف يستطيع أنسان ان يحب بهذا القدر ؟ ، ثم ببساطة ينزع هذا الحب من قلبه ، كيف يستطيع الاستمرار ؟ ، ااااه ، آهه اطلقتها من صدرها ، الم يعتصرها من الداخل ، حيرة تطيح بعقلها ، هل تسرعت في قرارها ؟ ، ام لم يكن أمامها اختيار ؟.


ظل ممدداً علي الفراش ، بعد ان انتهي من هذا العبث ، كان يشعر بالحقارة ، لا يعلم ما هذا التغيير الذي انتابه ؟، تلك الحياة اصبح يبغضها تماما ، لم تعد كافية له ، يعلم انه لا يشعر بالسعادة ، ثم ألقي نظرة علي الجسد الممدد بجواره ، لا يعلم ماذا حدث له ؟ ، لقد كان يبغض تلك المرأة في الصباح ، كيف تركها تلعب به هكذا ؟ ، كيف استسلم لغريزته بهذه السهولة ؟ ، هو لم يكن ابدا ضعيف ، ثم اغمض عيناه في محاولة لمحو كل تلك الأفكار من رأسه وحاول الاستسلام للنوم.


لم تكن أشعة الشمس أصبحت قاسية بعد ، كان الصبح ما زال في بدايته، والهواء الرقيق يختلط بنسيم البحر ورائحته المنعشة ، لا يعلم لما ذهب للجلوس علي الشاطئ ، فعادة يكون ما زال نائماً في هذا الوقت ، ولكن الأرق ظل مصاحباً له ،لذا انطلق نحو الخارج ، وبالفعل استطاع الهواء أن يجدد نشاطه وطاقته ، جلس يتأمل البحر امامه ، يستنشق هواءه ، ويملأ صدره بتلك الرائحة المختلفة ، لم يكن هناك احد سوي بعض السياح الأجانب الذين يفضلون ان يسبحوا في هذا الوقت قبل ان يتناولوا الأفطار .

كان يشعر بنشوه كبيرة ، وفجأة ، ظهرت هي ، نعم هي ، كانت تسير علي الشاطئ تداعب الامواج قدميها ، لا يعلم لما اهتم بمتابعتها ، ولكنه شعر بأنه هناك شيء غريب في هذه الفتاة ، نهض من مكانه واتجه نحوها ، وكلما اقترب كان احساس غامض يجذبه اليها ، إلي ان اصبح أمامها مباشرة. ، اعترض طريقها وهي يحاول ان يتفحص وجهها ، وبمجرد ان رفعت بصرها نحوه ، تصلبت ملامحه ، وانكمش جسده للخلف ، وأضيقت عيناه كما لو كان رأي جنية من جنيات البحار ، وفغر فاهه من الدهشة ، وعندما حاول الحديث خرج الهواء من فمه صامتاً ، لم يستطع سوي التحديق بها ، نعم هي ، هي من رآها من قبل ، من تكون ؟ .

أما هي فقد شعرت بالحيرة والدهشة الذي تظهر علي محياه ، فرفعت يدها ولامست وجهه بأناملها الصغيرة ، لتعود الرجفة إلي جسده ثانيةً ، ويراوده نفس الاحساس السابق ، ثم تحدثت قائلة : اخيراً لقيتك .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الرابع

رجفة غريبة سرت به ، وشهقة قوية اطلقها وكأن الروح ستخرج من الجسد ، عرق يتصبب من جبينه ، الرؤية لم تعد واضحة ، وفجأة وصل إلي سمعه صوت يعرفه جيداً : صباح الخير يا بيبي .


فرك عيناه بيديه وحاول ان يستجمع قواه ، وفتحهما ببطء ليجد نفسه ما زال في الفراش ، وتلك الحسناء بجواره ، صدمة لم يكن يتوقعها ، لم يكن يتخيل ان كل هذا مجرد حلم ، من تلك الفتاة ، لماذا تظهر له في الحلم دائما ؟ ، ماذا تريد منه ؟ ، احاسيس متضاربة تجتاحه ، وشعور بالاشمئزاز يتغلب عليه منذ ليلة أمس .


حاول قصي ان يهدأ قليلاً ويستعيد ثباته ثم نظر بطرف عينه لحسناء التى تتمدد بجواره غير عابئة بجسدها العاري الذي لا تحاول إخفاءه تحت الغطاء ، بل تتعمد ان تظهر منه اكثر مما تخفي ، وبصوت يملؤه الحدة والصرامة قال : عايز اخرج من الحمام مالقيش خيالك هنا ، دقايق وتكوني لابسة وبره الجناح ، واعملي حسابك لو اللي حصل امبارح اتكرر منك تاني ، حأرميكي بره حتي لو عريانة ولا حيهمني ، انا بالنسبة ليكي مستر قصي وبس ، ثم انهي جملته ونهض من الفراش متجهاً إلي الحمام غير عابئاً بها .

أما حسناء فكانت تجلس تستمع اليه وهي مذهولة لا تعلم ما الذي حدث ؟ ، وكيف بين ليلة وضحاها يتغير هكذا ؟ ، افاقت من صدمتها علي صوت باب الحمام وهو يغلق بقوة ، فنهضت مسرعة تلملم اذيال خيبتها ، وخسارتها ، لقد اعطته كل ما يريد في مقابل الحصول عليه ، والآن خسرت كل شيء .

جلستا الصديقتان في الطائرة في انتظار لحظة قلوعها ، كانت شمس تشعر بالغضب الشديد من شاهي لأنها خدعتها وحجزت تذاكر الدرجة الاولي ، اما شاهي فكانت سعيدة بالرحلة ، تحاول ان ترسم في مخيلتها ما سيدور فيها ، ثم نظرت لوجه صديقتها ولَم تكن في حاجة لأن تعلم مدي الغضب الذي يجتاحها : ما خلاص بقا يا شمس ، انتي أوفر الصراحة ، يا ستي انتي واحدة واخدة علي الاقتصادي ، انا لا ، انا عمري ما ركبت حاجة تانية الا الدرجة الاولي ، بلاش جو بقا الشهد والدموع اللي انتي عاملاه ده ، وفكك كده وحاولي مرة واحدة تستمتعي باللحظة ، انا مش عارفة ايه الرخامة اللي انتي فيها دي .


حدقت بها شمس والشرر يتطاير من عينيها وقالت : انا رخمة ، وأوفر وعايشة في جو الشهد والدموع ، صح ما هو اللي يقول الحق معاكي يبقي كده ، فرقت ايه الكرسي ده من كرسي الاقتصادي ، لكن ندفع كل الفرق ده في الفلوس عشان ساعة طيران ، انتي مفترية فعلا .


ضحكت شاهي قائلة : انتي حتموتيني ناقصة عمر ، مش شايفة اي فرق بجد ! ، اسكتي يا شمس احسنلك ، كفاية اللي عملتيه فيا اليومين اللي فاتوا .

التفتت لها صديقتها بجذعها وهي تضع يدها بخصرها وقالت : نعم يا ختي ، عملت ايه بقا فيكي ، انتي تسكتي خالص وليكي عين تتكلمي ، كفاية الفلوس اللي خلتيني اصرفها علي شوية هلاهيل مالهمش لزمة .

اتسعت حدقتا شاهي في ذهول وظهرت علي وجهها علامات التعجب والغيظ الشديد ثم قالت : H.M , داليدرس ، بيلا دونا ، CHANEL DOLCE & GABBANA ، BURBERRY ، يتقال عليهم هلاهيل يا جبارة ، بس يا شمس ، اسكتي احسنلك بدل ما أخنقك ، انتي فعلا واحدة مبتفهمش حاجة ، رايحة تقابلي واحد تقريباً ملياردير ، عايزة تشتري لَبْس منين من الموسكي والا وسط البلد ، أفهمي بقا لازم تظهري عشان تقدري توصلي .


جعدت شمس جبينها وعضت علي شفتها السفلية وهي تعلم في قرارة نفسها ان ما تقوله حقيقي ولكن مازال تبذير الليلتان السابقتان يؤلمها ثم قالت بصوت يتراجع عن تعنته : ما هو أصل يعني يا شاهي كان ممكن نجيب لَبْس حلو بردوه بس مش بالتكاليف دي كلها ، انا ما اتدفعش من ساعة ما اتولدت لحد دلوقتي في لبسي تمن فستان واحد من الفساتين دي .

نظرت لها شاهي بغضب ، فأغمضت شمس عيناها وقالت : خلاص حاتكتم ، ابقي صحيني لما نوصل .

وصلتا الفتاتان إلي الفندق قبيل منتصف الليل وتوجهت شمس مباشرة إلي موظفي الاستقبال ، لتأكيد الحجز ، واستلام مفاتيح الغرفة ، في حين ان شاهي كانت تجلس في بهو الفندق تتفحص هاتفها ، وعندما أنهت الأخري أمر الغرفة انضمت إلي صديقتها وجلست معها : ايه يا مزة .. يلا نطلع ننام عشان عندي شغل الصبح .

رمقتها شاهي بنظرة غاضبة ثم قالت : نوم ايه ! ، هو احنا تلاميذ ، تعالي نلف لفة في الفندق كده ، او نروح نتفرج علي الشو اللي هناك ده .
تنهدت شمس فهي تعلم انه لا فائدة من المجادلة معها وانها لن تقبل بأي شيء اخر فنهضت وهي تقول : اتفضلي لما نشوف اخرتها ، بس اعملي حسابك ننجز هناك عشان لازم انام بدري .
نهضت شاهي خلفها وهي تقول : حاحاول .

لم يحتمل قصي الأجواء الصاخبة كثيراً ، شعر بألم في رأسه ، فغادر الحفلة وأعتذر للضيوف الذين كانوا يجلسون علي مائدته ، وتوجه علي الفور إلي المكتب لمراجعة بعض الأوراق التي أهملها في المساء ، كانت حسناء تجلس علي مقربة منه ، تتابعه بنظراتها ، نيران الحقد والغضب تملأ صدرها ، عازمة كل العزم علي الأنتقام منه .

غادر قصي المسرح الذي تقام به الحفلات ، واتجه إلي بهو الفندق حيث يكون مكتبه في الردهة التي بجوار مكتب الاستقبال ، سلك طريقه حول حمام السباحة إلي باب اللوبي ، وهنا سمع صوت نداء له من الخلف ، التفت ليجد حسناء قادمة من بعيد ، كان عقله يحدثه قائلاً : يا ربي ، عايزة ايه الزفت دي ، انا مش فايق لها ، لذا قرر أن يتجاهلها ويكمل طريقه ، فأسرع في خطاه وفتح الباب المؤدي للبهو ليعبر من خلاله ، ولكنه ارتطم بفتاة بقوة جعلتها تسقط أرضاً .

شعر بالحرج الشديد من هذا الموقف ، وأسرع بمد يده ليساعدها علي النهوض ، وهو يلقي نظره عليها للأطمئنان وهم بالأعتذار ولكن : أنتي ... أنتي ايه اللي جابك هنا ، جيتي ازاي ، انتي بتعملي ايه .

وقفت الفتاة مرة اخري علي قدميها بعد ان تعلقت بيده ، ونظرت له بغرابة شديدة ثم قالت : ايه الجنان ده ، انت مين انت ؟ ، وايه الاسئلة دي ، ده بدل ما تعتذر وتقولي انا اسف ، داخل فيا شمال ، انت مجنون والا ايه .

كان قصي قد وصل إلي ذروة الغضب ، لم يعد يعي أي شيء ولا يبالي بأي شيء ، لا يهتم بمن حوله ولا يري احد ، فقط هي ، من سببت له الأرق والحيرة طوال اليومين الماضيين ، لذا لم يعبأ بكلامها ولَم يحاول استدراك الموقف ، بل قبض علي ذراعها بقبضة يده بعنف وسحبها خلفه للخارج ثم أوقفها امامه بجوار حمام السباحة وهي يحتجز ذراعاها بيديه وصرخ بها قائلاً : لو مقلتيش حالا انتي مين ، وعايزة مني ايه ، حتشوفي حأعمل فيكي ايه .

شعرت شمس بالرهبة والخوف وتقلصت ملامح وجهها ولكنها حاولت إظهار القوة والتخلص من يديه وهي تصرخ به : أنت اهبل يا بني ، حأعوز منك ايه ، هو انا اعرفك والا شفتك قبل كده ، انت شارب حاجة يا بني علي بالليل وجاي تطلعه عليا .

لحقت شاهي صديقتها بعد ان لملمت حقيبتها التي وقعت منها أرضاً ، وعندما وصلت وجدت هذا الموقف المحتدم بينهما ، حاولت ان تتحدث ولكن قصي لم يمنح احد الفرصة وقال : كده يعني مش عايزة تتكلمي ، طيب انا حأوريكي حأعمل ايه .

وسحبها من ذراعها خلفه وهو يسرع بجوار حمام السباحة ، وهي تحاول التملص ، وشاهي تصرخ به ان يتركها ، ولكنه لا يستمع لأحد ، كان الذعر قد تملك شمس، لم تحاول التفكير بل بدون وعي دفعته بقوة ليسقط في حمام السباحة ، ووقفت هي تشاهده وهي تشعر بالنصر ثم قالت : بلاش تتقل في الشرب يا توتو بعد كده ، طالما مش أد اللي بتطفحوه ، بتتنيلوا ليه .

