رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصول 1-10


رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل الأول



هاج وثار وكأنه ثور يلوحون أمامه بإحدى تلك الأقمشة الحمراء التى تثير هيجانه أكثر وأكثر ... هرول إلى شركة جده مقتحما مكتب الرئيس التنفيذى الجديد الذى كان سابقا مكتب جده ... بغضب عاصف و نار تهدد بحرق الأخضر واليابس معها ... ووجه ينذر بأن صاحبه سيفتك ويمزق بانيابه كل من سيقف أمامه فى هذه اللحظة بالذات .... فلم يستطع أحد إيقافه او منعه من الدخول او بمعنى أقرب لم يجرؤ أحد على الوقوف لمنع أسد آل سيوفى من الدخول وهو فى أوج غضبه ... وملامحه التى تنبض بالشر ...
انتفضت علا من مكانها بقوة وهى تنظر برعب واعين مهتزة للعاصفة الهوجاء التى اقتحمت غرفة مكتبها الجديد ...
وقفت بثبات وعيناها لم ترجف حتى لاستقبال موجة غضبه تلك بقوة عازمة على عدم اظهار رجفتها الشديدة من هياته تلك التى تنذر بالخطر ... وهى تتفحص وتتشرب من ملامحه بتركيز شديد ....


عيناه حادة غاضبة ووجهه أصبح محمرا للغاية كعادته عندما يغضب و تصل الدماء إلى وجهه وكأنه بركان على وشك إخراج حممه...
منذ ان عقدت الاجتماع مع المستثمرين وأصحاب الأسهم منذ ثلاثة ايام وهى تقوم بتهيءة نفسها لاستقبال جام غضبه ... لا لن تتراجع ... فلقد فات أوان التراجع ....
خطوة واحدة فقط ... خطتها بإحدى قدميها للخلف ... وهى تبلع ريقها ما ان نظرت لوجهه الذى حاول بل حارب حتى يصبح هادئا...
وصدره الذى يعلو وينخفض يظهر مدى غضبه ...
صرفت علا بيديها السكرتيرة الجديدة التى قامت باختيارها خصيصا اليوم فهى لا تريد اى موظفين بالقرب منها ينتمى لسليمان الحسينى ...
صمت ... وهى نظرت إليه بترقب واعين خبيثة تخفى ما يعتمل فى صدرها
قائلة بمنتهى الهدوء
" كيف حالك يا وسيم "
راقبت صمته بترقب ...
تبعت كلامها وهى تجلس بارياحية مطلقة على الكرسى خلف المكتب وكأنه عرش مملكتها ناظرة إليه بتعالى مختلف تماما عن خوفها و ذعرها الذى تخفيه .. من هيئته المتوحشة
" تفضل بالجلوس ... يا سيف السيوفى "
نادته باسمه وهى تسبل اهدابها ...
لوى فمه ... يراقب حركاتها بأعين صقر يتربص لفريسته...
وبغضب مكتوم وصمت عميق سألها
" ماذا تفعلين فى مكتب اسيادك "
بلعت اهانته بهدوء تام ونبرة ناعمة سألته
"للاسف لقد انتهى عصر الاسياد والجوارى... كل شخص يصل الى مكانة عالية يصل إليها بمكانته ...
ثم سألته بغموض
هل هو كثير على ..."
ظهرت ابتسامة سخرية على وجه سيف ...
لكنها تابعت بتملك..
"لقد كانت دائما هذه مكانتى... ولو إننى لا استحقها ما كنت وصلت إليها ... لقد تم اختيارى من قبل المساهمين فى هذه الشركة "
هتفت بكلماتها ورفعت رأسها بغرور... ابتعدت عن كرسيها و دنت منه ببط وخيلاء وهى ترفع ذراعيها محيطة به رأسه ... ثم اقتربت برأسها منه وبحفيح أفعى ...
" لو كنت استمعت إلى سابقا لكنت انت الآن من تجلس على هذا الكرسى ... لو كنت معى ... لكنت اوصلتك إلى القمة .. انا وأنت متشابهين للغاية "
تابعت وهى تمرر بشفتيها بالقرب من ثغره ...
" تعلم انك لو كنت فقط معى ... لما أصبحنا يوما هكذا ... تعلم إننى أحبك .. "
أمسك بكوعها بقبضة شديدة وبقوة دفعها بعيدا عنه ... صرخت من شدة قبضته ما ان دفعها...اتسعت عيناها دهشة .... ومررت أصابعها على كوعها تحاول تخفيف الألم ...
" أن ..كنت. سأصل للقمة لن أصل لها بمساعدة امرأة قذرة مثلك "
اصتك باسنانه على كلامته التى خرجت وكأنه أسد يزاءر تابع و ذراعيه مرفوعان عاليا
" أنا وانتى نعلم جيدا كيف وصلت علا ... إلى هذا الكرسى ... "
اقترب منها وكأنه أسد غاضب يكشر عن أنيابه ... جعلها تتراجع للخلف مع كل خطوة يخطوها بقربها وعيناها متسعتان رعبا
صرخ ... صرخ بكلماته
" أنا وانتى نعلم كيف وصلتى إلى هذا الكرسى ... بقذارتك وصلتى إلى هذه المكانة ... زواجك من رجل أعمال كبير ضمن لك عدة أسهم ما ان طلقك ... لقد كنتى بالنسبة له مجرد امرأة لإشباع رغباته ..."
اصتك على كلماته
وبسرعة أمسك برسغها بقوة وهى تءن ألما من قبضته التى تكاد تكسر عظامها
" أما انا أن جلست على هذا الكرسى سيكون لأنه لى ... لى انا ... افرحى. .افرحى به قليلا ...
اقترب بفمه من إحدى اذنيها متابعا
" فمثلما سمحت ليكى بالجلوس عليه ... انا أيضا من سيبعدك عنه ... وحينها ... حينها ساسحقك بقدمى هاتان كالحشرة "
غضبت حتى وصل غضبها لعنان السماء وهى تدفعه بقوة بعيدا عنها لكنه لم يتراجع بل ظل كما هو حدق بها بشر ... و دنا من باب غرفة المكتب
لكنها اوقفته وهى تصرخ قائلة
" نعم ... نعم ... قذاراتى هى ما اوصلتنى إلى هنا ...
وبنبرة خفيضة للغاية قالت
"لذلك أحذر من قذاراتى قبل أن تصل إليك ...
وبنبرة لا تخلو من التهديد
" اهتم بزوجتك جيدا ... و بطفلك"
التمعت عيناها بانتصار ... بانتصار شديد وهى تلمح نظرة الرعب ما ان نطقت بكلماتها ... وبلمح البصر كان قد وصل إليها ويداه تقبضان على رقبتها خانقا إياها وهى تكافح بكل قوتها للخلاص منه لكنها لم تفلح ...
وبنبرة مهددة غاضبة صرخ
" اياكى... ثم اياكى ذكر زوجتى هل فهمتى ... أن خدشت فقط ساقطع يديك هاتان وساجعلك عبرة لكل من سيجرؤ على أن يلمس من ينتمى إلى "
أبعد يديه عنها وبقرف نظر إليها وهى تحاول أخذ أنفاسها ... وعيناها متسعتان بعد ان قاربت على رؤية الموت بأم عيناها ...
اجفلت ما ان استمعت إلى صوت إغلاق الباب الذى أغلق بقوة ...
كسرت أول شئ أمسكت به يديها وهى تصرخ بقهر ... جاءت على أثره مساعدتها ... التى لم ترحم من غضبها العاصف... وهى تسب وتلعن بوعيد وجنون



" أين كنت "
سأله ماجد بقلق
زفر سيف بضيق وهو يمرر يده على وجهه يحاول التماسك وكبح غضبه ...
راقب ماجد صديقه ... وهو يلوم نفسه بشدة ... فهو الملام لم يضع علا تحت انظاره جيدا الفترة الفائتة .. لم يتوقع يوما انها قد يصل بها الأمر وتحاول الوصول الى كرسى الرئيس التنفيذى ...
" سيف انا حقا آسف ... كان يجب على وضعها تحت انظارى...انا الملام من كل هذا "
نطق بها ماجد بخفوت وأسف شديد
" لم يعد يفيد الأسف ... يجب علينا التفكير جيدا وأبعادها عن طريقنا ... وإيجاد الطريقة التى نستطيع من خلالها أقصاها من المنصب "
قالها بصوت عميق لا يخلو من الغضب
اؤما ماجد برأسه ...فتابع سيف يسأله بنبرة حادة
" هل لديك أية اقتراحات "
" نعم ... هتف بها ثم صمت قليلا ...فتابع ما ان رأى نظرات سيف المحدقة به
" لقد عرفت انها استطاعت الوصول إلى المنصب من خلال تصويت معظم أصحاب الأسهم لها ... ونحن نستطيع أقصاها .. وحلولك انت مكانها بطريقة واحدة "
قالها ثم نظر تالى سيف ... الذى رفع إحدى حاجبيه بتمعن وتفكير
فاضاف ماجد بسرعة
" أن نقوم بعمل اجتماع مع أصحاب الأسهم واقناعهم بأنك الأحق ..."
أبتسم سيف بتهكم وهو يردف بنبرة ساخرة ...
" وهل نستطيع جمعهم الأمر سيستغرق وقتا بالإضافة إلى انه من المحتمل أن يرفوضوا "
قاطعه ماجد بسرعة وهو يقول بإصرار
" لا لكن هناك أغلبية المساهمين الأجانب لم يحضروا ولم يوقعوا على قبولهم لها ... ونحن سنحاول إقناعهم "
صمت سيف قليلا ... ثم هو رأسه بسرعة قاءلا بثقة
" ساسافر انا بنفسى إليهم "
سحب سترة بذلته بسرعة ولم يمهل ماجد فرصة الرد ... وهتف وهو يستعد للخروج من المكتب
" ماجد ... قم بجمع أسماءهم ..وعناوينهم. ..أريد أن أجد ملف بهذا على مكتبى اليوم "
هتف بكلماته وخرج مسرعا من غرفة المكتب صافعا بابه بقوة ...
.. لقد بذل كل جهده .. حفر باصابعه فى الصخر حتى يستطيع ان يصل إلى المنصب والمكانة التى تمناها... ولن تبعده امرأة عن ما أراده دوما

جلست وهى تراقب القوارب الصغيرة و عدد من السفن التى تحمل عدد من الثنائيات ... الذى يعبر كلا منهم عن حبه للآخر بطرق مختلفة ومتعددة .. بعضهم يمسك بيد الآخر بقبضة تمليكة... واخرين ينظرون إلى بعضهم بهيام. .. وعشق لم تستطع السنتهم البوح به ...
تنهدت بضعف وتشدقت بابتسامة ساخرة ... وهى تؤكد فى داخلها ان بعض هؤلاء العاشقين لن تكتمل قصص عشقهم وإن كانوا جميعهم...
"نورا"
اجفلت نورا فى مكانها ما ان استمعت لنبرته الدافئة التى نادت باسمها ...
حاولت رسم ابتسامة على وجهها ونظرت إليه وكأنه أخ لها ...
جلس قبالتها و وجهه تعلوه ابتسامة ... قبالتها هى الأخرى بابتسامة أخوية مماثلة
تكلمت هى أولا بهدوء ونبرتها الناعمة
" محمود ...كيف حالك!! .. ارجو ألا أكون قد ازعجتك "
حرك رأسه نفيا وأكد نفيه قائلا
" ما هذا الذى تقولينه يا نورا انا فى خدمتك دائما "
ابتسمت بسعادة ... فلطالما كان محمود هو الأقرب إليها منذ ان تعرفت عليه من خلال فيروز واخاه سليم ... محمود الرجل والشاب الذى كان يقف بجوارها دائما... ولم يتوانى يوما عن مساعدتها او تلبية طلباتها.... وهى ما ان اتصلت به بعد ما حدث فى منزلها و اكتشافها ان روز ما زالت على قيد الحياة ...وهو اجاب على اتصالها بسرعة وسالته ان كان يعلم بمكان روز ...
أخبرها بعدم معرفته ... لكنه أيضا قال بأنه سيعلم أين هى ... وسيخبرها ... واليوم صباحا أخبرها انه قد علم بمكان روز ويتمنى أن يقابلها ... رغم أنها استغربت من طلبه .. لكنها أيضا لم ترفض ...
فقالت هى بهدوء لا يخلو من بعض الارتباك
" بالتأكيد تعلم بعلاقتى المضطربة مع مراد منذ فترة ... لذلك انا لم أجرؤ على سواله عن مكان روز ... وكذلك الباقين فأنا قد قطعت علاقتى بهم منذ ان توفيت فيروز ... ولم يبقى أمامى غيرك انت .. فأنت لم تكن مجرد صديق بالنسبة لى بل أيضا أخ يساندنى ما ان أحتاج إليه "
أخ ...لطالما كان بالنسبة لها مجرد أخ ... فعل الكثير لكنه لم يستطع الوصول إلى رتبة أكثر من هذه ...
تنهد بخفوت ونظر إليها بنظرات يخفى بها ليالى شوق... إلى من خفق قلبه أول مرة بسببها ...
وقال بنبرة مرحة واعين لامعة تشبه تمام الشبه بابنه الذى ورث كل شى منه
" ساقولها لك مرة أخرى يا نورا ... انا دائما فى خدمتك وتحت امرك ... سليم هو الوحيد الذى كان يعلم بمكان روز لذلك استطعت أن اعرف منه عن مكانها "
تابع كلامه وهو يقرب منها ورقة مطوية ... أخذتها منه بسرعة .. ووضعتها فى حقيبتها ... وبحركة هادئة وقفت مبتعدة عن كرسيها ...
وهى تقول بشكر غامر وهى تمد له يديها
" شكرا لك ..يا محمود انا لن أنسى يوما ما فعلته معى ... حقا شكرا لك "
وبيد مرتبكة ... تكاد تتراجع ... حاوط أصابعها بيديه ...وهى بتلقائية أبعدت اصابعها عن يده وتحركت مبتعدة عن الطاولة وعنه ...
ابتلع ريقه بألم ... وبدون ان يشعر أبت الذكريات إلا أن تأتى وتلاحقه فى هذا الوقت بالذات ... لكى يتذكر ما عاش ما بقى من عمره محاولا أن ينساه ... حبه لنورا... وابتعاده عنها فقط من أجل صديقه وابن عمه مراد ... مراد الذى لم يجرؤ أحد يوم الوقوف أمام شى تمناه واراده...
مراد أحب نورا مثلما هو أحبها تماما ...
لا يستطيع أن ينسى ذلك اليوم ذلك اليوم بالذات ...
الذى دلف به إلى مكتب مراد الصغير الذى كان أول عمود لبناء شركة المحامة الخاصة به الآن ... كانوا الخمسة متجمعين فى مكتبه وهو دلف إليهم بأعين عاشق ولهان ... قد استبد به العشق والوله ... وهم بحكم أنهم أصدقاءه ... راقبوا ابتسامته وعيناه الخضراء التى تكاد تصرخ من عشقها ...
لم يتركوه يجلس سالما ... بل ظلوا يلحون عليه ...حتى أخبرهم ... وياليته لم يقل ... يا ليته لم ينطق .. ياليت .. كلمة لن تنفع ابدا ...
" سأذهب لخطبة نورا اليوم "
قالها بسرور بالغ
" نورا من؟؟!! " سأله مراد بارتباك
" نورا صديقة فيروز " أجابه محمود
" نورا ابنة السائق!! " قالها مراد بسخرية
جعلت جميعهم يعقدون ما بين حاجبيهم بتساؤل. .. لكنه بلع سخريته ... ونظر إلى أصدقاءه
...الذين بداو يعبرون عن سعادتهم بطرق مختلفة ... سليم الذى تفاجأ بقراره لكنه رغم ذلك احتضنه بقوة ... وعادل الذى احتضنه... وياسين الذى ظل يدعو له أن تكون هى الزوجة الصالحة ...إلا هو ... مراد الذى كان يجلس بتصلب وبدلا من ان يهناه سأله
" وهل والدتك موافقة؟؟! " سأله مرة أخرى بوجه مضطرب
أستغرب محمود ... واستغربوا جميعهم من سؤال مراد
لكنه أجابه بابتسامة معبرة عن سعادته
" بالطبع .. لماذا ترفض !!.. بل انها موافقة وبشدة ...وخصوصا عندما أخبرتها بكل شئ عنها ... وهى فى غاية السعادة "
وفى نفس اليوم ... نعم فى نفس اليوم ... وربما بعد ما أخبره بقراره بساعتان... ساعتان فقط ... وجده يدلف إلى منزلهم حيث كانوا جميعا مستعدين للذهاب إلى منزل نورا ... وكلا منهم سعيد ...
وبمنتهى البرود هتف
" لقد خطبة نورا ... وقد وافق والدها .. و الزفاف خلال أيام "
صمت رنان أطبق على المكان وجميعهم ينظرون إليه بدهشة ... وتساؤل ... تساؤل غريب اجتاحهم ... الجميع يعلم انه انانى.... لكنهم لم يعتقدوا انها قد يصل إلى هذه الدرجة ...
اخرجهم جميعهم من صمتهم وهو يهتف بسعادة وغرور
" الن تباركوا لى .. ام إننى لا أستحق مثل محمود "
نظروا إلى بعضهم ... حتى كان والدهم هو البادى... احتضن الحاج رشاد ابن أخيه وبارك له رغم حزنه على ابنه الآخر ... وتبعه الباقون والدته ...أخاه ... وحتى أصدقاؤه ... لكن هو ركض ... ولم يستطع البقاء ومشاهدة ما يحدث أمامه ببرود ... لكنه استسلم عندما علم بأن نورا موافقة على الزواج منه ...
الشئ الوحيد الذى أعتقد انه السلوان له عندما علم من نورا نفسها انها موافقة وتحب مراد ...
وخلال ايام فعلا تم الزفاف وأصبحت نورا ملكا لمراد السيوفى فقط ... واصتكت بصك ملكيته ...
وضع يده حيث موضع قلبه ... قائلا فى نفسه بألم
" اه ...ما زال قلبى يدق بقوة ..ما ان يلمح طيفك .. لست حزيناعلى نفسى يا نورا ... لكنى حزينا عليكى ... انتى لم تكونى تستحقين رجلا مثل مراد ... انا لا اعيب صديقى ... لكنه جرحك وخصوصا عندما تزوج عليكى .. امرأة أخرى "


استقلت نورا إحدى سيارات الأجرة ما ان خرجت من المقهى الصغير الذى كان على النيل ... و املت للسائق عنوان الفندق ...
أدار السائق سيارته وانطلق حيث امرته السيدة ...
وهى جلست بالخلف و ارجعت رأسها قليلا واستندت على ظهر المقعد ... أبت الذكريات إلا ان تلاحقها فى هذا الوقت ... تذكرت كل شى ... تذكرت من كانت قبل ان تقابل مراد ... ومكانتها التى ارتفعت بلمح البصر ما ان تزوجت به ...
والدها كان يعمل سائق لدى والد فيروز ... وبالأخص كان سائق السيدة الصغيرة ... كان مسئول عن توصيل فيروز إلى اى مكان تريده ... يذهب بها إلى المدرسة ... وهى باسلوبها التلقائي وطريقتها المرحة استطاعت التقرب من السائق العجوز وأخبرها انه لديه ابنة فى مثل سنها تماما ...
بالطبع لم تمهل فيروز الأمر ... أصرت عليه ان يعرفها بابنته... تعرفت نورا بفيروز ومع مرور الوقت اصبحتا الاثنتان أكثر من صديقتان بل يكادان يكونان أخوة ...
وباصرار وتصميم من فيروز تم نقلها إلى مدرستها ... ومنذ تلك اللحظة وهى تتعلم كل ما يخص الطبقة المخملية الأنيقة من عادات ... كانت تحضر دروس اللباقة والإتيكيت معها .. تعلمها كيفية التصرف بدقة وذوق متناهى... حتى تحصل على تقدير واحترام الجميع لها ...
... فالسيد سليم ما ان رأى طريقة ابنته الهوجاء التى تكاد تقارب تصرفات الصبية بسبب وفاة والدتها وهى صغيرة ... حتى بحث عن امرأة تعلم ابنته جيدا كيف تكون امرأة
... ماذا ترتدى .. كيف تمشى ... واخرين .. لتعليم العزف على البيانو والكمان وغيرها من الآلات ... ومن أجل تشجيع ابنته المتمردة ... قامت هى بمشاركتها فى حضور جميع الحصص مجانا هبة من السيد المبجل سليمان الحسينى ...
ما زالت تتذكر تلك المرأة التى قامت بتعليمهم كيفية المشى الصحيح ... الظهر مشدود لكنه أيضا ليس منحنيا او متصلب... كانت تقوم بوضع عدد من الكتب فوق رؤوسهم بالإضافة إلى ذلك الكعب العالى الذى كاد أن يقسم ظهورهم ما ان يرتدونه....
أنهت معها الجامعة ... وما ان حصلت على شهادتها الجامعية حتى تم الحاقهما للعمل والتدريب فى الشركة الرئيسية ....
وهنا كانت بداية كل شى ... بداية قصة فيروز ... وقصتها هى ... لم تكن تعلم ما يخفيه لها القدر ... قصتها التى حملت المعاناة والحب ...
فيروز فى اول ايام عملها فى الشركة تعرفت على مارسيل أخ روز الذى كان والده مساهم من المساهمين الأجانب فى الشركة ... علاقتهم توطدت واصبحا قريبان للغاية من بعضهما بطريقة ارهبتها هى شخصيا ... فيروز تعاملت مع مارسيل بطريقة عفوية للغاية ... لكن مارسيل لم يتأخذها يوما هكذا مجرد علاقة او كانهما صديقان ...
طريقة تقبيله ليد فيروز ما ان يراها ... نظراته .. قبضته التملكية وهو يمسك بيديها ... كل شى كان يعبر إلى أن مارسيل لم يتخذ العلاقة التى بينه وبين فيروز علاقة أخوة فقط بل تعدت هذا ...
وهى بحكم انها صديقتها وأختها ... أخبرتها بما تشعر ... لكن العنيدة لم تهتم ... وقالت أن ما تنخيله ليس صحيحا ... فمارسيل بالنسبة لها مجرد صديق ...
وهنا ظهر سليم ... سليم حب فيروز القديم ... بدأت تقابله سرا من دون معرفة أحد ... إلا هى فقط التى كانت تعلم بعلاقة الاثنان ... حتى والدها رغم قربه من ابنته الوحيدة إلا انه كان يرى سليم من وجهة نظره انه مجرد شاب يتلاعب بها ... ولو كان يريدها حقا ويخاف عليها سيتقدم لخطبتها ...
لكنها كانت تقابله بالرد بأن سليم ما زال فى بداية حياته العملية يريد أن يبنى مستقبله بنفسه من دون مساعدة أحد حتى والده نفسه ... وأنه لا يريد أن يقدم على اى خطوة إلا عندما يعلم انه يستطيع إنشاء منزل ...
لكن والدها أصر على أن كل هذا ما هى إلا حجج واهية .. و أضاف بحزم وربما بنبرة حادة ... عدم مقابلتها لسليم السيوفى ...
لكن فيروز كانت أكثر عنادا مما كان يعتقد والدها ...ولم تكن مستعدة للتخلى عن سليم او حبه لها ... فأصبحت تقابله سرا ... فى اى مكان بعيد عن أعين والدها ...
وهى بحكم صداقتهما حاولت اقناعها بالابتعاد وأنها لو أراد الله لهما أن يجتمعان سيحدث ... لكنها رفضت ... حتى انها لم تكف عن اقناعها بالذهاب معها فى مقابلتها لسليم وحينها ستعرف انه لا يتلاعب بها ... وهى لم ترفض لها طلبها وأصبحت ترافقها فى اجتماعتهما تلك ....
وحينها كان سليم يأخذ فيروز ويبتعد عن انظارها ... ويتركها مع أصدقاءه الأربعة ياسين ..مراد ..محمود .. و عادل ...حتى يستطيع ان ينفرد بفيروز لوحده ...
شعرت بالرهبة والارتباك والخوف وربما بالرعب وهى واقفة وهم حولها .... وكانت تحاول ان تتمسك برباطة جاشها ... وعدم اظهار خوفها او ارتجافها منهم ... لكنها من اول مقابلة رات احتراهم لها ...
وخصوصا ياسين الذى كان يعاملها كأنها طفلة صغيرة ... يقوم باحضار لها كيس مملو بكل ما يتمناه طفل فى عمر الخامسة ... جميعهم كانوا يحاولون إخراجها من ارتباكها هذا ... وإثبات لها أنهم لن يوذوها يوما ... ويوما بعد يوم عرفت كم هم رائعون... وليسوا أشرار كما كانت تعتقد ... إلا واحدا منهم الذى نأى بنفسه بعيدا عنهم ....
كان يراقب كل شئ من بعيد وبصمت ... مراد ... الذى كانت ترتعب من نظراته لها ... نظرة سوداء خالية من اى تعبير ...
استطاع سليم ان ينهض بمشروعه الصغير الذى كان بشراكة أخاه الأصغر محمود ... وما ان استطاع أن يمتلك ماله الخاص ... حتى قام بشراء منزل صغير ... وتقدم لفيروز رسميا ... وبعدها بعدة أشهر من خطبتهم... بدأ مرض فيروز يظهر جليا عليها ... وقبل أن تتزوج أخبرهم الطبيب انها لن تتحمل لا الحمل ولا ألم الإنجاب ...
رغم أن فيروز حاولت ابعاده عن طريقها ما ان علمت بمرضها بطريقة ... خالفت تماما تمسكها به فى البداية ... لكنه رفض تركها تزوجها ... وتخلى عن أكثر شئ قد يتمناه اى رجل ان يصبح أبا ... ومنذ موقف سليم هذا وقد ارتفع فى نظر سليمان الحسينى أكثر وأكثر ... بل انه أعتبره بعد ذلك ابنا له ... وتوطدت علاقتهما ...
أما نورا فى تلك الفترة فقد تقدم لها أحد زملائها مما يعملون فى الشركة معها ... شاب ميسور الحال فى مقتبل العمر يملك شقة ليست بصغيرة ولا كبيرة فى حى راقى ... بالإضافة إلى خلقه الذى اتصف به بين زملاءه ... وهى أمام تلك المميزات بأكملها وافقت ... فمن هى لتجد شاب به كل هذه المواصفات ... فمهما ذهبت او أتت فهى ستظل ابنة السائق رغم انه تقاعد منذ عدة سنوات لكنها ستظل ابنة سائق... وإن تزوجت فهى لن تتزوج غير بمحيط حارتهم الضيقة وجميع شبانها أكثرهم تعلما يحمل شهادة التعليم الإبتدائى.... وهى تمنت أن تتزوج رجل بنفس مستوى تفكيرها وتعليمها على الأقل ... لذلك أعطت لنفسها فرصة .. جلست معه مرة واثنان وثلاثة ... وانتهت جميعها انها شعرت بالراحة له ... ورأت به رفيقا للمستقبل ...
بعد مدة من خطبتهم ... تفاجأت فى ليلة من الليالى انه تم القبض عليه .. وحتى الآن هى لا تعلم التهمة او الجريمة التى قام بها ... وعندما علمت بخروجه سأل والدها وبحث عنه وكانت النتيجة انه اختفى هو و عائلته ولا أحد يعلم عنهم شئ ... أخذت نورا وقت طويل للغاية لكى تستطيع الخروج من مما كانت به ... لكنها فى النهاية رضت بقضاء الله ...
وفى أحد الأيام ... ذهلت عندما وجدت مراد فى شقتهم الصغيرة ... يجلس مع والدها ... وما ان رآها حتى هم من مكانه و نطق بنبرة هادئة لوالدها
" ارجو أن تسمح لى ان أتكلم مهها اولا "
اؤما والدها موافقا وتركهما فى الغرفة وترك بابها مفتوحا ... لكنه ما ان خرج والدها حتى قام مراد بغلق الباب عليهما ... أبتسم لها بطريقة جعلت جسدها يقشعر وهو يقول بنفس الهدوء
" لقد تقدمت اليك من والدك ... وهو موافق وينتظر موافقتك ... ما رأيك "
فرغت فاها أولا من طريقته تلك ف عرضه للزواج ...و ثانيا استغرابها الاكبر ان مراد ... مراد السيوفى تقدم لخطبتها هى .. لماذا ؟؟!!... كيف؟؟؟؟!!! ... متى ؟؟؟!!... لا تعلم!!! ... ولا تفهم !!!!... منذ ان تعرفت به وهو لا يعبر بنظراته لها غير انه لا يكاد يطيقها ... كيف ؟؟؟؟!!!...
لكنها حافظت على هدوءها وقالت بنبرة حادة لا تقبل جدلا
" لا ... آسفة سيد مراد .. ابحث عن غيرى... فأنا لست مناسبة لك "
فى لحظة وجدت ذراعها مكبلا بيديه وهو يهتف من بين أسنانه بنبرة حاول جعلها هادئة متفهمة
" لماذا ؟؟!!"
" باى حق !!.. تتحدث معى هكذا او حتى تسألني؟!! "
هتفت به متحدية
" بحق إننى أريدك ...إننى أحبك "
نطق بها بعشق وعيناه تنضح بما لم تجرؤ لسانه على قوله ....
" لكنى لست... لست بمستواك ... كيف ؟؟!!!..."
نطقت بارتباك ... لكنه قاطعها بسرعة قائلا بتلهف
" هل هذا ما يقلقك ؟؟!!!... أننا لسنا بنفس المستوى ... نورا ..انسى اى شى قد يفرق بيننا ... انسى من أكون ... تذكرى فقط شى واحد إننى أحبك ... وأنا لا أريد أكثر من موافقتك ... وأقسم لك إننى لن اجعلك تندمين يوما على الزواج بى"
نظرت إليه بدهشة ... هل حقا يحبها ... نعم هى قد شعرت بذلك من نظراته لها الآن ... من نبرة صوته ...
ضحكت بقوة وهى تتذكر وعوده ... وعوده الكثيرة لها ...لكن رغم ذلك مراد زوج واب رائع ... نعم لن تنكر هذا ... رغم أنها تزوجته زواج عقل ... فى البداية رأته مناسبا لها بالإضافة انها شعرت ببعض الإعجاب له ... وهو بطريقته جعلها تحبه ... لدرجة انها تحملت كل أفعاله ورضيت ... هل ما عرفته عنه آخر مرة هى كانت القشة التى قسمت ظهرها حقا ...
ام انها فعلا تحدثت اخيرا بما كان يؤلمها ما ان قامت بتزويج حازم... ورأت أن مراد لن يستطيع ان يقوم بتهديده كعادته بالابتعاد عن ابنها ما ان تطلب الطلاق ... أفكارها تؤلمها... لكن مشاعرها تؤلمها أكثر ... فهى ما زالت حمقاء وتحبه ... حاولت مرات ...ومرات إيجاد الأسباب لكرهه رغم أنها كانت موجودة لكنها لم تستطع ....
سقطت دموعها حارة ... كسا عيناها الحمرة من كثرة البكاء مع كل ذكرى تتذكرها معه ... كل ألم .. وكل جرح طعنت به بسببه ... فرغم ما عاشته من نعيم معه ... إلا طعناته لها كانت أكثر إيلاما لها ...
مسحت دموعها بسرعة ما ان رأت نظرات السائق المشفقة لها من خلال مرآة السيارة المواجهة لها ...
حتى وصلت الى الفندق وترجلت من السيارة ...



داخل غرفة اروى فى منزل والدها الجالسة على السرير وهى تضع يديها على معدتها شاردة فى اللاشى أمامها ...
لم تحصل على نوما هناء منذ ان خطت بقدميها إلى منزل والدها ... لا تعلم هل هى اضطرابات وهرمونات الحمل ... ام لأن عقلها وقلبها يكادان يقتلانها من التفكير به ...
لقد فضلت البقاء بعيدا عنه حتى تحصل على بعض الراحة النفسية ... حتى لا تضر بطفلها... لكنها فشلت ببراعة ... وما ان ياتى الليل ...حتى تبدأ هى بالبكاء والانين شوقا إليه ... تحتاج إلى ضمته التملكية لها ... أنفاسه التى تخبرها بأنها بأمان حتى لو كانا متخاصمان فهو لا يدعها بعيدا عن احضانه ...نزلت دمعة مشتاقة من عيناها ...
تريد الذهاب إليه ... لكن كبرياءها. ..كبرياءها يمنعها ... هو لا يريدها غير جسر لكى يصل به إلى قمة جبله العالى ...
لا تستطيع تركه ... ولا تستطيع البعد ... و بين هذا وذاك ... هى متحيرة ومشتتة...
ليس هذا ما تمنته معه ... هى تحبه ... لكنها أيضا تريد وتتمنى أن تنطق شفتاه يخبرها بأنه يحبها ... لكنه لم يفعل .. ولن يفعل ... تعلم هو لن يفعل ... لانه لا يحبها ... آهة طويلة خرجت من صدرها ألمت قلبها ...
اجفلت ما ان استمعت لصوته الذى جعل عيناها تتسعان ذعرا من نبرته الغاضبة والهادرة ...
وبخطوات متعثرة ... تحركت من مكانها وخرجت من الغرفة ... وهى تستمع لكلماته المتواصلة .. وصوت والدتها الذى يحاول تهدءته و إخراجه من انفعاله ذاك ...
لكنها فشلت ... فشلت وبجدارة... وهو لم يكف عن الصراخ ...
ركضت مرة أخرى إلى غرفتها ... وجسدها يرتعش من التوتر ... دموعها نزلت وهى ترتعش من الفرحة ...
" لقد أتى ... لقد أتى "
ظلت ترددها وهى تصرخ بها بقوة من شدة سعادتها ... وقفت أمام المرآة وهى تعدل من هياتها... وبسرعة ركضت حيث خزانتها... تحاول البحث عن شئ مناسبا لها بعد معدتها المنتفخة تلك ... فهذا قصير ... وهذا طويل وضيق ... وهذا قديم ... واخر قديم للغاية ... تبا لم تحضر أية ملابس معها ...
جلست بوجه عابس على السرير ... وهى تزم شفتيها حزنا ...
اجفلت ما أن رأت والدتها تدلف إلى الغرفة مقتربة منها ...
فرسمت هى بسرعة على وجهها عدم المبالاة ... وهى تعقد ذراعيها على صدرها بكبرياء
" سيف يريدك أن تعودى معه ...ما رأيك "
سألتها والدتها وهى تحاول إخفاء ابتسامتها من شكل ابنتها الدال على انها تحاول أن تخفى شوقها لزوجها من تصرفاتها الامبالية
رفعت اروى حاجبيها بتعالى
" بالطبع ... انا لن اذهب "
" هل انتى متأكدة "
" بالطبع " قالتها بخفوت وهى تخفض راسها للأسفل
" حسنا سأفعل ما تريدينه ... وساخبره بردك "
قالتها والدتها وهى تظهر هى الأخرى عدم مبالاتها. .. رغم أن ابن أخيها يكاد يشيط غيظا وغضبا فى الأسفل ... تكاد تقسم انها ان أخبرته بهذا ... سيقتحم غرفتها و لو لزم الأمر ان يقوم بربطها وحملها على اكتافه والعودة بها سيفعل ...
راقبت خروج والدتها من الغرفة ... وهى تصتك على اسنانها من التوتر ... تحاول إقناع نفسها انه لن يستسلم ويذهب هكذا .
رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل الثاني

وقف بتصلب وهو يستمع لكلمات عمته المتعثرة .. وهى تخبره ان ابنتها العتيدة .. ترفض العودة معه
" تبا هذا ما كان ينقصه .. مشاكل فى العمل ... وزوجة عنيدة فى المنزل .. بدلا من ان تكون معه فى هذا الوقت بالذات ..لا هى ترفض مقابلته حتى "
حدث سيف نفسه وهو يحاول الحفاظ على رباطة جاشه ...

"هل يذهب ويجرها خلفه وكأنها بقرة صغيرة .. ام يقوم بحملها على كتفه والخروج بها من هذا المنزل ... حقا سيكون الأمر ساخرا للغاية .. "
لوى فمه وامتعض وجهه وهو يستمع وينصت أكثر لعمته التى تحرضه على ابنتها
" أليست ابنتى ... ولكنى اطلب منك أن تتركها هنا لعدة ايام أخرى ...ابنتى تحتاج إلى تربية حقيقة ... لكى لا تفعلها معك مرة أخرى وتذهب وتتركك هكذا من دون علمك "
" هل تحرضينى على ابنتك "

سألها مستغربا وعلى وجهه شبه ابتسامة متلاعبة
" نعم ... احرضك... ابنتى وانا أكثر شخص يعرفها ... اضافت وهى ترفع يديها مشيرة باصابعها الثلاثة الوسطة والخنصر والبنصر أمام عينه ...
" ثلاثة ايام ... فقط ثلاثة ايام وأقسم لك انها ستاتى إليك ... تبكى وتقسم انها لن تتركك مرة أخرى "
رفع إحدى حاجبيه وهو يتنهد... فعمته لا تعلم انه خلال يومان بالاكثر سيسافر... وهو يحتاجها بجواره ... منذ ان تركها هنا وهو يقف بسيارته بعيدا عن المنزل ويراقبها من بعيد ... يراقب طيفها فقط ... وكأنه مراهق قد عشق وأهلها يرفضان مشاعرهما ويحاولان ابعادهما عن بعضهما ...
لكنه خائف من ان يحدث لها شئ وهو بعيد عنها ... لذلك هو يريد أن يعيدها وبعد ذلك يأخذها معه عندما يسافر فهو لن يأمن على بقاءها وحيدة بدونه ...
صمت ... وبقبضة محكمة وهو يزاءر ضرب بقبضته على أقرب حائط له ..

" ماذا بك ؟؟!!!"
سألته عمته بلهفة وهى تراقب تعابير وجهه المرهقة التى لم تلمحها غير الآن .. استمرت بالالحاح عليه وهى تربت على ظهره ... حتى اخيرا قرر البوح .. بما يعتمل فى صدره .. فهو بحاجة إلى التحدث وهو لن يجد أفضل من عمته للتحدث معها ... رغم ان علاقتهما لم تكن وطيدة الا انها كانت الوحيدة التى كان على علاقة جيدة معها ...
" جدى سافر ... و هناك مشاكل كثيرة بالشركة ... وانا يجب ان أسافر ... لذلك يجب ان أخذ اروى معى .. لن أتركها هنا وحيدة "
هتف بكلماته بصوت عميق ..

ظهر الأسى على وجه فريدة فقالت بهدوء لابن أخيها
" اروى لا تستطيع ان تسافر إلى مكان بعيد فهى حامل "
أغلق عيناه بقوة حتى كاد أن يعصرهما من كثرة الهموم التى أصبحت تزداد عليه أكثر ...
" تبا ... كيف نسى هذا!! .. انها حامل .. ولن تستطيع السفر .. وهو ربما يذهب إلى عدة مدن و سينتقل كثيرا .. تبا لحظه العاثر "
هتف فى نفسه وهو يمرر أصابعه فى شعره
" طالما انك ستسافر .. إذا لا داعى أن تعود معك اليوم .. أتركها هنا وعندما تعود .. غصب عن عينيها ساجعلها تعود معك ...
اضافت وهى تلمح نظرته الغاضبة
" وإذا كنت تريد رؤيتها ... تعالى إلى هنا واقضى اليومان معنا قبل ذهابك "
صمت قليلا وهو ينظر إلى عمته ..
فاضافت مبتسمة

" اليوم وغصب عن رأسها ستاتى للعشاء والمبيت فى منزل عمتك "
قالتها كلماتها وهى تضع كفيها على وجهه بدف ...

" أين كنت؟؟؟!!!!!"
شهقت نورا بفزع ما ان استمعت للصوت الآتى من خلفها ..
فاقترب منها بسرعة محاولا إحاطة خصرها قائلا بنبرة ناعمة
" هل اخفتك!!! .. انا آسف "
لكنها تململت من قربه وابتعدت عنه ولم تكلف نفسها حتى عناء الرد عليه .. و اقتربت من الخزانة متجاهلة إياه
انزعج من تصرفها الطفولى... لكنه تغاضى عنه ..
" نورا سألتك أين كنت ؟؟!!!"

سألها مرة أخرى ولكن هذه المرة بنبرة شديدة ..
" لقد كنت عند أختى .. هل هناك مشكلة فى ذهابى إليها ؟؟!!!..
هتفت بضيق لم تستطع اخفاءه .. وتابعت بسخرية ونبرة حادة
" أوه آسفة كان يجب على قبل خروجى ان استأذن من السيد مراد السيوفى .. "
وضع يده حول رسغها وهو يديرها إليه قائلا بنبرة منزعجة
" ماذا بك!! .. لماذ اصبحتى تتحدثين معى بهذه الطريقة ..
ثم أضاف بحدة وهو يقربها من صدره
" وما هذه ال سيد التى خرجت من فمك !!!.."
تشدق وجهها بابتسامة ساخرة حملت ألما لما تعانيه طوال الثلاثون عاما

" أنت دائما كنت السيد بالنسبة لى .. تآمر واطيع .. لم أشعر يوما بأننى زوجة او امرأة يمكنها أن تختار .. دائما كنت بالنسبة للجميع امرأة .. مجرد امرأة تزوجها أحد أبناء عائلة السيوفى .. لذلك يجب ان يقبلوا بها .. الجميع كان ينظر إلى و كاننى لست بشر .. امرأة من مكان وعالم آخر .. حرمتنى من حق اختيار أشياء عدة .. حتى حرية تركك لم تعطينى إياها يوما .. انجابى لحازم لم يكن الرابط القوى الذى ربط بيننا لكى نكون سعداء ...
أبعدت يده عنها وهى تكتم دموعها ... تدور فى الغرفة تحارب نوبة بكاء شديدة من الانفجار ..تتابع بقهر

" لا .. بل كان هذا الرابط ..هو السبب الذى كان يجعلك دائما تضغط على به .. عندما تزوجت انت .. انا لم اعترض رغم إننى تألمت ... لكنك منعتنى حق الاختيار .. والابتعاد .. أليس حقى ان أختار الطلاق عندما أعلم أن زوجى قد تزوج على ويحضر لحفل زفافه .. لكنك ضغطت على يدى والمتنى..
الطلاق معناه انك لن ترى ابنك لما بقى من عمرك ..
نطقت كلماتها وهى تحاول تقليد طريقته التى تحدث بها سابقا معها .. اضافت بألم أكثر
وبالطبع لن أستطيع أن أدخل فى معركة .. الجميع يعلم انها خاسرة .. طالما هى ستكون ضد المحامى الشهير .. صاحب النفوذ والسلطة .. لا توجد قضية تقف أمامه حتى أصعب القضايا ... طالما هو المدافع لها إذا فمنافسه خاسر .. خاسر لا محالة ... وأنا ..

صرخت بخفوت غير ابهة لدموعها التى نزلت .. ولا لارتجافة جسدها ... وهى تشير بيديها نحو صدرها
" وانا كنت الخاسر الأكبر منذ ان تزوجتك ... خسرت كثير .. ليس عمرى فقط .. بل و نفسى أيضا .. "
بلع ريقه ونظر لها برعب وهو يراقب انهيارها الوشيك .. لماذا أصبحت بهذا الانفجار ؟؟؟!!!!!.. لماذا أصبح كل يوم يرى كرهها له يزداد يوما بعد يوم ؟؟؟!!... لماذا الآن !!!؟؟..
" هل تكرهينى لهذه الدرجة ؟؟!... هل لهذه الدرجة انا بشع يا نورا ؟؟!.. "
دنا منها أكثر وهو يحارب نفسه ويده من ضمها إليه ..
" هل ما زال زواجى يؤلمك ... رغم إننى أقسمت لك ماءة مرة إننى كنت مجبر .. والزواج فشل فشلا ذريعا وطلقتها... حتى وإن أخبرتك انك انتى فقط من فى قلبى .. انا لن ابرر زواجى السابق لك مرة أخرى ..

عيناه ومضتا غضبا مضيفا
" انتى لا تعلمين ما تحملته .. وما فعلته لتكونى معى .. ليس فقط سجن ذلك المعتوه الذى تجرأ ونظر إليك .. لكن هناك أمور أكثر مما تعتقدين .. و تهديدى لك بأخذ حازم .. كان بالفعل مجرد تهديد .. لا أستطيع تركك تذهبين هكذا .. انتى تعنين لى أكثر مما تعتقدين .."
اقترب منها وضمها إلى صدره بقوة يمنعها حتى محاولة الإفلات والابتعاد عنه وهو يهمس بنبرة ناعمة
" ألا يوجد شئ واحد ... واحد فقط يغفر لى اخطاءى السابقة .. يجعلنا نبدأ من جديد .. ستتركينى بعد هذا العمر!! .. أعلم اننى لن أهون عليك .. و حازم ونور .. الفتاة تحتاج إلينا بجوارها .. ألم تكونى تريدين العديد من الأحفاد .. ساصلح كل شئ .. أعدك حتى نستطيع انا وانتى البدء من الجديد .."

شهقت بقوة بين احضانه وهى تستمع لكلماته.. تعلم انه يحبها وهى أيضا .. لكنها جرحت بسببه كثيرا .. لا تعلم هل ستتحمل المزيد من أخطائه ام لا ..
أضاف وهو يشعر بافكارها التى تدور فى رأسها بغير هدى .. يشعر بمحاربتها الشديدة لمشاعرها نحوه ..
فاضاف بنبرة هادئة للغاية يحاول بها أن يحصل به على عطفها
" سأحاول الحديث مع روز .. سليم سيذهب إليها اليوم سيتحدثان ... وسنحاول إيجاد طريقة لنخبر نور عن والدتها .. انا لست قاسى لهذه الدرجة يا نورا .. كل ما فعلناه كل من أحل نور وياسين وروز... وعندما تعرفى ستعذرينا جميعا "
هدأت شهقاتها و بتلقاءية لفت ذراعيها حول رقبته تطلب الدف منه اكثر ...

طبع قبلة على رأسها وهو يتمتم فى نفسه
" آه لو تعلمين ما الذى يفعله لى ابتعادك عنى .. وقربك هذا منى .. لقد خسرت .. وكنت مستعد لخسارة المزيد فقط لتكونى معى و لى .. لى فقط .. وكانت ذاتى هى أول شئ خسرته.. عندما رأيت نظرات اصدقائى لى وأنا أخبرهم إننى تزوجتك .. الجميع يعتقد إننى خطفت حبيبة محمود منه ... لكن لا أحد يعلم انك كنت حبيبتى انا اولا .. احببتك ..قبل أن ياتى لاخبارى بإعجابه بك .. وأنا كنت اشتعل غيرة .. اعتقدت انه سينسى امرك مع مرور الأيام .. لكن لم يحدث هذا بل تمسك بك .. وعندما علمت بأمر تقدمه .. ركضت .. فلم أتحمل أن أراك زوجة لابن عمى وصديقى..."
تنهد مراد و عانقها بحنان وهو يتمنى لو نطق بهذه الكلمات .. لكنه لا يستطيع .. وهو لا يريدها ان تعلم بشئ حدث بالماضى فهو قد طواه منذ زمن ...
هى تنظر إلى محمود كاخ وهو لم يشعر بالغيرة يوما منه .. لانه يعلم انه الوحيد الذى بقلبها ..

خرجت من الغرفة وهى تغلق بابها بهدوء ...
ووجهها محمرا خجلا مما حدث بينهما .. مهما كبر سيظل يعانقها بحنان وكانهما ما زال يتعرفان على بعضهما لأول مرة ...
توجهت إلى غرفة نور مباشرة ... دقت دقات خفيفة على الباب .. فأتى لها الصوت خافتا فدخلت .. وهى تنظر إليها بشفقة وحزن ..
تعلم ان كل شئ أتى بسرعة لها .. موت ياسين لم تتحمله .. فكيف إذا سيكون ردة فعلها عندما تعلم ان والدتها حية .. هل ستنهار مرة أخرى ..
منذ ان عادت من الثلاثة ايام الذى قضتها مع حازم .. وهى فى حالة انطواء .. تجلس معهم لكنها ليست معهم شاردة وحزينة .. وعندما تتحدث تنطق بشق الأنفس وبخفوت .. وكأنها لم تكن مستعدة للتعامل والتحدث مع اى منهم ..

رسمت نورا ابتسامة على وجهها .. وجلست بجوارها ..
نظرت إليها نور بشبه ابتسامة و أعين ذابلة ..
" كيف حالك ؟!"
سألتها نورا وهى تحاول جذبها للحديث معها ..
اضطربت الأخيرة وتململت فى مكانها وهى تدير برأسها نحوها .. بعد ان كانت تنظر إلى اللامكان...
" بخير " همست نور بصوت ضعيف للغاية
نظرت إليها الاخرى باشفاق قائلة بنبرة حنونة واعين مهتمة
" هل انتى متأكدة؟؟!! "
راقبت نورا نظرات نور المتساءلة لها بهدوء واقتربت منها أكثر حتى جلست ملاصقة لها .. و وضعت إحدى يديها على كتفيها ..
قائلة بابتسامة عذبة
" بخير .. لم تكن يوما تعبر عن ما نشعر به من الم .. ننطق بها عندما لا نجد كلمة نستطيع به ان نعبر عن حالتنا .. كل شخص فى هذا العالم فقد شخصا عزيزا عليه .. اب... أم... وربما صديق عزيز علينا نتألم لفراقه ..

ترقرقت الدموع فى عينى نورا من دون قصد منها وقالت متابعة بحشرجة وهى تحاول رسم ابتسامة على وجهها
" لقد كان لدى صديقة عزيزة على للغاية .. كنا نتشارك فى كل شئ .. رغم أنها كانت أعلى منى فى المستوى لكنى لم أشعر بهذا يوما .. كانت تعطينى ملابسها .. وتأخذ منى رغم أنها لم تكن بحاجة لملابسى القديمة والباهتة.. لكنها كانت ترتديها .. لكن شاء القدر و ماتت .. تألمت وصرخت لفراقها.. فكما يقولون الفراق صعب ..
تنهدت بضعف وهى تمسح دمعة ساهتها وخرجت من عيناها
" لكن مراد اخبرنى بشئ فى هذا الوقت .. كل شى فى هذا العالم يكبر ..الطفل يصبح شابا فعجوزا فكهلا.. إلا الحزن يصغر أكثر وأكثر .. وسيأتي يوم سنسى فيه من كنا نشعر وكان الروح ستغادرنا عندما علمنا بفراقهم أول مرة .. أكثر شئ حبانا به رب العالمين هو النسيان ...لولا النسيان لتالمنا أكثر .. ولما استطعنا أن نمارس حياتنا .. "
ربتت على يدي نور متابعة بهمس
" ياسين ..لن أقول لكى انسيه... لان المرء مهما كبر لن يستطيع ان ينسى والديه .. لكن من اجله ومن اجل نفسك لا تظلمي نفسك .. بوادها اكثر بين الاحزان .. كنى الابنة الصالحة .. و ادعى له بالرحمة .. جميعنا سنموت .. "
اهتزتا شفتاى نور وهى تحاول النطق .. ونزلت دموعها دون إرادتها
" أبى ..أبى كان بالنسبة لى كل شئ.. أعلم انه مات ولن يعود ..أعلم إننى اعذبه ببكاءى لكننى لا أستطيع ... لا أستطيع عدم الحزن عليه .. والاستمرار هكذا .. هكذا بدونه ..."
تابعت بشهقات أكثر وببكاء يقطع نياط القلب ووجهها محمر .. وكأنها كانت بحاجة للحديث والصراخ أمام أحد ما .. وها هى قد اتتها الفرصة ..
" لقد تعودت على وجوده بجوارى فى كل لحظة .. عندما أفكر إننى ربما سادخل إلى غرفتى ولا أجده أتألم ... لم يكن والدى فقط .. بل كان عكازى الذى استند عليه لكى أستطيع به ان أواجه كل شئ.. كيف .. كيف اخبرينى .. انا أتألم .. "
ابتعدت عن مكانها وهى تتابع وهى واضعة يديها حول كتفيها وعيناه تهتزان بهستيرية و متسعتان رعبا ..
" لو كان معى .. لما حدث لى كل هذا .. لو كان معى .. لما حدث لى كل هذا .. لو كان موجودا .. لما أصبحت هنا .. لو كان هنا ما كان سيحدث لى كل هذا..!!!! "
ظلت ترددها بجنون وصوت عالى .. وهى تتراجع للخلف أكثر كلما حاولت نورا الاقتراب منها أكثر لتهدءتها .. لكنها كانت تتراجع أكثر للخلف وتهز رأسها بجنون .. حتى خارت قواها .. و سقطت مغشيا عليها ...
" نور " صرخت بها نورا ما ان رأت سقوطها ..
وفى لحظة فتح الباب بقوة .. و دلف إليها حازم بسرعة ولهفة راكضا نحو جسد زوجته القابع على الأرض .. أثنى ركبتيه ووضع يد أسفل ظهرها وأخرى أسفل عنقها وحملها و هو يلمح بقايا دموع على وجهها ..
بعد ما يقارب النصف ساعة
خرج حازم مع الطبيب من الغرفة .. وهو يستمع لشهقات والدته التى لم تكف عن لوم نفسها منذ ان سقطت .. ووالده يحاول تهدءتها ...
وقف حازم قبالة الطبيب...
" انهيار عصبى حاد .. انها متوترة للغاية ومضطربة أيضا .. هل تعرضت له من قبل "
سأله الطبيب بهدوء
" نعم .. منذ عدة ايام .. و أظن قبل هذا مرة او مرتين "
رد عليه بهدوء .. وهو يحاول عدم إظهار قلقه عليها ..
" منذ متى وهى بهذه الحالة!! "
سأله مرة أخرى
" منذ ان توفى والدها وهى هكذا "
" حسنا ..أظن من الأفضل ان تعرض على طبيب نفسى .. حالتها تزداد سوء .."
قالها الطبيب .. ثم ناوله ورقة
" هذه بعض الأدوية المهدءة... لكن بالطبع من الأفضل ان تعرض على طبيبا نفسيا "
هز حازم رأسه موافقا تابعا " نعم بالطبع "
شكر الطبيب ...
وصعد درجات السلم وجد والدته فى الغرفة ولا تكف عن البكاء .. فنظر إلى والده الذى كان يقف من بعيد .. ففهم والده نظراته .. وأخذ نورا وخرج بها من الغرفة رغم اعتراضها فى بادئ الأمر .. لكنها ما ان رأت حازم .. حتى خرجت من الغرفة ..
دنا منها ببط وهو يراقب جسدها المسجى على السرير .. أنفاسها مضطربة ووجهها حزين رغم نومها ..
منذ ان تشاركا فى هذه الغرفة منذ عودتهما.. وهو يشعر بارتباكها الواضح ..
لاحظ نظراتها المرتعبة منه ما ان اقترب من السرير أول مرة فى هذه الغرفة .. أبتسم لها بخفوت محاولا تهدءتها بنظراته الهادءة لها .. وتحرك مبتعدا عنه ..
و نزل حيث مكتبه محاولا أشغال نفسه بالقضاياة حتى يجد الساعة قد تجاوزت منتصف الليل .. فيصعد لغرفته... وينام على السرير بهدوء مبتعدا عنها بمسافة مناسبة .. لا يعلم أن كانت تشعر بوجوده بجانبها ام لا .. لكن كل هذا لا يهمه .. فهو يريد إقصاء حاجز تلو الآخر بينهما بهدوء .. يجب الا يسمح لها بوضع المزيد من الحواجز حولها .. وتمنعه عنها .. خطوة .. سيقترب خطوة خطوة .. حتى يثبت لها حقا أنه يحبها ..
و رغم انه كان يستلقى على سرير واسع بجوارها إلا انه لم ينم بهناء.. كان يراقب صدرها الذى يرتفع وينخفض بهدوء يعبر عن تنفسها المنتظم .. لقد كان مرتعبا من ان يحدث لها شئ وهى نائمة... وربما ارعبته أكثر فكرة انها ربما تحاول الانتحار .. خصوصا عندما راءها مرة تمسك بسكين حاد .. رغم أنها ربما تكون مجرد شكوك ليست فى محلها لكنه لا يستطيع منع نفسه من القلق عليها ..
وخصوصا عندما كان يراقب صمتها الذى كان يقتله أكثر مما يقتلها ...
وجهها شاحب للغاية .. و شفتاها مضمومتان تعبر عن انزعاجها الواضح ..
من دون ان يشعر وجد كفه يمر على وجهها يتحسس بشرتها باصابعه... حتى وصل إلى شفتاها الجافة وظل يمرر إصبعه عليها .. اقترب بهدوء وبحركة بطيئة للغاية .. وتردد كبير فى نفسه .. لكنه لم يستطع منع نفسه أكثر وطبع قبلة دافئة وخفيفة للغاية على فمها .. تبعتها سقوط دمعة واحدة من عيناه ...



ألقت بجسدها على السرير وهى تتذكر عودة والدتها إليها تخبرها انه ذهب .. ووافق على طلبها ..
هكذا من دون اى شى .. يتركها .. لم يتمسك بها ما ان قالت له ابتعد.. ابتعد فعلا ..
وحل محل فرحتها بقدومه إليها .. حزنها وسخطها لذهابه.. وهى تلوم نفسها ألف مرة .. فهل كان يجب عليها ان تظهر كبرياءها .. ويباسة رأسها ذلك أمامه واليوم بالذات ..
أغلقت عيناها تحاول ان تنام .. لكن كيف ستنام هكذا وهو ليس بجوارها ..
اتسعت عيناها وهى تستمع لاقتراب الخطوات أكثر .. فأكثر إليها .. وكلما كانت تقترب كانت تصل إليها رائحة عطره الممزوجة برائحة جسده هو التى تحفظها عن ظهر قلب ...
لوت اروى فمها بحزن وهى تتساءل بصوت منخفض ونبرة منزعجة ..
" هل أصبحت اهذى .. لدرجة إننى أشتم رائحة عطره .. لقد جننتى... جننتى بالطبع يا اروى .. "
" اروى هل انتى مستيقظة ؟؟!!"
ارتجفت اوصالها .. وهى تردد برعب وصوت منخفض
" انه صوته .. صوته .. لقد جننت .. هل لهذه الدرجة انا مجنونة به!!!! .. لا .. لا ما الذى حدث لى؟؟!!! .. كيف!! .. ومتى!! "
سمعت صوت ضحكاته المتتالية وهو يعلو أكثر وأكثر .. حركت يدها نحو المصباح الصغير الذى بجوار السرير .. و ضغطت على زر الإضاءة وهى تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتردد المعوذتان بسرعة ورعب .. التفتت بجسدها نحو الصوت ...
صرخت رعب خرجت من حنجرتها وهى تتراجع بجسدها على السرير ما ان رأته أمامها بشحمه ولحمه ..
ركض إليها .. وضمها بسرعة إلى صدره بلهفة .. وهو يمرر يده على شعرها
يحاول تهدءتها ..
" أهدى .. أهدى .. انه انا .. اسف .. اسف"
ظل يكرر أسفه وهو يمرر فمه على عيناها وجنتيها أنفها .. وبالقرب من ثغرها
"لم أكن أقصد .. أقسم لم أكن أقصد .. كنت أريد أن اجعلها لك مفاجأة "
وبحركة مهتزة حركة سبابتها عاليا ... وهى تردد باضطراب
"كيف؟؟!! .. كيف دخلت إلى هنا ؟؟.. "
أبتسم بخفوت .. وقال بمكر
" عمتى حبيبتى .. اعطتنى مفتاح منزلها .. ما ان أتيت فى اى وقت أستطيع الدخول .. "
ثم غمز لها بعيناه اليسرة مضيفا
" ودخلت "
وتابع بانزعاج كاذب
" لكن ما هذا الإستقبال ..هل هذه طريقة تستقبلين بها زوجك .. بعد ثلاثة ايام بعيدة عنه "
أحمر وجهها خجلا .. لكنها قالت بحدة
" هل تتامر على انت و والدتى .. أخرج من غرفتى حالا "
رد بعدم مبالاة وهو يفك أزرار قميصه فقد كانت سترة بذلته ملقاة على كرسى الزينة بإهمال ..
" لن اذهب .. لقد اخبرتنى عمتى إننى أستطيع النوم فى اى غرفة .. وأنا اخترت هذه .. "
زمت شفتيها ولوت فمها بحركة سريعة مظهرة غضبها .. وضمت يديها أمامها وحاولت الابتعاد عن السرير لكنه أعادها مكانها بهدوء
قائلا بنبرة لا تخلو من الحدة
" اروى .. لا ينقصنى جنونك ولا عنادك هذا .. اجلسى بهدوء على السرير .. فمهما حاولتى انتى لن تخرجى من هذه الغرفة إلا عندما أخرج انا منها غدا صباحا .. ام الآن فانتى ستنامين على هذا السرير بهدوء .. "
" ساصرخ "
هتفت به بعناد
" اصرخى لن يجرؤ أحد على الاقتراب من هذه الغرفة طالما انا بها "
نطق ببرود تام
وباشارة بعيناه عادت إلى السرير بهدوء .. حتى بدل ملابسه .. وجلس بجوارها على السرير .. وبحركة سريعة وضع رأسه على رجليها ...
حاولت الابتعاد لكنه اشتد برأسه أكثر مانعا إياها من التحرك .. أغلق عيناه .. بحث بيديه عن كفيها حتى وجدهما ووضعهما على رأسه ..
وقال بخفوت ونبرة منخفضة
" مررى يديك على رأسى أريد النوم "
وبتردد بدأت تمرر وتتخلل أصابعها بين خصلات شعره ... ووجهها يعلوه ابتسامة لم تستطع الكلمات التعبير عن مدى سعادتها وهو أمامها فى هذه اللحظة ..
ومن دون تفكير نزلت بفمها وطبعت قبلة على جبهته .. تراجعت برأسها بسرعة ما ان رأته قد فتح عيناه ..
وبحركة سريعة من يده وجسده كان قد ارجعها بجسدها للخلف .. وهو يقبض على رسغيها بلطف
وبمكر وابتسامة متسعة سألها
" هل انتى .. تتحملين نتيجة ما فعلتيه الآن "
لم تستطع منع نفسها من الابتسام و بوجه محمر خجلا اجابته بنبرة ناعمة
" نع........"
لم ينتظرها لتتكمل كلمتها و التقط شفتيها معانقا إياها بشغف ...