أدركت شاهي صديقتها ووقفت بجوارها قائلة : الله يخربيتك يا شيخة ، ايه اللي عملتيه في الراجل ده .

فأجابتها : يحمد ربنا اني ما قلعتش اللي في رجلي وأديته بيه علي دماغه .
عضت شاهي علي شفتيها وأجابت بحنق وهي تحاول ان تخفض صوتها : عايزة تدي لقصي الدالي ، بالجزمة علي دماغه .
اتسعت حدقتا عيناها ، وتصلب وجهها من الصدمة ، ونظرت للرجل في المياه ثم قالت : ده قصي الدالي ، يعني كده الشغل بخ .
فأجابتها : اكيد
شمس بجمود : يعني المصاريف اللي اتصرفت راحت علي الفاضي
شاهي : فور شور
شمس بحسرة شديدة : راحت فلوسك يا صابر .

ثم وجدته يخرج من الحمام ويتجه نحوها فهرعت نحو غرفتها وهي تقول : اجررررررري يا مجدي ..

ذعرت شاهي من تصرف صديقتها ووقفت تنظر عليها ثم تنظر في اتجاهه وهو يخرج من المياه والغضب يعصف به لذا لم تجد حل سوي ان تهرع خلف شمس قبل ان يفتك بهما .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الخامس

خرج قصي من حمام السباحة وهو كالثور الهائج الذي يشتهي ان يقتلع رأس مصارعه ، ووقف ينظر لهما شزراً وهما تهربان من امامه كالنعاج التي تهرب من الذئب المفترس، كانت المياه تتساقط من ملابسه وصنعت بركة تحت قدميه ، فقام بخلع المعطف ودس يده في جيبه ليخرج هاتفه ، ولكن فات الآوان ، تحرك نحو جناحه في غضب شديدوهو يطلق الشتائم والسباب ويتوعد تلك المجنونة ، وبمجرد ان دخل غرفته قام بالاتصال بالاستقبال وطلب منهم أن يبلغوا السيد وليد انه يحتاج إليه في الجناح علي الفور ، ثم دخل إلي الحمام واخد دشاً بارداً سريعاً وارتدي ملابسه في انتظار صديقه .


أما شمس فكانت تهرول كالمجنونة في الطرقات المؤدية للغرف وهي تبحث عن رقم غرفتها وفِي نفس الوقت تلتفت وراءها لتتأكد انه لا يتابعها ، حتي وجدت الغرفة وفتحت الباب بالكارت الخاص بها ودخلت مسرعة ثم أغلقته خلفها ، ووقفت وراء الباب تسند ظهرها عليه وهي تلهث من التعب .

دقائق قليلة وطرقات مفزعة علي الباب جعلتها تنتفض وتثب إلي الأمام كما لو كانت لص وقد ضبط بالجرم المشهود ، وقفت تنظر للباب وهي تستمع للطرقات المتتالية ثم سمعت صوت صديقتها يأتي من الخارج قائلة : افتحي ... افتحي يا مؤذية بسرعة .

وقفت للحظات تستمع اليها ترتعد ثم اخيراً استعادت صوتها وقالت : أنتي لوحدك والا حد معاكي .

صرخت شاهي بصوت غاضب : افتحي يا متخلفة .. مين حيكون معايا ؟، خلصيني بقا .
استطردت شمس وقالت : طب أتاكدي انك لوحدك الاول قبل ما افتح .
كان الغضب قد بلغ أشده مع شاهي ولَم تعد تحتمل فقالت بصوت يحمل نبرة تهديد : ورأس جدو الدراملي باشا لو الباب متفتحش دلوقتي حتتمني أن يكون في حد معايا عشان يخلصك مني .

هرعت شمس كالفأر المذعور من الوقوع في المصيدة لتفتح الباب فهي تعلم صديقتها حق المعرفة ، لا تستدعي رأس جدها الا ان كانت قد وصلت لذروتها ، وبالفعل دخلت شاهي الغرفة كالإعصار الذي يجتاح المكان ويغير معالمه ، ألقت بحقيبتها أرضاً وخلعت حذائها عنها ثم حدقت بشمس مطولاً قبل أن تجذبها من شعرها قائلة : أنتي بتستهبلي يا هانم ، بتسلميني تسليم أهالي ، توقعي الواد في الميه وتتخانقي معاه وتجري تقفلي عليكي الباب وتسيبيني أنا في وش المدفع .


وقفت شمس تتأوه من الالم وحاولت ان تخلص خصلاتها المسكينة من مخالب صديقتها المفترسة وقالت بصوت يشبه الصريخ : اااه .. يا مفترية سيبي شعري حيطلع في ايدك ، وبعدين اعملك ايه حد قالك تلبسي كعب ومتعرفيش تجري ، انا كنت خايفة يكون جاي وراكي وأفتح الاقي بونيه في وشي .

فلتت ضحكة عالية من شاهي علي كلمات صديقتها ثم تركتها وارتمت علي الفراش وتمددت عليه في محاولة للاسترخاء ثم قالت لها : ماشي يا فالحة ، حتعملي ايه دلوقتي ، حتتصرفي ازاي في ميعاد بكره .
نظرت لها شمس ببلاهة وحدقت بعيناها قائلة : هو أنا حأروح بكره !!

وفِي الجانب الأخر جلس قصي في جناحه ينتظر وليد الذي وصل بعد نص ساعة من طلبه ودخل عليه الجناح ليجده في قمة غضبه : خير يا قصي ، في ايه!!.

نظر له وعروق وجهه تنتفض من شدة الغضب وأجاب : في مصيبة يا وليد ... مصيبة .
حدق صديقه به في دهشة وأجاب وهو يجلس علي المقعد امامه : مصيبة ايه ؟ ، في ايه قولي بسرعة قلقتني .
مرر قصي أصابعه بين خصلات شعره بعصبية وحاول أرجاعه إلي الخلف ثم قال : في حد خاين بينا .
تصلب وجه صاحبه وشعر بالريبة وقال : حد خاين .. تقصد ايه ، ومين ده ؟ .

أجابه بيقين شديد : انا بقالي يومين عندي هلاوس عمرها ما حصلت ليا ، بقالي يومين بحلم ببنت عمري ما شفتها قبل كده ولا أعرفها ، والحلم بيبقي غريب اوي ، لحد هنا انا مكانش في بالي حاجة ، اه مستغرب اني بحلم وبواحدة معينة ومش عارف ليه ، لكن اللي حصل النهارده أكد ليا أن الموضوع مش طبيعي وأن في حاجة بتتدبر ليا .

كان وليد يستمع في ذهول وذهنه يفكر : هل فقد قصي عقله ؟ ، عن اي حلم يتكلم ؟ ، ثم قال : ايه اللي حصل .

اجابه بتوتر : شفتها .

•... شفت مين .
•... شفت البنت اللي في الحلم
صمت وليد قليلاً وهو يحاول ان يتماسك قبل ان يطلق قذائف من فمه ثم قال : نعم يا بيه .. انت عامل مشكلة ، وجبتني أجري ، وسيبت البت المزة اللي معايا وكنا ناويين علي سهرة حمراء ، وتقولي في خاين وعميل وجاسوس وحسستني ان الموساد بيراقبنا ، وانا قاعد ركبي بتخبط في بعضها ، عشان في الاخر يطلع الموضوع بنت حلمت بيها وشفتها ، انت سخن يا قصي ، والا شارب حاجة .

قفز قصي من مكانه وكأنه قد وجد غايته وقال بصوت محموم : ايوه .. ايوه .. هو ده ..شارب حاجة .. انت قلت اللي انا عايزه ، انا شارب حاجة .

حدق صديقه به وقال ببرود : طب يا سيدي خلاص ، نام وتصحي تبقي زي الفل ، والمفعول اكيد حيروح ، بس انت ضارب ايه مخلي الفولت عالي كده .
هتف قصي بنفاذ صبر وقال : يا غبي أفهم ، انا حاسس ان في حاجة في الموضوع مش طبيعية ، ممكن يكون في حد بيحط ليا حاجة في الاكل او الشرب عشان تيجي ليا هلاوس بالشكل ده ، ممكن يكون في ملعوب بيتعمل عليا والبت دي مشتركة فيه .

فأجابه وليد بتردد وهي يحاول التفكير ولكن عقله يرفض الفكرة وقال : لا يا راجل .. معتقدش .. مين حيعمل كده .. انت عارف الناس بتاعتنا .. وبعدين انت عارف أكلك انت بالذات عّم ( أمين ) هو اللي بيشرف عليه وبيجهزه ولا يمكن يكون في حد بيقدر يقرب منه ، ياعم تلاقيك شفتها قبل كده ومش فاكر والموضوع صدفة مش اكتر ، تلاقي البت مزة جامدة وشكلها خلاك مش قادر تنساها .

صمت قصي يحاول التفكير في حل لهذا اللغز ثم قال : ولا مزة ولا حاجة ، واحدة عادية جدا ، ولا فيها اي حاجة تلفت النظر .
نهض وليد قائلاً : كمان .. يعني كل الهيصة دي علي واحدة مالهاش لزمة ، الله يسامحك يا شيخ بوزت عليا الليلة ، روح نام بقا وبطل تهيؤات ، وذهب في اتجاه الباب وقبل ان يغادر اطل برأسه وقال : قصي .. ابقي اتغطي كويس.
نظر له قصي بغيظ شديد ثم قذف فردة حذائه في اتجاهه ولكنه اغلق الباب قبل ان تصيبه .

استيقظت شمس الساعة السابعة صباحا ، بعد محاولات عديدة للنوم ولكن القلق والخوف كان يصاحبها ولَم يتركها الا بعد الساعات الاولي من الفجر ، لم تهنأ بنوم طويل فقط ثلاث ساعات ونهضت تحاول ان تنفض من رأسها أي افكار سلبية ، وتقنع نفسها ان ما حدث مجرد سوء تفاهم وسينتهي في الاجتماع ، نهضت من الفراش بنشاط وتوجهت إلي الحمام لتنعم بدش سريع ينعشها ويهديء التوتر الذي يلازمها ، أنهت حمامها ووقفت امام المرأة تنظف أسنانها ، نظرت إلي صورتها في المرأة ثم بدأت تحدث انعكاسها وهي ممسكة بالفرشاة تلوح بها أمامها : بصي .. انتي تدخلي عادي خالص ، ولا كأنك عملتي حاجة ، لو كان شارب حاجة اكيد حينسي ومش حيبقي فاكر انت مين اصلاً ، ولو ده حصل يبقا اشطا وكسبنا الشغل ، ثم صمتت قليلاً واضافت : ولو محصلش .. تبقي سنة سودة ومنيلة علي دماغي وابقي انا دخلت بيت الأسد برجلي وممكن يعمل فيا مصيبة .


ارتعدت قليلاً بمجرد ان راودتها تلك الفكرة ثم انتصبت امام المرأة ورفعت ذراعها علامة للقوة وقالت : ولا يهمني ولا يقدر يعملي حاجة ، انا ممكن اضربه عادي ، او أصوت وألم عليه الفندق كله ، هو أنا هفية والا ايه ، انا جامدة اوي وأقدر اضرب عشرة زيه ... ثم تراجعت قليلاً : يعني مش عشرة بالضبط بس.. ولا يهمني حيعمل ايه يعني .. ولا يقدر يعمل ليا حاجة .


استعدت شمس في خلال ساعة وارتدت طقم يناسب المقابلة ، بلوزة حريرية بعقدة فراشية علي الصدر ، وتنورة قصيرة تصل إلي الركبة ، ثم ارتدت حذاء عال نوعاً ما ، وتوجهت إلي المطعم لتتناول فطور سريع وفنجان من القهوة قبل ان تذهب إلي موعدها ، وفِي تمام التاسعة كانت في مكتب حسناء تطلب مقابلة قصي ، أبلغت حسناء عن وجودها في التليفون ثم قادتها إلي غرفة الاجتماع حيث ينتظرها هناك قصي ووليد .


حاولت شمس ان تكون متماسكة وان لا تتوتر ، وبمجرد أن عبرت من الباب ورأته يجلس مع الرجل الأخر يتحادثان ثم نهض ورفع عينيه نحوها ليستقبلها ، ولكن نظراته تحولت بمجرد رؤيتها ، جحظت عيناه ، وانطلقت شرارت تستطيع إشعال الحرائق ، وتحرك فكه بشكل مخيف ، لترتعد فرائسها بعد سماعه وهو يقول : أنتي تاني ، اهلا وقعتي ولا حد سمي عليكي .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل السادس

وقفت شمس في مكانها عاجزة عن الحركة لا تعلم ماذا تفعل مع هذا المخبول ؟ ، وخاصةً عندما وجدته يهرع نحوها ووجهه لا يبشر بأي خير وكأنها فريسة وهو الصياد الذي ينقض عليها ليفترسها ، ووقفت متصلبة تحدق به في ذهول وعندما وصل إليها ومد يده نحوها .. شعرت انها هالكة لا محالاة .. ولكن وفي لمح البصر وجدت صديقه يقف حائلاً بينهما ويحاول أن يقيد حركته ويمنعه من الوصول إليها .