وبخطوات حازمة كاسمه دلف إلى المشفى .. يسأل عن ماهر .. فهو الوحيد الذى يستطيع ان يساعده فى مشكلته .. لم ينم منذ ليلة أمس وهو يراقب كل حركة كبيرة او صغيرة منها ..
وهو يفكر فى كلام الطبيب بتمعن .. فلم ياتى برأسه غير ماهر ليساعده...
هدأت ملامحه قليلا من التوتر ما ان راءه واقفا مع شخصا ما لم يهتم لمعرفة من يكون ..
اقترب بخطوات مدروسة حتى وقف أمامه .. فقابله الآخر بابتسامة بشوشة على وجهه .. حياه بسعادة ..
وأخذه حيث مكتبه ...
فى المكتب وبعد دقائق من محادثتهما ..
" إذا أنت تريد طبيبا نفسيا جيدا .. "
سأله ماهر
فأجاب حازم بهدوء
" أريد طبيبا ليس جيدا بل ممتازا .. يستطيع ان يسيطر على انفعالتها.. فهى ما ان تتذكر او تتحدث عن والدها حتى تسقط مغشيا عليها .. وهذا غير انها منطوية على نفسها كثيرا "
" حسنا .. انا لست على علاقة باطباء كثر ...ولا أعرف أطباء فى هذا التخصص ...
فظهر الحزن على وجه حازم ..
لكن سرعان ما تابع ماهر
" لكنى اعرف طبيبة .. تستطيع ان تدلنا على طبيب جيد .. ريم صديقة نور .. هل تعرفها "
حاول حازم عصر ذاكرته وتذكرها .. ولكنه كالعادة خانته ذاكرته ولم يتذكرها ..
فهز رأسه ب لا
أبتسم ماهر بخفوت و طلب من إحدى الممرضات لاستدعاءها ...
بعدها بدقائق دلفت ريم إلى المكتب .. و ضيقت ما بين حاجبيها ما ان رأت حازم ..
وبهدوء وعلمية مطلقة بدأ بشرح لها كل شئ...
وفى ثانية كانت ريم قد جنت تماما وهى تستمع لكلمات حازم التى تكاد تصف صديقتها بالمجنونة... بداية من انهيارها .. وحتى امساكها للسكين
فانقضت عليه كالقطة وعيناها تلتهب شرا بعد ان استمعت لكلماته لولا أن ماهر أمسك بيديها التى تحاول أن تمدها لتمسك عنقه
....لكانت خنقته بيديها .....فقالت وهى تكشر عن انيابها كالقطة التى تحاول ان تدافع عن صغارها .....
"أيها الحقير هل تقول أن صديقتى مجنونة .....ساقتلك"
.وقف امامها ماهر يحاول أن يمنعها من الوصول إليه .....والاخر يرمقها بنظرات باردة خالية من اى تعبير يحاول أن يهدأ من نفسه ....لولا أنها امرأة لكان خرج عن روقيه و قطع لسانها المسموم ..
فهتف ماهر بهدوء وعقلانية
" ما هذا يا ريم .. وهل كل شخص يعرض لطبيب نفسى .. يكون مجنونا .. انها مريضة تمر بظروف صعبة تحتاج لشخص لارشادها والاستماع إليها "
" إستماع .. وأين انا من كل هذا انا كفيلة بإخراج صديقتى من حزنها ..
هتفت بهما بصراخ... ثم تابعت بنبرة حادة لا تخلو من السخرية
" لقد اعتقدت انه يستطيع ان يخرجها من حزنها .. لكنى كنت مخطئة ما كان يجب ان اعتمد على شخص مثله .. لقد بقيت معه عدة ايام .. و ها هو يطلق عليها لقب مجنونة .. "
وأضافت بنبرة لا تقبل نقاشا
" سأذهب لصديقتى واهتم انا بها جيدا "
ابتسم حازم بسخرية وقال ببرود
" ومن هذا الذى سيسمح لك بالاقتراب منها انتى تحلمين .. "
" وهل تجرؤ على منعى .. أفعلها وساريك ما أريد فعله "
هتفت بها بعناد ..
فابتعد حازم عنهما واقترب من الباب .. وما كاد يدير مقبض الباب ..
حتى التفت إليها قائلا
" مجنونة "
قالها وخرج من الغرفة صافعا بابها بقوة .. فاتسعت عيناها ذهولا وردت من بين أسنانها
" طفل "
وكل هذا وماهر يحاول كتم صحكاته. . وريم تنظر إليه بغيظ من تصرفاته هو الآخر ووجهه الذى يحارب حتى لا ينفجر ضاحكا ..
رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل الثالث



وقف بتصلب وهو يستمع لكلمات عمته المتعثرة .. وهى تخبره ان ابنتها العتيدة .. ترفض العودة معه
" تبا هذا ما كان ينقصه .. مشاكل فى العمل ... وزوجة عنيدة فى المنزل .. بدلا من ان تكون معه فى هذا الوقت بالذات ..لا هى ترفض مقابلته حتى "
حدث سيف نفسه وهو يحاول الحفاظ على رباطة جاشه ...
"هل يذهب ويجرها خلفه وكأنها بقرة صغيرة .. ام يقوم بحملها على كتفه والخروج بها من هذا المنزل ... حقا سيكون الأمر ساخرا للغاية .. "
لوى فمه وامتعض وجهه وهو يستمع وينصت أكثر لعمته التى تحرضه على ابنتها

" أليست ابنتى ... ولكنى اطلب منك أن تتركها هنا لعدة ايام أخرى ...ابنتى تحتاج إلى تربية حقيقة ... لكى لا تفعلها معك مرة أخرى وتذهب وتتركك هكذا من دون علمك "
" هل تحرضينى على ابنتك "
سألها مستغربا وعلى وجهه شبه ابتسامة متلاعبة
" نعم ... احرضك... ابنتى وانا أكثر شخص يعرفها ... اضافت وهى ترفع يديها مشيرة باصابعها الثلاثة الوسطة والخنصر والبنصر أمام عينه ...
" ثلاثة ايام ... فقط ثلاثة ايام وأقسم لك انها ستاتى إليك ... تبكى وتقسم انها لن تتركك مرة أخرى "
رفع إحدى حاجبيه وهو يتنهد... فعمته لا تعلم انه خلال يومان بالاكثر سيسافر... وهو يحتاجها بجواره ... منذ ان تركها هنا وهو يقف بسيارته بعيدا عن المنزل ويراقبها من بعيد ... يراقب طيفها فقط ... وكأنه مراهق قد عشق وأهلها يرفضان مشاعرهما ويحاولان ابعادهما عن بعضهما ...
لكنه خائف من ان يحدث لها شئ وهو بعيد عنها ... لذلك هو يريد أن يعيدها وبعد ذلك يأخذها معه عندما يسافر فهو لن يأمن على بقاءها وحيدة بدونه ...
صمت ... وبقبضة محكمة وهو يزاءر ضرب بقبضته على أقرب حائط له ..

" ماذا بك ؟؟!!!"
سألته عمته بلهفة وهى تراقب تعابير وجهه المرهقة التى لم تلمحها غير الآن .. استمرت بالالحاح عليه وهى تربت على ظهره ... حتى اخيرا قرر البوح .. بما يعتمل فى صدره .. فهو بحاجة إلى التحدث وهو لن يجد أفضل من عمته للتحدث معها ... رغم ان علاقتهما لم تكن وطيدة الا انها كانت الوحيدة التى كان على علاقة جيدة معها ...
" جدى سافر ... و هناك مشاكل كثيرة بالشركة ... وانا يجب ان أسافر ... لذلك يجب ان أخذ اروى معى .. لن أتركها هنا وحيدة "
هتف بكلماته بصوت عميق ..

ظهر الأسى على وجه فريدة فقالت بهدوء لابن أخيها
" اروى لا تستطيع ان تسافر إلى مكان بعيد فهى حامل "
أغلق عيناه بقوة حتى كاد أن يعصرهما من كثرة الهموم التى أصبحت تزداد عليه أكثر ...
" تبا ... كيف نسى هذا!! .. انها حامل .. ولن تستطيع السفر .. وهو ربما يذهب إلى عدة مدن و سينتقل كثيرا .. تبا لحظه العاثر "
هتف فى نفسه وهو يمرر أصابعه فى شعره
" طالما انك ستسافر .. إذا لا داعى أن تعود معك اليوم .. أتركها هنا وعندما تعود .. غصب عن عينيها ساجعلها تعود معك ...
اضافت وهى تلمح نظرته الغاضبة
" وإذا كنت تريد رؤيتها ... تعالى إلى هنا واقضى اليومان معنا قبل ذهابك "
صمت قليلا وهو ينظر إلى عمته ..
فاضافت مبتسمة
" اليوم وغصب عن رأسها ستاتى للعشاء والمبيت فى منزل عمتك "
قالتها كلماتها وهى تضع كفيها على وجهه بدف ...



" أين كنت؟؟؟!!!!!"
شهقت نورا بفزع ما ان استمعت للصوت الآتى من خلفها ..
فاقترب منها بسرعة محاولا إحاطة خصرها قائلا بنبرة ناعمة
" هل اخفتك!!! .. انا آسف "
لكنها تململت من قربه وابتعدت عنه ولم تكلف نفسها حتى عناء الرد عليه .. و اقتربت من الخزانة متجاهلة إياه
انزعج من تصرفها الطفولى... لكنه تغاضى عنه ..
" نورا سألتك أين كنت ؟؟!!!"
سألها مرة أخرى ولكن هذه المرة بنبرة شديدة ..

" لقد كنت عند أختى .. هل هناك مشكلة فى ذهابى إليها ؟؟!!!..
هتفت بضيق لم تستطع اخفاءه .. وتابعت بسخرية ونبرة حادة
" أوه آسفة كان يجب على قبل خروجى ان استأذن من السيد مراد السيوفى .. "
وضع يده حول رسغها وهو يديرها إليه قائلا بنبرة منزعجة
" ماذا بك!! .. لماذ اصبحتى تتحدثين معى بهذه الطريقة ..
ثم أضاف بحدة وهو يقربها من صدره
" وما هذه ال سيد التى خرجت من فمك !!!.."
تشدق وجهها بابتسامة ساخرة حملت ألما لما تعانيه طوال الثلاثون عاما

" أنت دائما كنت السيد بالنسبة لى .. تآمر واطيع .. لم أشعر يوما بأننى زوجة او امرأة يمكنها أن تختار .. دائما كنت بالنسبة للجميع امرأة .. مجرد امرأة تزوجها أحد أبناء عائلة السيوفى .. لذلك يجب ان يقبلوا بها .. الجميع كان ينظر إلى و كاننى لست بشر .. امرأة من مكان وعالم آخر .. حرمتنى من حق اختيار أشياء عدة .. حتى حرية تركك لم تعطينى إياها يوما .. انجابى لحازم لم يكن الرابط القوى الذى ربط بيننا لكى نكون سعداء ...
أبعدت يده عنها وهى تكتم دموعها ... تدور فى الغرفة تحارب نوبة بكاء شديدة من الانفجار ..تتابع بقهر
" لا .. بل كان هذا الرابط ..هو السبب الذى كان يجعلك دائما تضغط على به .. عندما تزوجت انت .. انا لم اعترض رغم إننى تألمت ... لكنك منعتنى حق الاختيار .. والابتعاد .. أليس حقى ان أختار الطلاق عندما أعلم أن زوجى قد تزوج على ويحضر لحفل زفافه .. لكنك ضغطت على يدى والمتنى..
الطلاق معناه انك لن ترى ابنك لما بقى من عمرك ..

نطقت كلماتها وهى تحاول تقليد طريقته التى تحدث بها سابقا معها .. اضافت بألم أكثر
وبالطبع لن أستطيع أن أدخل فى معركة .. الجميع يعلم انها خاسرة .. طالما هى ستكون ضد المحامى الشهير .. صاحب النفوذ والسلطة .. لا توجد قضية تقف أمامه حتى أصعب القضايا ... طالما هو المدافع لها إذا فمنافسه خاسر .. خاسر لا محالة ... وأنا ..
صرخت بخفوت غير ابهة لدموعها التى نزلت .. ولا لارتجافة جسدها ... وهى تشير بيديها نحو صدرها
" وانا كنت الخاسر الأكبر منذ ان تزوجتك ... خسرت كثير .. ليس عمرى فقط .. بل و نفسى أيضا .. "
بلع ريقه ونظر لها برعب وهو يراقب انهيارها الوشيك .. لماذا أصبحت بهذا الانفجار ؟؟؟!!!!!.. لماذا أصبح كل يوم يرى كرهها له يزداد يوما بعد يوم ؟؟؟!!... لماذا الآن !!!؟؟..
" هل تكرهينى لهذه الدرجة ؟؟!... هل لهذه الدرجة انا بشع يا نورا ؟؟!.. "
دنا منها أكثر وهو يحارب نفسه ويده من ضمها إليه ..
" هل ما زال زواجى يؤلمك ... رغم إننى أقسمت لك ماءة مرة إننى كنت مجبر .. والزواج فشل فشلا ذريعا وطلقتها... حتى وإن أخبرتك انك انتى فقط من فى قلبى .. انا لن ابرر زواجى السابق لك مرة أخرى ..

عيناه ومضتا غضبا مضيفا
" انتى لا تعلمين ما تحملته .. وما فعلته لتكونى معى .. ليس فقط سجن ذلك المعتوه الذى تجرأ ونظر إليك .. لكن هناك أمور أكثر مما تعتقدين .. و تهديدى لك بأخذ حازم .. كان بالفعل مجرد تهديد .. لا أستطيع تركك تذهبين هكذا .. انتى تعنين لى أكثر مما تعتقدين .."
اقترب منها وضمها إلى صدره بقوة يمنعها حتى محاولة الإفلات والابتعاد عنه وهو يهمس بنبرة ناعمة
" ألا يوجد شئ واحد ... واحد فقط يغفر لى اخطاءى السابقة .. يجعلنا نبدأ من جديد .. ستتركينى بعد هذا العمر!! .. أعلم اننى لن أهون عليك .. و حازم ونور .. الفتاة تحتاج إلينا بجوارها .. ألم تكونى تريدين العديد من الأحفاد .. ساصلح كل شئ .. أعدك حتى نستطيع انا وانتى البدء من الجديد .."
شهقت بقوة بين احضانه وهى تستمع لكلماته.. تعلم انه يحبها وهى أيضا .. لكنها جرحت بسببه كثيرا .. لا تعلم هل ستتحمل المزيد من أخطائه ام لا ..
أضاف وهو يشعر بافكارها التى تدور فى رأسها بغير هدى .. يشعر بمحاربتها الشديدة لمشاعرها نحوه ..
فاضاف بنبرة هادئة للغاية يحاول بها أن يحصل به على عطفها
" سأحاول الحديث مع روز .. سليم سيذهب إليها اليوم سيتحدثان ... وسنحاول إيجاد طريقة لنخبر نور عن والدتها .. انا لست قاسى لهذه الدرجة يا نورا .. كل ما فعلناه كل من أحل نور وياسين وروز... وعندما تعرفى ستعذرينا جميعا "
هدأت شهقاتها و بتلقاءية لفت ذراعيها حول رقبته تطلب الدف منه اكثر ...
طبع قبلة على رأسها وهو يتمتم فى نفسه
" آه لو تعلمين ما الذى يفعله لى ابتعادك عنى .. وقربك هذا منى .. لقد خسرت .. وكنت مستعد لخسارة المزيد فقط لتكونى معى و لى .. لى فقط .. وكانت ذاتى هى أول شئ خسرته.. عندما رأيت نظرات اصدقائى لى وأنا أخبرهم إننى تزوجتك .. الجميع يعتقد إننى خطفت حبيبة محمود منه ... لكن لا أحد يعلم انك كنت حبيبتى انا اولا .. احببتك ..قبل أن ياتى لاخبارى بإعجابه بك .. وأنا كنت اشتعل غيرة .. اعتقدت انه سينسى امرك مع مرور الأيام .. لكن لم يحدث هذا بل تمسك بك .. وعندما علمت بأمر تقدمه .. ركضت .. فلم أتحمل أن أراك زوجة لابن عمى وصديقى..."
تنهد مراد و عانقها بحنان وهو يتمنى لو نطق بهذه الكلمات .. لكنه لا يستطيع .. وهو لا يريدها ان تعلم بشئ حدث بالماضى فهو قد طواه منذ زمن ...
هى تنظر إلى محمود كاخ وهو لم يشعر بالغيرة يوما منه .. لانه يعلم انه الوحيد الذى بقلبها ..
...................................................................
خرجت من الغرفة وهى تغلق بابها بهدوء ...
ووجهها محمرا خجلا مما حدث بينهما .. مهما كبر سيظل يعانقها بحنان وكانهما ما زال يتعرفان على بعضهما لأول مرة ...
توجهت إلى غرفة نور مباشرة ... دقت دقات خفيفة على الباب .. فأتى لها الصوت خافتا فدخلت .. وهى تنظر إليها بشفقة وحزن ..
تعلم ان كل شئ أتى بسرعة لها .. موت ياسين لم تتحمله .. فكيف إذا سيكون ردة فعلها عندما تعلم ان والدتها حية .. هل ستنهار مرة أخرى ..
منذ ان عادت من الثلاثة ايام الذى قضتها مع حازم .. وهى فى حالة انطواء .. تجلس معهم لكنها ليست معهم شاردة وحزينة .. وعندما تتحدث تنطق بشق الأنفس وبخفوت .. وكأنها لم تكن مستعدة للتعامل والتحدث مع اى منهم ..
رسمت نورا ابتسامة على وجهها .. وجلست بجوارها ..
نظرت إليها نور بشبه ابتسامة و أعين ذابلة ..
" كيف حالك ؟!"
سألتها نورا وهى تحاول جذبها للحديث معها ..
اضطربت الأخيرة وتململت فى مكانها وهى تدير برأسها نحوها .. بعد ان كانت تنظر إلى اللامكان...
" بخير " همست نور بصوت ضعيف للغاية
نظرت إليها الاخرى باشفاق قائلة بنبرة حنونة واعين مهتمة
" هل انتى متأكدة؟؟!! "
راقبت نورا نظرات نور المتساءلة لها بهدوء واقتربت منها أكثر حتى جلست ملاصقة لها .. و وضعت إحدى يديها على كتفيها ..
قائلة بابتسامة عذبة
" بخير .. لم تكن يوما تعبر عن ما نشعر به من الم .. ننطق بها عندما لا نجد كلمة نستطيع به ان نعبر عن حالتنا .. كل شخص فى هذا العالم فقد شخصا عزيزا عليه .. اب... أم... وربما صديق عزيز علينا نتألم لفراقه ..
ترقرقت الدموع فى عينى نورا من دون قصد منها وقالت متابعة بحشرجة وهى تحاول رسم ابتسامة على وجهها
" لقد كان لدى صديقة عزيزة على للغاية .. كنا نتشارك فى كل شئ .. رغم أنها كانت أعلى منى فى المستوى لكنى لم أشعر بهذا يوما .. كانت تعطينى ملابسها .. وتأخذ منى رغم أنها لم تكن بحاجة لملابسى القديمة والباهتة.. لكنها كانت ترتديها .. لكن شاء القدر و ماتت .. تألمت وصرخت لفراقها.. فكما يقولون الفراق صعب ..
تنهدت بضعف وهى تمسح دمعة ساهتها وخرجت من عيناها
" لكن مراد اخبرنى بشئ فى هذا الوقت .. كل شى فى هذا العالم يكبر ..الطفل يصبح شابا فعجوزا فكهلا.. إلا الحزن يصغر أكثر وأكثر .. وسيأتي يوم سنسى فيه من كنا نشعر وكان الروح ستغادرنا عندما علمنا بفراقهم أول مرة .. أكثر شئ حبانا به رب العالمين هو النسيان ...لولا النسيان لتالمنا أكثر .. ولما استطعنا أن نمارس حياتنا .. "
ربتت على يدي نور متابعة بهمس
" ياسين ..لن أقول لكى انسيه... لان المرء مهما كبر لن يستطيع ان ينسى والديه .. لكن من اجله ومن اجل نفسك لا تظلمي نفسك .. بوادها اكثر بين الاحزان .. كنى الابنة الصالحة .. و ادعى له بالرحمة .. جميعنا سنموت .. "
اهتزتا شفتاى نور وهى تحاول النطق .. ونزلت دموعها دون إرادتها
" أبى ..أبى كان بالنسبة لى كل شئ.. أعلم انه مات ولن يعود ..أعلم إننى اعذبه ببكاءى لكننى لا أستطيع ... لا أستطيع عدم الحزن عليه .. والاستمرار هكذا .. هكذا بدونه ..."
تابعت بشهقات أكثر وببكاء يقطع نياط القلب ووجهها محمر .. وكأنها كانت بحاجة للحديث والصراخ أمام أحد ما .. وها هى قد اتتها الفرصة ..
" لقد تعودت على وجوده بجوارى فى كل لحظة .. عندما أفكر إننى ربما سادخل إلى غرفتى ولا أجده أتألم ... لم يكن والدى فقط .. بل كان عكازى الذى استند عليه لكى أستطيع به ان أواجه كل شئ.. كيف .. كيف اخبرينى .. انا أتألم .. "
ابتعدت عن مكانها وهى تتابع وهى واضعة يديها حول كتفيها وعيناه تهتزان بهستيرية و متسعتان رعبا ..
" لو كان معى .. لما حدث لى كل هذا .. لو كان معى .. لما حدث لى كل هذا .. لو كان موجودا .. لما أصبحت هنا .. لو كان هنا ما كان سيحدث لى كل هذا..!!!! "
ظلت ترددها بجنون وصوت عالى .. وهى تتراجع للخلف أكثر كلما حاولت نورا الاقتراب منها أكثر لتهدءتها .. لكنها كانت تتراجع أكثر للخلف وتهز رأسها بجنون .. حتى خارت قواها .. و سقطت مغشيا عليها ...
" نور " صرخت بها نورا ما ان رأت سقوطها ..
وفى لحظة فتح الباب بقوة .. و دلف إليها حازم بسرعة ولهفة راكضا نحو جسد زوجته القابع على الأرض .. أثنى ركبتيه ووضع يد أسفل ظهرها وأخرى أسفل عنقها وحملها و هو يلمح بقايا دموع على وجهها ..
بعد ما يقارب النصف ساعة
خرج حازم مع الطبيب من الغرفة .. وهو يستمع لشهقات والدته التى لم تكف عن لوم نفسها منذ ان سقطت .. ووالده يحاول تهدءتها ...
وقف حازم قبالة الطبيب...
" انهيار عصبى حاد .. انها متوترة للغاية ومضطربة أيضا .. هل تعرضت له من قبل "
سأله الطبيب بهدوء
" نعم .. منذ عدة ايام .. و أظن قبل هذا مرة او مرتين "
رد عليه بهدوء .. وهو يحاول عدم إظهار قلقه عليها ..
" منذ متى وهى بهذه الحالة!! "
سأله مرة أخرى
" منذ ان توفى والدها وهى هكذا "
" حسنا ..أظن من الأفضل ان تعرض على طبيب نفسى .. حالتها تزداد سوء .."
قالها الطبيب .. ثم ناوله ورقة
" هذه بعض الأدوية المهدءة... لكن بالطبع من الأفضل ان تعرض على طبيبا نفسيا "
هز حازم رأسه موافقا تابعا " نعم بالطبع "
شكر الطبيب ...
وصعد درجات السلم وجد والدته فى الغرفة ولا تكف عن البكاء .. فنظر إلى والده الذى كان يقف من بعيد .. ففهم والده نظراته .. وأخذ نورا وخرج بها من الغرفة رغم اعتراضها فى بادئ الأمر .. لكنها ما ان رأت حازم .. حتى خرجت من الغرفة ..
دنا منها ببط وهو يراقب جسدها المسجى على السرير .. أنفاسها مضطربة ووجهها حزين رغم نومها ..
منذ ان تشاركا فى هذه الغرفة منذ عودتهما.. وهو يشعر بارتباكها الواضح ..
لاحظ نظراتها المرتعبة منه ما ان اقترب من السرير أول مرة فى هذه الغرفة .. أبتسم لها بخفوت محاولا تهدءتها بنظراته الهادءة لها .. وتحرك مبتعدا عنه ..
و نزل حيث مكتبه محاولا أشغال نفسه بالقضاياة حتى يجد الساعة قد تجاوزت منتصف الليل .. فيصعد لغرفته... وينام على السرير بهدوء مبتعدا عنها بمسافة مناسبة .. لا يعلم أن كانت تشعر بوجوده بجانبها ام لا .. لكن كل هذا لا يهمه .. فهو يريد إقصاء حاجز تلو الآخر بينهما بهدوء .. يجب الا يسمح لها بوضع المزيد من الحواجز حولها .. وتمنعه عنها .. خطوة .. سيقترب خطوة خطوة .. حتى يثبت لها حقا أنه يحبها ..
و رغم انه كان يستلقى على سرير واسع بجوارها إلا انه لم ينم بهناء.. كان يراقب صدرها الذى يرتفع وينخفض بهدوء يعبر عن تنفسها المنتظم .. لقد كان مرتعبا من ان يحدث لها شئ وهى نائمة... وربما ارعبته أكثر فكرة انها ربما تحاول الانتحار .. خصوصا عندما راءها مرة تمسك بسكين حاد .. رغم أنها ربما تكون مجرد شكوك ليست فى محلها لكنه لا يستطيع منع نفسه من القلق عليها ..
وخصوصا عندما كان يراقب صمتها الذى كان يقتله أكثر مما يقتلها ...
وجهها شاحب للغاية .. و شفتاها مضمومتان تعبر عن انزعاجها الواضح ..
من دون ان يشعر وجد كفه يمر على وجهها يتحسس بشرتها باصابعه... حتى وصل إلى شفتاها الجافة وظل يمرر إصبعه عليها .. اقترب بهدوء وبحركة بطيئة للغاية .. وتردد كبير فى نفسه .. لكنه لم يستطع منع نفسه أكثر وطبع قبلة دافئة وخفيفة للغاية على فمها .. تبعتها سقوط دمعة واحدة من عيناه ...



ألقت بجسدها على السرير وهى تتذكر عودة والدتها إليها تخبرها انه ذهب .. ووافق على طلبها ..
هكذا من دون اى شى .. يتركها .. لم يتمسك بها ما ان قالت له ابتعد.. ابتعد فعلا ..
وحل محل فرحتها بقدومه إليها .. حزنها وسخطها لذهابه.. وهى تلوم نفسها ألف مرة .. فهل كان يجب عليها ان تظهر كبرياءها .. ويباسة رأسها ذلك أمامه واليوم بالذات ..
أغلقت عيناها تحاول ان تنام .. لكن كيف ستنام هكذا وهو ليس بجوارها ..
اتسعت عيناها وهى تستمع لاقتراب الخطوات أكثر .. فأكثر إليها .. وكلما كانت تقترب كانت تصل إليها رائحة عطره الممزوجة برائحة جسده هو التى تحفظها عن ظهر قلب ...
لوت اروى فمها بحزن وهى تتساءل بصوت منخفض ونبرة منزعجة ..
" هل أصبحت اهذى .. لدرجة إننى أشتم رائحة عطره .. لقد جننتى... جننتى بالطبع يا اروى .. "
" اروى هل انتى مستيقظة ؟؟!!"
ارتجفت اوصالها .. وهى تردد برعب وصوت منخفض
" انه صوته .. صوته .. لقد جننت .. هل لهذه الدرجة انا مجنونة به!!!! .. لا .. لا ما الذى حدث لى؟؟!!! .. كيف!! .. ومتى!! "
سمعت صوت ضحكاته المتتالية وهو يعلو أكثر وأكثر .. حركت يدها نحو المصباح الصغير الذى بجوار السرير .. و ضغطت على زر الإضاءة وهى تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتردد المعوذتان بسرعة ورعب .. التفتت بجسدها نحو الصوت ...
صرخت رعب خرجت من حنجرتها وهى تتراجع بجسدها على السرير ما ان رأته أمامها بشحمه ولحمه ..
ركض إليها .. وضمها بسرعة إلى صدره بلهفة .. وهو يمرر يده على شعرها
يحاول تهدءتها ..
" أهدى .. أهدى .. انه انا .. اسف .. اسف"
ظل يكرر أسفه وهو يمرر فمه على عيناها وجنتيها أنفها .. وبالقرب من ثغرها
"لم أكن أقصد .. أقسم لم أكن أقصد .. كنت أريد أن اجعلها لك مفاجأة "
وبحركة مهتزة حركة سبابتها عاليا ... وهى تردد باضطراب
"كيف؟؟!! .. كيف دخلت إلى هنا ؟؟.. "
أبتسم بخفوت .. وقال بمكر
" عمتى حبيبتى .. اعطتنى مفتاح منزلها .. ما ان أتيت فى اى وقت أستطيع الدخول .. "
ثم غمز لها بعيناه اليسرة مضيفا
" ودخلت "
وتابع بانزعاج كاذب
" لكن ما هذا الإستقبال ..هل هذه طريقة تستقبلين بها زوجك .. بعد ثلاثة ايام بعيدة عنه "
أحمر وجهها خجلا .. لكنها قالت بحدة
" هل تتامر على انت و والدتى .. أخرج من غرفتى حالا "
رد بعدم مبالاة وهو يفك أزرار قميصه فقد كانت سترة بذلته ملقاة على كرسى الزينة بإهمال ..
" لن اذهب .. لقد اخبرتنى عمتى إننى أستطيع النوم فى اى غرفة .. وأنا اخترت هذه .. "
زمت شفتيها ولوت فمها بحركة سريعة مظهرة غضبها .. وضمت يديها أمامها وحاولت الابتعاد عن السرير لكنه أعادها مكانها بهدوء
قائلا بنبرة لا تخلو من الحدة
" اروى .. لا ينقصنى جنونك ولا عنادك هذا .. اجلسى بهدوء على السرير .. فمهما حاولتى انتى لن تخرجى من هذه الغرفة إلا عندما أخرج انا منها غدا صباحا .. ام الآن فانتى ستنامين على هذا السرير بهدوء .. "
" ساصرخ "
هتفت به بعناد
" اصرخى لن يجرؤ أحد على الاقتراب من هذه الغرفة طالما انا بها "
نطق ببرود تام
وباشارة بعيناه عادت إلى السرير بهدوء .. حتى بدل ملابسه .. وجلس بجوارها على السرير .. وبحركة سريعة وضع رأسه على رجليها ...
حاولت الابتعاد لكنه اشتد برأسه أكثر مانعا إياها من التحرك .. أغلق عيناه .. بحث بيديه عن كفيها حتى وجدهما ووضعهما على رأسه ..
وقال بخفوت ونبرة منخفضة
" مررى يديك على رأسى أريد النوم "
وبتردد بدأت تمرر وتتخلل أصابعها بين خصلات شعره ... ووجهها يعلوه ابتسامة لم تستطع الكلمات التعبير عن مدى سعادتها وهو أمامها فى هذه اللحظة ..
ومن دون تفكير نزلت بفمها وطبعت قبلة على جبهته .. تراجعت برأسها بسرعة ما ان رأته قد فتح عيناه ..
وبحركة سريعة من يده وجسده كان قد ارجعها بجسدها للخلف .. وهو يقبض على رسغيها بلطف
وبمكر وابتسامة متسعة سألها
" هل انتى .. تتحملين نتيجة ما فعلتيه الآن "
لم تستطع منع نفسها من الابتسام و بوجه محمر خجلا اجابته بنبرة ناعمة
" نع........"
لم ينتظرها لتتكمل كلمتها و التقط شفتيها معانقا إياها بشغف ...



وبخطوات حازمة كاسمه دلف إلى المشفى .. يسأل عن ماهر .. فهو الوحيد الذى يستطيع ان يساعده فى مشكلته .. لم ينم منذ ليلة أمس وهو يراقب كل حركة كبيرة او صغيرة منها ..
وهو يفكر فى كلام الطبيب بتمعن .. فلم ياتى برأسه غير ماهر ليساعده...
هدأت ملامحه قليلا من التوتر ما ان راءه واقفا مع شخصا ما لم يهتم لمعرفة من يكون ..
اقترب بخطوات مدروسة حتى وقف أمامه .. فقابله الآخر بابتسامة بشوشة على وجهه .. حياه بسعادة ..
وأخذه حيث مكتبه ...
فى المكتب وبعد دقائق من محادثتهما ..
" إذا أنت تريد طبيبا نفسيا جيدا .. "
سأله ماهر
فأجاب حازم بهدوء
" أريد طبيبا ليس جيدا بل ممتازا .. يستطيع ان يسيطر على انفعالتها.. فهى ما ان تتذكر او تتحدث عن والدها حتى تسقط مغشيا عليها .. وهذا غير انها منطوية على نفسها كثيرا "
" حسنا .. انا لست على علاقة باطباء كثر ...ولا أعرف أطباء فى هذا التخصص ...
فظهر الحزن على وجه حازم ..
لكن سرعان ما تابع ماهر
" لكنى اعرف طبيبة .. تستطيع ان تدلنا على طبيب جيد .. ريم صديقة نور .. هل تعرفها "
حاول حازم عصر ذاكرته وتذكرها .. ولكنه كالعادة خانته ذاكرته ولم يتذكرها ..
فهز رأسه ب لا
أبتسم ماهر بخفوت و طلب من إحدى الممرضات لاستدعاءها ...
بعدها بدقائق دلفت ريم إلى المكتب .. و ضيقت ما بين حاجبيها ما ان رأت حازم ..
وبهدوء وعلمية مطلقة بدأ بشرح لها كل شئ...
وفى ثانية كانت ريم قد جنت تماما وهى تستمع لكلمات حازم التى تكاد تصف صديقتها بالمجنونة... بداية من انهيارها .. وحتى امساكها للسكين
فانقضت عليه كالقطة وعيناها تلتهب شرا بعد ان استمعت لكلماته لولا أن ماهر أمسك بيديها التى تحاول أن تمدها لتمسك عنقه
....لكانت خنقته بيديها .....فقالت وهى تكشر عن انيابها كالقطة التى تحاول ان تدافع عن صغارها .....
"أيها الحقير هل تقول أن صديقتى مجنونة .....ساقتلك"
.وقف امامها ماهر يحاول أن يمنعها من الوصول إليه .....والاخر يرمقها بنظرات باردة خالية من اى تعبير يحاول أن يهدأ من نفسه ....لولا أنها امرأة لكان خرج عن روقيه و قطع لسانها المسموم ..
فهتف ماهر بهدوء وعقلانية
" ما هذا يا ريم .. وهل كل شخص يعرض لطبيب نفسى .. يكون مجنونا .. انها مريضة تمر بظروف صعبة تحتاج لشخص لارشادها والاستماع إليها "
" إستماع .. وأين انا من كل هذا انا كفيلة بإخراج صديقتى من حزنها ..
هتفت بهما بصراخ... ثم تابعت بنبرة حادة لا تخلو من السخرية
" لقد اعتقدت انه يستطيع ان يخرجها من حزنها .. لكنى كنت مخطئة ما كان يجب ان اعتمد على شخص مثله .. لقد بقيت معه عدة ايام .. و ها هو يطلق عليها لقب مجنونة .. "
وأضافت بنبرة لا تقبل نقاشا
" سأذهب لصديقتى واهتم انا بها جيدا "
ابتسم حازم بسخرية وقال ببرود
" ومن هذا الذى سيسمح لك بالاقتراب منها انتى تحلمين .. "
" وهل تجرؤ على منعى .. أفعلها وساريك ما أريد فعله "
هتفت بها بعناد ..
فابتعد حازم عنهما واقترب من الباب .. وما كاد يدير مقبض الباب ..
حتى التفت إليها قائلا
" مجنونة "
قالها وخرج من الغرفة صافعا بابها بقوة .. فاتسعت عيناها ذهولا وردت من بين أسنانها
" طفل "
وكل هذا وماهر يحاول كتم صحكاته. . وريم تنظر إليه بغيظ من تصرفاته هو الآخر ووجهه الذى يحارب حتى لا ينفجر ضاحكا ..
رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل الرابع



وقفت لثوانى تنظر إليه بتمعن و يدها تقبض باصابعها على مقبض الباب ... تحاول كبح جماح انفعالها من رؤيتها له ...
" الن تدعينى أدخل!! "
قالها سليم وعلى وجهه ابتسامة باردة
افسحت له المجال بحركة سريعة منها ...
ثم هتفت روز بحدة ما ان اغلقت باب الجناح فى الفندق التى تقطن به هذه الفترة
" سليم السيوفى .. ما الذى جعلك تأتى إلى !!.. هل ستقوم بتهديدى؟؟.. لكى أسافر ولا أعود لكى لا أقوم بالمطالبة بحقوقى كأم "

جلس على أول كرسى قابله ووضع عصاه التى يتكأ عليها دائما بجواره ...
و رد بهدوء شديد
" اجلسى يا روز .. لن نتحدث وانتى بهذا الغضب "
حدقت به بتمعن واعين تشتعل غضبا .. فنظر إليها هو الآخر ببشاشة... زفرت بقوة وجلست على الكرسى قبالته وهى تضع قدم فوق الاخرى كعادتها بكبرياء .. ابتسم بخفوت من ملامح وجهها المتجهمة والغاضبة ..
تنهد بضعف .. ثم قال بنبرة يحاول بها مواساتها.. بعد كل ما فعله بها
" روز .. نعلم أننا أخطائنا بحقك .. وبحق نور أيضا لأننا السبب فى بعدكما عن بعضكما الآن ..

حدقت به بتمعن ...لكنه أضاف بصوت اجش
" لكن عليكى ان تعلمى.. أننا لسنا نادمين أيضا على ما فعلناه ..
حدقت به بوحشية و ثغرها يلتوى بتهكم وسخرية واضحة .. وهمست بضعف
" لم تندموا على ما فعلته "
" نعم .. لم نندم.. وارجوكى استمعى إلى ولا تقاطعينى "
أضاف مؤكدا بنبرة حادة مطلقة ..
" ان أخبرتك أننا كنا نحميكى ونحمى صغيرتك.. هل ستصدقينى "
نظرت اليه بحزن وهمست بألم
" أيا كان ما ستقوله ..فلن يبرر ابدا اخذكم لطفلتى بدون علمى ...
أشارت بيديها إلى قلبها وهى تهتف باختناق من عبراتها إلى تحارب لكتمها

" اخبرتونى بموتها... و ياسين .. ياسين تركنى.. ما هى أسبابه؟؟!! .. ما هى مبرراته اخبرنى ؟؟!!"
صرخت بعدما سقطت منها دمعة كبيرة عبرت عن جرحها و المها ... و ثقتها بأشخاص لم يكونوا يوما اهل لها ..
نظر لها سليم بشفقة.. أخذ نفسا عميقا ثم رفره بهدوء قائلا
" لقد تم تهديد ياسين من قبل اخوتك "
حدقت به بأعين متسعة وهو يتابع بنفس الهدوء
" هدد من أخيك مارسيل بالذات .. أما ان يأخذ ابنته ويختفى من أمامه ويطلقك ..او سيقوم بقتل الطفلة .. وحينها أيضا سيقوم بتطليقك "
ذهول .. ذهول ارتسم على ملامح وجهها وهى تستمع لكلماته و بطرف شفتيها همست
" كاذب "

تغاضى عن اتهامها .. لكنه رد بنبرة شديدة واثقة
" لماذا ساكذب عليك اخبرينى .. نحن لم نكن لدينا مصلحة من انفصالكما.. لماذا سنحرم ام من ابنتها إلا من أجل حمايتهما .."
" لا .. بالطبع لديك "
هتفت روز بوجع
" هل تعتقدين هذا ؟؟!!!"
سألها وهو ينظر اليها بتمعن يراقب ملامح وجهها التى شحبت وتحولت للون الأصغر ...
" لا أعلم !!!!.. همست بها باختناق ...وتابعت ودموعها تسقط على وجنتيها ...
" لا أعلم !!!... لم أعد أستطيع أن افرق بين عدوى وحبيبى ؟!!!"
اضافت وهى تبتعد عن كرسيها بترنح.. تحاول عدم السقوط وراسها يحاربها لكى تسقط ..
" لا اعرف .. أيا كان ... لماذا ؟؟؟؟؟ ... لماذا لم يخبرنى؟؟ ... لماذا يجب انا ان أتألم؟؟!! .."

فصرخت ... صرخت بوجع
" لماذا؟؟!! .. ما هى مصلحتهم .. فى قتل ابنتى وإبعاد ياسين عنى؟؟!! .. لقد ساعدت كل واحدا منهم؟!! .. "
" مصلحتهم فيما تملكينه ... أسهم.. أملاك .. وما ورثتيه عن والدك .. لا تنسى فانتى كنتى المفضلة له .. "
أضاف سليم
" لا يمكن!! " همست باختناق
بعد دقائق من محادثتهما ...
جلست روز على الكرسى قبالة سليم .. جسدها منحنى للأمام قليلا .. ووجهها مدفون بين كفيها شعرها يخفى رأسها بمهارة .. لم تصدر منها اى ردة فعل تدل بها انها تبكى .. فقط صامتة .. هل تفكر لتنتقم ام انها تعيد حساباتها...
يعلم انها مصدومة و متالمة... لكن سبحان الله الام والأبنة متشابهان فى الشكل للغاية .. وكان ياسين أثبت عشقه لها بأن أصبحت ابنته شابة مطابقة لوالدتها ...
لكن روز قوية قوية للغاية .. تختلف تماما عن نور الهشة الضعيفة التى لم تتحمل وفاة والدها ..
أما روز فقد تلقت صدمة تلو الاخرى بثبات .. لكنها ما تزال كما هى رغم أنها تتوجع ..

وقف سليم مبتعدا عن كرسيه وهو يستند على عصاه ..
قاءلا بنبرة جادة
" ارجو أن تكون قد توضحت لك الأمور .. نور أصبحت فى أمان .. لن يجرؤ أحد سواء اخوتك او حتى عمها من الاقتراب منها .. لكن فقط اعطيها فرصة لكى تستطيع الخروج من الم فقدان والدها .. وبعد ذلك نحن سنقوم بتمهيد الأمر بهدوء لها.. وستعرف ابنتك انك والدتها .. "
لم يصدر منها اى ردة فعل ... لكنه تابع بثبات ونبرة حادة ...
" روز .. قبل أن اذهب ساسالك سؤال واحد فقط .. وأرجو أن تجيبى عليه ..
رفعت رأسها إليه تتطلع إليه بانتباه
" هل لديك يد فيما حدث لسيف ؟؟!!"
سألها

عقدت ما بين حاجبيها بتساؤل وعدم فهم
" سيف .. ماذا حدث له؟؟!! "
زفر بقوة وهو يمرر إحدى يديه على وجهه بقوة ... نعم لقد.كان على علم انها لا يمكن أن تؤذي سيف بالذات .. فهو على يقين ان ابنه له معزة خاصة عندها فهو ابن فيروز ..
تنهد بضعف ... وجلس قبالتها مرة أخرى يقص عليها كل ما حدث...



فتح عيناه بتعب وهو ينظر إلى المرأة الجالسة على إحدى الطاولات بعد ما أشار له النادل ان هذه هى المرأة التى تنتظره منذ ما يقارب النصف ساعة ..
بخطوات محسوبة للغاية اقترب سيف منها .. فعندما كان فى مكتبه يحاول جمع المعلومات عن مساهمين الشركة .. والأشخاص الذين تركوا كل أمورهم فى يد جده سليمان منذ زمن .. تفاجأ برسالة ورقية تعطيه إياها السكرتيرة الخاصة بمكتبه ..
فتحها فوجد الاتى
" أتمنى مقابلتك فى المقهى القريب من شركتك .. لدى الحل لمشكلتك "
كانت رسالة بسيطة ومقتضبة للغاية .. من هذا الذى يملك حل لمشكلته؟؟ .. ومن الذى يعرف من الأساس بهذه المشكلة؟؟!! ...
ضغط بقبضة يده على الورقة بشدة ... وبسرعة وفضول لم يستطع اخفاءه ارتدى سترة البذلة وذهب إلى حيث ينتظره صاحب الرسالة ..
وقف بجسده وطوله الفارع بالقرب منها وهو ينظر اليها بتمعن .. من أرسل الرسالة امرأة .. حسنا لنرى كيف لديها حل لمشكلتى " حدث سيف نفسه بذلك
ثم جلس على الكرسى قبالتها .. وهى تنظر إليه بابتسامة دافئة ...

فعندما قابلت سليم صباحا وبعد كلامه معها .. تفاجأت بما نطقه .. وعندها تأكدت شكوكها السابقة .. أخيها مارسيل يلعب بسرية واحترافية تامة باستخدام تلك المدعوة علا التى رأتها معه فى مكتبه بلندن سابقا ..
أخيها يريد الانتقام بخطوات بطيئة للغاية هى نفسها لا تفهمها .. ما الذى سيستفيده من أبعاد سيف عن طريقه من الشركة الرئيسية ... إلا إذا كان أخيها يطمع ويرغب بهذا الكرسى بالفعل .. يريد أن يوسع أعماله .. لكن لماذا استخدم علا .. أشياء وتساؤلات تدور فى رأسها وكأنها فى فلك واسع ...
ابتسمت وهى تراقب نظراته المتفحصة والمتعمقة بها ولا تخلو من التساؤل أيضا ...

" روز .. صديقة قديمة لوالدتك "
عرفت بنفسها .. رغم أنها استغربت طريقتها تلك إلا انها لم تجد أفضل منها للتعريف عن شخصها
" أهلا .. هل هناك شئ أستطيع أن أساعدك به "
رد بنبرة غير مبالاية.. وكأنها شحاذ يقف أمامه ..
ابتلعت ريقها وقالت بهدوء مضيفة
" انا من إحدى مساهمين الشركة "
اعتدل فى جلسته ونظر إليها باهتمام فتابعت بعد أن استطاعت أن تجذب اهتمامه ونظره إليها
" أعلم بشأن الرئيس الجديد .. وبالطبع ما حدث انا غير موافقة عليه .. لطالما اقتنعت أن أكثر شخص يستطيع ان يدير الشركة هو سليمان الحسينى او أحد أفراد عائلته فهو من انشاءها وهو الأحق بها "
صمتت قليلا وهى تراقب انصاته الشديد لها

" أستطيع أن أساعدك فى الوصول إلى المنصب .. فأنا أعرف كل المساهمين القدامى وأستطيع إقناعهم .. ما رأيك !!!"
صمت لثوانى وهى تنتظر رده
" وما هو هدفك من وراء هذا ؟؟!!!.. هكذا بدون مقابل تعرضين على مساعدتك ؟؟!!!.."
فلتت منها ضحكة خافتة بعد أن استمعت لنبرته التشككية... من يراه للوهلة الأولى يعتقد انه يشبه والده بهيبته طوله وحتى نظراته .. لكن من يتحدث معه يعرف انه يجلس مع نسخة مصغرة من سليمان الحسينى ..

" تستطيع ان تقول تسديد دين قديم لوالدتك .. فهى كانت صديقتى "
أرادت أن تقول لوالديك لكنها لم تستطع فهى علمت بالعداء الذى بينهما .. سيف لا يستطيع ان يسامح والده لابتعاده عنه .. لكن نور هل ستسامحها ام انها ستجافيها أيضا ... مجرد التفكير بهذا الأمر يؤلمها ... حدثت روز نفسها بذلك
لن يكشف اوراقه أمام شخص لا يعرفه .. لكن رغم هذا هو لا يملك الخيار سيلعب من دون خوف ..وكما يقولون أما ان أكون او لا أكون ...
" حسنا .. ما رأيك هل تسافر معى ام أتصرف انا هناك؟؟!! "
سألته روز .. وهى تعلم بما يجول برأسه .. الأسد يفكر بتمعن للغاية ..
" ساسافر غدا "
قالها بنبرة جادة
" حسنا ... سنتقابل غدا فى المطار "
ردت ...
رغم أنها كانت ترغب بالبقاء أكثر بمصر .. إلا انها بعد ان فكرت وجدت هذا أفضل .. حتى تستطيع ان تعود ابنتها اولا لتوازنها كما اقترح سليم .. وبعد ذلك ستعود وتاخذها إلى أحضانها ...وتخبرها بكل شى ..
ابتسمت له وابتعدت عن كرسيها فيجب ان تذهب الى مكان ما قبل أن تغادر أرض هذه البلد ...



وقفت بتوتر وهى تنتظر صديقتها لتخبرها بنتيجة التحاليل .. هى لم تجرؤ على الدخول معها والمعرفة بنفسها ... لذلك فضلت الإنتظار بالخارج ..
لأول مرة تشعر ريم بهذا التوتر والخوف قامت بإجراء التحليل وها هى تنتظر الخبر ..أما ان يجعلها سعيدة تكاد تحلق فوق النجوم ... وأما ان يسقطها من سابع سماء إلى سابع أرض ..
أخذت ردهة المشفى ذهابا وايابا .. ويديها تكادان تصبحان جليدا من التوتر ... بالإضافة إلى اهتزارهما المستمر وجسدها الذى لم يتوقف عن الارتعاش.. وكأنها تنتظر حكم محكمة .. خائفة من ان يكون مخالفا لتوقعاتها وحينها سترحب بصدر رحب بقرار اعدامها ...
بلعت ريقها ما ان رأت خروج صديقتها من الغرفة .. لمحت على وجهها شبه ابتسامة تكاد تكون آسفة وحزينة ..
نظرت ريم إليها بلهفة وهى تتضرع وتدعو فى نفسها ان تخيب صديقتها ما تراه على وجهها و تخبرها بما تتمنى سماعه ..
" للاسف "
همست بها الطبيبة الاخرى .. وزميلة ريم فى المشفى .. باسف حقيقى ونبرة خافتة
فى لحظة كانت تتراجع ريم للخلف بحركة واحدة حتى اصطدمت بجسدها على الجدار خلفها .. وهى تحارب موجة من البكاء والدموع تهددها بالسقوط .. عضت على شفتيها بقوة .. وعيناها الزرقاء غاءمتان من الحزن والأسى على نفسها ..
هل اعتقدت أن القدر سينصفها ويحقق ما تتمناه وما تحلم به طوال عمرها .. ستكون حمقاء إذا حدث هذا .. فلطالما كان قدرها مخالفا تماما لما تتمناه ..
اقتربت منها صديقتها بأسى قائلة بمواساة وحزن حقيقى
" ما زلتى صغيرة يا ريم .. حاولى مرة أخرى "
" مرة أخرى "
هتفت فى نفسها بسخرية .. لو تعلم صديقتها لعلمت ان هذه المرة الثالثة لها للمحاولة .. وجميعها كانت مخيبة للآمال .. اعتقدت كما يقولون الثالثة ثابتة ولكنها كانت مخطاة وأتت الثالثة سالبا كسابقتها ...هى ليست حامل لماذا ؟؟؟!!!.. من تزوجوا بعدها جميعهم بطونهم منتفخة الآن .. لكن لماذا هى لا؟؟!!! ...
صرخت فى نفسها ... أخذت نفسا ثم زفرته بقوة وهى تلمح نظرات صديقتها المشفقة عليها ..
ابتسمت لها ريم ابتسامة باردة و ابتعدت عنها فى خطوات تكاد تكون ضعيفة ...
دلفت إلى مكتبها جلست على أول كرسى قابلها وهى تدفن وجهها بين يديها .. وهى تفكر انها يجب أن تتحمل وتنتظر ربما لم يحن الوقت بعد ...
لكن متى إذا سيأتي الوقت وتصبح أما كما تتمنى؟؟!! "
صرخت فى نفسها ..
مررت يديها على وجهها ... وفى لحظة تناست نفسها ولم تفكر غير فى نور الآن .. فصديقتها على حافة الجنون .. تحتاج إلى شخصا ما بجوارها وهى لن تترك صديقتها تواجه حزنها وحدها .. اليوم ستستغل انه نصف يوم ... وتذهب إلى نور ستتحدث معها ربما بحديثها معها تستطيع ان تنسى ما حدث لها ..



بوجه ناعم وابتسامة بشوشة قابلت السيدة نورا ريم ... بعد ان اعطتها علبة صغيرة يوجد بها عدد من قطع موس الشوكولا الشهى ..
دلفت إلى غرفة نور التى همت من مكانها وعانقتها بقوة ..
جلست ريم بجوارها وهى تمسد على شعرها بحنان .. أمسكت بكف يدها وسحبتها وراءها حتى دخلتا الى الشرفة الكبيرة التى كانت تتوسطها طاولة صغيرة حولها كرسيان .. اجلستها على إحداهما وجلست هى قبالتها ...
وقالت ريم بسعادة تحاول أن تخفى به حزنها على نفسها وعلى صديقتها أيضا التى لم تقل ألما عنها
" الطقس رائع اليوم .. لولا إننى أرى شحوب وجهك لكنت اخذتك وذهبنا للتسوق قليلا "
تشدق فم نور بابتسامة .. لكنها عادت واشاحت بوجهها بعيدا عن أعين صديقتها الفضولية ..
صمتت ريم قليلا وهى تراقب نظرات صديقتها إلى ألاشئ ...
"هل حدث شئ؟؟!!"
سألتها ريم بهدوء
استدارت نور بوجهها نحو صديقتها .. و بأعين ذابلة سألتها
" شئ من اى نوع تقصدين يا ريم ؟؟!!!"
ابتعدت ريم عن كرسيها ووقفت بالقرب من سور الشرفة قائلة بهدوء
" شئ.. كالحياة مع حازم ..مثلا "
حدقت نور فى ريم بعدم فهم لثوانى .. والأخرى ابتسمت لها بخجل .. حتى أحمر وجهها و وضعت أصابع يديها على وجهها خجلا ما ان فهمت ما تقصده صديقتها ..
بلعت نور ريقها وقالت بصوت مهتز وهى تفرك يديها الاثنان ببعضهما
" لا لم يحدث شئ "
" ما الذى تقصدينه"
همست بها ريم بشك
" أقصد انه لم يجبرنى على شئ .. قال انه لن يقترب لطالما انا لا أريد ذلك .. فهو لن يرغمنى "
همست نور بخجل ..
ابتسمت ريم بسعادة .. من تصرف حازم ...فى البداية اعتقدت انه شخص انانى ولن يهمه غير نفسه .. لكنه خيب ظنونها .. ووجدته شخص متفاهم.. ويستحق حقا صديقتها .. وربما سيستطيع ان ينسيها حزنها على والدها .. وحبها القديم لمازن... ذلك القذر الذى خدعها واستخدم براءتها لصالحه ..
ركعت ريم ناحية نور وهى تقول بنبرة دافئة
" نور .. أريدك أن تبداءى من جديد .. انتى شابة وجميلة .. لا أريدك أن تبكى على ما مضى .. انا اعرف انك قوية وستجتازين كل الامك تلك .. أليس كذلك.. "
ترقرقت الدموع فى عيناى نور بألم و همست بغصة فى حلقها تكاد تخنقها
" كلما أتذكر أبى انهار قلبى يؤلمنى لتركه لى... يؤلمنى انه لم يعد بجوارى بعد أن كان موطنى.. كيف .. كيف اخبرينى أستطيع اجتياز المى؟؟!! "
ربتت ريم على يد صديقتها بحنان ودف قائلة بنبرة ناعمة وابتسامة
" والدك .. لن ينكر أحد انه كان أبا راءعا.. وانتى أيضا ابنة رائعة وقوية .. يجب ان تكونى قوية عندما تفقدى شيئا عزيزا .. لا تخلو حياة كل منا من رياح عاتية او عاصفة تدمر فيها ما يحبه وما يتمسك به من أجل الحياة .. لذا يجب ان نقف بثبات وقوة ونواجهها غير خائفين .. و نؤمن بقلوبنا أن القادم احلى بإذن الله .. ندعو الله ان يخفف ويجرنا من مصيبتنا خيرا ... حتى نستطيع الخروج منها سالمين .. "
ارتمت نور بين أحضان ريم تبكى .. و تبكى ..
ربتت على شعرها ..
وحثتها قائلة
"رددى ... اللهم أجرني فى مصيبتى وأخلف لى خيرا منها.. "
وبنبرة ضعيفة للغاية نطقت
" اللهم أجرني فى مصيبتى وأخلف لى خيرا منها...
اللهم أجرني فى مصيبتى وأخلف لى خيرا منها ... يارب "
بعد مدة من موجة بكاء نور .. سحبت ريم نور خلفها .. و توجهتا ناحية المطبخ ...
بداخل مطبخ مراد السيوفى ..
" ألم تشتاقى لطعامى.. لحظك ساجعلك تاكلين من يد ريم اليوم "
هتفت بها ريم بتفاخر وهى تخرج مقلاة ما من أحد الخزان العلوية التى بالمطبخ ...
" ريم هل ما نفعله صحيحا هذا ليس منزلا؟؟!! .. ولم نستاذن أحد ما حتى!! "
هتفت بها نور بقلق
فنهرنها الاخرى بعيناها قائلة
" حمقى .. انتى أحد أصحاب هذا المنزل أيضا ولا تقلقى .. السيدة نورا لا أعتقد انها سترفض او تنزعج من استخدامنا لمطبخها اليوم "
وفى ظل هذا الجدال بينهما حضرت المدعوة نورا بابتسامة رائعة تدل على انها غير منزعجة إطلاقا لاستخدام المطبخ ..
" هل تمانعين من استخدامنا للمطبخ؟؟!! "
سألت ريم وهى تنظر لصديقتها الخجولة من تصرفاتهما واقتحام أماكن الآخرين كما تزعم
اتسعت عينا نورا بحزن كاذب هاتفة بنبرة حنونة وهى تضع يديها على كتف نور
" لا .. بالطبع .. ما هذا الذى تقولينه انه منزلك يا ريم !!"
تهللت اسارير ريم من هذا التصريح وتابعت طريقها فى إعداد الطعام ... بعد ان غمزت للسيدة نورا التى بادلتها هى الأخرى بغمزة من عيناها
ثم تابعت وهى تضم نور إليها أكثر وطبعت قبلة على جبينها قائلة بسعادة
" سعيدة بخروجك من تلك الغرفة .. "
ثم تابعت نورا هاتفة بحماس
" هل يمكننى المساعدة فى شئ "
وبدان الثلاثة فى إعداد الطعام ..
بعد ساعات من صراع طويل فى المطبخ انتهى بأعداد ريم لكل شئ بنفسها بعد عدد من الأكلات التى أحترق بعضها .. والبعض تم وضع المكونات بطريقة خاطئة .. وفشل نور فشلا ذريعا فى إعداد طبق واحد بطريقة صحيحة .. ونورا التى كما ذعمت انها لم تمسك سكينا منذ زمن .. فكما يقولون الكنة وحماتها مثل بعضهما فاشلتان فى اى شى يخص الطعام ..
تم التهام الطعام بشهية مطلقة من قبل الثلاثة نساء وخصوصا ريم التى التهمت طعامها بنهم حقيقى .. و لم تختلف السيدة نورا عنها فالتهمت الاخرى طبقها غير عابءة بذلك الشئ المدعو رشاقة .. ونور التى حاولت أن تتاقلم معهما والخروج شيئا فشيئا من أحزانها ...
رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل الخامس



دلفت إلى المنزل بخطوات لا تخلو من الانزعاج ما ان رأت حماتها قبالتها تنظر إليها باستنكار وربما يغلفه بعض الاحتقار ....
" هل تعلمين كم الساعة يا مدام ؟؟!! .. زوجك أتى منذ عدة ساعات "
قالتها كوثر بغضب مكتوم لريم
" انه عملى الذى جعلنى أتأخر هكذا "
قالتها ريم بهدوء .. وهى تنهر نفسها على تلك الكذبة .. لكنها لا تريد جدال مع حماتها فى هذا اليوم بالذات فيكفيها ما مرت به لليوم .. رغم أنها تعلم انها أخطأت بتاخرها كل هذا الوقت مع نور .. لكنها لم يكن لديها رغبة فى العودة إلى هذا المنزل ... تشعر وكأنه على وشك ان يقبض على روحها ...