كادت دقات قلبها أن تعلن العصيان وتتوقف من شدة الرعب ، وانفاسها المتقطعة جعلت صدرها يعلو ويهبط بسرعة عجيبة ، وبدون وعي وقفت متشبثة في ملابس صديقه من الخلف تحتمي به وتخفي وجهها ، وعندما هدأت قليلاً وبدأت انفاسها تعود لطبيعتها ، واستعادت شجاعتها الزائفة ،وادركت ما يحدث حولها ، وقفت بحزم خلف الرجل الآخر وقالت بصوتاً حاد : أنت بجد واحد مجنون ، طب امبارح وقلت شكلك مبلبع حاجة ومش علي طبيعتك ، لكن دلوقتي ايه عذرك ، ضارب ايه تاني .

حدق قصي بها وحاول ان يفلت من قبضة وليد وهو يصرخ قائلاً : شايف .. شايف قلة أدبها .

انتفضت شمس من مكانها كما لو كانت لدغت من عقرب ، واشتعلت العروق في وجهها وصرخت فيه وهي تتقدم منه وتقبض علي ياقة قميصه قائلة : مين دي اللي قليلة الأدب يلا ، انت اتجننت رسمي ، مش شمس الخطيب اللي يتقال عليها كده ، اصحي كده وفوق لنفسك ، مش عشان حته واد ملزق وارث فلوس من اهلك ومتعبتش فيهم تقولي انا كده ، طوز فيك وفِي فلوسك وفِي الشغل ، وابقي شوفْلَك شركة تانية اتعامل معاها ، لكن شركة شمس متتعاملش مع الأشكال دي .


كان قصي يقف محدقاً في ذهول من هول ما سمع ، لم يجرؤ أحد من قبل أن يتفوه بمثل تلك الكلمات أو أن يتطاول عليه ، ولَم تقل صدمة صديقه وليد عنه وقف هو أيضا يستمع وبدون وعي خفف قبضته عنه ونسي ماذا كان يفعل ؟ .

أما شمس فقد أنهت كلماتها وخرجت مسرعة من المكتب وهي في أوج غضبها ، لم يجرؤ أحد من قبل علي أهانتها هكذا ، لم تمر بموقف مثل هذا من قبل ، كانت تشعر بالغضب والحيرة الشديدة ، لماذا يفعل هذا ؟ ، لما كل تلك الأهانات ؟ ، خرجت مسرعة علي غرفتها وهي عاقدة العزم علي الرحيل فوراً .

أما الصديقان كانا كما هما يقفان في ذهول ، حتي انقضت بضع دقائق وتحولت تلك الدهشة عند وليد إلي نوبة ضحك هستيري ، وبصوت متقطع من شدة الضحك قال : البت .. مسحت .. بكرامتك الأرض ، بس حقها ، ايه الجنان الرسمي اللي انت فيه ده ، حد يعمل كده .

نظر له قصي وهو يعدل من ياقة قميصه وقال : تقصد ايه ؟ ، وبعدين قصدها ايه دي بأنها مش حتشتغل معانا !، مين دي أصلاً؟.

ضرب وليد كفاً بكف وهو يحاول ان يسيطر علي أعصابه وقال : يا بني دي المهندسة صاحبة شركة شمس اللي انت طلبت نتعاقد معاها ، وأنت اللي اخترتها بنفسك ، واكيد شفتها قبل كده بس انت ناسي .

نفي قصي كلام صديقه ووقف يعترض قائلاً : ما حصلش انا اه اخترت الشركة لما شفت شغلها ، لكن ما اعرفش عنها حاجة ولا شفت صاحبتها .
نظر له صديقه بإصرار وقال : متأكد .
فأجابه : طبعا.

تحرك وليد نحو الكمبيوتر المحمول وضغط علي بعض المفاتيح وفتح ملف معين ثم ادار الشاشة لصديقه وقال : أمال مين دي ؟ .

حدق قصي في الشاشة وهو يحاول أن يستوعب ما يحدث ، هل بالفعل رآها من قبل ؟ ، وكيف ينسي ؟ ، ولما هي من ظهرت له في الحلم ؟ ، وقف مندهشا وهو يري صورتها مرفقة بالملف الذي أرسل اليه ، ثم تحدث بكلمات تكاد تكون مسموعة : ازاي .. طيب انا ازاي مش فاكر خالص ، طب ليه حلمت بيها ، انا اصلاً مش فاكر اني شفتها ، ولا شكلها شدني عشان أحلم بيها ، ايه الجنان ده ، ايه اللي بيحصل !.

اقترب منه وليد في محاولة لتهدئته وأجابه : قصي انت من فترة مش علي طبيعتك ، مخنوق ومش طايق حاجة ، وعادي بتحصل ممكن اشوف حد مرة ومركزش معاه بس العقل الباطن بيطبع صورته ، وموضوع الحلم مش حاجة مجرد وش ظهر في حلم ،الموضوع بسيط انت بس كبرت الدنيا وطلعت البت مزقوقة علينا وأن في حد بيحطلك حاجة في أكلك ودخلنا في الهلاوس والتخاريف ، شغل عالي يعني .


انفجر الصديقان في الضحك من سذاجة الموقف والتصرفات التي قام بها قصي ، ثم انتبه وصرخ في وليد قائلاً : ألحق أجري وراها وأعتذر لها ، متقولش موضوع الحلم ده ، دور علي أي حجة قوية بس أوعي تجيب سيرة الكلام ده لأحسن تقول عليا مجنون بسرعة .

هرع وليد للخارج وهو يقول : انت تعك وأنا أفك .

عادت شمس مسرعة إلي غرفتها وهي تشتعل من الغضب لدرجة قد تجعلها تحرق كل من يقترب منها .. عبرت من الباب ثم صفعته بعنف ، فأرتجت الجدران بقوة كما لو كانت ستسقط ، كانت شاهي ما زالت نائمة ولكن صفعة الباب جعلتها تنتفض من نومها في ذعر شديد وتقفز فوق الفراش وهي تصرخ : زالزال ... زالزززززال ، ثم انتبهت علي صوت الحقائب التي تعدها شمس .


بدأت تستعيد وعيها تدريجياً وأدركت ما يحدث فجلست علي الفراش مشبكة قدميها ببعضهما ووضعت يدها علي وجنتها وهي تسندها علي فخذها وقالت : من منظر سحنتك ، والدخلة المرعبة اللي أكيد قطعت خلفي ، أقدر أقول أن الشغلانة بازت .

كادت شمس أن تنفجر أمامها وأجابت وهي تدبدب بقدميها في الأرض وبكفيها علي الحقيبة : ده حيوان .. حيوان .. والله لأوريه شغله .. أنا حأطلع عليه كل عفاريتي السود ، أنا حأعرفه مقامه ابن بارم ذيله ده ، لو أهله معرفوش يربوه انا حأعرفه التربية شكلها ايه ، السافل ده .

نظرت لها صديقتها وعيناها مازالت ناعسة وقالت : ممكن تهدي شوية وتبطلي خبط ودبدبة وتحكي ايه اللي حصل بهدوء ، عشان رأسي وجعتني .

أجابتها شمس بعصبية : أهدي .. أهدي ايه ، انا مولعة من جوايا ، انا يقولي مجنونة ، انا يقولي قليلة الأدب ، شمس يتقال لها كده من حته واد ملزق ميسواش ربع جنيه مخروم ، أنا ... ماشي ، والله لأوريه النجوم في عز الظهر .

صمتت شاهي تستمع ثم قالت بريبة شديدة : شمس .. هو لما قالك كده أنتي عملتي ايه !.

نظرت لها وهي مستاءة من السؤال قائلة : يعني ايه عملت ايه ، بقولك قالي مجنونة وقليلة الأدب .
فأعادت شاهي كلامها قائلة : دي عرفتها ، أنا عايزة أعرف رد فعلك أنتي بعد كده .
فأجابتها بعفوية قائلة : أكيد مسخرت بكرامته الأرض ، حأكون عملت ايه يعني .
عدلت شاهي من جلستها وقالت : لا انتي تقعدي كده وتحكي من طقطق لسلامو عليكم .
جلست شمس وروت لصديقتها كل ما حدث منذ بداية اللقاء وعندما وصلت للنهاية كانت الفتاة مصدومة ، فاغرة فاهها ثم تحدثت قائلة : قلتي ل(قصي الدالي) يلا ، وطوز فيك وفِي فلوسك ، وواد ملزق ، وكمان مسكتيه من ياقة قميصه .

نظرت لها شمس ببراءة وقالت : اه عادي ، وكان ممكن كمان أرزعه قلم لولا الراجل اللي كان بيحوش بينا ، النوع ده لازم يتسك علي قفاه عشان يعرف أن الله حق ، امال كنتي فاكرة اني حأسكت ، يولع هو وفلوسه والشغل ، انا بس كل اللي حارقني فلوس اللبس اللي جبته ، ثم رفعت يدها إلي السماء قائلة : اللهي يولع بيهم .

حدقت شاهي بذهول وقالت : انتي مش معقولة ، يا بنتي ده ابسط حاجة يلم عليكي الأمن يرموكي بره الفندق وتأخدي علقة محترمة .
فأجابتها بثقة : طب يعملها كده وأنا أفرج عليه أمة لا اله الا الله ....

وأثناء حديثها قاطعهما صوت طرقات قوية علي الباب ، فانتفضت شمس من مكانها وأشارت شاهي إلي الباب قائلة : شفتي .. الله ينتقم منك يا بعيدة ، حأتهزق علي اخر الزمن بسببك .

فقفزت شمس بعصبية شديدة من علي الفراش والتقطت ما وجدته أمامها (منفضة السجائر الزجاجية)وقالت وهي تهرع نحو الباب : طب يوريني نفسه ، وفتحت الباب وهي ترفع يدها لتهوي بها علي رأس من أمامها .
صعق وليد عندما رآها هكذا وابتعد للخلف وهو يضع يده علي رأسه لحمايتها ويصرخ قائلاً : انا معملتش حاجة ... معملتش حاجة .
تسمرت شمس في مكانها، ثم أخفضت يدها وحاولت أن تتماسك وقالت بحدة : نعم ، عايز ايه !، ايه اللي جابك ! ، جاي تطردني من الجنة ، أنا سايباها ليكم أن شاء الله تتطربقع علي دماغكم .

حاولت شاهي اللحاق بها فقفزت من الفراش ، وارتدت الروب الحريري بسرعة شديدة ولَم تحاول حتى أن تعدل من هيئتها التى مهما فعلت لن تنتقص من جمالها أنشاً واحداً ، بل أنها كلما كانت علي طبيعتها كلما زاد جمالها ، لذا لم تهتم سوي أن تضع الروب علي جسدها وتهرع خلف تلك المجنونة لتمنعها من ارتكاب اي كارثة ، خرجت سريعاً وأمسكت بيد صديقتها من الخلف وهي تصرخ بها قائلة : شمس بلاش جنان ، اهدي شوية ، ولَم تنتبه سوي علي صوت تعرفه جيداً يقول : شهيرة ، سرت القشعريرة بجسدها وأمالت رأسها ببطء من خلف جسد صديقتها الذي يقف حائل بينها وبين صاحب هذا الصوت ، ورفعت بصرها نحوه ، لتتسع عيناها في دهشة وتنطق بحروف اسمه بلا وعي : وليد .


وقف الاثنان في حالة من الصمت ، لم ينطق أياً منهما بكلمة واحدة ، صمتت الألسن وتحدثت العيون لتبوح بكل ما يجيش في الصدور ،وتشابكت في نظرات طويلة لا يفصلهما سوي رجفة الجفن .

وقفت شمس بينهما تشاهد تلك النظرات الغريبة ، والصمت المريب بينهما وعندما شعرت أن الامر قد طال ، تنحنحت بصوت مسموع وقالت وهي تحرك يد أمام عين شاهي واليد الأخري أمام عين وليد : يا أخوانا يلي هنا ، حد سامعني .
انتاب شاهي الحرج الشديد فأخفضت عينيها سريعاً وقالت : أهلا وليد أزيك .

وبدون أن يدرك وجد نفسه يمد يده ليحتضن كفها ويرفعه إلي فمه ليطبع قبلة رقيقة عليها قائلاً : بقيت كويس لما شفتك .

احمرت وجنتاها وحاولت ان تخفي خجلها وقالت : لسه بكاش زي ما أنت .
تنهد وليد بحزن وشوق شديد ثم قال : أنتي عارفة يا شهيرة ، أنتي الوحيدة اللي لا يمكن أكذب عليها ، بجد أنا فعلا بقيت كويس لما شفتك .
حاولت ان تغير مجري الحديث فقالت متسائلة : انت ايه علاقتك بالمشكلة اللي مع شمس .
شعر وليد بارتباكها فأجابها : أنا بشتغل مع قصي ، أنا المدير العام لسلسلة فنادق الدالي .
ابتسمت شاهي برقة بالغة وقالت : واوو .. مبروك تستحقها .

صمت الأثنان مرة أخري ، فالقلوب ما زالت تحاول أن تعي ما يحدث لها ، والعين في شوق ولهفة لرؤية من حرمت منه طويلاً، نعم كانا في حالة صمت ، ولكنها أبلغ من أي كلمات قد تقال .

ظلت شمس تنتظر نهاية لهذا المشهد الغرامي المؤثر ، وعندما لم ينتهي ، وكزت صديقتها في كتفها ، انتفضت شاهي وحاولت أن تسيطر علي مشاعرها فأضافت قائلة : طيب ممكن تنتظرنا في الريسيبشن تحت ، نغير هدومنا وننزل عشان تتكلم مع شمس .