" حتى وإن كان عملك .. عليك ان تتذكرى ان زوجك لديه عندك حقوق أيضا .. و أقلها ان يجد زوجته فى المنزل عند عودته او حتى لا تتاخرى لهذه الساعة "
هتفت بها كوثر وهى ترفع إحدى حاجبيها
فامتعض وجه الاخرى .. وقالت بغيظ وهى تحاول الحفاظ على ما تبقى لديها من تعقل
" وهل اشتكى إليك ابنك؟؟!! .. لكى تتحدثى هكذا ؟؟!!.. لا أعتقد انه سيجد زوجة مثلى .. "
لوت كوثر فمها باستنكار .. وكما يقولون هى من بدأت الحرب .. فهتفت بثقة و إحدى حاجبيها رفع بطريقة مغيظة
" لست بحاجة لأن يشكو إلى ابنى لكى اعرف ان كان بخير او لا .. وخير دليل هو لم نسمع اى خبر عن حملك .. رغم أن من تزوجوا بعدك بطونهم منتفخة الآن "
هتفت حماتها بكلماتها وانصرفت ... وكأنها لم تكن تلقى بقنبلة مؤقوتة أمامها الآن

كتمت ريم غصة فى قلبها .. وهى تشعر بانقباض معدتها بطريقة المتها.. فحماتها المصون اعطتها ضربة فى الصميم ..
دلفت ريم إلى الغرفة وقلبها يبكى ألما .. لقد حاولت طوال يومها نسيان ما مرة به من يوم وفشلها فى حلمها ان تصبح أما .. ها هى حماتها أتت لتخبرها بأنها لن تصبح امرأة كاملة يوما ..
شهقت ريم ما ان شعرت باليد التى حاوطت خصرها بتملك .. تبعها عدد متلاحق من القبلات ..
حاولت إبعاد ذراعيه المحاوطة لخصرها وهى تهتف بتعب
" مالك .. ارجوك انا متعبة .. "
لم يستمع فقد كان شوقه إليها أكبر من اى شئ وهو يقبل كل ما تقابله شفتيه ...

لم تستطع تمالك انزعاجها اكثر وربما بعض من نفورها منه فقامت بابعاده بقوة عنها .. جعله ينظر اليها بحزن واستغراب من تصرفها ..
علمت بفداحة فعلتها من نظراته المتالمة فاخفضت اهدابها إلى أسفل وهى تهمس باختناق وآسف حقيقى
" انا آسفة حقا .. لكنى متعبة .. "
مرر يديه على وجهه و بخطوات بطيئة توجه نحو السرير وجلس عليه بوجه عابس مختنق ..
أسرعت نحو الحمام .. واسندت بظهرها على الباب. .. ما مرت به اليوم يكفيها .. لم تعد تتحمل تريد أن تبقى بمفردها .. حقا تتمنى هذا ..
خرجت من الحمام بعد ان ابدلت ملابسها بقميص طويل باكمام قصيرة ...
انزلقت بجواره على السرير مع حفاظها على مسافة بينهما .. أغلقت عيناها بألم ما ان شعرت بذراعه التى تحاوط خصرها يقربها منه أكثر حتى التصق جسدها بجسده .. وكأنه يرفض ابتعادها عنه .. يرفض ان يعطيها فرصة لتكون مع نفسها لبعض الوقت فقط ..
لم تحاول ابعاده عنها .. وهو ما ان شعر بذلك حتى بدأ بطبع قبلاته المحمومة خلف اذنيها وعلى شعرها .. جعلت غضبها يزداد ويحتقن وجهها ..
وقالت بغضب لم تقصده

" مالك .. ارجوك انا متعبة .. ارجوك "
لكنه لم ينتبه لنبرتها الغاضبة تلك وهمس بهيام
" ريمو .. فلنتحدث فقط لدقائق .. ماذا بك اخبرينى؟؟!! ... "
أخذت نفسا عميقا ثم زفرته باختناق تحاول كتم دموعها التى تهددها منذ الصباح بالنزول
وقالت بهدوء
" لا شئ .. انا فقط متعبة "
شعرت بقشعريرة فى جسدها ما اقترب أكثر بأنفاسه عند اذنها .. وهو يهمس بالاسم الذى أصبح يدللها به منذ عدة ايام ...

و ذابت كما يذوب الجليد بين يديه .. و استسلمت للمساته .. لكنها لم تستطع أكثر ابعدته عنها بقوة وشعور من النفور وربما من الضيق يخنقها يمنعها من الاستمرار أكثر ...
هى انكمشت فى مكانها بعد ان نزلت اخيرا دموعها .. ارتدى ملابسه وتوجه و كأنه عاصفة هوجاء إلى الشرفة يحاول أن يجمع شتات نفسه المنكسرة .. هل لهذه الدرجة أصبح مفروضا عليها لماذا كلما يشعر ان المسافة بينهما تقل يجدها تزداد أكثر وأكثر؟؟!!! .. ما الخطأ الذى فعله؟؟؟ .. لكى تصبح علاقتهما فاشلة لهذه الدرجة ..
ظل يضرب بقبضته على سور الشرفة الكبيرة وهو يسب ويلعن بقوة .. يحاول أن يمنع نفسه من الصراخ ..
سيجارة ... ثم ثانية .. فثالثة ... ثم لم يعد يعرف ما هو عدد السيجارة التالية ... وكأنه فى ماراثون لمن يدخن أكثر ..
وبحركة من جسده وجد نفسه يراقب من وراء زجاج الشرفة الكبيرة زوجته المنكمشة فى مكانها تحاوط جسدها بذراعيها وعيناها لا تكف عن البكاء .. وكأن روحها وجسدها قد انتهكا...
ماذا يفعل لكى يشعرها حقا بأنه أكثر شخص لن يؤذيها..كيف يمنحها الأمان وهى تبعده عنها أكثر .. يعلم انه أخطأ بقربه هذا ... لكن هو يحتاج لقربها ضغوطات وعمل و والدة متذمرة وفوق كل هذا ...آخر كذبها عليه .. عدم صدقها معه ... ذهابها إلى نور ومجيءها فى هذا الوقت المتأخر ..

كلها أمور يحاول التغاضى عنها من أجلها .. تقترب منه متى تشاء وتبتعد أيضا ما تشاء .. وهو يقبل ما تقدمه لها بسعة صدر ..
عندما رآها أول مرة وخفق قلبه لها .. رأى بها زوجة ... إمرأة تحبه .. تنتظره بشوق ... تعد له ما يشتهيه.. تستمع له ويستمع لها ..
لم تحاول يوما الاستماع له .. لكى يخبرها بما مر به من يوم متعب ومرهق.. فينتهى تعبه بين يديها وهى تربت عليه كطفل ... نعم فمهما كبر الرجل سيظل طفل بين يدى من تفهمه وتستمع له ..
خرج من الشرفة بعد ان أغلق بابها .. جلس بجسده على السرير مستندا بظهره على ظهر السرير وواضعا ذراعيه خلف رأسه .. ينظر بشرود أمامه ..
كتمت شهقاتها ما ان جلس بجوارها ... وهى تلوم نفسها على ما فعلته .. وفى نفس الوقت تلومه على اقترابه هو أيضا ... فهو لم يحترم خلوتها مع نفسها حتى لو دقائق.. لم يمهلها حتى تصبح بمفردها ...
استدارت بجسدها نحوه وهى تنظر إليه بأعين دامعة
قائلة بهمس و ببحة من أثر بكاءها وباختناق

" انا آسفة "
لم يرمش له جفن بل ظل عيناه ناظرة إلى الفراغ أمامه بشرود ..
فنادته مرة أخرى وبحزن حقيقى وأسف
" مالك ... انا آسفة "
" نامى يا ريم تصبحين على خير "
قالها بنبرة كالسقيع ببرودها .. يخبرها بعدم رغبته للحديث أكثر ...
استدارت مرة أخرى وهى تعطيه ظهرها .. وهو على نفس وضعه لم يتحرك ...
لثوانى .. أو دقائق وربما لساعات بقيا هكذا.. فكل منهما فى ملكوته الخاص .. حتى اخيرا شعر مالك بمدى ألم جسده لجلوسه هذه الجلسة.. فرد جسده واغلق عيناه مدعيا النوم ...
تحركت مبتعدة عن السرير ما ان استمعت لصوت انفاسه المتتظمة .. دلفت إلى الحمام .. تاركة الماء البارد يسقط على جسدها .. و وضعت ذراعيها حول جسدها بحركة خائفة تحاول حماية نفسها من شئ مجهول هى لا تعلمه ...
من يقترب منها .. عليه ان يعلم انها لن تمنحه إلا القليل .. فهى ليس لديها ما تملكه لتعطيه له .. ما ينتظره منها .. هى لا تملكه ..

وقفت بتردد بالقرب من جهة السرير الناءم عليه .. بيد تتقدم نحو الهاتف ثم تتراجع فجاءة الى حيث صدرها من الخجل ..
هل تقوم بايقاظه فى ساعة كهذه من أجل شى تافه .. ظلت تعض على شفتيها وهى تفكر بتمعن فهى لا تعرف ماذا تفعل؟؟ ..
لثوانى ظلت تنظر لملامح وجهه الساكنة .. جسد يحتل معظم السرير بطوله رغم نحافته .. بشرة سمراء .. وملامح هادئة تشبه وداعة الذئب فى نومه .. واهداب طويلة .. ومن دون أن تقصد نزلت عيناها نحو فمه لكنها سرعان ما اشاحت بنظرها بعيدا عن فمه .. توترت اكثر من انفاسه التى تخرج منتظمة من أنفه بطريقة مريبة ..
استدارت بجسدها وهى تعض اناملها من التوتر والخجل ..

فتح عيناه ما ان وجدها تعطيه ظهرها وشعر بحركتها. . فهو يشعر بحرارة جسدها منذ ان وقفت فوق رأسه هكذا .. يتساءل عن سبب وقوفها .. ولكى لا يحرجها..
تمطى بجسده وتثاءب بقوة وبنبرة قلقة سألها حازم
" ما الذى ايقظك؟؟! .. هل تحتاجين إلى شئ؟!! "
ما ان استمعت إلى صوته حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة اذابت قلبه وهى تنظر إليه
" نعم هل يمكنك .. بما انك استيقظت ان تخبرنى باتجاه القبلة "
تعجب من سؤالها فهو نفسه لا يعلم اتجاهها ..
تنحنح فى جلسته وهو يسعل محاولا أن يجلى حنجرته من نظراتها له ... فكم يؤسفه ان لا يجيب على أول سؤال تسأله إياه ...
وبسرعة أمسك الهاتف .. مستخدما البوصلة التى فى الهاتف لمعرفة الاتجاه ... متعللا بصوت خجل
" آسف .. لكننى لا أعرف الاتجاه فأنا لا أبقى هنا كثيرا "
رفعت إحدى حاجبيها فهى ليست بحاجة للتفسير هى بحاجة فقط لمعرفة اتجاه القبلة ..

أشار بيديه ناحية الاتجاه .. وراقب حركاتها التعثرية باسدالها الطويل .. الذى أخذته من والدته منذ ساعات ...
أبتسم بخفوت فهو حقا سعيد بتحسنها البسيط هذا .. فيبدو حقا أن لتلك الفتاة المدعوة ريم تأثير كبير عليها .. فهو قد حضر معركتهم هم الثلاثة فى المطبخ وهو يراقب كل حركات نور فقط .. ابتسامتها .. ووجهها الذى بدأ يعود إليه الحياة ولو قليلا ...
رغم انه لم يكن يطيق ريم بعد ما فعلته معه فى المشفى .. إلا انه حقا سعيد بقربها من نور .. كان يتمنى لو استطاع أن يشاركهم فى المطبخ لكنه لم يرد ان يحرج نفسه فهو قد هتف سابقا انه لن يقرب ريم من نور .. يحرج نفسه .. انسحب بهدوء حيث مكتبه .. حتى خرجت ريم اخيرا من منزله ...
راقب نظراتها الخجلة إليه فهو يعرف معناها جيدا .. هى لا تريده أن يكون موجودا عندما تكون بين يدى ربها .. لكنه لن يسمح لها .. وجلس فى مكانه ...
يراقبها وهى تصلى بعد ان فشلت نظراتها فى إقناعه بالخروج .. انتهت
" تقبل الله " نطق بصوت دافئ

" شكرا لك " ردت بخفوت وهى تطوى سجادة الصلاة ... خلعت عنها اسدالها ..
وانزلقت على السرير وهى تكاد تشعر بدماءها ستنفجر من الخجل ..
ا .. و دقات قلبها تصم اذنيها من سرعة تحركه ...
بابتسامة عابثة نظر إليها وهو يلاحظ احمرار خديها تحت ضوء المصباح الصغير ..
بلع ريقه فها هو مرة اخرى يقع أسيرا لرغباته.. فهو يتمنى لو يستطيع امتلاكها فى هذه اللحظة .. يقربها منه ويلصقها به .. يمنعها الهرب منه ومن نظراته ...
وبحركة خاطفة .. طبع قبلة على شفتيها تبعها أخرى قرب ثغرها وعلى وجنتيها...
وقال بصوت مبحوح من الرغبة
" تصبحين على خير "
اتسعت عينا نور من الصدمة .. وهى تحاول أخذ أنفاسها بعد ما حدث .. وهى ترى استلقاءه على السرير واغماضه لعيناه ببط ..
وبسرعة .. غطت جسدها من رأسها حتى أخمص قدميها بالغطاء ... وهى تقشعر من المفاجأة ...
تشدق بابتسامة ماكرة ما ان رأى ردة فعلها من تحت جفونه الشبه مفتوحة ...

ولليوم الثانى والأخير ياتى إلى منزل عمته .. يسحبها فتجلس على السرير وينام هو على ركبتيها .. تتخلل شعره بهدوء... وهى تراقب حركات صدره الذى يعلو و ينخفض بانتظام ..
لا تعلم ماذا به رغم ابتسامته إلا انها تشعر بشئ يؤرق صفو حياته .. هناك ما يزعجه يحاول الهرب منه بالنوم و الاستلقاء هكذا ..
" لماذا لم تخبرينى؟ !!"
بلعت ريقها و فتحت عيناها وهى تنظر إليه بتساؤل عن سبب سواله المفاجئ ... هل يسألها لماذا لم تخبره بحملها ؟؟!!... ام سؤال آخر هو يقصده ؟؟!!... فقابل نظراتها بابتسامة صافية ... ارخى فكه ...ثم تابع بهدوء وهو ينظر اليها
" لماذا لم تخبرينى بحملك منذ أن علمتى به ؟؟.. مما كنتى خائفة "
اسبلت باهدابها.. ويداها توقفتا عن عملهما بين خصلات شعره .. وهى تحاول تجميع كلماتها وربما أفكارها لكى تستطيع ان تبدأ بها حديثها ..
هل تخبره بما سمعت .. انها بحاجة حقا معه لجلسة مصارحة .. يصارح كل منهما الآخر .. ما بينهما لا يمكن أن ينتهى .. حتى لو هى ارادة ذلك.. ما بينهما وثاق أبدى .. اشتد بذلك الطفل الذى بين احشاءها... فهو منه .. قطعة منه زرعت بها ..

" سيف .. ما ساقوله... ارجو أن تجاوبنى عليه بصراحة .. "
رغم أنها تكذب نفسها .. وتبكى خوفا من ان يصدمها بصراحته... لكنها ستتمسك بالأمل الذى لديها .. فيكفى انه الآن بين أحضانها .. ولم يبحث عن غيرها .. رغم جنونها وما فعلته سابقا معه
صمت دليلا على موافقته يستمع لكلماتها بانصات وانتباه ...
" هل زواجى بك مجرد صفقة حقا لكى تحصل على بعض من أسهم الشركة؟؟.. "
اعتدل فى جلسته وعيناه تضيقان باستغراب..
فقال بنبرة جادة فهى من اختارت المصارحة وهو أيضا بحاجة إليها معها هى بالذات حتى يستطيع ان يهدأ باله ويطمئن ما ان يتركها هنا ويسافر .. فكما يقولون سيضع النقاط على الحروف .
" انا لن أنكر .. لقد تزوجتك من أجل الأسهم ...
صمت وهى شعرت بألم فى صدرها وكأنها طعنت بخنجر او سكين حادة .. رغم علمها بما سيقوله .. إلا انها تألمت من اعترافه ...
لكنه أضاف ..

" اروى .. انا لن أنكر إننى لم أتقبل زواجى منك فى البداية .. لكن مع الوقت أصبحت أشعر وكأنى أعرفك .. أننا تقابلنا من قبل لكن أين ومتى لا أتذكر.. رائحتك .. التى كانت تجعلنى ساهرا وانا أحاول أن أتذكر أين قد شممتها .. ولكن فى كل مرة خانتنى ذاكرتى .. وشاء القدر وعرفت .. متى وأين قد شممتها... المرأة التى انقذتنى بجوارى وانا لا أعرف "
اقترب منها وهو يضع كفه على وجهها يبتسم لها بدف ... اتسعت عيناها ..وحاولت ان تزدرد ريقها ..مما سمعته
" انت تعرف !!... من أكون! .. تتذكرنى! !!"
تشدق وجهه بابتسامة عذبة قائلا بمكر
" نعم .. يا زوجتى .. كنت اعرف من تكونى .. المرأة التى كانت بجوارى طوال بقاءى فى المشفى ..
اقترب أكثر هامسا قرب اذنيها
والمرأة التى قبلتنى أيضا"
أحمر وجهها وهى ترفرف برموشها لا تصدق ما تسمعه ...
لكنه سألها مرة أخرى غير غافل .. انه لم يحصل حتى الآن على إجابة لسؤاله
"لماذا لم تخبرينى يا اروى "
ضغطت على شفتاها وهى تحاول كبت دموعه

" لقد سمعت ..جدك وهو يخبرك انه لن يعطيك الأسهم إلا عندما يرى طفل لك .. وحينها انا كنت خائفة.. خاءفة من الا تكون تحبنى .. وأنك ربما تتركني ...
كما إننى ... كنت ..
صمتت تحاول أخذ أنفاسها ثم تابعت .. كنت أتألم .. وأنا ارى عدم اهتمامك بى .. لقد احببتك منذ ان كنت صغيرة .. منذ ان رأيتك مع أخى أول مرة ..وانت كنت فارس احلامى "
نزلت دموعها على وجنتيها فمسحها باصبعه وهو يمرره على بشرتها... وضمها إلى صدره بقوة .. وهى ما زالت تبكى بصمت ..
وهمست وهى تتمسك به ..
"هل تحبنى"

تنهد بضعف وهو يقبل أعلى رأسها قائلا بنبرة تملكية
" انا احتاجك .. احتاجك بجوارى .. سأذهب لمدة قصيرة .. وبعدها ساعود .. إياك ان تنسينى. ."
ثم تابع وهو ينظر لعيناها مانعا إياها من التحدث وهو يتابع بمشاكسة
" واطعمى طفلى جيدا فأنا أريده مثل والده قوى"
دفنت وجهها بين احضانه وهى تستنشق رائحته التى أصبحت تعشقها...
رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل السادس



ارتدى على عجالة بذلته التى كان يرتديها ليلة أمس .. وبخطوات حذرة اقترب من السرير التى تنام عليه أروى و تعابير وجهها مسترخية.. أخذت عيناه تتشرب من ملامحها وكأنه يحاول حفظها فى ذاكرته ...
ما ان علمت بأمر سفره ليلة أمس .. بعد ان كانت جالسة على السرير ورأسه على ركبتيها.. نام لساعات وما ان شعر بأن نومه هكذا قد يتعبها حتى حاول الابتعاد وجعلها تنام جيدا بفرد جسدها لكنها رفضت .. وما ان وافقت .. حتى ارتمت بين احضانه ووجهها يعلوه الحزن .. وضعت رأسها على صدره وكلما حاول اقناعها ان تغمض عيناها وتنام قليلا فتقابله هى بالرفض .. حاربت حتى لا تنام وهو أيضا كان ساهرا معها .. لم يتحدث اى منهما .. كل ما كان يسمعه هو أصوات تنفسه وتنفسها...

وفى خلال تلك الساعات التى قضاها معها رغم الصمت ... إلا انه شعر باضطرابها الشديد .. وجسدها الذى يرتجف وهو لا يعلم سببه وكأنها تحارب موجة من البكاء ...
فى الصباح الباكر استطاع سيف بصعوبة أن يبتعد من بين يديها المتشبثة به و ذراعيها الذان تلفهما حول جسده بتملك ...ما ان اغلقت عيناها اخيرا و استسلمت للنوم الذى ظلت تحاربه طوال الليل ..
لف ربطة عنقه حول رقبته .. و بهدوء وحذر اقترب ومال منها حتى أصبح بالقرب من وجهها وطبع قبلات هادئة ومتمهلة للغاية على عيناها تبعها وجنتيها فشفتاها..
" سأعود انتظرينى فقط .. سأذهب ولكنى ساعود .. "
همس بكلماته بنبرة خشنة ومصممة للغاية ..

ما كاد يبتعد حتى شعر بذراعيها تلفهما حول رقبته وهى تحرك شفتيها وتهمهم بكلمات غير مفهومة .. وعيناها ما زالت مغلقة .. فقد غابت فى ثبات عميق بعد محاولاتها للاستيقاظ والبقاء معه ..
تشدق فم سيف بابتسامة وهو يفكر .. أن زوجته حتى وهى نائمة تفكر به وترفض ذهابه .. هل أصبح يشاركها أيضا فى أحلامها ...
" سيف ..لا تتركنى.. "
هذه هى الجملة الذى التقطها باذنيه وهى ما زالت نائمة وعيناها مغلقة بطفولية ...
ببط شديد ابعد ذراعيها عنه .. وقبل أن يبتعد عنها ..
طبع قبلة على بطنها الشبه منتفخة وهو يتمتم بخفوت وكأنه يحدث طفله أمامه بصرامة و أبوية
" انت اهتم بها جيدا ... ولا تؤذيها بحركتك "
ثم تابع وهو يقبل جبهت رأسها
"فقط تحلى بالصبر زوجتى العزيزة .. فأنا ساعود .."
وبصعوبة خرج من الغرفة .. بعد ان أقنع نفسه بتركها .. فلو لم تكن حاملا .. لما تركها هنا لأخذها معه بدون تفكير ...



بأعين تخباها نظارة سوداء وجسد مغطى بالسواد وقفت روز وهى تحارب نفسها بالا تصرخ بأعلى صوتها وتبكى... من كان يوما اغلى ما لديها..تقف أمام قبره الذى غطاه التراب ....
طال البعاد
وطال معه الانتظار.. للقاء لم يكن يوما محسوبا او مقدرا ..
غادرها وتركها ... هكذا قبل أن تشبع عيناها منه
قبل أن تصرخ .. و تلومه على ما فعله بها ..
عمرها الذى قضته بالانتظار .. و الخوف
خوف من ان يكون لغيرها ..
وعندما عادت .. وجدته لا هو لغيرها .. ولا حتى سيصبح لها يوما ...
ربما ما سيصبرها على هذا الفراق هى نور .. نور ثمرة زواجهما .. لكن هل ستتقبلها ابنتها ام انها ستصبح ام منبوذة من ابنتها ...
تنهدت بقوة وغصة حادة ألمت حنجرتها ومعها قلبها ..

ياسين .. كان لغزا بالنسبة لها منذ ان قابلته أول مرة ..
كان له دفئ خاص به هو .. وكم كانت تحتاج إلى هذا الدفى وهذا القرب لهذا اقتربت من دون ان تخاف او ترتجف لقربها منه ..
اقشعر بدنها و بتلقائية وجدت ذراعيها تلتف حول جسدها .. ما ان تذكرت تلك الأيام واللحظات التى عاشتها معه .. شعرت فيها و كأنها طفلة صغيرة مدللة ..شعرت معه بأنها امرأة .. لها أنوثتها .. عرفت معه كيف تكون امرأة بعيدا عن الحياة العملية وصرامة العمل ..

فلطالما قضت شبابها فى العمل وبين جدران شركة والدها التى كانت مسئولة عنها .. لم تعرف طعم للحياة حتى شاء القدر وقابلته.. أحبته .. وتزوجها .. وبدأت معه أجمل ايام عمرها
رغم أن زواجهما قد وجد معارضة من والديه .. وهى لم تخبر اى من والديها كان زواجهما سرا .. حتى علم والدها بأمر حملها .. وهو عندما وصل إليها فى يوم انجابها لنور حتى تركها .. واعتقدت لأعوام انه لا يحبها .. كرهها لأنها سبب موت طفلتهما..
هبت موجة من الهواء شديدة جعلتها تتمسك جيدا بذلك الايشارب الذى يلتف حول رقبتها .. وتعدل من وضع نظارتها السوداء ..
خرجت من باب الحديدى الكبير متوجهة حيث تصطف سيارتها ..
التفتت روز بجسدها ما ان سمعت بعض الأصوات الاتية من خلفها .. للحظات لم تهتم للمرأة الواقفة وحولها مجموعة من الأطفال يمدون أيديهم إليها .. وبجوار تلك السيدة الماءلة للسمنة فتاة شابة تحمل بين يديها قفة من الخوص معبأة بالمعجنات و الفطائر الطازجة ...

اتسعتا عينا روز ما ان علمت من تكون تلك المرأة الواقفة على بعد منها .. لكنها سرعان ما ان تشدق فمها بابتسامة ممزوجة بالحزن والسخرية ..
أبعدت ذلك الايشارب الذى كان حول رقبتها و لفته على رأسها مخفيا شعرها وراسها وساعدها أكثر على عدم تبين ملامح وجهها تلك النظارة التى كانت على عيناها ... وبخطوات متمهلة .. اقتربت من الجمع واستغلت شرود المرأة فى توزيع معجناتها للصغار ومدت يدها هى الأخرى حتى حصلت على واحدة من المعجنات ..
وبخفوت ونبرتها الناعمة قالت

" شكرا "
لم ينتبه اى من المرأة ولا تلك الشابة الصغيرة منها إلا عندما ابتعدت عنهم .. فلم تحصل المرأة إلا على رؤية ظهرها و مشيتها التى تكاد تشبه العدو بكعبها العالى ..
" حاجة هيام .. سيدتى .. لقد انتهينا من توزيع المعجنات والفطائر هل نذهب الآن "
أخرج صوت الخادمة الشابة الحاجة هيام من تاملها ونظرها الفاحص لتلك المرأة التى اختفت بلمح البصر من أمام ناظريها
وضعت الحاجة هيام يدها بتلقائية على صدرها وهى تمتم بخفوت وذعر
" بسم الله الرحمن الرحيم .. بسم الله الرحمن الرحيم .. هل أصبحت أتخيل وأرى الموتى "
" سيدتى .. حاجة هيام ..لقد انتهينا"
ظلت ترددها تلك الشابة بملل وهى تلاحظ شرود سيدتها
فنهرتها هيام بيديها .. وتحركا مبتعدتان من أمام المقابر الخاصة بعاءلة المنشاوي ..

وقف بجوار السيارة وهو يمسك بيده تلك العصا العاجية التى لا تفارقه .. ينتظر والدته حتى تنتهى من توزيعها لمعجانتها والتى صممت لعجنها وخبزها بنفسها .. ما ان استيقظت فجرا .. وأيضا توزيعها على الأطفال وأهل البلدة ..
" خالد باشا ... خالد باشا "
اعتدل خالد فى وقفته ووقف بشموخ ما ان اقترب منه الغفير ..
" ماذا هناك؟؟!!!"
هتف بها خالد بوجه صارم
وقف الرجل ذو الشارب الكثيف أمام سيده بخنوع وقنوط وقال بصوت خشن
" لقد علمت من أحد الساكنين فى هذا المكان .. انه كان هناك امرأة تسأل عن مقابر عائلة المنشاوى فدلها أحدهم .. اعطت لحارس المقابر بعض النقود وادخلها بعدما أخبرته انها أحد معارف العائلة .. وأيضا كانت هياتها مهندمة توحى بالثراء الفاحش "
ضيق خالد ما بين حاجبيه وقال بخشونة وصوت حاد
" اذهب واحضره إلى "
وما كانت إلا لحظات .. وإلا وقد حضر الحارس مهرولا تلبية لأوامر سيده الذى نظر إليه بقسوة .. فهتف الرجل مدافعا عن نفسه بخنوع وخوف
" أقسم سيد خالد لم ادخلها إلا عندما اخبرتنى انها على صلة بالعائلة...
ثم تابع بتبرير أكثر عن فعلته
"انا لم أتركها لحظة وكنت اراقبها وهى واقفة أمام القبر "
" وقفت أمام قبر من؟؟!! " سأله خالد بنبرة حادة
" أمام قبر سيدى المستشار ياسين المنشاوى "
قالها الرجل وهو يحاول أن يرجو السماح من سيده
اصرفه خالد من أمامه بعد أن أمره وعنفه بنبرة حادة .. بأن الأمر إذا تكرر فهو لن يبقى عليه بل سيقوم بطرده ..
زم قبضة يده بشدة على رأس العصا القابعة بين اصابعه وهو يفكر من هى تلك المرأة التى زارت خاله ..
ابعد أفكاره تلك بسرعة عن رأسه ما ان رأى اقتراب والدته منه .. فتح لها السائق باب السيارة و جلس هو بجوارها للخلف .. وانطلق السائق بهم
لاحظ لدقائق شرود والدته ووجهها المتجهم
فسالها بقلق
" أمى هل بك شى ؟؟"
" لا ..انا بخير لا تقلق على .. انا كنت فقط أفكر بنور .. يجب ان نرسل إليها ما تحتاجه وألا نقطع بها .. حتى لا يظنوا أهل زوجها بأنها ليس لديها أحد بعد وفاة والدها .. وأفكر أيضا بالذهاب إليها "
أبتسم بخفوت وقال بنبرة دافئة
" لا تقلقى ... كل ما ستحتاجه نور سيصل إليها كما إننى سارسل لها بعض المال .. لن اجعلها يوما تحتاج إلى شئ فهى بمثابة أخت لى.. و سنذهب انا وانتى لزيارتها قريبا "
ربتت على قدمه بحنان وقالت بصوت حنون
" ليباركك الله يا بنى ويرزقك بالزوجة الصالحة التى تصونك وتصون اسمك .. "
قالت كلماتها بابتسامة صمتت ثم تابعت بهدوء
" عمك عنده فتيات ... البلدة بأكملها تتحاكى عن جمالهن و ادبهن. . ما رأيك ان أتحدث مع زوجة عمك عن إحدى بناتها وأنت تتحدث مع عمك أيضا "
بلع ريقه وحاول أن يكون هادئا فهو لا يرغب بزواج كهذا .. وأيضا ليس الآن عليه ان يحقق ما يريده أولا يستعيد ما سلبه خاله عزيز منهم ثم بعد ذلك يفكر فى الزواج ...
فقال بصوت هادى كتوم
" ليس الآن يا أمى .. ليس الآن .. لم يحن الوقت بعد "
حاولت والدته التكلم لكن نظراته جعلتها تصمت .. وفعلا فضلت الصمت واشاحت بوجهها ناحية نافذة السيارة شاردة مرة أخرى فيما رأته منذ قليل .. وهى تتساءل هل يعود الأموات .. هى لم تكبر لهذه الدرجة لتهلوس او ترى شيئا ليس موجودا من الأساس .. روز هل حقا ماتت ..



دلف إلى مكتبه بعد أن ذهب إلى منزله وبدل ملابسه بحلة سوداء .. تبعه ماجد ما ان رآه يدلف إلى المكتب
"هل فعلت ما طلبته منك؟؟! "
سأل سيف بسرعة ما ان شعر باقتراب ماجد منه
" نعم أنهم بالخارج .. لقد اخترتهم بعناية فائقة لا تقلق "
اجابه ماجد بعملية
" حسنا اجعلهم يدخلون "
أمره سيف بنبرة حادة
بعد لحظات دخل أربعة من الرجال .. أن كان حقا يمكن وصفهم بالرجال بل كانوا عبارة عن أربعة من الثيران .. او يمكن القول أربعة من الفحول .. كل واحدا منهم يقول لا يوجد من هو أقوى وأطول منى .. من ينظر إليهم يعتقد انه قزم أمامهم .. جسد رياضى مبنى بمهارة عضلات بارزة بقوة ..
لكنه رغم ذلك وقف أمامهم بشموخ وتكبر ولم يهتز قيد أنملة لوقوفهم هكذا أمامه فهو لم يكن يوما قزما فقد ورث طوله الفارع عن والده وجسده الرياضى الذى حرص جده منذ نعومة أظافره ان يبنيه له .. فجده رباه بعناية واهتمام
وقال بنبرة خشنة حادة ..
" انا لا أريد مجرد أجساد فارهة وعقول لا تعى شئ انا أريد رجالا يعرفون التصرف جيدا إذا حدث اى شئ خطير .. فأنا لن أسمح أن تمس منها شعرة .. "
نظر أقصر الرجال قليلا إلى سيف وهو يقول بنبرة عالية مخترقا الحديث الذى كان سيدور بين سيف وماجد
" سيدى نحن لن نخذلك لا تقلق السيدة تحت رعايتنا ولن تمس بسوء طالما نحن معها "
رفع سيف إحدى حاجبيه باستهجان من نبرة الرجل وقال بسخرية
" انا لا أريد مجرد كلاما انا أريد فعلا معه .. والوقت سيثبت قولك هذا "
قال سيف كلماته بغرور وتكبر واضح ثم استدار بجسده معطيا الرجال الأربعة ظهره ..
فصرف ماجد الرجال بنظرة آمرة لا تقبل جدلا
" سيف لقد تأكدت من كل شئ واخترتهم بعناية "
قالها ماجد بتأكيد
" حسنا .. يجب ان اذهب انا الآن .. ستهتم بكل شى كما أخبرتك .. واروى وطفلى تحت رعايتك فهما ما يخص أخاك "
فرد مالك بتشجيع وهو يربت على كتفه
"هما فى عيناى لا تقلق "



هبت من نومها هلعة وهى تبحث بعيناها عنه .. لقد ذهب وتركها .. لا تعلم لماذا تشعر بانقباضة فى صدرها .. انها خائفة من ذهابه ..
وضعت إحدى يديها على بطنها وأخرى على وجهها وهى تحاول كتم دموعها ..
لقد ذهب من دون أن يقيظها ويخبرها انه يحبها .. لا هى لن تكتفى بكلمة حب منه .. هى تريده عاشقا لها بجنون .. هى تريده لها بكل كيانه ... تريد حبيبها و زوجها بقربها .. لا تريده ان يبتعد عنها .. تريده بجوارها و ان تمسك بيديه وتتدلل عليه
.. تريده ان يقبلها ويسحقها بجسده فى كل وقت ولحظة .. لا تريده ان يبتعد .. هى تحتاج قربه منها أكثر مما تحتاج اى شئ ..
خرجت من أفكارها على صوت دقات على الباب تبعها دخول والدتها
التى قالت بوجه يعبر عن فرحتها للمصالحة التى تمت بين ابنتها وزوجها فى خلال الليلتان التى قضاهما فى منزل عمته
" صباح الخير يا نور عينى والدتك "
همست اروى بخفوت وهى تغطى جسدها العارى بملاءة السرير بعد ليلة محمومة بينها وبين سيف ليلة أمس .. ووجنتبها محمران خجلا .
" صباح الخير "
تابعت والدتها كلامها قائلة بهدوء
" ريم تنتظرك فى الأسفل .."
فنطقت اروى بدهشة وتساؤل
" ريم .. ماذا هناك؟!!!. . ارجو أن تكون الأمور بخير "
" حسنا استحمى حالما أنتهى من تحضير الفطور لكما .. "
قالت والدتها كلماتها ثم خرجت من الغرفة
ابتعدت أروى من السرير و تناولت من على الأرض قميصها الذى كانت ترتديه ليلة أمس ... ارتدته ودلفت إلى الحمام ..
انزلقت فى حوض الاستحمام .. وهى تفكر بشرود عن سبب انقباض قلبها وصدرها إلى تلك الدرجة ...
.......................................
بعد فطور دسم أعدته السيدة فريدة لكلا من أروى وريم .. وجلوس الفتاتان كلا منهما شاردة و صامتة وتناولا القليل من الطعام ... انتهيا من تناوله ... وجلسا على الطاولة التى توجد فى الحديقة الخلفية لمنزل أروى...
راقبت اروى التوتر الظاهر على وجه ريم .. وعيناها التى تحاول أن تحدانها عنها .. بالإضافة إلى شحوب وجهها
" ريم ماذا بك؟؟!! "
سألتها اروى بحنان ودف
مررت ريم أصابع يدها المرتعشة على وجهها وهى تقول بصوت مكتوم من البكاء واعين دامعة
" لست بخير .. لم انم ليلة امس .. أشعر إننى اختنق.. حتى إننى لم اذهب إلى المشفى .. حتى عملى الذى كان كل شئ بالنسبة لى أصبحت اهمله.. ما ان رايت ان الوقت سامح بأن أتى إليك .. حتى ارتديت ملابسى واتيت إليك "
اقتربت منها اروى وربتت على ظهرها وهى تحثها على الكلام ..
بدأت ريم تقص على اروى وتخبرها بما حدث من بداية تحاليل الحمل التى كانت تجريها إلى ما حدث بينها وبين مالك ليلة امس على أمل ان ترشدها صديقتها إلى الصواب ...
" ريم اخطاتى بردة فعلك .. وأيضا كان يجب عليكى ان تخبريه بما تعانيه .. وليس ان تصمتى وتكتمى ما تفعلين بعيدا عنه .. "
انبتها اروى بشئ من الشدة لكنها أيضا لم تقسو
" اخطاتى بابتعادك .. وانزواك عن نفسك بعيدا عنه .. اخطاتى عندما لم تخبريه بما تشعريه "
" لم أخطأ .. هتفت بها ريم بمكابرة
وتابعت وهى تخفض رأسها بحزن
" كان يجب ان يشعر بى ويبتعد لو كان يحبنى حقا مثلما يقول .. لما حاول الضغط على اعصابى وانا أخبره إننى متعبة "
صمتت اروى وهى تراقب تعبير وجه ريم الذى يغلب عليه الحزن والضيق .. فصديقتها تائهة.. لا تعلم ما الذى يجعل حياتها تعيسة لهذه الدرجة .. رغم أن مالك يعشقها .. ولو استطاع أن يحضر لها نجمة من السماء لفعل .. لكن ريم لا تفهم .. ريم ما زالت تعيش على أحزانها وتعاستها السابقة ... ريم خائفة ان تفرح ... خائفة ان تحب ... واكثر من كل هذا خائفة من ان تحتاج .. أن تحتاج لمالك .. خائفة ان تخبره أنها تحبه تحتاج إلى يده لتربت عليها فقط .. أن يستمع وهى تثرثر وتتحدث من دون خوف .. من ان يكون كلامها صلبا او قاسيا كما كان يخبرها أصدقائها سابقا .. ما زالت تجاربها السابقة تنغص عليها حياتها .. تجعلها خائفة من إصدار اى ردة فعل .. فى مقابل هذا هى تريد أن يفهم زوجها انها مريضة او متعبة كما تقول من دون حتى ان تنطق ..
اتسعت عينا اروى وهى تستمع لهلوسات صديقتها وكلامها الذى لا يعبر إلا عن جنونها
" يا ليتنى لم أتزوج .. يا ليتنى كنت رفضت هذا الزواج بكل ما أستطيع من قوة .. لو لم اتزوجه لما عشت تعيسة الآن هكذا .. أبحث عن إرضاء الجميع .. لما عشت مع حمى لا تريدنى ولا تطيق رؤيتى. . ولا مع زوج يريد أن يحصل على أكثر مما أستطيع أن أعطيه له ..
هتفت بها ريم وكأنها حيوان جريح يأن من الألم
" يا ليت .. كلمة لا تفيد لا أستطيع أن أعيد بها حلقة الماضى .. لا أستطيع بها ان أعيش وحيدة .. وأرجع لعالمى الذى كنت انا به فقط .. لا أحد يطلب .. ولا أحد يريد فقط اعيش لنفسى .. "
اقتربت اروى منها أكثر وهى تقول بحشرجة
" ريم .. ما هذا الذى تقولينه .. هل مالك معك سى إلى هذه الدرجة .. اخبرينى ..
ثم إدارتها بيديها مجبرة ريم للنظر
" ثم اخبرينى من قال انك تعيشين لنفسك ما هذا الكلام .. وخير دليل هو انك نسيتى جرحك وصدمتك بعدم حملك وذهبتى إلى نور .. هل هذا تسمينه نفس ووحدة .. "
اجهشت ريم بالبكاء وهى تقول بصوت مبحوح
" هو ليس سىء .. لكن انا من لا أستحقه .. طيبته وتسامحه معى .. تجعلنى خائفة. . خائفة من ان اقترب منه .. وبعد ذلك يتركنى. . وحينها لن أتحمل فراقه .. "
ضمتها اروى إلى صدرها وتترك العنان لدموع صديقتها للسقوط .. و ريم مستمرة بالبوح بكل ما يضيق بها صدرها .. ما يجعلها حزينة ومتالمة
" ما المنى أكثر هو معرفتى بعدم حملى .. خائفة من الا أستطيع أن أنجب له .. وحينها هو سيتركنى. . لن يبقى على ..."
" مجنونة .. ما هذا الذى تقولينه مالك لن يتركك يوما لسبب تافه كهذا "
نهرتها اروى بقوة ثم تابعت بنبرة حانية هادئة
" عليك فقط ان تتصالحى مع نفسك أولا .. عليك أن تخبريه انك تحبينه مثلما يحبك .. خذى إجازة من المشفى .. و لا تقلقى من هذا سأتحدث انا مع ماهر بنفسى وساخبره بأمر الاجازة .. وانتى اذهبى إلى منزلك .. اظهرى اهتمامك به .. اخبريه انك تحبينه .. اعدى ما يحبه .. وهو طالما وجد كل هذا منك.. لن يفكر يوما بتركك .. لكن طريقتك هذه ستخبره انك لا تريدنه وحينها ستتغلب عزة نفسه على حبه لك .. و سيتركك.. احبيه. . احبيه يا ريم بلا عقد .. "
رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل السابع



صعد درجات السلم الواسعة لذلك المبنى .. و على وجهه ابتسامة واسعة .. فقد استطاع معرفة مكان عملها الجديد ...
ضغط باصبع سبابته على زر الجرس الموجود بجوار الباب .. وانتظر ان يفتح أحد له ذلك الباب ..
وقف لثوانى بقلة صبر .. وبدأ يغتنم الفرصة ويعدل من هياته ومن وضع تلك الزهرة الصفراء التى وضعها منذ قليل ما ان عرف من ماجد مكانها ... فلم يتمهل وركض إلى العنوان الذى أعلمه به ماجد ..
هذه أول خطوة ليقتحم قشرتها ويخرجها منها .. سيكونا مجرد صديقين .. هذا ما تعتقده هى لكن هو لا .. لن يكون صديق مع المرأة التى أحبها منذ زمن ..

بعد ثوانى من موجة تفكيره العميقة وجد الباب يفتح وتطل عليه دينا .. ب ...
صمت بداخله وهو يحاول ان يستجمع بعض الكلمات او التعبيرات ليصف من تقف أمامه .. خانته ألفاظه وخانته لغته الفصحى ولم يستطع أن يجد لفظا ليصفها به .. فهى تقف قبالته وكانها شاب مراهق فى السادسة عشر من عمره .. من دون ذلك الكعب العالى الذى كان يجعلها تصل إلى كتفه بشق الانفس ان كان الكعب عاليا جدا ... بل حافية القدمين ..
بنطال جينز واسع مهلل يظهر عليه القدم... يزداد اتساعا ما بعد الركبة بقليل .. مقطع عند الركبة وعند وركيها بخربشات بسيطة كخربشات القطة .. يظهر بشرة سمراء .. وعليها قطرات ربما من الدهان او الألوان

ارتفع برأسه ينظر اليها بتفحص أكثر وعيناه تستقران على جسدها من فوق .. ترتدى تى شيرتا لا يختلف حاله عن البنطال .. فى تلطخه بنفس الألوان او الدهان ..
أبتسم وهو يحاول كتم ضحكته ما ان وصل لرأسها .. وهو يرى شكل وجهها .. وشعرها الذى تلفه بايشارب ذو ألوان ترجع إلى زمن والدته .. او جدته ربما
" أسامة "
نطقت بها دينا بصوت مبحوح وارتباك ما ان رأته أمامها
" نعم .. كيف حالك ؟؟!.. يا صديقتى "
نطقها باستمتاع وهو يراقب تعابير وجهها المصدومة والمرتبكة فى وقت واحد ..
بلعت ريقها .. وردت بخفوت
" بخير .. "

" الن تدعينى للدخول .. لمشاهدة مشروعك الجديد " سألها مراوغا
" نعم بالطبع .. تفضل "
تبعت كلامها و افسحت له المجال للدخول ..
تجول بعيناه فى أرجاء الشقة و رائحة الدهانات تملى هواءها..
ما كاد يلتفت إليها .. حتى سمع ورأى ما جعله يفرغ فاها و يتربص فى مكانه من الصدمة .. وكأن اليوم هو يوم الصدمات بالنسبة له ..
" دينا .. لقد أحضرت لك كوب عصير طازج رائع "
قالتها السيدة نوال غافلة عن الواقف على بعد منها فاغر الفاه
" شكرا لك "

قالتها دينا وهى مندهشا من تعابير وجه أسامة التى تكاد تشبه الصدمة ..
واستانفت بهدوء وهى توجه نظرها إلى أسامة .. فجعلت السيدة نوال تنتبه إليه أيضا .. واتسعت عيناها ما ان رأت ابنها يقف أمامها
ومن دون أن تلاحظ نظرات كلا من الام وابنها بدأت بتعريف كلا منهما للآخر ..
" السيدة نوال شريكتى فى العمل .. السيد اسامة .. صمتت لثوانى وهى لا تعرف ما هى الكلمة المناسبة لكى تصف بها علاقتهما ..
فقالت بخفوت
" السيد أسامة صديق قديم "
نظر إليها بوحشية ووجه متجهم .. وقال هو يضغط على أسنانه وكأنه يكتم به غيظه ... أولا من اكتشافه لوجود والدته بالقرب من دينا .. لا بل وأكثر من هذا وشريكتها فى العمل أيضا .. وهو أحمق .. لكن هل تعلم دينا بأنها والدته ..
أحمق .. أحمق .. غبى. . وكيف ستعلم وهى تقوم بتعريفهما لبعضهما هكذا .. هناك شئ كان يحدث فى الخفاء ومن وراء ظهره وهو سيعرفه..
" أهلا سيدة نوال "
قالها بغموض وسخرية وهو يتناول إحدى يديها طابعا قبلة طويلة عليها .

" أهلا بنى "
ردت نوال بتننحنوح وهى تحاول بلع ريقها
بعد هذا اللقاء الغير متوقع بين الام وابنها .. جلس أسامة على أحد الكراسى البلاستيكية الموجودة فى الشقة .. وهو لا يكف عن نعت نفسه بالاحمق والغبى لعدم معرفته بلعب والدته فى الخفاء بعيدا عنه .. ومساعدته لها .. بالإضافة لاستخدامها له بكل سهولة .. لكن ... كيف والدته تعلم بأمر دينا هل تعلم بأنه يحبها .. كيف ؟؟!!.. ومتى ؟؟؟..
خرجت من بين أسنانه شتيمة بذيئة .. لكنه سرعان ما ابعد كل هذا عن رأسه ونظر إلى الجالسة قبالته
و دينا تجلس قبالته بنفس توترها ... وتنظر إليه وهى تحاول رسم ابتسامة على ثغرها لكنها فى كل مرة تفشل ..

فقرر هو ان يكسر هذا الصمت بينهما قائلا بهدوء رغم ملامحه المتجهمة
" مبارك .. لك عملك .. لكن ألم يكن انا الأولى بهذه الشراكة معك .. ألسنا أصدقاء "
نطقها لاستفزازها لتحاول فقط إنكار علاقتهما ببعضهما
بلعت ريقها وقالت بتوتر
" نعم بالطبع .. لكن .. كان الأمر فقط مفاجأة .. ماجد هو من شجعنى على هذا هو والسيدة نوال "
ارتفع إحدى حاجبيه بغضب وقال بصوت مكتوم
" ماجد!!!!! ... وسأل بهدوء .. كيف تعرفتى على السيدة نوال "
" تعرفت عليها من خلال ماجد "
" ماجد !!!!" قالها من بين أسنانه

قاطع حديثهم دخول السيدة نوال وهى تحمل كوب من العصير وناولته لأسامة الذى لم يكف عن التحديق بها بنظرات غريبة ..
" شكرا لك سيدة نوال "
قالها أسامة بغموض
" لا شكر على واجب ... بنى "
قالها نوال بسرعة وهى تمسك بين يديها حقيبتها و تابعت بسرعة
" سارتككما .. مع بعضكما. . وأذهب فأنا مشغولة للغاية .. إلى اللقاء "
قالتها وخرجت من الغرفة وكأنها تحاول الهرب من شئ ما ..
" تحبينها "

سألها ماجد ما ان لاحظ ابتسامتها الحقيقة على وجهها بدون زيف وهى تراقب حركات والدته المشابهة لحركات الأطفال و خروجها من الغرفة ..
" نعم كثيرا .. انها امرأة رائعة ساعدتنى كثيرا .. ووقفت بجوارى وكأنها والدتى .."
قالتها دينا بعفوية ..
" و ماذا عنى؟؟!!! .. هل تحبينى؟؟؟؟"
خرج سواله هو الآخر عفويا وهو غارق فى لون عيناها اللتان تلمعان بسعادة .. وهو يحاول بلع ريقه .. و التماسك فى مكانه .. وعدم الركض إليها و التقاط شفتاها .. يريد أن ينسى معها كل أيامه ولياليه .. وسنواته التى قضاها بعيدا عنها .. يعيد ابتسامتها الدائمة .. و يحى مجدهما القديم من العشق ..
رفعت نظرها إليها وهى تحارب رغباتها المكبوتة لسنوات بداخلها وهى بعيدة عنه التى تتاكلها كما تتأكل النار قطع الخشب ..

صراع مع نفسها ومع حبها .. هل تذهب إليه وتخبره انه تبا لصداقتهما المزعومة تلك .. فهى لن تكون له مجرد صديقة .. وهكذا ستثبت ضعفها .. ضعفها الذى حاولت اخفاءه منذ زمن .. وكبرياءها سيذهب إدراج الرياح ما ان يلمسها بيديه ...
لكنها نطقت بكبرياء وثبات بعد صراعها مع ذاتها وربما مع قلبها وعقلها وفى النهاية انتصر العقل على القلب
" نحن .. مجرد أصدقاء "
" حقا .. ارجو ان نستمر هكذا دائما.. يا زهرتى "
قالها بسخرية .. وهو يشعر بصراعها وكبرياءها الذى سيجعله يعانى ولعة الإنتظار .. حتى تخبره أنها تحبه ..
ابتعد عن كرسيه .. وبحركة منمقة وكأنه أحد الأمراء .. سحب من جيب سترته عند صدره تلك الزهرة الصفراء ومدها إليها .. و بنبرة حانية قال
" أجمل زهرة .. لمن خطفت قلبى وتربعت به منذ زمن "
رفرفت باهدابها وتناولت زهرته الصفراء .. بأصابع مرتعشة .. وقلب يكاد يسقط حيث قدميها من شدة حركته وخفقانه ...
قائلة بثبات
" نعم .. فنحن أصدقاء "

أخذت الغرفة ذهابا وايابا من شدة توترها .. كيف تفعل ما أخبرتها به اروى ؟؟.. كيف؟؟؟!!..
لقد أعدت أشهى الأطباق التى تجيد صنعها وها هى تنتظره بشغف .. ولكن كيف تنفذ بقية الخطة ..
وبخطوات وءيدة و مرتبكة اقتربت من خزانة الملابس .. أخرجت فستان من التول الأحمر قصير .. ارتدته .. ووقفت مبهورة بشكلها أمام المرآة ... هل حقا تحمل هذا الجمال خلف ملابسها الواسعة ..
للحظة فكرت فى التراجع وإبعاد ذلك الثوب عنها ..
لكنها سرعان ما تذكرت كلمات اروى لها
"اقتربى منه لأنك تحبينه .. وليس لأنك تريدين طفلا .. اتركى نفسك لحبه .. الحب رزق .. وانتى رزقتى بحبه لك"
رددت ريم جملة اروى لها بأعين تلتمع من الإثارة
" الحب رزق .. وأنا قد رزقت حبه .. هو لى وأنا لن أتركه "
صممت بداخلها .. رغم خوفها .. لكنها ازاحته جانبا ..
انتظرته لساعات .. لكنه لم ياتى رغم انه لا يتأخر فى عمله كل هذه المدة .. شعرت بنغزة قوية فى قلبها .. ما ان فكرت بأنه قد يهملها... ولا يشتاق لها كما كان يفعل كل ليلة ..
جلست على حافة السرير تنتظره بتاهب .. حتى سمعت صوت إدارة مقبض الباب .. ملأت صدرها من رائحته العبقة التى ملأت الغرفة ما ان دلف إليها ..
تحركت مبتعدة عن السرير واقتربت منه مسرعة .. لكنه كان يشيح بنظره بعيدا عنها ..
يحاول أن يهرب بنظره لكى لا ينظر اليها .. ابتعد عنها وكأنها شى منبوذ .. وكم ألمها قلبها فى تلك اللحظة ..
لكنها لن تستسلم يجب ان تعيد زوجها إليها فهو يحبها .. اقتربت منه وهو يقف أمام الخزانة و قالت بهمس مغرى وهى تحتصنه من الخلف
" مالك .. آسفة .. سامح ذلاتى.. سامح حماقتى "
ابعدها عنه بفتور وكأنه يعيد الضربة إليها ... وما فعلته به ليلة امس .. نغزة ألمت قلبها بقوة .. وامتلأت عيناها بالدموع ..
وهى تراقب دلفه إلى الحمام .. بعد ان ألقى عليها نظرة كسرت قلبها ... بينما تنظر هى إليه بعطف تستجدى حبه ان يسامحها على خطاها ..
....................
ضرب بقبضة يده على أحد حوائط غرفة الحمام .. وهو يحاول أن يطفئ تلك النار إلى تاججت فى صدره ما ان اقتربت منه ..
انه يحبها .. قلبه لا يستطيع ان يفعل شئ غير ان يسامحها على ما فعلت .. هو بالفعل لم يكن سيخاصمها مدة طويلة .. ولكنه أراد أن يضع حدا لمعاملتها له بتلك الطريقة ..
رغم كبرياءها إلا نظرتها طفولية و بريئة للغاية .. يجعله يتمنى أن يمسح آثار الحزن بعيدا عن عيناها .. و يسحق من يجعلها تحزن .. حتى ليلة امس .. تمنى فيها لو تحدث معها .. تمنى لو تفتح قلبها له كما هو يفعل ويخبرها انه يعشقها ..
يتمنى أن يتوحد قلبيهما.. فقد زاب قلبه بحبها منذ راءها أول مرة ..
خرج من الحمام بهدوء .. وهو يراقب غلالتها المثيرة أمامه بثوبها الأحمر .. هل حقا فعلت هذا من أجله فقط؟؟ .. ام من أجل غرض ما؟؟! .. أن اقترب .. وبعد ذلك هى ابعدته عنها حينها لن يتحمل ..
رفعت رأسها إليه وهى تحاول رسم ابتسامة على وجهها رغم غمامة الدموع التى حجبت عنه لون عيناها الزرقاء ..
عيناها كالبحر يجعله يتمنى ان يغوص بين أسراره ..
راقب مالك اهتزازة شفتيها وهى تحاول الكلام
فقال بصوت حاد ونبرة غليظة بعيدة تماما عن تلك النبرة الحانية التى كان يتحدث بها معها .. وحاجبه يرتفع
" ليس كل ما يقدم إلينا .. نستطيع القبول به .. "
تحطم قلبها من نبرته.. لقد عرضت نفسها أمامه وها هو يرفضها .. يرد إليها الضربة بضربة أشد ..
لكنها لم تكن تعلم انه يتألم أكثر منها من قسوته تلك عليها .. لكنها من اجبرته.. هى من ابعدته ..
وجهها أحمر غضبا وخجلا وربما أيضا انزعاجا من كلماته .. تحركت مبتعدة عن السرير واشاحت بوجهها بعيدا عنه وهى تقف أمام الخزانة .. تخرج شئ يستر جسدها أفضل من ذلك الثوب الذى لم يظهرها أمامه غير بمظهر الرخيصة ..
احتقن وجهه غضبا وهو يرى انسحابها السريع من أمامه .. وكأنه لا يستحق أن تحاول من أجله مرة واثنان وثلاثة .. وربما عشرة ان لزم الأمر .. فما أن قال لا حتى ابتعدت
" هكذا .. وبهذه السرعة. تبتعدين وتملين منى ما ان قلت لك لا حتى ابتعدتى... ألا أستحق أن تحاولى مرة أخرى .. فأنا لست جبلا .. يا جميلتى "
نظرت إليه بحيرة و همست برنة ناعمة لا تخلو من الامتعاض
" انا لا افهمك"
.. فضحك بقوة
وقال بنبرة متلاعبة
" هل أصبحت لفزا بالنسبة لك يا جميلة ..
صمت للحظات فشعرت بأن الهواء بينهما أصبح ثقيلا للغاية ..
وتابع بحزن وهمس
" حتى انا لم أعد افهم نفسى ..
أعطاها ظهره وهو يقول بنبرة جادة ..
" ضعى ما بين يديك فى مكانه وتعالى ..فلا داعى لتغير ما ترتديه .. فالاحمر يناسبنى... فلطالما كان يناسبنى بجنونه ولهيبه "
و بآلية وضعت ما كان بين يديها فى مكانه .. واقتربت منه حتى وقفت أمام السرير
فرد جسده على السرير و همس بصوت اجش واغراء
" تعالى لتكتشفينى يا صغيرة .. ام انك تراجعتى عن مخططك "
لثانية قررت التراجع .. لكنها ما ان تذكرت كلمات اروى
" الحب رزق .. فلا تخسرى حبه .. "
حتى تقدمت وألقت بخجلها جانبا .. نامت بجواره على السرير وما ان بدأت تميل عليه وتقرب شفتاها منه ..
حتى وضع يده على كتفيها واعادها مكانها ومال هو على جسدها ووجهه بالقرب من وجهها .. شعرت بالحرارة من تنفسه وقربه هذا منها ..
قائلا بمكر وهو يمرر يده على صفحة وجهها
" ليس بهذه الطريقة .. ستكتشفين واكتشفك لكن بطريقة أخرى مختلفة عن هذا .. سنتحدث بالفم هذه المرة .. هيا يا ريمو اخبرينى بأول اكاذيبك ... "
قالها وهو يمرر ابهامه على فمها المكتنز...
همست بحرج وتوتر
" انا لا أكذب "
" هل انتى متأكدة " سألها مشككا
فهزت رأسها بنعم ..
أبتسم بخفوت وقال بنفس نبرته المتلاعبة
" حسنا حان دورى .. لتسالينى واخبرك بأول اكاذيبى ... رغم إننى لا أتذكر متى "
قالها بمداعبة
.. وهو يبتسم لها ابتسامته الساحرة التى جعلتها تبلع ريقها بتوتر من قربه هذا .. ويتجمد الدم فى عروقها. . من أسئلته .. هل ربما علم بمحاولاتها المضنية لتكون حاملا؟؟!!! .. هل علم باى شئ؟؟!! ...
خرجت من شرودها على همساته وهو يقول بخفوت
" لماذا صمتى؟؟! .. هل انتى خائفة؟؟!!! "
وكأنه شعر بما تخفيه .. ولكنها نطقت بتردد وخجل
" هل تحبنى؟؟!!.. هل ما زلت منزعج منى لما فعلته ليلة امس .. "
هز رأسه ورغما عن إرادته نطق
" لن انزعج ان اخبرتينى.. ما حدث لك ليلة امس "
حاولت التملص من سؤاله فهى لا تريد لحديثهم ان يصل إلى ذلك الاتجاه .. ستمحى كل ما حدث لها حتى الأمس بماء من نار .. ولن تتذكره فهى تريد أن تبدأ بداية جديدة معه هو ... ومع حبه .. فهو رزقها ... وهى لن تتركه ..
همست قرب أذنيه وهى تلف ذراعيها حول رقبته تقربه إليها أكثر ..
"هل ما زلت تريدنى "
رد عليها بصوت مبحوح ومحموم عشقا
" مهما فعلتى بى سيظل مالك يريد ريم بنفس الدرجة و نفس الولع "
وتبع كلامه بقبلة الهبته والهبت جسدها معه ..
رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل الثامن



القمر ساطع والهواء بارد كبرود السقيع.. وقفت نور أمام النافذة الكبيرة فى غرفتها وهى تراقب السماء بأعين لامعة ..
تتذكر كلمات عمتها لها اليوم عندما اتصلت بها على هاتف المنزل ..وكم سعدت بحديثها معها اليوم .. اطمأنت عليها وحدثتها كثيرا وهى تخبرها انها يجب ان تكون زوجة صالحة .. أن تكون قريبة من زوجها تحاوطه. . فما رأته وسمعته عن حازم .. يجعلها تخاف عليه من التفاف النساء حوله ..