شعر وليد بأنه لا يريد أن يتزحزح من أمامها ، لقد طال الفراق ، وزاد الشوق ، وكأن رؤيتها مرة أخري فتحت باباً كان يظن أنه مغلقاً ، ولكن يجب أن يتمالك نفسه ، لن يستطيع ان يظل هكذا ، فحرك رأسه بالأيجاب وقال : اوك .. في انتظاركم ، ثم مضي بخطوات متثاقلة يتمني لو اطال البقاء قليلاً .

وقفت شاهي تشاهده وهو يرحل وبداخلها شعور غريب بالحنين له ، اما شمس فقد تملكها الفضول والحيرة فقامت بجذبها إلي الداخل وأغلقت الباب ووقفت تحدق بها وهي تقول : ايه بقا جو التنهيد والتسبيل ده ، مين سي وليد ده كمان .
صمتت شاهي قليلاً وتنهدت بعمق ثم قالت : ده أول حب في حياتي ، وأكبر وجع فيها .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل السابع

ارتدت الفتاتان ملابسهما وفِي أقل من ساعة كانتا في طريقهما إلي مكان اللقاء ، حاولت شمس في تلك الفترة حث شهيرة علي الحديث ولكنها امتنعت تماما بحجة أنه ليس لديهم الوقت الكافي ، لذا بدلت شمس ملابس العمل بأخري وارتدت بلوزة بيضاء وجينز وتركت شعرها منسدل ، أما شاهي فأرتدت طقم للبحر ، عبارة عن بلوزة وشورت من نفس اللون الأحمر وبه نقشات علي شكل ورود صفراء صغيرة ، ورفعت شعرها لأعلي ثم وضعت نظارتها السوداء .


وصلتا إلي مكان اللقاء وكان وليد في انتظارهما ، وبمجرد أن وقعت عينيه علي شاهي ، شعر أنه فقد الأحساس بكل شيء حوله ، لم يعد يري سواها ، عيناه كانت متعلقة بها ، قلبه يرتفع صوت دقاته مع كل خطوة تخطوها نحوه ، جسده يخبره بالحنين الذي طال والشوق الذي حاول كثيراً أن يطفئه مع العديد من الفتيات الجميلات ، حتي كاد يظن أنه استطاع ولكنه لم يكن في حاجة سوي أن يراها مرة أخري ليعلم أنه فشل في هذا .


اقتربت الفتاتان وألقت شمس التحية عليه ، وبالكاد استطاع ان يتغلب علي ما يعتمل بداخله ويجيبها ثم جلسوا جميعاً، بدأت شاهي الحديث قائلة : ايه بقا الحكاية يا وليد ، ايه الجنان اللي صاحبك فيه ده ،امبارح اتصرف تصرفات مجنونة وقلنا يمكن شارب حاجة ، لكن الصبح ايه عذره .

صمت وليد قليلاً يحاول ان يبتكر عذر لا يسيء لصديقه وأجاب اخيراً :الموضوع كله سوء تفاهم ، احنا فعلاً أسفين علي التصرف اللي صدر من قصي ، وصدقيني يا باشمهندسة حضرتك غير مقصودة بالمرة ، حصل بس التباس بين حضرتك وبين واحدة تانية وده اللي عمل المشكلة .
حدقت شمس به في دهشة فهي مازالت مستاءة مما حدث ولَم تقتنع بتلك الكلمات فقالت : يا سلام ، اتبهدل واتهان والأستاذ تقريباً كان فاضل يمد ايه عليا وتقولي حصل التباس ، انت بتهزر يا استاذ ، ايه الكلام اللي مالوش معني ده .

شعر وليد بالحرج ، حاول ان يفكر في حل سريع ينقذه من تلك الورطة ثم قال : صدقيني .. كل الحكاية ان احنا لينا منافسين في السوق والفترة دي احنا داخلين شغل مهم ، والمنافسين عايزين يأخدوا الصفقة مننا بأي طريقة ، وصلت لينا معلومات ان في شخصية جاية من طرفهم ومواصفاتها كانت مطابقة لمواصفاتك بالضبط ، طبعا قصي متوتر جداً بسبب الصفقة لأنها فعلا مهمة وبيحاول بأي طريقة انه يأخد باله من كل التفاصيل ، وميسيبش حاجة للظروف ، وده سبب تصرفاته معاكي ، أتمني انك تقدري موقفه وتسامحينا علي سوء الفهم اللي حصل ، وياريت نبدأ بداية جديدة ، أيه رأيك ؟.


صمتت شمس ،وتبادلت النظرات مع صديقتها وهي من داخلها لم تصدق حرفاً واحداً مما قال ، وعندما حاولت الحديث ، اسكتتها شاهي وقالت : خلاص يا شمس ، أكيد وليد مش حيضحك علينا، وبعدين أعتقد أنك أخدتي حقك ، تبقوا خالصين .

ترددت شمس قليلاُ ولكنها في قرارة نفسها تعلم أن تلك الفرصة لن تتكرر قريباً ، وأنها ستنقلها إلي مستوي أخر ، فأجابت اخيراً : موافقة بس بشرط .
وليد : اتفضلي .
شمس : مش عايزة اتعامل معاه نهائياً .

نظر لها وليد بدهشة وقال : بس ده شرط صعب اوي ، لأن ده فندقه وطبيعي هو محتاج يتعامل معاكي ، في تفاصيل كتير صعب أخرجه منها .

أجابته : والله ده شرطي ، انا مش حأعرف اتعامل مع الانسان ده تاني .
.... طب ولو الأنسان ده جه لحد عندك وأعتذرلك علي التصرف البايخ اللي صدر منه ، ممكن تسامحيه .
تفاجئت شمس والتفتت لمصدر الصوت ، فوجدته يقف خلفها ، هو بشحمه ولحمه ، ( قصي الدالي ) .
جلس علي المقعد بجوارها وأكمل حديثه قائلاً : يعني مسمعتش رد منك .

تجاهلت شمس الرد عليه ونظرت إلي صديقتها نظرة تعني يجب علينا المغادرة الآن ، لمس قصي ضيقها الشديد ، فقال : أنا أسف واضح اني دايما قليل الذوق ، ومد يده في اتجاه شاهي قائلا. : قصي الدالي

_ اهلا بيك ، أنا شهيرة الدراملي .
_اتشرفت بمعرفة حضرتك ، ممكن يا وليد تعزم الأنسة شهيرة علي جولة في الفندق لحد ما أحاول أقنع الباشمهندسة شمس أن أنا مش واد ملزق وارث فلوس أهلي .
نهض وليد علي الفور ، فتلك هي اللحظة التي كان ينتظرها منذ ان وقعت عيناه عليها ، وقد قدمها له صديقه علي طبق من فضة ، مد يده طالباً يد شهيرة وقال : يا سلام تحت أمرك ، شهيرة هانم تسمح ليا أخذها في جولة في الفندق .

نظرت شهيرة لصديقتها التي بدورها كانت ترسل لها نظرات توسل الا تتركها ، ولكنها كانت مأخوذة بتلك اليد التى لم تستطع رفضها ، نهضت من مكانها وهي تمسك يده وقالت : اكيد طبعا ، مش حأتاخر عليكي يا شمس ، قالت كلماتها وابتعدت مسرعة قبل ان يحدث أي شيء .

جلست شمس في مكانها كالتمثال ، تشاهد شاهي وهي تبتعد ولا تعلم كيف تتصرف ؟، أما قصي فكان ينظر إليها ويري كل انفعالاتها وتعابير وجهها التي لو تحدثت لقالت له أكرهك ، ومع ذلك شرد قليلاً في تفاصيلها ، نعم ليست رائعة الجمال ، مجرد فتاة عادية ، تمتلك بعضاً من الجاذبية ، والجمال الرقيق ، ولكن بها شيء مختلف عن كل الأخريات ، شيء يميزها ، ولكنه لايزال لا يعلم ما هو ؟ .

استمر الصمت بينهما فترة ، وهي تحاول ان تنظر في الاتجاه الأخر حتي لا تصطدم بنظراته ، ولكنها فوجئت به فجأة يمسك يدها ويجذبها لتنهض من مكانها وهو يقول : قومي بينا يلا .

حدقت به شمس في ذهول وقالت : أقوم أروح فين .
قصي وهو بالفعل يتحرك ويجذبها خلفه : حتعرفي دلوقتي ، مضي في طريقه وهو ممسكاً بيدها ، يسرع في خطواته ، لم يترك لها فرصة للكلام ولا حتي للأعتراض ، استمر مسرعاً يهبط درجات الفندق حتي وصل إلي الشاطئ ، لم يترك يدها قط ، ولَم يبطأ في السير حتي لا تتوقف ، تحرك نحو ممشي اليخوت ، ثم توقف أمام يخت كبير ، وقفز بداخله ، ومد يده الأخري لها حتي يلتقطها .

وقفت شمس علي الممشي تنظر إليه وهي مترددة ، لا تريد أن تكون معه في مكان منعزل ، كما انها تخشي البحر ، وقفت في حيرة ، وحاولت أن تسحب يدها من يده ولكنه لم يقبل بذلك وقال : يلا انزلي ، والا خايفة مني ! .

نظرت له بتحدي وقالت : أخاف منك أنت ، ليه يعني .

فأجاب بأبتسامة : طالما كده يبقي أنزلي يلا ، ولَم يترك لها فرصة الرد ، أمسك يدها الأخري وجذبها للأسفل سريعاً ، ليختل اتزانها وترتطم به ، وتصبح بين أحضانه ، لحظات من الصمت والخجل مرت بها وهي متشبثة بملابسه حتي لا تسقط ، يدها علي صدره ، تلمس عضلات جسده ، تشعر بكل نفس يدخل إليه ، عيناها تعلقت بعينيه ، لا تعلم لما شردت فيهما ، ما المختلف به ؟ ، شيئا ما يلمع بداخله ، دقات قلبيهما بدت كأنها دقات قلباً واحد ، متناغمان معا لا تسرع دقة عن الأخري ، متطابقان تماما ، ارتعشت شمس قليلاً وزاد ارتباكها ، وأدركت انها أطالت البقاء علي صدره طويلاً فأبتعدت سريعاً إلي الخلف وهي تتمتم بصوت غير مفهوم .


وعلي الجانب الأخر انطلق وليد مع شهيرة في جولة داخل الفندق بعربة الجولف حتي انتهي اخيراً في مكان بعيد علي أطراف الفندق ، يكاد يكون منعزل تماما ، أوقف العربة ودار حولها ومد يده ليساعدها، هبطت شاهي ونظرت حولها لم تري احد فقالت : ايه المكان ده .

فأجابها وليد وهو يحتضن يدها بيده ويضعها علي قلبه : ده بقا يا ستي مكاني الخاص ، ممنوع حد يجيء هنا ، او يفكر حتي .
نظرت شاهي حولها وقالت : واشمعنا المكان ده .
فاجاب : حتعرفي دلوقتي .

امسك يدها وهبط معها بضع درجات حتي وصل للشاطيء وأشار لها ناحية اليمين ، لتلقي نظرة تجعلها غير قادرة علي النطق .

وقف وليد يتأمل تعابير وجهها وهو يود لو يستطيع أن يأخذها بين أحضانه لتعلم كم أشتاق إليها ، ثم قال لها : أيه رأيك عجبك !
تأملته وعيناها تلمع بالدموع وبعد أن بحثت طويلاً عن كلمات قالت : أنا مش مصدقة اللي انا شايفاه ده ، مش عارفة اقول ايه .
تنهد وليد بقوة وأضاف : ليه مش مصدقة ، احنا اتفقنا قبل كده اننا لازم يكون عندنا شاليه زي ده ، ورسمنا كل حته فيه ، الرسمة فضلت معايا ، كل حاجة كانت فيها عملتها ، حتي الورد الأحمر اللي علي المدخل ولون الخشب وشكل التراس ، والسطح زي ما كنتي عايزاه ، مش كده وبس، تعالي معايا .

أمسك يدها واتجه إلي الكوخ وصعد الدرجتين الأماميتين ثم فتح الباب لها ، لتكتشف ان ما ستراه بالداخل له النصيب الأكبر من الدهشة ، وقفت شاهي فاغرة فاهها ، لا تملك المقدرة علي ان تعبر عما يجيش في قلبها الآن ، تركت دموعها تتحدث نيابةً عنها ، مزيج غريب من الدهشة والحيرة والشوق والحنين اجتاحها ، شعرت معه كأنها عادت ثمان سنوات إلي الوراء ، وأن الزمن قد توقف وعاد بها من حيث توقفا سوياً ، وقفت والانبهار يشل حركتها ، لقد كانت تقف في كوخ أحلامها ، نفس الكوخ الذي رسماه سوياً ...نفس التفاصيل ، لم يتغير به شيء ، حتي من الداخل كل شيء كما كانت تحلم ، نفس ألوان الستائر ، والمفروشات ، نفس شكل الأثاث ، نفس اللوحات التي كانت تغرم بها في المعارض موجودة هنا علي الجدار ، كل التفاصيل حتي الصغيرة منها لم يغفل عنها ولَم يغير شيء فيها ، كأن التصاميم والرسومات التي كانا يقوما بها سوياً خرجت من الورق وأصبحت حقيقة .


ظلت تطوف من غرفة لغرفة ومن مكان لأخر وهي عاجزة عن تصديق ما تراه ، وعندما وصلت لغرفة النوم وعبرت بابها وقفت مصدومة أنها ليست فقط كما طلبت بل وهناك علي الجدار خلف الفراش ... تقبع صورتها علي الحائط كما لو كانت هي ، نعم هي تتذكر هذا المشهد جيداً كانت قبل الفراق بيومً واحد ، كانت سعيدة جداً في ذاك اليوم ، لقد باغتها يومها وسرق منها قبلة ، كانت قبلتها الأولي ، ولَم تكن تعلم أنها ستكون الأخيرة ، كيف رسم هذا المشهد بتلك البراعة ؟ ، مشهد القبلة ، كأنها تراه أمامها من جديد ، حتى أنها شعرت بنفس الأحساس الذي راودها يومها ، كما لو كان مذاق شفتيه ما زال في فمها ، ملمس وجهه علي وجهها ، يداه التي تحاوطها ، ااه ، آهه صدرت منها بلا وعي ، والتفتت تنظر إليه وجسدها تسري به رعشة خفيفة ، وكأنها ترسل له رسائل حب وشوق خفية ، ويبدو أنه فهم الرسالة ، فاقترب منها ببطء شديد وهو يتأملها جيداً ، يمشي بعينيه علي تفاصيل وجهها الذي اشتاق اليه كثيراً ، ثم توقف أمامها ورفع يده يلمس بها بشرتها الناعمة ، ويتحسس شفتاها بأنامله ، ثم حركها نحو شعرها وأزاح المشبك ، لينسدل علي وجهها وكتفها كما يحبه هو ، ثم عاد ينظر مرة أخري إلي عيناها بشوق ولهفة كبيرة وهو يتنهد بقوة ، فهو يعشقها حد الموت ، يرغب بها كرغبة الميت للحياة ، ولَم يعد يقوي علي التحمل أو المراوغة ، لذا لم يفكر كثيراً بل انصاع إلي أوامر قلبه ، واقترب منها لينال قبلته التي لطالما حلم بها وانتظرها طويلاً .


أما هي فكانت تتلذذ بشعورها بقربه ، بلمسة يده علي وجهها وشعرها وشفتاها ، كانت خدرة من شراب عشقه ، لم تكن تريد أن تفكر ، كل ما تتمناه أن تعود مرة أخري إلي تلك القبلة ، وبمجرد أن لامس شفتاه شفتيها ، حاوطت عنقه بذرعاها وتشبثت به بقوة ، كأنها تعلن له انك كنت وما زلت حبيبي .


وفِي مكان أخر في عرض البحر ، كانت تجلس شمس في اليخت ، وهو ينطلق يخترق المياه ، بعد الكثير من المجادلة بينهما عن التحرك باليخت او البقاء في المرسي ، انتهت في الأخير بأن حسم قصي أمره وقام بأدارة المحرك وانطلق به دون ان ينتظر موافقتها ، جلست في أحد اركان اليخت مغمضة عيناها وقابضة بذراعيها علي العارضة ، متشبثة بها بقوة خشية أن تسقط في المياه بسبب سرعته الجنونية ، ظلت هكذا حتي سمعت صوت هدير المحرك يخفت ، والقارب يخفف من سرعته حتي توقف نهائياً ، فتحت عيونها لتجد نفسها في عرض البحر ، محاطة بالمياه من كل اتجاه ، ولا تري أثر لليابسة .

اقترب قصي منها وجلس بجوارها في هدوء وهو يتأمل الامواج الهادئة أمامه ، ثم التفت نحوها : عارفة كل ما بحس أن في زحمة في دماغي بجيء هنا ، عشان افضي كل الزحمة دي في البحر .

أدارت وجهها إلي الاتجاه الأخر له وقالت : ودلوقتي أنا هنا ليه .

أجابها بهدوء : عشان حسّيت أن جواكي زحمة كتير أوي ،فحبيت تيجي هنا ، جربي تقعدي كده في هدوء ، وترمي مشكلة مشكلة في البحر ، اقعدي غربلي كل حاجة جواكي ، حتحسي براحة كبيرة ، أعتبريني مش هنا ، وجربي .

حاولت شمس أن تستمع له وتحاول ولكنها كانت تشعر بالتوتر الشديد وهي في قربه ، لذا ابتعدت عنه قليلاً وجلست في مقدمة اليخت ، حاولت أن تصفي ذهنها وتقوم بمحو كل الضجيج الصادر من قلبها، جلست تتأمل المياه وتفكر في حياتها ، وما لبثت سوي دقايق وعاودتها نفس الذكريات مرة أخري ، كأنها مطبوعة علي صفحة الماء ، او كأنها فيلم تراه أمامها ، تذكرت كل شيء حتي قبلته الأخيرة التي جاهدت نفسها الا تتأثر بها ، كانت تشعر بالضياع .. لم تعد تعلم من هي ، لقد كانت تعرف هويتها في وجوده ، أما الأن فهي كالتائهة ، تشعر بأنها اقتلعت من جذورها ولَم تعد تعرف أين تكون ؟، وبدون وعي بدأت دموعها تنهمر علي وجنتيها ، كانت تشعر بالبرودة تسري في جسدها ورعشة خفيفة انتابتها ، وبكاء مستمر علي ما فقدت ، لم تشعر به في بادئ الأمر عندما اقترب منها وجلس بجوارها ، لم تشعر به البته ، كانت في دوامتها الخاصة تصارع ما تبقي بداخلها من أثر تلك الصدمة التي مازالت لا تستطيع تقبلها .


أما هو فجلس بجوارها يري دموعها ، ونحيبها الذي بدأ يعلو ، وجهها يتلالأ من أثار الدموع ، عيناها تائهتان تبحثان عن قارب النجاة ، وجسدها يرتعش ، شعر أنها بحاجة للأمان ، عيناها تقول هذا ، جلس بجوارها لا يعلم ماذا يفعل ؟ ، ولكنه شرد مرة أخري في الحلمان اللذان رآها فيهما ، نعم أنها هي ، لم يخطأ ، كان الفضول بداخله يتآكله ، لماذا رآها في الحلم ؟ ، لماذا هي دون الجميع ؟ ، ما المختلف فيها ؟ ، ما الذي يميزها ؟ ، ما سرها ؟، جلس بجوارها يشاهدها وهو يتساؤل ، وعندما زادت ارتعاشة جسدها نهض سريعاً ليحضر لها ما يدفئها ، بحث في الخزانة ثم عاد وجلس بجوارها ومد يديه ليحاوط كتفيها بيديه وهو يضع الجاكيت عليها .


انتفضت شمس بمجرد أن شعرت بوجوده ولمست يديه بشرتها ، ارتعدت وهو يحاوطها بيديه ، كان شبه يحتضنها ، وبرغم قربه الشديد رفعت عينيها في مواجهته ، لتجد شفاهه أمامها ، كأنها تناديها ، جذبت نفسها بعيداً عنه ، وقالت له : لو سمحت رجعني .

_ طيب استني شوية .
بحزم وهي تنظر للأسفل : أرجوك عايزة أرجع .
أقترب منها ومد يده ولمس وجنتها برقة ثم قال ...
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الثامن

سقطت الشمس في احضان المياه وتحول لون السماء إلي لون الغروب البرتقالي الجميل ليزيد المكان روعة ، ثم حل المساء سريعاً واستيقظت شمس من قيلولتها التي فضلت ان تلجأ لها بعد عودتها من رحلة اليخت ، كان الظلام يلف المكان في الغرفة ، فتحسست بيدها زر المصباح الذي بجوارها وأضاءته ، فأنارت المكان قليلاً ، نظرت حولها تبحث عن الجوال لتتصل بصديقتها ولكنها اكتشفت انها نائمة في الفراش المجاور ، تنهدت شمس وأسندت رأسها للخلف علي حافة الفراش وشردت في هذا اليوم الغريب الذي لا تعلم كيف بدأ وأين انتهي.


تذكرت لمسة قصي لوجنتها وهو يقول لها : حاضر بس ارجوك متبكيش ، كانت لمسة دافئة رقيقة ، تمنت لو تطول ولكنها لم تعد تحتمل اي أوجاع اخري نعم استمتعت بلمسته ولكنها في ذات الوقت رفضتها وعبرت له عن ذلك جيداً وأنذرته الا يحاول أن يلمسها مرة أخري ، آهه نابعة من الصدر وشعور مريض بالخوف من كل شيء وأي شخص ، يجب أن تغلف قلبها وتضع عليه سياج حديدية ، يجب ان تبتعد عن كل ما يؤذيها ، لم يعد هناك شيء مضمون ، لقد خذلها حبيب العمر ، فهل سيأتي أفضل منه ؟ ، بالطبع لا .


ظلت هكذا شاردة حتي انتبهت علي صوت شاهي المتثاءب : ااه ، الواحد كان محتاج ساعتين النوم دول .

التفتت شمس إليها وعدلت من جلستها لتصبح في مواجهتها ثم قالت : قومي حالا فزي من مكانك ، وتحكيلي علي كل حاجة من الاول للأخر والا والله يا شاهي حأفرج عليكي الفندق كله ، وخدي بالك مش حأتحرك من هنا غير لما اعرف حتي لو حبستك في الاوضة .
نهضت شاهي من الفراش وجلست علي حافته وقالت : مفيش يا ستي ، وليد ده الحب الأول والوحيد في حياتي ، ثم صمتت .
حدقت بها شمس قليلاً وصرخت قائلة : اخلصي يا ماما ، احنا لسه حنتنهد ، انجزي وبلاش نظام القطاعي ده ، احكي الموضوع كله مرة واحدة .
_ كده طب استني بقا نعمل مجين نسكافيه عشان نفوق وأحكي ، وبالفعل نهضت الفتاتان معاً وقامتا بتجهيز القدحان ثم توجهتا إلي الشرفة وجلسوا أمام البحر وبدأت شاهي تروي لها حكايتها مع وليد :

أنا ووليد نعرف بعض من زمان ، مامته كانت صاحبة ماما الأنتيم ، كانوا دايما مع بعض ، فطبيعي انا ووليد كنّا بنشوف بعض كتير ، أول مرة أعترف ليا فيها بحبه كنّا في النادي ، كانت الشلة كلها متجمعة وكان في ولد فيها بيحبني ودايما ملاحقني ، يومها وليد اتخانق معاه وشدني بعيد عنهم وقعد يتخانق معايا ولما صرخت فيه وقلت له وانت مالك ، رد عليا وقالي عشان انتي بتاعتي ، محدش ينفع يقربلك او يبصلك ، وبعدها مسك أيدي وباسها وقالي انه بيحبني كنت وقتها لسه في اولي جامعة وهو كان مخلص جامعة وبيشتغل ، مهما اوصفلك يا شمس احساسي مش حاعرف ، كنت حاسه اني طايره في السما ، فجأة حسّيت اني بحبه اوي ومقدرش اعيش من غيره.


كنت عايشة اسعد لحظات حياتي ، لغاية ما ماما ماتت كل حاجة اتغيرت ، طنط سميرة مامت وليد وقفت جنبنا ومسابتنيش خالص ، عشان اقدر اخرج من الأزمة ، لحد ما في يوم بابا فاجئنا كلنا وطلب أيدها ، والمفاجأة الأكبر أنها وافقت ، هي منفصلة عن بابا وليد من زمان ، للأسف دي كانت بداية تدهور علاقتي بيه ، الجواز تم ، انا كنت حأتجنن ازاي تجوزي جوز صاحبة عمرك ، معاملتي ليها اتغيرت ومبقتش طايقاها ، وطبعا وليد غضب وساب البيت لأنه مكانش موافق علي الجواز ، لحد ما بابا كملها وعرف واحدة عليها وطلقها ، ده كان أخر مسمار اتدق في نعش علاقتي بوليد ومن وقتها منعرفش حاجة عن بعض ، وانا محبتش حد من بعده .


روت شهيرة كل شيء دفعةً واحدة ، ثم تنفست بعمق وصمتت لتعاودها ذكري قبلة اليوم التي كانت كالفتيل الذي أشعل كل شيء من جديد ، مذاقها مازال في فمها وجسدها مازال يخبرها بما تغير فيه ، قلبها مازال يترنح من شدة الشوق ، لقد ذابت تماما بين ذراعيه لم تستطع الفرار من تلك المشاعر الثائرة ، كانت تشتاق للمزيد ولكنها في الأخير جاهدت نفسها عندما استطاعت ان تتوقف وتهرب من امامه ومن الكوخ ، شعرت بالخوف من ضعفها وهي بين ذراعيه ، أحساسها بالراحة معه ، وبالرغبة في البقاء أرعبها ، وجعلها تهرب بلا تفكير .


استمعت شمس إليها وهي تشعر بالدهشة ثم قالت اخيراً : وليه أول مرة أعرف الحكاية دي ، ما أنتي حكيتي ليا حاجات كتير تخصك ، اشمعنا ده .

شردت شاهي في البحر أمامها ثم قالت : صدقيني مش عارفة ، يمكن عشان دي الحاجة الوحيدة اللي وجعتني بجد ، او يمكن كنت فاكرة اني نسيته .
نظرت لها صديقتها وقالت : وانتي ما نستيش ؟.

تنهدت شاهي بحرقة : عارفة يا شمس هو عمل ايه النهارده ، أخدني معاه لمكان علي البحر ، شاليه ، نفس الشاليه اللي رسمناها قبل كده وقلنا حيبقي العش بتاعنا ، عمل زيه بالضبط ، حتي الفرش من جوه نفس اللي كنت مختاراه ، لا وكمان رسم صورة ليا وليه علي الحيطة اللي ورا السرير ، صورة من دماغه لأول مرة باسني فيها ، تخيلي ، انا اول ما شفتها حسّيت برعشة ، كل حاجة حواليا رجعتني ٨ سنين لورا ، كأني عمري ما سيبته ، كأننا عمرنا ما بعدنا .