وكم ضحكت نور من كلمات عمتها تلك .. وكأنها قد وقعت فى حب حازم .. وتقول كل صفاته .. بداية من وسامته وبشرته السمراء وصولا إلى أخلاقه التى حدثها بها خالد .. و رجولته اللامتناهية .. وحسن تصريفه للأمور بالإضافة إلى ذكائه فقد عرفت انه محامى مشهور وناجح .. استطاع أن يبنى اسمه من دون مساعدة والده ..
نعم انه حقا كما تصفه عمتها.. فهى اختبرت كل هذا فهو لم يجبرها على شئ .. بل كان أيضا يحترم خصصياتها ولم يقتحمها منذ اليوم الذى أصبحت فيه زوجته ..

لم تكن ترى جوانبه المراعية تلك أثناء عملها معه ابدا .. عملها لقد نسيته تماما .. ولم تعد تفكر به كما كانت تفعل سابقا مع مناقشاتها السابقة مع والدها وخوفه عليها وعدم رغبته لها لكى تعمل ..
انها تفكر حقا بالعودة إلى عملها لكن هل هو سيسمح لها ؟؟!.. فمهما كان هو زوجها ومن واجبها ان تحترم رأيه .. كما أخبرتها عمتها اليوم .. رغم شعور نور طوال فترة المكالمة مع عمتها انها تريد التطرق إلى مواضيع أكثر تعمقا لكنها توقفت عند البعض فقط واخبرتها انها ستتحدث معها أكثر عندما تأتى إليها فى أقرب وقت ..
تنهدت نور بخفوت .. واجفلت ما ان سمعت صوت إغلاق الباب .. ووقوف حازم أمامها ..

" هل بك شئ؟؟!! .. "
قالتها نور بلهفة هى نفسها لم تفهمها ما ان لاحظت شحوب وجهه ..
أبتسم داخله وهو يرى لهفتها فقال بهدوء
" لا .. لكن ما سبب سؤالك هذا!؟؟ "
فركت يديها بتوتر وقالت بخجل و تلقائية
"هذه أول مرة تصعد مبكرا هكذا .. فلطالما كنت تتأخر فى الصعود حتى تتأكد إننى نمت "
نظر إليها مطولا .. و شبه ابتسامة مرتسمة على ثغره .. فقال بمكر و نبرة منخفضة
" كنت تشعرين بوجودى.. لماذا اذا كنت تدعين النوم؟؟!! "
نظرت إليه بحدة .. بعد ان شعرت بنبرته المتلاعبة وقالت بحدة لم تقصدها و طفولية
" لم أكن مستيقظة .. لقد كنت فعلا أستيقظ على صوتك "

التوى فمه بشبه ابتسامة .. ومر بجانبها حتى وصل إلى السرير .. خلع حذائه والقاه بإهمال بعيدا .. ثم استلقى بجسده على السرير بملابسه .. يرتدى قميصا اسودا كعادته ازاره العلوية مفتوحة بفوضوية.. وبنطال يطابق لون القميص ..
" بملابسك!!"
هتفت بها بتعجب وهى تضيق عيناها
صدر منه ضحكة منخفضة تعبر عن تعبه وقال بصوت منخفض و سخرية ربما من نفسه
" الحقيقة .. انا متعب وغير قادر على تبديل ملابسى.. راسى تؤلمني .. وجسدى منهك وكاننى تلقيت ضرب مبرح .. وتم كسر عظام جسدى "
ظهر القلق والخوف جلى على وجهها وهى تجلس على طرف السرير على مسافة منه قائلة بعتاب
" بالتأكيد ستتعب... بل وستشعر بالمرض أيضا .. فأنت تنام متأخرا وتستيقظ مبكرا .. ولا تكف عن العمل .. جسدك له حق عليك أيضا "
اخفضت اهدابها ما ان نطقت بكلماتها .. حدق بها ببرود مخالف لما يعتمل فى عقله وقلبه وقال بسخرية وتنهيد

" وهل أحد يجد الراحة ويقول لها لا "
" بالطبع .. كل شخص مسئول عن راحة ذاته "
قالتها باندفاع وسرعة
" وهل مسئول أيضا عن إيقاف هذا .. وأشار إلى عقله .. من التفكير ... وهذا وأشار إلى قلبه .. من الخفقان والشوق .. "
الجمتها طريقته بالكلام .. هذه اول مرة تراه يتحدث هكذا ...
ارتبكت من كلماته .. صمتت .. حتى طال صمتها وهو ما زال محدقا بها .. ينتظر كلماتها التالية .. هل ستستطيع الرد .. ام انه استطاع لجم لسانها .. وإيقاف كلماتها من الاسترسال أكثر ...
وضع ذراعه على عيناه وقال بصوت منخفض

" اغلقى الضوء اذا سامحتى "
وباصابع مضطربة ومرتجفة ضغطت على زر المصباح الذى على الكومود بجوار السرير .. وفردت جسدها بجواره بحركة بطيئة هادئة ...
دقائق و كلا منهم لم يحاول التحرك من مكانه .. حتى شهقت نور ما ان شعرت بحركته الفجاءية وتحركه بسرعة وجلوسه على السرير وكأنه مسه جان .. أو انه رأى شئ أقلق منامه ..
دفن حازم وجهه بين يديه .. يحاول السيطرة على دقات قلبه التى تكاد تصم أذنيه .. من قربها المستمر منه .. وهو كالاحمق لا يعرف كيف يقترب؟؟.. او متى يقترب ؟؟.. خائف من الاقتراب ... ويتألم أكثر من الابتعاد عنها .. لا يعلم إلى متى يستطيع الإنتظار ؟؟!!.. لقد عرف عن نفسه شيئا لم يكن يتوقعه ابدا .. انه صبور .. صبور للغاية معها فقط .. ولا مع أحد آخر غيرها ..
لكن إلى متى سيظل هكذا؟؟ .. يمنحها الطمأنينة وهى بعيدة عنه .. فى حين هو يشتعل من هذا الابتعاد .. لقد كان ماهرا فى كل شئ .. إلا شئ واحد كان احمقا به .. هو الحب .. وكيف يعبر عن حبه لامرأة لا تشعر به رغم انه يكاد يصرخ من عشقه لها .. لكن كيف يعبر ويظهر هذا الحب ..
أبعد يديه عن وجهه وخرج مسرعا من الغرفة .. تاركا نور فارغة العين والفم .. من تصرفاته ..
"هل به شئ !!.. لماذا أصبح يتصرف بغرابة اليوم هكذا ؟؟!!.. لقد كان هادئا وباردا الأيام الماضية!! .. "
همست نور لنفسها بذلك

نزل درجات السلم بسرعة غافلا عن والده الذى يقف فى أسفل السلم .. وما كاد يتخطاه حتى ناده والده بصرامة
" حازم .. ماذا بك؟؟!! .. لماذا تركض هكذا وكان هناك من يركض خلفك ؟؟ "
توقف حازم مكانه ما ان استمع إلى صوت والده الأمر وقال بهدوء
" لا شئ .. لقد كنت ذاهب إلى المكتب "
نظر والده إلى الساعة التى تلتف حول رسغه وقال بتعجب
" فى هذا الوقت !!.. ثم غمز له بمكر متابعا .. هل هناك رجل عاقل يترك زوجته فى هذا الوقت "
فرغ حازم شفتاه قليلا واسبل اهدافه من شكل والده وهو يغمز له بهذه الطريقة ..
وقال بصوت متزن يعبر عن عقليته العملية

" لدى بعض الأعمال التى يجب عليا انهاءها لذلك يجب عليا الذهاب "
لوى مراد فمه بتشكك وقال وعيناه شبه مغلقة .. وإحدى حاجبيه مرفوعان
" أعمال فى هذا الوقت .. أيا كانت الأعمال فعليك إلا تترك زوجتك فى هذا الوقت بمفردها ..
ثم تابع بهدوء وهو يلاحظ صمت ابنه قائلا بهدوء
" حسنا .. انهيها وأذهب للنوم ولا تتأخر .. وهناك شئ أريد الحديث به معك أيضا ..لكى لا أنسى "
" تفضل ..انا استمع ..هل هو يخص العمل؟؟!! "
سأله حازم

" نعم .. هناك فتاة كانت قريبة لشخص اعرفه وسمعت انك قمت بطردها هى و زوجها من الشركة.. وأنا بحثت فى الأمر ولم أجد سبب لطردهم وخصوصا أنهما محامان جيدان "
ضيق حازم ما بين حاجبيه يحاول معرفة عمن يقصدهما والده .. حرك فمه وقال بهدوء ..
" لا أتذكر أحد.. هل تعرف اسم اى منهم!! .. ربما أتذكر ما حدث "
" الفتاة اسمها هايدى وزوجها مازن "
تجمد حازم فى مكانه ما ان أنطق والده باسمهما .. واتسعت عيناه .. وهتف بحدة وصوت عالى
" ماذا !!!؟؟؟.. هذان الاثنان لا "

أغمض حازم عيناه .. ما ان أنتبه إلى نبرة صوته بالإضافة إلى نظرة والده الصارمة .. و هو مرتعب من أن تكون نور قد استمعت إلى حديثهما.. يدعو فى نفسه إلا تكون قد سمعت شئ. .او تكون نائمة. .
حاول حازم تهدئة أعصابه وهو يشتد على قبضة يده إلى جانبه ويضغط على أسنانه بشدة ..
وقال بصوت منخفض للغاية محاولا تمثيل البرود
" انا من قمت بطردهما.. ولا أريد عودتهما "
" لماذا؟؟!! ..هل هناك سبب؟؟!! "
سأله والده مشككا وهو يرى تعابير وجه حازم .. وهو على يقين ان ابنه يحاول ضبط أعصابه .. وعدم رغبته فى افلاتها فى الوقت الحالى ..
شعر حازم .. من نبرة والده التشككية.. فمهما كان والده محامى .. ومحاما كبير أيضا .. لن يجعل الأمر يمر بسهولة من دون ان يضع فيه أنفه البولسى.. ولا يعلمه
فرد بهدوء يخفى به ارتباكه وربما غضبه
" لم يعجبنى عملهما "

" كيف؟؟!! .. انا لم أفهم!! .. كيف لم يعجباك!!!. . الفتاة ماهرة فى عملها .. والفتى كذلك أثبت تفانيه فى عمله منذ ان بدأ العمل معنا ولولا مهارته ما كنت قمت بتعينه فى الشركة "
قال والده ..
" حسنا .. يا أبى يمكنهما العودة"
هتف بها حازم بنفاذ صبر فهو لا يريد أن يحتدم النقاش بينه وبين والده .. لكنه تابع بهدوء
" تصبح على خير يا أبى "
قالها بسرعة ثم انصرف من أمام والده .. الذى تابع تحركه بأعين متعمقة.. ربما بصفته محامى فلديه شكوك حول الأمر .. وربما لأنه أب لا تريحه نبرة ابنه او حتى طريقته فى التعامل مع الأمور ..

مرر حازم يده على وجهه ما ان دلف إلى المكتب وهو يزفر بقوة .. لقد نفذ صبره ولم يتحمل أكثر .. هذه البلد اصبحت تضيق به بطريقة تخنقه ..
لقد كان يفكر بالفعل فى أمر السفر .. لكن رؤيته لوالدته وهى سعيدة ببقاءه هو ونور معها ..جعله يصرف هذا الأمر عن رأسه ..
لكن الآن هو يفكر جديا فى السفر ..فهو لا يريد اى أشباح للماضي ان تطارده مع نور ..
يريد جعلها تبتعد عن كل هذا ويبدأ من جديد ...
جلس على كرسى مكتبه وهو يحرك ويهز قدمه بعصبية مفرطة يحاول أن يهدأ من نفسه قليلا .. لكن عبثا لقد ازداد قلبه اشتعالا وغضبا ..
وبغضب عاصف أمسك بالفازة الكرستالية من على مكتبه والقاها بغضب على الحائط حتى تكسرت و سقطت محطمة إلى أجزاء صغيرة على الأرض ..
صرف نظره عن أمر الزجاج الذى تكسر .. وحاول أن يشغل رأسه باى شئ .. وبدأ ينظر إلى الأوراق التى أمام ناظريه...
بعد ما يقارب الساعتان

وقفت نور بتوتر أمام باب مكتب حازم .. وهى تعض اناملها من التوتر والخجل .. لا تعلم هل تدق على الباب وتدخل .. ام تنصرف ولا تهتم للأمر .. لكنها قلقة ولا تستطيع ان تمنع قلقها عليه .. فمهما كان فهو زوجها وأيضا أظهر احترامه لها منذ اليوم الأول الذى دخلت فيه إلى منزله ..
نهرت نور نفسها بشدة .. وهى تتساءل .. أ هى حقا تريد أن تطمان عليه بدافع الواجب؟؟ .. ام لأنها فعليا تفكر فيما قالته لها عمتها صباحا ان تحاوط على زوجها وأن تظهر اهتمامها به فهى لن تجد مثله .. ام لأنها تشعر بشئ آخر !!.. يجعلها تشعر بالاضطراب من أفكارها تلك .. هل أصبحت معجبة به!! .. ألم تكن صفاته التى عددتها لها عمتها صباحا هى حقا كانت صفات فارس أحلامها .. وهو .. هل هو حقا هذا الفارس .. ام انها ستخدع كما خدعت فى مازن الذى تلاعب بها وبمشاعرها.. هل تقتحم عزلته .. وتقترب منه وترى حقا أن كان هو هذا الفارس .. ام تبتعد وحينها سيكون قد افلتت رجل مثل حازم من حياتها ..
لكنها أخيرا قررت الاقتراب .. فمهما اقتربت هى لن تخسر شيئا فهو وعدها بالا يجبرها على شئ ..

ذهبت إلى المطبخ و خرجت و هى تحمل بين يديها فنجان من الشاى بالزنجبيل تتمنى حقا ان يحبه .. وألا يضيع تعبها سدى ..
دقت دقات خفيفة على الباب .. و رفعت اهدابها إليه ما ان فتح لها باب المكتب مطلا عليها بطوله الفارع... وهى تنظر إلى شعره المشعث بهيام .. وقلبها يكاد يخرج من بين اضلعها وهى تراه هكذا ..
لاحظت تعابيره التى كانت فى البداية مصدومة ثم تحولت إلى باردة وهو ينظر اليها بتعجب ..
فتنحنحت اخيرا وقالت بنبرة منخفضة
"لقد رأيتك ساهرا.. لذلك فكرت فى ان اصنع لك فنجان من الشاى بالزنجبيل .. "
قالتها وهى تنظر إليه لعله يبتعد ويجعلها تدخل إلى الغرفة .. لا .. بل الجلف لم يتزحزح من مكانه .. وظل واقفا وكأنه ما زال مصدوما من مجيءها إليه فى هذا الوقت .. تبا هى الحمقاء .. وهو أكثر منها حماقة وغبى ... ويحتاج إلى ضربة على رأسه تفقده الوعى .. لكى لا ينظر اليها هكذا مرة أخرى ..
صدم حازم ما ان راءها أمامه .. تقف بتلك الهيئة أمامه وتحمل بين يديها فنجان من الشاى .. وماذا بالزنجبيل الذى هو أكثر شئ يكرهه فى هذا العالم .. هل تمثل وتريد أن تظهر انها زوجة مراعية ام ماذا؟؟!!! ..
تنهد بخفوت .. وقال بصوت هادى وهو يتناول منها الفنجان والطبق الموضوع عليه ..
" شكرا لك .. وشكرا على اهتمامك"
ظهرت شبه ابتسامة على ثغر نور .. وهى تردد فى نفسها .. انه أحمق كبير .. هل هو خائف من ان تدخل محرابه المقدس ام ماذا. . ولماذا هو لا يريدها ان تدخل ..
وقالت من بين أسنانها
" عفوا "
نظرت إليه ونظر إليها .. وكأنها كلمات بينهما .. هو ينتظرها ان تنصرف .. وهى تنتظره ان يرتشف من فنجان الشاى بالزنجبيل حتى تتأكد انه أعجبه .. فهى لم تتذوقه. . وتريد أن تعرف ان كانت نجحت فى إعداده ام لا ..
أخرجها من نظراتها صوته البارد قائلا
" شكرا لك .. يمكنك الانصراف "
هل تعلموا ما الذى ارادته الآن .. أرادت أن تقوم بلكمه على أنفه .. لا على أسنانه البيضاء تلك .. رغم أنها متأكدة أن يدها ستولمها من الضربة .. لكنها تريد أن تجرب .. انه يستفذها بالتأكيد ..
فقالت بخجل بعد ان اسبلت اهدابها ..
" هل يمكنك أن تخبرنى برأيك به .. قبل أن اذهب "
وبحركة سريعة منه بدأ يرتشف الشاى .. وهو يقاوم رغبة قوية فى بصق ما دخل فمه ..ابتلعه بهدوء .. يحاول أن ينسى أن ما يشربه هو زنجبيل ..
" ما رأيك؟؟!!"
سألته بلمعان التمع بين مقلتيها
" رائع "
لم يستطع أن يقول كلمة أقل من هذه وهو يراقب ابتسامتها ..قالها وتناسى تماما أمر ذلك الزنجبيل ..
" أن له فوائد عظيمة لبعض الأمراض .. مثل الصداع النصفى.. والتهاب المفاصل "
سعل حازم وهو يرتشف قائلا بتحشرج
" التهاب مفاصل .. فليبشرك الله بالخير "
ضحكت وهى ترى وجهه الممتعض. . ناولها الطبق الصغير الذى عليه فنجان الشاى وشكرها بخفوت ..
فقالت بخفوت وخجل ..
" إلا يكفى عمل حتى الآن الوقت قد تأخر .. وأنت لا تكف عن الاستمرار فى العمل .."
تهللت اسارير حازم .. والتمعت عيناه وهو يشعر باهتمامها هذا به .. وقال بهدوء وسرور حاول مدارته ..
" حسنا يكفى عملا "
ابتسمت هى الأخرى وتحركت تمشى أمامه بخلاء و ببط ما ان رأته يخرج من الغرفة ويغلق بابها وراءه .. صعدت السلم وهو خلفها ..
دلفت إلى الغرفة .. واستلقى على السرير ما ان بدل ملابسه بأخرى مريحة ..
انزلقت بجواره وهى تحارب شئ من الخجل والارتكاب داخلها رغم أنها قد نامت بجواره لعدة ليالى إلا أن هذه المرة هى تشعر بشعور غريب من الخجل والتوتر ..
ولأول مرة وضعت رأسها على الوسادة و هى لا تفكر فى شئ ابدا قد يزعجها. . فعليها أن تستمتع بحياتها وألا تتركها للألم .. فوالدها لو كان على قيد الحياة لتمنى لها حياة سعيدة هادءة .. وهى لا تريد او تتمنى أكثر من ذلك ..



فى اليوم التالى صباحا ..
استغلت نور فرصة عرض السيدة نورا عليها لتدخل إلى غرفة المكتب لتحضر لها أحد الكتب الموجودة هناك وبدأت رحلة استكشافها لمحراب زوجها الذى يجلس فيها .. أكثر مما يجلس مع الجميع ..
ولجت إلى الغرفة المتوحشة .. نعم متوحشة فقد سار فى جسدها قشعريرة ما ان دلفت إليها ..
غرفة متوحشة بالسواد بدءا من نوافذها القاتمة إلى ارضيتها التى تماثلها سوادا.. مكتب ضخم فاحم اللون يقبع خلفه كرسى جلدى..
كنبة عريضة فى أحد جوانب الغرفة .. أمامها منضدة تقديم زجاجية .. لم يخفف من هذا السواد الا الإنارة المنبعثة من المصابيح المعلقة فى السقف ..
ستائر قاتمة تمنع مرور الضوء إلى الغرفة ..
مررت اصابع يديها بهدوء على جوانب المكتب .. المرصوص عليه بإهمال .. عدد من الأوراق .. والكتب الخاصة بالقانون ..
تنهدت نور بضعف .. ثم بخطوات هادئة اتجهت نحو المكتبة التى احتلت إحدى جوانب الغرفة .. عليها العديد من الكتب .. اقتربت غير منتبها لقطع الزجاج التى توجد على الأرض ..
بحثت فى الارفف الأولى عن الكتاب الذى أخبرته بها السيدة نورا .. لكنها لم تجده ... فبحثت فى الغرفة عن اى شئ تستطيع التسلق عليه والبحث فى الارفف العلوية .. فوجدت سلما صغيرا وقصيرا بجوار المكتبة ..
سحبته ووقفت عليه .. ظلت تبحث .. فلمحت اسم الكتاب المنشود .. على رف عالى بعيدا عنها .. فشبت بقدميها .. حتى وقفت على أطراف أصابعها ..
ابتسمت بانتصار ما ان تمسكت به وما كادت تسحبه ..حتى اختل توازنها و تراجعت للخلف .. وسقط جسدها على قطع الزجاج التى كانت على الأرض سابقا ..
خرجت آه وصرخة متالمة وعالية منها وهى غير قادرة على تحريك جسدها من الألم .. ومن وخز الزجاج فى ظهرها ..
................................
دلف حازم إلى المنزل وهو يرتدى ملابس رياضية بعد جريه لعدد من الساعات بالخارج .. بحث بعيناه عنها ما ان دخل .. فى المكان الذى كانت تجلس فيه هى ووالدته قبل خروجه .. لكنه لم يجد غير والدته فقط الجالسة تحتسى كوبا من القهوة ..
اقترب منها .. قبل رأسها ...
ابتسمت والدته ما ان لاحظت نظراته وقالت بهدوء
" نور فى غرفة المكتب .. تحضر لى كتابا ما "
عقد حازم ما بين حاجبيه .. ثم ابتعد من دون أن يردف بكلمة ..
وما كاد يخرج من الغرفة حتى سمع صوت ارتطام وسقوط شيئا ما بقوة .. ركض نحو الصوت .. حتى سمع صوت صرخة آتية من غرفة المكتب ..
ولج إلى الغرفة مصدوما من شكلها القابع على الأرض .. وقطرات من الدماء حولها ..
اقترب منها مسرعا .. وقد توقف عقله عن التفكير للحظات وهو يراها أمامه هكذا .. أثنى ركبتيه ومال نحوها .. فرأى عيناها شبه مغلقة
" نور " هتف باسمها
فتاوهت بخفوت و دموعها تسقط على جانبى وجهها من الألم وقالت بصوت متالم
" ظهرى .. انا أتألم .. زجاج "
صدرت منه لعنة ومن ثم وضع يده على رأسها ليتأكد ان كان هناك اى قطع من الزجاج قد دخلت إلى رأسها .. حمد الله بخفوت .. ما لم يجد اى زجاج ...
ثم وضع يد أسفل رأسها فتاوهت بقوة ..
" آسف "
هتف بها بخوف ... ثم حملها وخرج مسرعا ..
رأته والدته .. فقالت بفزع
" ما هذا ما الذى حدث لها؟؟!! .. كيف ؟؟!!!!"
" سأذهب إلى المشفى .. "
هتف بها وهو يركض حاملا إياها مسرعا .. فتحت والدته باب السيارة له .. وضعها فى المقعد الخلفى على بطنها .. وما ان جلست والدته بجواره .. حتى انطلق مسرعا ..



وقفت فى المطبخ وهى تنظر إلى الأطباق التى أعدتها منذ ان استيقظت صباحا له هو فقط .. وضعت الأطباق على أحد الصوانى الكبيرة .. وخرجت من الغرفة وهى تحملها بين يديها بابتسامة واسعة على شفتيها ..
وما كادت تصعد درجات السلم .. حتى أتاها صوت حماتها .. الذى جعل ابتسامتها تختفى .
.
" ألم يستيقظ .. مالك حتى الآن ؟!!.. الوقت تأخر "
قالتها كوثر بحدة
التفتت ريم إليها وهى تنظر لها وتحاول رسم ابتسامة على وجهها فهى لن تسمح لأحد أن يعكر صفو حياتها ..
" لا لم يستيقظ بعد .. "
قالتها ثم تابعت صعودها للدرج ما ان لمحت تعابير وجه حماتها الغريبة والذى أصبح هادئا فجأة ..
دلفت إلى الغرفة .. وهى تكاد تختفى من خجلها فلو أخبرها أحد ما سابقا انها ستقوم بفعل هذا فى يوم من الأيام .. لكانت قامت بضربه لتفوهه بهذه التفاهات ..
وضعت الصينية الكبيرة على طاولة منخفضة قريبة من السرير .. وبدلال بدأت فى إيقاظ مالك .. الذى أبتسم ملئ فاهه وهو يراها أمامه ما ان أستيقظ ..
قائلة له بصوت ناعم
" صباح الخير .. "
فغر مالك فمه من الدهشة ومن نبرتها التحببية تلك .. و بتلقائية وضع راحة يده على جبهتها.. وهو يزم شفتاه بتفكير
قائلا بقلق
" ريم هل بك شئ حبيبتى اخبرينى؟؟!! .. انتى لستى بخير هذه الأيام "
امتعض وجهها وقالت من بين أسنانها تحاول أن تكون لبقة ورومانسية إلى النهاية ..
فيجب أن يتم ما فى رأسها إلى النهاية .. فلاول مرة ستجرب الحياة السعيدة .. وستفعل كما تفعل الزوجة المحبة الأصيلة .. وتعد له كل يوم فطور رائع تعبر فيه عن حبها له .. لقد كان صبورا ومحبا معها اذا هى يجب ان تظهر انها تحبه أيضا ..
"هيا أنهض الطعام جاهز .. اريدك أن تلتهمه بأكمله "
قالتها وهى تحمل الصينية بين يديها ووضعتها على طرف السرير ..
ارتفع حاجبه دهشة وتهللت اساريره بابتسامة عذبة تعبر عن فرحته وقال بمكر
" فى السرير!! .. سنتناول الطعام فى السرير!!.. "
فردت عليه بسرعة
" نعم .. وما المشكلة .. اذهب أولا لغسل وجهك "
تحرك مبتعدا عن السرير .. متوجها نحو الحمام ..
وما ان خرج حتى نظر إليها بتفحص .. تنحنحت فى مكانها وهى تلمح نظراته المتفحصة والمستغربة فى آن واحد وهو يستند بجسده على إطار باب الحمام ..اقترب منها ببط و جلس بهدوء قبالتها ..
وبدأت هى نفسها باطعامه بيديها وهو يكاد يسعل ويجن من حنانها المفاجئ ..
وهى تطعمه بيضة تلو الاخرى داخل فمه .. سعل بقوة ما ان تذكر تلك المسرحية الكوميدية الشهيرة والمشهد الأشهر .. عندما قامت الزوجة باطعام زوجها البيض بنفس الطريقة ..
ناولته بسرعة كوب من الماء .. شربه دفعة واحدة .. ثم هم مبتعدا عن السرير وهو يضع إحدى يديه فى خصره قائلا بحدة
" ريم .. هذا الأمر لا يسكت عليه .. ماذا بك ؟؟!!.. هل قام أحد ما باجبارك على شرب شى ما!! .. حنيتك هذه لا يمكن أن يسكت عليها "
اسبلت اهدابها وقالت بخجل ..
" إلا يمكننى أن أعد الطعام !!.. وأكون لطيفة "
رفع إحدى حاجبيه وقال من بين أسنانه بتعجب
" لطيفة .. لا أعتقد ذلك "
احتقن وجهها شرا .. وهى تسأله بغضب مكتوم
"ألا يمكننى ان أكون لطيفة؟ ؟!! .. "
لاحظ مالك وجهها المحتقن وقال بارتباك وهو يحاول أن يشيح بوجهه بعيدا عنها حتى يامن من غضبها
" لا أقصد هذا ... لكن ... "
صمت ... ف همت من مكانها غاضبة
" لكن ماذا سيد مالك .. هل انا سيئة لتلك الدرجة .. "
حاول تهدءتها والتقرب منها ولكنها كانت تبتعد عنه ..
حتى قالت بغضب
" ساريك يا مالك .. انا المخطاة لأننى فعلت كل هذا من أجلك .. وفى النهاية تقول لى .. انتى لستى لطيفة .. "
لوى فمه وقد عادت ريم لسابق عهدها وقال بهدوء
" انا لم أقل هذا .. وانظرى. . انظري إلى نفسك لا يمكنك أن تكونى لطيفة لمدة قصيرة حتى "
حملت صينية الطعام .. وقالت قبل أن تهم بالخروج من الغرفة بها ..
" ساريك .. الوجه القديم .. ولن أقوم بتكملة ما كنت أفكر بفعله لك اليوم .. انا المخطاة .. ساريك ..
وما ان خرجت حتى عادت بسرعة
" لن أبقى معك لحظة بعد الذى قلته .. سأذهب عند نور ..
ثم تابعت مفكرة مغيظة إياه
ولكن لماذا أخبرك .. فأنا لست لطيفة "
مرر يديه على وجهه ثم قال بخفوت
"ها هى وقد عادت ريما لعادتها القديمة .. لن تتغير ابدا .. مجنونة
أبتسم ابتسامة جانبية متابعا ..
" لكننى أفضل جنونها هذا "