_ ياااه يا شاهي ده بيحبك اوي .. الراجل اللي يفضل يعمل كده يبقي بيعشقك ،ثم تذمرت وقالت بعصبية : ايه الجبروت اللي انتم فيه ده ، كل الحب اللي جواكم وتقعدوا ٨ سنين متعرفوش حاجة عن بعض ، عشان ايه ، حاجة في منتهي التفاهة مالهاش علاقة بيكم ، أنتم الاتنين غلطانين يا شاهي ، مفيش حاجة تستاهل أنكم تتفرقوا كده ، وبعدين الواد مز وطول بعرض ، ازاي تسيبيه كده .


ضحكت شاهي وتذكرت لمساته لها وبلا وعي وضعت أناملها علي فمها تتحسس قبلته ثم قالت : ااه يا شمس ، تفتكري لسه عايزني ؟.

حدقت بها شمس في ذهول ثم ألقت عليها وسادة صغيرة بقوة وهي تقول : انتي البعيدة مش بتحس ، الراجل قعد يعملك بيت الأحلام وراسمك علي الحيطة كل ده ليه ، عشان يتف علي صورتك كل يوم ويقول أحسن انها غارت ، والا عشان بيحبك يا هانم !.
_جتك قرف في ملافظك ، طب قومي يلا عشان نلبس وننزل نتعشي .

كان قصي يقف امام المرأة يرتدي ملابسه ، ووليد يجلس في انتظاره وهو يحدث نفسه قائلا : ايه يا وحش اول ما شفتها عملت كده ليه ، كأنك مشفتش بنات قبل كده ، مش كنت خلاص قفلت الموضوع ده جواك ، ايه اللي حصلك .

انتهي قصي وعندما التفت له وجده شارد ، ظل يشاهده بعض الوقت ثم قال اخيرا : وليد .. انت بتكلم نفسك !، مالك يا كبير ، أنت وقعت والا ايه .
نظر له صديقه وقال : انا واقع من زمان يا معلم، بس انت اللي مش هنا .

اندهش قصي واقترب من صديقه وجلس بجواره : واقع من زمان ازاي .. ثم تذكر فقال سريعاً : أستني ، هي دي حبيبة القلب اللي عملت الشاليه اللي علي البحر عشانها .

حرك وليد رأسه بإيماءة تؤكد توقعات قصي ، فأضاف قائلاً : يا خرابي علي الصدف .. دي صدفة بنت لذينة ، طب وبعدين حتعمل ايه يا صاحبي .
زفر وليد بقوة ثم قال : حأعمل ايه يعني ، وقال انا اللي كنت فاكر أني قدرت أنساها ، لقيت أني اول ما شفتها كأنها عمرها ما مشيت ولا بعدت ، كأنها لسه معايا وجوايا وعمرها ما سابتني ابدا ، لدرجة اني نسيت معاها كل البنات اللي عرفتهم ، نسيت نفسي حتي .

وضع قصي يده علي كتف صديقه وقال له : خلاص يا معلم طالما كده مستني ايه ، بصراحة هي انسانة جميلة ، وأحلي من أي واحدة من البنات الزبالة اللي كنت ملموم عليهم ، وتستاهل انك تسيب الدنيا كلها عشانها .

صمتت وليد قليلاً يتذكر كل ما حدث بينهما منذ سنوات وما حدث اليوم ، تذكر والدته وهل سيكون هذا الوضع مناسب لها أم ماذا ؟ ، ولكنه لم يعد يحتمل الفراق ، هو متيقن الأن أنه مريض بحبها ولا سبيل للشفاء سوي بقربها ، لم يعد يستطيع ان يتراجع ثانية بعد ان عادت من جديد ، فلتذهب كل الذكريات المؤلمة إلي الجحيم ، لن يبقي سوي حبها الذي يملأ قلبه وجسده وروحه ، لذا لن يهتم بمراعاة الجميع ثانية ، بل سيلحق قلبه فقط ، حزم وليد قراره ونظر لقصي وقال : يلا بينا ننزل .

انتهت الفتاتان من ارتداء ملابسهما ، ارتدت شاهي فستان احمر قصير بحمالات عريضة وتركت شعرها منسدل ووضعت فقط ملمع شفاه وأبرزت جمال رموشها وعيناها بمساحيق رقيقة ، أما شمس فأرتدت بلوزة بيضاء قطنية ( بدي) باكمام قصيرة جداً وجيب قصيرة منفوشة عليها ورود ملونة وفِي قدمها حذاء برقبة طويلة يصل إلي منتصف الساق لونه اسود ، وصلتا الفتاتان علي المطعم وتجولتا بين الأطعمة المختلفة حتي انتهت كلاً منهما بوضع الطعام في الصحن ثم جلستا علي مائدة في التراس للأستمتاع بالمنظر الجميل للبحر والأضواء الهادئة التي تنيره وهما تتناولان طعامهما في صمت ، وكلاً منهما شاردة في امرها وما التالي الذي قد يحدث لها .


دق جرس الباب ونهضت السيدة رقية لتري من الطارق لتجده شريف ووالدته السيدة خديجة ، صديقة العمر ورفيقة دربها ، بعد الترحيب الحار ، جلسوا جميعاً في حجرة الجلوس وافتتح شريف الكلام سريعاً بسؤال : كلمتيها يا طنط .

شعرت رقية بالحرج الشديد وتلعثمت قليلاً ثم قالت : بصراحة يعني .. لسه مقلتش حاجة .
شريف باستغراب : ليه يا طنط !، مش احنا كنّا اتفقنا .

فأجابته رقية : اه اتفقنا .. بس لازم اختار الوقت المناسب ، انا مش فاهمة يا شريف انت ازاي مش عارف شمس ، ايه للدرجة دي نسيتها ! .

صمت شريف قليلاً ، ثم زفر الهواء بقوة من صدره وقال : لا يا طنط عمري ما نستها ، بس بردوه انا متأكد ان مهما كان طبعها ، اللي بينا أقوي بكتير .
تلك المرة أجابته والدته السيدة خديجة وقالت : ما هو عشان اللي بينكم كان كبير اوي يا شريف ، فوجعه بردوه عندها كبير ، انت كسرتها ، وانا مش متأكدة انها حتقبلك تاني والا لا .
حدق شريف بوالدته قائلاً : ايه يا ست الحبايب انتي معايا والا معاها .

فزجرته بحزم وقالت : انا مع الحق .. ومعاها قبلك ، انت نسيت أنها بنتي واتولدت وأتربت علي أيدي ، اوعي تكون فاكر اني حأجيء عليها عشانك ، لا يا استاذ فوق لنفسك ، انت اخترت قبل كده ، واختيارك دمرنا كلنا ، مش ذنبنا انك دلوقتي رجعت في كلامك ، وانا مش حأجيء علي البنت الغلبانة دي مهما حصل .

ابتسمت رقية لصديقتها وقالت : يسلم فومك يا خديجة يا ختي ، بص يا شريف انا قلبي بيتقطع علي بنتي ، شمس اتوجعت كتير واستحملت كتير من بعد موت ابوها ، ومحدش ساعدها وانت اتخليت عنها ، قسما برب العزة لولا انك ابني وابن اختي وأقرب واحدة ليا ، أنا مكنتش خليتك عتبت باب الشقة تاني ، بس عشان غلاوتك انا أديتك فرصة تانية ، بس مش حاغصب علي بنتي حاجة ، وفِي الاخر اللي يرضيها حأعمله ليها ، كفاية بقا انا دوست عليها كتير ، ومش ناوية أدوس تاني .

أطرق شريف رأسه أرضاً وهو يشعر بالخجل الشديد ثم قال : هي فين دلوقتي .

فأجابته والدتها : في شرم الشيخ عندها شغل هناك ، حتقعد كام يوم وجاية ، لمعت عينا شريف بفكرة وقرر تنفيذها .

أنهت الفتاتان عشائهما ونهضتا من مكانهما للذهاب إلي المكان المخصص للعروض التي تقام يومياً للأطفال والكبار ، وأثناء ذلك وهما في طريقهما اعترضهما قصي ووليد ، ووقف الجميع معاً وبعد التحية قال وليد : ايه رايحين علي فين !

اجابته شاهي : رايحين نشوف الشو اللي هناك في المسرح .
وليد : طيب كويس واحنا كمان كنّا رايحين هناك .
حدقت به شمس وقالت متسائلة : ازاي يعني ، أنتم كنتم جايين ناحية المطعم ، يعني اكيد لسه حتتعشوا !.
تلعثم وليد ، فتحدث قصي سريعاً : لا احنا كنّا بنعمل جولة بس عشان نطمن ان كل حاجة تمام وبعد كده رايحين هناك ، وتقريباً خلصنا كان فاضل المطعم .
فنظرت له شمس بتحدي وهي تشعر بكذبه وقالت : يبقي مش حنعطلكم عن شغلكم وياريت بكره نكمل الاجتماع اللي حضرتك بوزته النهارده عشان ابدا الشغل ، بعد اذنكم .

ألقت بكلماتها وأمسكت يد شاهي وغادرت ، تاركة الرجلان يشعران أنهما قد حصلا للتو علي دشاً بارداً من التهزيق ولكن بشياكة ، نظر وليد لقصي وقال : غسلتنا ومشت وخدت شاهي معاها .

فأجابه قصي قائلاً : لا خلاص بقا انا مش حأتفاجئ انا من ساعة ما شفتها وانا بتهزق عادي .
ضحك الصديقان بقوة ثم قال له وليد : طيب انا رايح احاول اتكلم مع شاهي .
فابتسم له قصي وقال : بس بلاش تدلق بدري ، خليك تقيل ، انا حأروح اتعشي .. سلام يا روميو .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل التاسع

جلس قصي بمفرده يتناول العشاء ، وهو يفكر هل يذهب إلي الملهي قليلاً ؟، أم يصعد مباشرة لغرفته ويحاول النوم مبكراً ، ولكنه شعر أنه لا يريد أن يختلط بأحد الأن ويفضل ان يبقي بمفرده ، لذا من الأفضل ان يتجه لغرفته ، كان علي وشك الانتهاء من طعامه والنهوض ، عندما شعر بيد توضع علي كتفه وصوت أنثوي مثير يعرفه جيداً يقول : الملك قاعد لوحده ليه .


ترك شوكة الطعام من يده ومسح فمه بمنديل السفرة ، اما حسناء فجلست بجواره ووضعت يدها علي رقبته تحركها كما تشاء ، لذا أفلت المنديل من يده وأمسك بيدها وازاحها جانباً بدون حتي النظر إليها وهو يقول : عايزة ايه يا حسناء .

عادت تلك المرة لتتصرف بجرأة أكبر ووضعت يدها علي صدره تتحسسه وهي تمرر أصابعها بدون اي حياء قائلة : حأكون عايزة ايه يا بيبي .. أكيد عايزاك انت .. وحشتني .. بقالك يومين بعيد عني ، وخلاص مش قادرة استحمل اكتر من كده .

نظر لها قصي باشمئزار وقال : هو اللي حنقوله حنعيده والا ايه ، الزمي حدودك وأعرفي أنتي بتكلمي مين ، ومتنسيش نفسك .

نظرت حسناء نحوه ببرود شديد وقالت : بقا كده ، طب اسمع بقا يا بيه يا كبير ، مش حسناء اللي يتعمل معاها كده ، مش انا اللي تأخذني لحم وترميني عظم ، اصحي وفوق لنفسك ، انا مش واحدة من بتوع ليلة وخلاص ، ولو فضلت كده كتير ، متزعلش من اللي حيحصل ، والفضيحة اللي هأعملهالك .
حدق قصي بها بغضب شديد وقال : فضيحة ايه يا زبالة، انتي ناسية نفسك ، ناسية انتي جربتي ورايا ازاي ، ناسية مين اللي جالي الأوضة وكنت حتتجنني عشان تفضلي معايا .

نظرت له حسناء بدلال وقالت بصوت ناعم : لا يا بيبي مش ناسية .. فاكره كل حاجة .. بس اوعي تفتكر اني سهلة او مش عاملة حسابي ، ركز معايا يا حبيبي كويس عشان متلاقيش بكره خبر بالبونط العريض بيقول قصي الدالي يستدرج الفتيات بأسم الحب والزواج والوهمي ، بص الصحافة مش حتغلب اكيد حيعرفوا يحطوا عناوين تشد وتعمل فرقعة .

ضرب قصي المائدة امامه بقبضته بقوة وهو يقول : اه يا واطية .

حسناء ببرود : تؤتؤ تؤتؤ تؤتؤ كده عيب يا بيبي مش أخلاقك ، فكر في كلامي كويس وحأسيبك النهارده وبكره ميعادنا بالليل في أوضتنا مع بعض يا قلبي عشان نرجع ليالينا الحلوة .

ثم نهضت من امامه وأرسلت له قبلة في الهواء ، وهو يحدق بها ويتمني بأن يسحقها بقبضته وبغضب شديد قال : اه يا زبالة يا واطية ، بس انا اللي غلطان اني نزلت نفسي للمستوي الحقير ده .

وصل وليد إلي الحفلة ووجد شاهي تجلس بجوار صديقتها وهي تضحك ومستمتعة بعروض الساحر ، اتجه نحوهما وجلس خلف حبيبته ثم اقترب من أذنها وهمس فيها قائلاً : ينفع اتكلم مع القمر شوية !.

تفاجأت شاهي به واستدارت نحوه في خجل ثم قالت : اتفضل .
فأضاف : تؤتؤ مش هنا ، ممكن تيجي معايا نتكلم شوية لوحدنا .

نظرت شاهي له ثم التفتت نحو شمس وانتابتها الحيرة ولَم تعرف ماذا تفعل؟ ، حتي وجدت صديقتها تنهض قائلة : طيب انا حأقوم انام عشان عندي شغل بدري ، خليكي أنتي براحتك ، وأنا حأسبق علي الأوضة ، تصبحوا علي خير .

نهض وليد من مكانه وودع شمس ثم أمسك يد شاهي وقال : تعالي معايا .

غادرت شمس واختارت أن تسلك الطريق الأطول من خلال البحر لتذهب إلي غرفتها، فالوقت مازال مبكراً علي النوم ، ظلت تتجول علي الشاطيء حتي وجدت قارب خشبي كبير يرسو علي الشاطيء ، فقررت أن تصعد وتجلس به قليلاً ، كان الجو رائع ، ونسمات الصيف البارده تغازل وجهها وتداعب خصلات شعرها ، احساس غريب بالراحة والهدوء النفسي يصاحبها الأن، تشعر انها قوية ، ولا يوجد ما قد يكسرها ثانية.


كانت مستمتعة بكل ما حولها ، ظلت تتجول علي سطح القارب قليلاً ، بالرغم من أنه ذو طراز قديم ولكنه مجهز علي أعلي مستوي ، رائحة الخشب تصل إلي انفها وتستمتع بها ، السطح به مقاعد كبيرة علي الجانبين ، ثم هناك درج لتنزل إلي جوف القارب ، يبدو ان به حجرات وكابينة القيادة ، لم تحاول النزول ، لا يجب أن تتطفل أكثر من هذا ، هي فقط تريد الجلوس قليلاً والاستمتاع بالمنظر الجميل والجو الرائع ، جلست في أقصي القارب ، خلف الدرج ، بحيث تكون غير مرئية لمن علي الشاطيء وظلت تشاهد البحر والأمواج المتلاحقة ، ثم استلقت علي ظهرها لتستمتع برؤية السماء الزرقاء الصافية المزينة بالنجوم التي تبدو كمصابيح كثيرة مشتعلة ، ظلت هكذا حتي غلبها النعاس واستغرقت في النوم .


اصطحب وليد شاهي مرة أخري إلي الكوخ لتجد هناك امامه المدخل مزين بالأزهار .. والورود تفترش الأرض ، ومشاعل علي الجانبين من بداية الطريق حتي مدخل الشاليه وفِي التراس يوجد مائدة مزينة وبالورود والشموع ، وقفت شاهي مذهولة مما تراه ، لم تكن تتوقع أن يفعل كل هذا من أجلها ، أما هو فقد أمسك يدها ونظر في عينيها وقال : حأسالك سؤال واحد وعايزاك تجاوبي من غير تفكير .


نظرت له شاهي وشعرت برجفة في جسدها وأماءت برأسها وقالت : حاضر .

رفع وليد باطن يدها إلي فمه وأمطرها بالعديد من القبلات الدافئة ثم قال : بتحبيني وعايزاني والا لا .
زادت الرجفة في جسدها ، وانتابتها قشعريرة جعلتها تنتفض، حاولت ان تتكلم ولكنها تلعثمت ولَم يخرج أي شيء من فمها .

نظر لها وليد وذاب بعيناها أكثر ثم قال : طيب أنا حأقولك ... انا بعشقك يا شاهي .. عمري ما حبيت ولا حأحب واحدة غيرك ، انتي حبك عامل زي اللعنة اللي مقدرش أتحرر منه ، حاولت كتير انساكي ببنات كتير ... صدقيني مكنتش شايف ولا واحدة فيهم .. مفيش واحدة علمت فيا ولا خلتني انساكي لحظة واحدة .. اول ما شفتك تاني ، حسّيت كأني كنت لسه سايبك امبارح ، قلبي كان بيرقص من الفرح ، مسكت نفسي بالعافية اني اخدك في مكانك الطبيعي .. حضني .. انا بحبك يا شاهي .. بحبك ومش حأقدر ابعد عنك تاني ، ولا حأقدر استني ولا يوم تاني وأنتي مش جنبي ، انا عايزك معايا امبارح قبل دلوقتي ، عايز أعوض السنين اللي فاتت من غيرك .. قلتي ايه .


كانت شاهي تستمع لكلماته وهي تبكي وعندما انتهي ، نظرت له بعينين دامعتان ووضعت يداها علي صدره ثم بقبضتيها انهالت عليه باللكمات وهي تصرخ فيه قائلة : يا غشاش ... يا كذاب .. أنت ندل ... سبتني ٨ سنين أتعذب .. مفكرتش تكلمني مرة واحدة ولا تشوفني .. مسألتش عليا ، انت كذاب ، لو كنت بتحبني بجد مكنتش قدرت تعيش كل ده من غيري ، مكنتش قعدت كل الفترة دي محاولتش تكلمني ، جاي دلوقتي تقولي بحبك ، وكنت فين طول ال ٨ سنين دي ، وافرض مكنتش جيت كنت حتكمل عادي ، انت خاين وكذاب ، انت خدعتني ، قلتلي بحبك وعمري ما حأبعد عنك ولا اسيبك وسيبتني ، قلت مش حأخليكي تبكي في يوم ولا تندمي علي حبك ليا ، وجرحتني وعيشت سنين ابكي بسببك ، قلت انك مش حتسمح للحزن يقرب مني ، وخلتني احزن بسببك وكل يوم يعدي عليا من غيرك كنت بموت فيه ، انت كذاب .. كداب .


وقف وليد في صمت يستمع لها ، يتركها تفعل ما تشاء ، تخرج كل الغضب الذي بداخلها ، وعندما خارت قواها وقالت كل ما تريد ، احتجزها بين ذراعيه ، وهو يستنشق عبير شعرها ، وهمس في أذنها قائلاً : أنا كنت بموت في اليوم ألف مرة من غيرك ،قلبي نسي ازاي يدق تاني ، حياتي كانت مجرد وقت وبيعدي ، انا كنت بتعذب في بعدك ، صدقيني لو كنت أقدر ارجعلك كنت حأرجع من غير تفكير ، بس كل حاجة كانت صعبة ، سامحيني .. سامحيني علي اي دمعة نزلت .. وأي وجع حسيتيه ، سامحيني وخلّينا نبدأ من جديد .

تشبثت به ودفنت وجهها في صدره ، وضمته اكثر لها ثم قالت : انا بحبك يا وليد .. عمري ما حبيت حد غيرك ، ولا حأحب .

غادر قصي المطعم ثائراً ،يريد ان يحطم أي شيء أمامه ، حاول ان يستعيد هدوئه ولكنه لم يستطع ، لذا فضل الابتعاد عن الجميع ، انطلق نحو الشاطئ وهو يتملكه الغضب يفكر أن يذهب للفتك بتلك الفتاة ، ولكن لا يجب أن يدمر حياته من أجل فتاة رخيصة، يجب أن يجد الطريقة المثلي للتخلص من تلك الحسناء ، لذا قرر أن يأخذ القارب في رحلة إلي الجزيرة ، ليهدأ قليلاً ويستطيع التفكير بشكل صحيح .

صعد إلي القارب ونزل إلي جوفه ليتأكد من أنه مجهز بكل ما يحتاجه ، ثم دخل الكابينة وادار المحرك وبدأ رحلته نحو أقرب جزيرة (تيران ) ليرسو هناك ، ويتمتع بعزلته حتي يصل إلي الحل المناسب ، أضاء قصي الكشافات وزاد من سرعته ، وهو لا يعلم أنه ليس بمفرده ، وان هناك ضيف لم يكن في الحسبان .

استيقظت شمس من غفوتها في فزع ورعب شديد من صوت المحرك ، ولوهلة لم تدرك ما يحدث حولها وأين هي ؟ ، ثم تذكرت أنها صعدت القارب ويبدو أنها غفت ، تصلبت في مكانها لا تعلم ماذا تفعل ؟ ، لقد تحرك القارب ، والشاطئ يبتعد أكثر فأكثر وهي لا تجيد السباحة ، ولن تستطيع القفز في المياه في هذا الظلام ، وأيضا لا تعلم من يقود القارب ، وماذا قد يفعل بها ؟ ، انتابتها العديد من الهواجس التي جعلت الفزع يتملكها أكثر ، حاولت ان تسيطر علي أعصابها وتفكر جيداً ، أقنعت نفسها ان من يقود المركب بالتأكيد لم يراها ، وتلك هي فرصتها ، أن تختبئ في اي مكان حتي يرسو علي الشاطئ وتحاول التسلل دون أن يراها صاحب القارب ، نهضت سريعاً وحاولت البحث عن مكان جيد للأختباء ولكنه كان من المستحيل ذلك ، فسطح القارب كله مكشوف لا يوجد به مكان تستطيع ان تحتمي فيه ، لذا اعتمدت علي الظلام وجلست في مؤخرة القارب في انتظار ان يرسو حتي تهرب منه سريعاً .


مرت نصف ساعة وعندما شاهد قصي الجزيرة امامه دار حولها بالقارب ، ثم وقف في بقعة خاصة به ، يفضلها دائما ، وأطفأ المحرك ، ثم انزل المرساة ، وقرر أن يقضي بعض الوقت في هذا المكان ، كانت شمس تنتظر تلك اللحظة ، لحظة وقوف القارب ، اقتربت من السلم لتهبط ولكنها اكتشفت أنها ما زالت في عرض البحر ، وأن القارب لم يرسو علي الشاطئ ، بل علي مرآي منه ولكن يبتعد عنه قليلاً ، ارتعدت من الخوف وبحثت في حقيبتها عن هاتفها وعندما حاولت الاتصال ، لم تجد تغطية جيدة للشبكة ، فأعادته مرة اخري وبدأت تبحث عن خطة بديلة ، وعندما سمعت صوت قادم من أسفل ، عرفت ان أيا كان الشخص فهو سيصعد عما قريب ويكتشف امرها ، لذا لم تستطع أن تمنع نفسها من البحث عن اي شيء قد تحتاج أن تدافع به عن نفسها ، فهي لا تعلم من أي الكائنات هو .


ظلت تبحث حتي وجدت خزانة في مقعد القارب ، فأسرعت بفتحها وظلت تنبش داخلها في الظلام حتي ارتطمت يدها بشيء معدني طويل ، لا تعرف ماهيته ولكنه سيفي بالغرض ، أمسكته بحزم بين قبضتيها الأثنتان ووقفت مستعدة للمواجهة ، متسلحة بمبدأ ( الهجوم أفضل وسيلة للدفاع ) وظلت عيناها متعلقتان بالدرج ، منتظرة صعود من بالأسفل لتبدأ المواجهة .
رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل العاشر

وصل شريف إلي المنزل ودخل غرفته للنوم ولكنه ظل مستيقظاً علي الفراش يفكر في خطوته التالية ، هل يذهب لها ؟ ، ام ينتظر عودتها ؟ ، كان القلق يساوره لا يعلم لماذا ؟ ، كلمات والدته ووالدة شمس أزعجته كثيراً ، انه يحاول الا يستسلم لليأس ، ولكن الخوف استطاع ان يتسلل له ويداعبه ، لذا هو الأن في حيرة ، هل يتركها قليلاً حتي تهدأ ؟ ، ام يطرق علي الحديد وهو ساخن ! .


أوقف قصي المحرك ، ثم فتح الخزانة ليخرج منها ملابس اكثر راحة من الذي يرتديها ، خلع عنه القميص والبنطال والحذاء ، وارتدي فقط شورت قصير وحذاء رياضي خفيف ، ثم صعد الدرج ليصل إلي سطح القارب حتي يبحث في المبرد عن شيء يتناوله ، وصل إلي الدرجة الأخيرة وقبل أن يطأ بقدمه الأرضية ، لمح خيال يتحرك أمامه وفِي يده شيئاً يلمع في الظلام ، وبلا تردد أو أدني تفكير قفز نحوه يهاجمه وهو يصيح قائلاً : أنت مين ؟.


كانت شمس تقف متأهبة لما قد يحدث وبمجرد أن شاهدت هذا الرجل يصعد علي الدرج ، انتظرت حتي يكون في مواجهتها لتتحدث معه ، لم تتوقع أن يهاجمها عندما يراه ، لذا عندما شاهدته يسرع نحوها، وهو يصيح بها انتابها الفزع والارتباك ،وبلا وعي وكرد فعل سريع هوت علي رأسه بتلك القطعة الحديدية التي بيدها ، وهي تصرخ قائلة : ابعد عني يا مجنون .


ترنح قصي قليلاً ورجع للخلف وهو يمسك رأسه من الألم ، فتعثرت قدمه في الدرج ليهوي من عليه ويسقط في الأسفل ، أما شمس فكانت تشاهد هذا المشهد وهي ترتعد من الخوف وتحدث نفسها قائلة : يادي المصيبة .. مات !.. موته ... يالهوووي .. اعمل ايه انط في الميه والا أنيل ايه في عيشتي الهباب .

ظلت الأفكار تلعب بها وهي خائفة من عواقب فعلتها ، وبدأت تقترب من الدرج رويداً ، حتي وصلت إليه ونظرت في الأسفل لتشاهد المصيبة الأكبر ( قصي الدالي ) ، لم يكن مجرد شخصاً عادي ، لم يكن أي شخص ، بل كان قصي ، ما تلك الصدف الغريبة ؟ ، وماذا ستفعل الأن ؟ ، فزعت شمس بمجرد رؤيتها له ممدداً في الأسفل ، فهرعت نحوه سريعاً وجلست بجواره علي الأرض تحاول إسعافه .. في البداية تحسست النبض حتي تأكدت أنه مازال حي ، ثم سمعت صوته يتأوه من الألم ، فقالت له والخجل يملؤها : أنت كويس .. في حاجة بتوجعك .

فتح قصي عيناه ببطء ووضع يده علي رأسه ليجد بضع قطرات الدماء في يده ثم نظر لها وقال : واحد مضروب علي رأسه بماسورة ، ووقع من علي السلم عظمه اتفشش ، ورأسه بتجيب دم ، تفتكري حيبقي كويس !!.

تلعثمت شمس قليلاً وازداد خجلها مما فعلت ثم قالت : والله أنا مكانش قصدي .. انت خضتني معرفتش اتصرف ، غصب عني ضربتك .
نظر لها قصي متألماً وقال : والله .. انا اللي خضيتك !، وحضرتك لما تطلعي ليا في الظلمة وماسكة في ايديك ماسورة والا حديدة ده اسمه ايه !، وأن أصلاً سيادتك تبقي موجودة علي المركب من غير ما أعرف ده ايه بالضبط .

حاولت شمس ان تبرر تصرفها ولكن مهمتها كانت صعبة : طبعا انا لو حلفتلك ميت يمين ، ان انا ما اعرفش المركب دي بتاعة مين ، ومكانش قصدي خالص اضربك ، ومكنتش شايفة اصلاً انا بضرب مين ، مش حتصدقني صح ! .

رفع قصي حاجبه وقال بسخرية : أنتي شايفة ايه !.
فأجابته بعفوية : وهي دي فيها شايفة ايه .. حأكذب يعني .. لا طبعا متصدقش ... مفيش عيل أهبل حيصدق اصلاً .
حدق بها وقال بحدة : عيل أهبل .

فتلعثمت قليلاً وقالت : لا مش قصدي انت .. أنا قصدي ان الكلام حتي العيال الهبل مش حتصدقه ... يووووه .. بص بقي ، انت صح وعندك حق متصدقش ، انا اصلا هبلة .. واحدة راجعة اوضتها وشافت مركب تقوم طالعة فيه زي العبيطة كده ، لا ومن غبائي كمان أنام .. يعني مشافهمش وهو بيسرقوا .. شافوهم وهما بيتقاسموا .. لا الصراحة انا استغبتني ، بس والله انا طلعت اتفرج بس عليه وعجبني المنظر فقعدت ونمت ، مكانش قصدي بقا كل اللي حصل ، أنا أسفة بجد .

_ هششششش ينفع تسكتي شوية وتساعديني أقوم .

نظرت له شمس بارتباك وقالت : اه صحيح .. أنا أسفة نسيت ، ثم حاولت أن تساعده علي النهوض ولكن كلما حاولت أن تقترب منه كانت يداها ترتجف من مجرد فكرة ملامسة جذعه العاري ، شعرت بالخجل الشديد ، حاولت أن تمسك يده فقط ولكنه كان مترنح بشدة من اثر السقوط والإصابة التي في رأسه .

فطن قصي ارتباكها ومحاولاتها الا تلمس جسده ، وساوره شعور غريب بالحيرة من هذه الفتاة ، هل يعقل ان تكون بكل هذا الطهر ؟ ، ايعقل انها تخشي ملامسة رجل حتي ولو لمساعدته !، وماذا عمن ترمي بجسدها في فراشه ، وتتعمد ملامسته طوال الوقت ، هل هي بريئة إلي هذا الحد ؟ ، أم فقط ممثلة بارعة تؤدي دور الفتاة الخجول ببراعة .

لم يستطع الحكم عليها ، كان الامر ليس هيناً عليه، خاصة مع كل تلك الفتيات اللاتي يراهم أمامه ، لذا تعمد إرباكها اكثر فصاح بها قائلاً : هاتي ايدك يلا أنا جسمي وجعني من الأرض ، ساعديني .

مدت شمس يدها له ليتكأ عليها ولكنه أخذ ذراعها ووضعه حول جذعه ثم اتكأ علي كتفها ورفع نفسه قليلاً ، كان جسديهما ملتصقان ، يدها حول جسده ، أناملها ترتجف من لمسه .. عضلاته زادت من توتر جسدها فارتجفت بشدة ، وبحركة مفاجئة ابتعدت عنه .. وتركته يسقط مرة أخري علي الأرض .
_اااااه ... الله يخربيتك يا شيخة ، انتي حد مسلطك عليا ، انتي مصممة تعملي فيا مصيبة النهارده صح !.

وقفت شمس تنظر اليه وقد توردت وجنتاها خجلاً وعجز لسانها عن الحديث ، ثم التفتت حولها وعندما وجدت مبتغاها ، هرعت نحوه وعادت تمسك بقميص وهي تنظر في الجهة الأخري قائلة : خد البس ده .

قطب قصي حاجبيه وزاد احساس الحيرة بداخله ثم قال : ليه ؟.
_معلش لو سمحت إلبسه عشان اقدر اساعدك
ضحك عالياً ثم قال : ايه الحلوة بتتكسف ، ليه عمرك ما شفتي راجل مش لابس قميص .

حدقت شمس فيه بعينان غاضبتين،ثم قالت : وانا حأشوفه فين أن شاء الله ... بقولك ايه خلصني وأنجز انا مش ناقصة .

صمم قصي من داخلها أن يعلم حقيقتها جيداً فقال والالم بادي علي وجهه : طب ممكن تلبسيني القميص عشان مش حأقدر البسه لوحدي .
تأففت مما يحدث لها وحدثت نفسها : ايه ياربي المصيبة دي .. اجمدي كده يا شمس وبيني ليه انك راجل ولا يفرق معاكي حاجة ، ثم اقتربت منه وهي تمسك القميص بأطراف أناملها وتمد يدها به للأمام نحوه كأنها تحاول الا تقترب كثيراً ، مما جعل قصي يقول : حد قالك اني عندي مرض معدي والا حاجة ، مالك يا بنتي هو انا جربان .. بتعملي كده ليه .

_ممكن تخلص وتبطل تتكلم كتير مد ذراعك يلا .... التاني كمان .

استطاعت ان تجعله يرتدي القميص ثم ساعدته علي النهوض ليستلقي علي الأريكة التي بغرفة القيادة ،وقالت : فين علبة الإسعافات .
أجابها قصي وهو ممدد :هناك في الدولاب ده .
احضرت شمس الإسعافات وجلست بجواره، عاينت الجرح وبدأت في تنظيفه ثم تضميده ، وعندما انتهت اخيرا قامت بإعطائه مسكّن للألم : حاول ترتاح شوية عشان تقدر تسوق المركب وترجع بينا .
لم يستطع قصي المجادلة لقد كان مجهد بالفعل ، يشعر بدوار شديد والالم يجتاح كل جسده ، اغمض عينيه في سكون وغط في النوم ، أما هي كان الأرهاق قد تملكها ، لذا تجولت في القارب تبحث عن مكان تنام به وعندما وجدت غرفة بها فراش ، ألقت بجسدها عليه بلا تفكير وغلبها النوم سريعاً .

داعبت نسمات الربيع البارد وجهها ، وانضمت له خيوط النهار تدغدغ جفونها... فتحت عيونها ببطء شديد .. وبدأت تستعيد وعيها تدريجياً ، وتذكرت كل ما حدث ليلة أمس ، ثم انتفضت مذعورة وهي تقول : شاهي ... يادي المصيبة ، دي حتقتلني .

ظلت تفتش حولهاعن حقيبتها وعندما وجدتها أخرجت الهاتف وحاولت الاتصال بصديقتها ولكن لم تجد تغطية للهاتف ، انتابها الخوف مما قد تفعله شاهي عندما لم تجدها ، وتمنت ان لا تقوم بفعل شيء يثير قلق الجميع وأولهم والدتها .

ثم نهضت من الفراش وقررت أن تذهب للأطمئنان عليه ، وبالفعل توجهت إلي كابينة القارب ، وألقت نظرة عليها فوجدته مازال مستغرقاً في النوم .. لا تعلم لما وقفت تتأمله ؟ ، وجهه البرونزي .. انفه الذي يشبه انف الرومان .. شعره الناعم الطويل الذي يضفي عليه مزيد من الجاذبية .. جسده الذي يبدو أنه يعتني به جيداً ويتدرب كثيراً ، عضلات صدره البارزة ، نعم هو يمتلك وسامة وجاذبية شديدة ، تذهب عقول الفتيات ، لا تستطيع انكار هذا ، لقد تأثرت هي أيضا به ، وتشعر بانجذاب قوي نحوه ، بالتأكيد ليس حب ولا أعجاب ولكنه استطاع ان يثير أحاسيس عديدة بداخلها ، استطاع ان يربكها ، هي فقط منجذبة نحوه ليس الا .


ظلت شاردة هكذا مع خيالاتها حتي انتبهت علي صوت : أنتي حتفضلي تتفرجي عليا كده كتير .

انتفضت شمس وزاد ارتباكها ثم أجابت قائلة : ايه ... لا ... لاااا.. انا كنت ... انا كنت بطمن عليك وبشوفك صحيت والا لسه .
_ بتطمني عليا ااه ، واطمنتي !
شمس وهي تمرر أصابعها في شعرها بتوتر : انت عامل ايه دلوقتي ؟.
قصي وهو مغمض العينين : مصدع شوية .. حاسس بدوخة .
_ الف سلامة عليك .. طب ارتاح وانا حأشوف حاجة تأكلها .

غادرت شمس الغرفة وتركته وحيداً لتبحث عن طعام في القارب ، اما قصي فقد نهض من علي الأريكة واعتدل في جلسته ، وشرد قليلاً يفكر في حاله ، وما اصابه مؤخرا ، أصبح يكره كل شيء حوله ، حتي ما كان يرغب به لم يعد يطيقه ، وأولهم حسناء ، تلك الفتاة اللعوب ، قلبه يحدثه ان وراءها سراً كبير لا يعلمه بعد ، ظل هكذا إلي أن عادت شمس ومعها بعض المأكولات الخفيفة وعلبتين صودا .


جلست بجواره بعد أن احضرت منضدة صغيرة ووضعتها امامهما ، ثم رتبت الطعام وجلسا يتناوله ، وبعد ان انتهيا منه قالت له: ايه رأيك نطلع فوق تقعد في الهوا والشمس شويه ، تعال وأنا حأسندك يلا ،نهض قصي معها وصعدا سوياً وجلسا علي حافة المركب يتأملان البحر ، كان مازال شارداً قليلاً ، نظرت هي نحوه وشعرت بأن هناك خطباً ما فبادرت بسؤاله : مالك !، في حاجة مضايقاك .


نظر نحوها ورأي لمعة غريبة في عينيها لم يلحظها من قبل ، مشي بعينيه علي تفاصيل وجهها وهو يحدث نفسه قائلا: مين قال أنها مش جميلة ، اه هي مش زي البنات اللي جمالهم يدوخ ، بس هي ليها جمال خاص بيها ، براءة وشها ، طفولتها ، الطيبة اللي في عينها ، والراحة اللي تحسها بمجرد ما تسمع صوتها ، جمالها مختلف ، جمال يتحس مش يتشاف ، ثم انتبه علي صوتها تقول : ياااه انت سافرت كله ده ، رحت فين !.

عاد قصي يشاهد البحر : مش عارف ، دماغي مشغولة بحاجات كتير اوي .

ابتسمت بهدوء وقالت : طب بما أننا شكلنا هنطول هنا ، فممكن تستغلني وتقعد تشكي همك ، متخافش انا بسمع كويس اوي ، وممكن كمان اقدر اساعدك .

تنهد قصي وزفر انفاسه بقوة ثم قال : افضفض .. ياريت بالسهولة دي .
_ وايه اللي حيخليه مش سهل ، بص احلي حاجة في الفضفضة لما تكون مع حد غريب ، حد ممكن يبقي شايف الموضوع من زواية مختلفة ، حد احتمال ماتشوفوش تاني ، ده حيبقي مريح اكتر .
شعر قصي بغصة في قلبه عندما سمع اخر جمله قالتها ولكنه لن يعير انتباهه لما يشعر به ، فهو ليس في حالته الطبيعية الأن : تفتكري ممكن تفيديني !
شمس بمرح : جرب حتخسر ايه ، يوضع سره في أضعف خلقه .
قصي بحذر : بس بشرط .

_ أشرط يا سيدي .

_ مش عايز احكام ، تسمعي من غير ما تقاطعيني او تقعدي تنظري عليا .
اشارت شمس إلي قلبها وقامت بعمل أشارة x عليه وقالت : وعد مني .. وشرف الكشافة مش حأحكم عليك .
نظر لها قصي وهو يفكر هل يسرد لها كل شيء ، ام لا ، وهل ستتقبل ما سيخبرها به أم ماذا ؟ .

iklan banner

Abdulrhman Sayed
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع قصص وروايات .

جديد قسم :