فى المشفى
أخذ حازم ردهة المشفى ذهابا وايابا بغير هدى .. وهو ينتظر خروج أحد الأطباء ليخبره بحالتها ..
وهو يسب ويلعن بخفوت .. فهو من كسر هذا الزجاج ليلة أمس .. ونسى تماما ان يطلب من أحد ما تجميع الزجاج ..
تنهد بقوة .. وعيناه على الباب القابعة خلفه زوجته .. ما كان سيخرج لولا غضب الأطباء على ضرورة خروجه ..
أمسكت والدته بيديه ما ان لاحظت الخدوش الصغيرة التى على ظهر يده .. تقطر منها بعض الدماء ..
وقالت بحنان
" حازم يدك أيضا مصابة اذهب لتطهيرها "
رفع حازم يده وهو يرى يده المصابة بالقليل فيبدو انه قد خدش وهو يقوم بحملها من لهفته عليها ..
هز راسه ببط ثم ابتعد عن والدته .. متجاهلا خدوش يده
انتظروا لما يقرب الساعة .. وهو يزفر بنفاذ صبر .. غير قادر على الانتظار أكثر ..يقف وهو يستند بجسده على الحائط..
ركض نحو أول طبيب لمحه يخرج من الغرفة ..
والذى قال من قبل أن ينطق حازم
" الحمد لله .. اخرجنا الزجاج من ظهرها وقمنا بتقطيب الجروح .. ولم تتوغل اى قطعة زجاج إلى منطقة خطرة من العمود الفقرى "
" هل هى بخير "
سألت نورا الطبيب وهى ترى عدم قدرة ابنها على النطق ..
" ستكون بخير ..لكنها بحاجة ان تبقى بالمشفى لعدة ايام "
قالها الطبيب ثم انصرف من أمامهم ..
تنهد حازم .. وأغلق عيناه بقوة يعبر عن ارتياحه ..
ربتت والدته على كتفه وقالت بخفوت
" سأذهب إلى المنزل وأحضر لها بعض الأغراض التى قد تحتاج إليها .. وأخبر والدك أيضا "
هز رأسه ببط .. ثم قال بهدوء
" ساوصلك "
" لا داعى .. ابقى مع زوجتك .. وأنا ساحضر بعض الأغراض و ساتى إليك "
قالتها والدته بهدوء
.......................................
ما ان ترجلت السيدة نورا من سيارة الأجرة .. حتى لمحت ريم واقفة بجوار سيارتها وبجوارها اروى .. اللتان ركضتا إليها ...
" مرحبا عمتى .. كيف حالك؟ "
قالتها اروى بهدوء ..
" بخير .. حبيبتى .. كيف حالك انتى؟؟ "
ردت عليها نورا
"أين نور؟؟ .. لقد أتينا منذ دقائق والحارس أخبرنا بأنه لا يوجد أحد فى المنزل "
سألتها ريم
"انها بالمشفى .."
" ماذا؟؟!! .."هتفت بها كلا من ريم واروى
ثم تابعت ريم
" لماذا هل بها شئ ؟؟!! "
" سقطت .. وأصيبت فى ظهرها ببعض الزجاج "
ردت نورا بارهاق. . ثم تابعت بهدوء
"سآخذ بعض الأغراض وأذهب إليها يمكنكما المجى معى "
وبعد ذلك دخلت نورا إلى المنزل .. و بعدها بقليل خرجت وهى تحمل بين يديها حقيبة وبعض الأعراض ساعدتها كلا من ريم واروى فى حملها .. ثم صعدوا إلى السيارة وانطلقوا بها ...
..................................
فى المشفى بالتحديد فى الغرفة التى تجلس بها نور ...
وقف حازم بوجه مرهق .. بجوار سريرها يراقب جسدها الراقد على السرير بدون حول ولا قوة وهى نائمة على بطنها بسبب إصابات ظهرها .. و بجوارها معلق محلول ما متصل بيدها بخرطوم شفاف .. لتغذيتها بعد ما تعرضت له اليوم ..
بعد حقنها بعدد من الحقن لتسكين حدة الألم عليها ...
مرر أصابعه بين خصلات شعرها وهو يزفر بقوة .. وكان تلك الصغيرة قد كتب عليها الألم طيلة عمرها .. فما ان تنخلص من شئ حتى ياتى غيره ..
اقترب منها و ببط مال عليها وطبع قبلة على جبهتها التى تصبب عرقا .. ثم مسح قطرات العرق بيده بهدوء حتى لا يؤلمها .. وأدخل بعض من خصلات شعرها داخل غطاء الرأس الموضوع على رأسها وهى ترتدى لباس المشفى الأبيض ..
اجفل حازم وتوجه بنظره نحو الباب .. تبعه دخول تلك المجنونة باندفاع داخل الغرفة .. وخلفها والدته واروى .. التى نظرت إليه بعطف ما ان رأته أمامها واقف بتلك الهيئة...
ووالدته وضعت الحقيبة على أحد الكراسى و وقفت بجوار السريرمن الناحية الاخرى .. وسألته وهى تمرر يديها على وجه نور
" كيف حالها الآن؟؟!! "
" بخير .. والطبيب قال لا يسمح لها بالزيارات الآن فهى تحتاج إلى الراحة ..
قالها وهو ينظر إلى ريم بشر متابعا بحدة ..
" هناك بشر مجانين .. يحتاجون إلى تعلم الذوق قبل ان يدخلوا إلى غرفة أحد ما "
رفعت ريم إحدى حاجبيها ما ان علمت أن الكلام موجه اليها فهى من اندفعت بالدخول وقالت متجاهلة كلامه ..
" يجب علينا أن نقوم بتغير ملابسها .. ف رائحة المخدر شديدة للغاية .."
" نعم عندك حق "
ردت نورا بهدوء .. ووجهت نظرها نحو حازم لثوانى .. وريم هى الأخرى تنظر إليه وهى تقول بسخرية
" يبدو .. أن السيد حازم لم يفهم نظرات والدته التى تخبره ان يخرج .. ام انه يريد أن يراقب بدون خجل "
اصتك حازم على أسنانه بغضب .. ونظر إليها بشر يحاول ان يجمع رباطة جاشه..
و تحرك ببط خارجا من الغرفة لكنه قبل ان يغلق الباب .. وجد لسان ريم يخرج بانتصار مغيظا إياها ...
فقال من بين أسنانه
" مجنونة "
اتسعت عيناها وردت هى الأخرى بسرعة وغضب من بين أسنانها
" طفل "
..........................
ولج حازم إلى الغرفة .. بعد ما يقرب الساعة .. ورأى نور قد افاقت قليلا من المخدر .. ولكنها ما تزال تنام على بطنها .. وريم تجلس بجوارها والأخرى تبتسم لكلامها .. وهى تحاول اطعامها القليل من الطعام الذى احضرته الممرضة لها ..
واروى تجلس على أحد الكراسى فى الغرفة تبتسم لدعابات ريم .. و والدته تجلس بجوارها على الكرسى ..
تنحنح فى وقفته غير قادر على إخراج كلماته فى حضور الثلاثة نساء الذين زادوا من ارتباكه من نظراتهن له ..
اقترب منها بخطوات وءيدة.. رفعت نظرها نحوه وهى تقول بخفوت و ابتسامة على وجهها
" لا تقلق انا بخير "
قالتها قبل ان يسألها حتى وكأنها رأت .. قلقه وخوفه بين عيناه ..
هز رأسه ثم جلس بجوار والدته ..
رفعت ريم إحدى حاجبيها وهى ترى تصرفاته التى تماثل السقيع فى برودته وقالت بخفوت من بين أسنانها
" إبن والدته "
لم يستمع أحد إلى كلماتها غير نور التى ابتسمت وقالت بخفوت تنهرها
" ريم .. كونى عاقلة "
فمالت الاخرى برأسها نحو نور قائلة قرب اذنيها .. وهى تبتسم بانتصار لنظرات حازم المغتاظة من قربها لنور ..
" أقسم أن لديه يد فيما حدث لك "
" ريم.. لا تظلميه .. هو ليس له ذنب انا من وقعت ولولا انه انقذنى واتى بسرعة لربما حدث لى الاسوء "
قالتها نور مدافعة عنه .. و عيناها لم تكف عن مراقبته وهو جالس .. فكان من حسن حظها انه يجلس من الجهة التى وجهها به ..



وقفت بثينة أمام المرآة وهى تتفحص ما ترتديه بعيناها .. ثوب من الحرير باللون الزيتونى قصير يصل إلى ما بعد الركبة ذراعين عاريان وذو حمالات رفيعة.. فلاول مرة يوافق حسام على أن ترتدى شئ كهذا .. رغم انه أظهر اعتراضه عدة مرات .. لكن هذه المرة وافق .. ولم يعترض ..وكم تعجبت من هذا
منذ ايام وبعد أن تصالحا.. تفاجأت به يطلب منها أن تعد الحقائب ليذهبا إلى أحد القرى السياحية ليقضيا بها بعض الوقت .. فهما بحاجة إلى التقرب أكثر من بعضهما سعدت بهذا الاقتراح .. وبدأت فعلا فى إعداد ملابسهم جميعا ..
وسافروا وها هم الثلاثة يجلسوا فى جناح واسع وراقى .. بالإضافة إلى تخصيص حسام مربية ل ميا .. حتى يستطيعا الخروج مع بعضهما فى بعض الأوقات ..
الأيام التى قضوها فى هذه القرية كانت هادئة واستمتعوا بكل لحظة وهم مع بعضهم .. وحسام أصبح يتقرب من ميا أكثر وأكثر .. حتى أصبحت الصغيرة تصرخ وتبكى ما ان يبتعد عنها ..
لكن اليوم أخبرها أنهما مدعوان للعشاء من أحد أصدقاءه القدامى .. وعليها ان تكون جميلة اليوم ..
" هل انتهيتى؟؟ "
اجفلت بثينة وهى تستمع لصوت حسام من خلفها وردت بهدوء
" نعم "
تقربت منه ما ان رأته واقفا ويحمل بين يديه رابطة عنقها .. منتظرا ان تأتى لتعقدها له ..
عقدت الرابطة حول عنقه ..
و سألته بهدوء
" من صديقك هذا ؟؟ .. وهل كان يعرف بحضورنا إلى هنا ؟؟!!"
" نعم بالطبع .. فهو صاحب تلك القرية ..
قالها ثم ابتعد عنها و تابع وهو يرتدى حذائه
" وأيضا أفكر بأن اشاركه بها .. ما رأيك "
تفاجأت بثينة من كلامه .. لقد أتى اذا من أجل العمل .. حسام لن يتغير ابدا .. حتى وإن قال بنفسه انه تغير سيظل كل همه هو العمل ..
" انه عملك.. وما هو أفضل لك أفعله "
قالتها بخفوت وانزعاج لم تستطع اخفاءه ووقفت أمام المرآة تكمل وضع زينتها ..
شعر حسام بتوتر الجو بينهما .. أراد الحديث معها لكنه فضل ان يتحدثا ما ان يعودا من هذا العشاء ..
تباطات ذراعه وهى تدلف إلى المطعم الفخم .. المجهز بطريقة حديثة .. حتى قادها حسام إلى أحد الطاولات ما ان لمح صديقه المقصود ..
كانت الطاولة يجلس عليها رجل وامراتان .. الأولى ذات ملامح هادءة وقد عرفت انها زوجة صديق حسام .. ام الثانية فملامحها لم تكن غريبة عليها وشعرت بانقباض حاد فى صدرها ما ان تصافحا.. عرفت أن اسمها عزة ..
جلست بهدوء و بجوارها حسام الذى لم يكف عن التحدث هو وصديقه .. بينما المرأة الاخرى ترمقها بتفحص وتكبر .. وكأنها لا شئ أمامها ...
لم تشعر بثينة بالراحة طوال الأمسية وهى ترى نظرات المدعوة عزة إليها ..
" هل لديكم أطفال؟؟!! "
سألت المدعوة عزة فجأة
فأجاب حسام بسرور
" نعم لدينا طفلة صغيرة رائعة "
ابتسمت عزة ببرود و سألت مرة أخرى
" ما اسمها؟؟ "
إجابها أيضا حسام
" ميا ..
عقد الجالسون كلا منهم حاجبيه من غرابة الاسم
فابتسم حسام وضحك بقوة قائلا
" حتى انا استغربت من الاسم .. انه اسم جميل وصغير ومعناه العظيمة ..
ثم تابع بتفاخر. . فالبطبع ابنة حسام .. يجب ان تكون اعظم امرأة فى هذا العالم "
عبس وجه المرأة واحتقن وجهها .. فى حين الرجل والمرأة ابتسما لكلام حسام ..
وسألته زوجة صديقه بمراوغة وكأنها تسدد ضربة إلى عزة الغاضبة بجوارها
"وهل هى تشبهك ام تشبه والدتها؟؟!! "
" ميا تشبه بثينة كثيرا.. بل تكاد تكون مطابقة لها "
قالها حسام مبتسما وطبع قبلة طويلة على اصابع زوجته الصامتة .. التى لا تشعر بالاطمئنان ابدا من هذه الجلسة ...
ابتسمت عزة شبه ابتسامة ثم وجهت نظرها نحو طبقها.. والغيرة والغل ينهش قلبها .. فالرجل الذى أحبته .. ووقفت معه .. وبدلا من تكون هى الجالسة الآن بجواره .. هناك امرأة أخرى غيرها معه ويمسك بيديها .. وما ان قهرها و ازعجها أكثر هو نظراته التى لم يكف عن رمقها لزوجته بدون خجل .. وكأنه يريد ان يعلن أمام الجميع ان هذه المرأة هى حبيبته وزوجته ..
آهة ..أرادت الصراخ بها لكنها كتمت كل هذا داخلها .. فهى لن تترك امرأة أخرى تكون معه غيرها
............
بعد انتهاء الأمسية دلفت بثينة إلى جناحهما وخلفها حسام .. الذى حاوطها بذراعيه من الخلف قائلا قرب أذنيه
" لقد كنتى هادئة للغاية طوال العشاء .. هل هناك شئ يزعجك؟! "
" هل تخبره حقا بما يزعجها .. ام لا تفعل .. " قالتها فى نفسها
"لا شئ كنت متعبة فقط "
همست بها بخفوت .. فبثينة كعادتها فضلت الكتمان ... ثم أدارت جسدها ولفت ذراعيها حول رقبته .. وهى تقول بخفوت
" أحبك "
أبتسم حسام وقهقه عاليا .. ثم ضمها إلى صدره وعانقها بقوة ...



خرجت نور بعد عدة ايام من المشفى .. بعد أن تحسنت حالتها ..
و جلست عدة أسابيع فى الغرفة لا تتحرك .. حتى التامت جروحها ...
جلست نور على السرير تراقب حازم الواقف أمامها .. الذى لم يحاول التحدث إليها خلال الأيام السابقة طيلة مرضها .. يطمئن عليها بكلمات مقتضبة لا أكثر ثم يترك الغرفة .. غير مهتما بها .. رغم أنها تشعر بأنه يلوم نفسه على ما حدث لها .. وخصوصا بعدما أخبرها انه هو من ألقى بتلك الفازة الكرستالية .. وأنه نسى تماما أخبار شخصا ما بجمع تلك القطع .. أخبرته انه ليس لديه ذنب .. ولا يجب عليه ان يلوم نفسه .. لكنه لم يستمع إليها وها هو يحاول تجاهلها
" لقد مللت هل يمكننى أن أعود إلى العمل فى الشركة "
قالتها نور بهدوء مخفضة رأسها
استدار بجسده نحوها ثم قال بهدوء يخفى به غضبه ..
" ما زلتى مريضة .. عليك البقاء مرتاحة لعدة ايام أخرى "
ما كادت تجادله حتى سمعت صوت دقات على الباب ودخول الخادمة تخبرها .. بحضور كلا من السيدتان اروى وريم ..
وكأنه انتهز الفرصة لوجود الخادمة لكى يهرب من الحديث والجدال معها ..
وقال بهدوء
" سنتحدث فى وقت آخر "
قالها وخرج وهى تكاد تتمزق من الغيظ .. من حظها العاثر فلا تستطيع ان تكمل كلامها معه لمرة واحدة ابدا ..
جلستا كلا من اروى وريم على الأريكة بتعب ما ان دلفا إلى غرفة الصالون الموجودة فى الطابق العلوى .. ونور تجلس قبالتهم
" أين كنتما تبدوان متعبتان؟؟ "
سألتهم نور
" لقد كنا عند الطبيبة النسائية الخاصة باروى "
ردت ريم
ابتسمت نور وسالتها باهتمام
" و بماذا اخبرتك؟؟!"
عبس وجه اروى وقالت بحزن
" هناك احتمال كبير ان أنجب خلال هذه الأيام "
" ماذا لكنك ما زلتى فى شهرك السابع؟! .. كيف؟؟ "
هتفت بها نور بقلق
" انه أمر عادى لا تقلقى هناك نساء كثر ينجبن فى الشهر السابع .. ويكون الأطفال اصحاء وبخير "
طمانتها ريم
" انا لست خائفة من أن أنجب الآن .. لكننى حزينة انه لن يكون بجوارى .. لكى يمسك بيدى ويخبرنى إننى سأكون بخير .. تمنيت أن يكون بجوارى فى تلك اللحظات ".



بكت اروى وهى تقول تلك الكلمات .. وقالت بشهقات وخوف
" انا لا أعلم عنه شئ منذ ان سافر .. تأخر ولم يتصل بى حتى وكأنه قد تناسانى واخرجنى من حياته ..
ثم تابعت وجسدها يهتز خوفا ..
"لقد علمت أن فيروز قد أنجبت سيف أيضا فى الشهر السابع .. خائفة من أموت والا أراه .. "
ربتت كلا من ريم ونور على ظهرها .. والأخيرة تطمانها بكلمات هادئة ... بينما ريم تنهرها عن تفكيرها التشاؤمى هذا ..
"أيتها الحمقاء لو هو حقا قد نسيك عليك ألا تبكى على فراقه "
نهرتها ريم بقوة
فردت اروى ببلاهة من بين دموعها
" اذا ما الذى تريدنى ان أفعله وزوجى ليس معى "
" حمقاء البكاء للنساء العاديات .. أما الجميلات فيذهبن إلى التسوق .. ونحن يكفينا بكاء سنذهب للتسوق من أجل أول مولود بيننا .. "
قالتها ريم بغمزة لنور .. التى فهمت مقصد صديقتها .. وايدت كلامها .. فهذه هى أنسب طريقة لتنسى صديقتهما حزنها وخوفها هذا ..
صعدن الثلاثة نساء إلى السيارة التى قادتها ريم ..
و بعد ان اخبرت نور حماتها عن ذهابها مع صديقتيها..
نظرت ريم بقلق ورعب إلى مرآة السيارة .. وهى تلاحظ سيارة سوداء .. تكاد تجزم انها شاهدتها وراءهم عدة مرات .. انتابها الخوف .. لكنه سرعان ما تلاشى ما ان وصلن إلى مركز التسوق الكبير ..
قضا الثلاثة نساء وقت ممتع بين محلات المختصة لحاجات الأطفال حديثى الولادة .. واشترين كل ما يحتاجه الطفل وأكثر من ملابس واحذية وألعاب ..
طوال فترة تنقلهم بين المحلات واروى تشعر بانقباض يزداد شدته وقوته مع مرور الوقت .. حاولت تناسى الأمر مثلما أخبرتها نور .. وهما ينتظران ريم التى ذهبت لجلب شئ ما ..
لكن الألم ازداد أكثر هذه المرة وهى لا تستطيع تحمله أكثر .. وضعت يدها على بطنها وهى تصرخ بقوة ..
أتى على صراخها أربعة من الثيران .. جعلها تصرخ أكثر من شكلهم .. ونور .. تريد الصراخ ولكن كأن لسانها قد الجم
" من أنتم؟؟؟!! ......"
صرخت بها اروى بقوة ما ان حاول الرجال اسنادها ومنع سقوطها ..
" سيدتى نحن حراس السيد سيف "
قالها أحد الرجال لطمانتها
لكنها صرخت أكثر بقوة من شدة الألم وقالت بصراخ
" فليذهب سيف إلى الجحيم .. بدلا من أن يبقى معى .. ابقى حراسه.. أريد ريم قبل ان أقوم بقتلكم "
أتت ريم راكضة وهى ترمق الرجال بشر .. ولم تسمح لواحدا منهم من لمسها ..
تم نقل اروى إلى أقرب مشفى ..
فى الغرفة التى بها اروى
ظلت تصرخ بهستيرية... حتى أتت والدتها وبقيت بجوارها ..
ظلت ريم تمسد على رأسها وهى تخبرها انها لن تتركها وستجهز نفسها لتدخل معها إلى غرفة العمليات لكن الاخرى صرخت فى وجهها وهى تقول بجنون
" انا لا أريدك .. انا اريد سيف ..اخبريه .. أن لم ياتى الآن أقسم إننى لن أدعه يرى ابنه .. حتى لو أكل تراب الأرض .. هل تفهمين ..."
صرخت وهى تحارب موجة من الألم تجتاح جسدها .. والانقبضات تزداد عليها أكثر وأكثر وكان من تحملت لأجله أشهر يأبى أن يقبع داخل رحمها أكثر .. عيناها انتفخت من كثرة بكاءها.. وصوتها أصبح مبحوح من كثرة الصراخ المستمر وكان روحها تغادر جسدها ..
تشبثت بقوة وعيناها تذرف دموعها بدون توقف بيد والدتها .. تتمنى لو كان بجوارها ويضمها إليه ويخبرها انها ستكون بخير هو وطفلهما .. لكنه ليس موجودا .. ليس بجوارها
صرخت بقوة وهى تقول بألم
" انا لست خائفة من الموت .. انا خائفة من ان أموت وهو ليس بجوارى .. وهو ليس أول واخر شخص تراه عينى .. تمنيت أن يكون بجوارى "
رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل التاسع

" ما هذا الذى فعلتيه تخونينى يا روز!! "
صرخ بها مارسيل فى وجه روز ما ان ولجت داخل المنزل .. وجدت اخوتها جميعا مجتمعين(سيليا ،رافى ،ليندا ) .. ووالدتها تجلس على الكرسى .. وكلا واحدا منهم ينظر اليها باتهام ..
أغمضت عيناها لثوانى وهى تحاول السيطرة على نفسها حتى لا تنفعل وتتحدث بتعقل
" ما الذى فعلته ؟؟!!.. "
سألت باستغراب مدعية عدم الفهم ..
تنهد مارسيل وقال من بين أسنانه وإحدى حاجبيه مرفوعان

" تعلمين جيدا ما أقصده ولا داعى للتلاعب بيننا .. سيف ومساعدتك له .. ما الذى تريدينه من خلف هذا ؟؟!!.. "
سأل بينما اخوتها ينظرون إليها بصمت منتظرين ردها ..
" ما فعلته الصواب .. "
ثم تابعت بغضب .. وهى ترى نظرات الاتهام بأعينهم جميعا ..
" لماذا تنظرون إلى هكذا؟؟!!! .. هل ستضعون لى المشنقة فى حين انا من كان من حقى ان أضع هذه المشنقة لكم .. وما فعلته بابنتى "
اعتدل كلا منهم بجسد متصلب فى جلسته منتظرين باقى حديثها بانتباه و مكر .. فلطالما كان اخوتها صامتين .. يدبرون ويخططون لكل شئ من الخلف للخلف .. وبعد ذلك يطعنون
عقدت ذراعيها وهى تهتف بغضب

" ماذا ؟؟!! .. هل أنتم متفاجون لمعرفتى بكل شى ؟؟.. وإن اخوتى هم من كانوا السبب فى أبعاد ابنتى عنى .. هم من حرمونى منها .. اخوتى "
ضحكت بسخرية وهى تهز رأسها بألم ..
" روز .. نحن لم نكن نريد غير مصلحتك "
هتف بها اخاها الأصغر رافى .. رافى الذى كانت تهتم بكل شئ تخصه منذ ان كان صغيرا واعتبرته ابنها وليس اخاها .. حتى هو طعنها وراء ظهرها
" مصلحتى فى أبعاد ابنتى عنى !!!!!"
ردت باستهزاء وعيناها تومض غضبا والما

" نعم .. لقد كان يستغلك .. لقد أراد مالك .. وما ان قلنا له ابتعد وخذ ابنتك حتى ابتعد .. لو ارادك لكان تمسك بك وحارب من اجلك ولما تركك ابدا "
هتفت ليندا .. أختها التى تصغرها بعدد من السنوات .. التى تملك عائلة وزوج واطفال حتى انها ستصبح جدة قريبا .. ها هى تقف أمامها و تؤكد على ان ما فعلوه صواب .. حرمانها من ابنتها صواب!!! ..
هى لم تتدخل فى حياة اى منهم فى يوما من الأيام .. لكن حياتها هى فقط التى يسمح لهم بالتدخل بها وتدميرها إذا لم تعجبهم حتى .. كل واحدا منهم لم يطمع غير فى مصلحته .. أهدافه الشخصية فوق اى أحد .. وهى كانت هكذا سابقا قبل أن تقابل فيروز والأصدقاء الخمسة الرائعين .. عرفت معهم معنى العائلة .. والصداقة

" افيقوا جميعكم انا الكبرى بينكم .. أنا لست حمقاء او مجنونة ليستغلنى أحد .. او أن يتلاعب بى .. بل انا أكثر من عاقلة لادبر شئون حياتى .. وأنا من كان لى حق اختيار كل شئ .. "
صرخت بهستيرية وهى تستمع لادعاتهم اللامتناهية ودفاع كل منهم عن سبب فعلته ..
هدأت من روعها. . وقالت وهى تقف ثابتة فى مكانها بعنفوان ..
" لقد انتهى النقاش .. لولا أنكم اخوتى لكنت فعلت شيئا آخر .. لما فعلته بى سابقا .. لكنى ساتغاضى عن كل هذا .. وسانسى ما فعلته.. ومقابل هذا .. احذركم جميعا من ان يحاول اى منكم أن يقترب من ابنتى او يحاول اذيتها. . حينها ستجدونى عدو لكم .. هل فهمتوا. ."
نظر كلا واحدا منهم إلى الآخر بتعابير غريبة ..

"وماذا عن مساعدتك لسيف ؟؟.. و طعنك لى من الخلف!! "
سألها مارسيل بغضب عاصف
ضحكت باستهزاء بطريقة جعلتهم يعقدون ما بين حاجبيهم باستغراب
حتى قالت بهدوء تام
" أخى أكبر أحمق فى هذا العالم ..
تابعت وهى تلاحظ قبضته التى اشتدت بغضب .. وعيناه التى تكاد تخرج شرارت من النار
" نعم .. لا تستغرب ما أقوله .. أولا .. نحن لن نكون يوما ندا لعائلة الحسينى .. أن كنت تعتقد أن باختفاء سليمان الحسينى نفسه .. هكذا نستطيع فرد اذرعنا .. إذا أنت أحمق .. فما ان نفردها حتى يقوم بقطعها لنا جميعا .. عائلة الحسينى ليست سهلة .. بالإضافة إلى أننا نحصل من وراءهم على أرباح كثيرة .. وخسارة أناس كؤولاء او عداواتهم ستكون بالتاكيد خسارة لنا جميعا "
" أما عن مساعدتى لسيف .. فهذا شانى الخاص "

قالت كلماتها وتحركت مبتعدة عنهم .. وهى تتجاهل نظراتهم وتعبير وجوههم الواجمة..
لقد ألقت قنبلتها فى وجوهمم جميعا .. فمارسيل لعب لوحده بمكر من دون ان يخبر اى من إخوته عن ما فعله بشركة عائلة الحسينى .. إذا فاليستعد .. لهجوم كلا منهم عليه .. فعندما تأتى المصلحة سيتناسوا معه انه اخوهم .. وستبدأ الاتهمات و التساؤل .. وبالطبع اللوم ...
أغلقت عيناها بقوة وهى تستمع لهجوم كل واحدا منهم على الآخر .. بابتسامة انتصار .. هكذا سيفكر مارسيل ألف مرة قبل ان يفعل اى شئ

تهاوت بجسدها على السرير.. فلقد استنذفت طاقتها بأكملها لكى تقف ثابتة وقوية هكذا أمام اخوتها ..
فلم تكن تريد لأى منهم ان يشعر بضعفها وحينها لن يرحموها بالهجوم عليها .. حتى يسقطوا دفاعتها. . لكنها هكذا أظهرت لهم انها ندا لهم .. فهى لم تكبر بعد ليدبروا لها حياتها ..
هكذا ستامن لنور منهم .. هكذا سيفكر كل منهم ماءة مرة قبل أن يلمس شعرة من صغيرتها..
فهى لن تكون أمامهم إلا لبؤة تظهر انيابها لهم .. ولن ترحم اى منهم .. فصغيرتها هى كل ما تبقى لها ..
انها تتألم لبعادها عن صغيرتها كل تلك المدة ..

وأكثر ما يخيفها هو ردة فعلها عندما تعلم بأن والدتها على قيد الحياة ..
ماذا يا ترى قد أخبرها ياسين عنى .. هل أخبرها إننى سيئة ولم أكن استحق أن أكون أما .. ام انه لم يذكرنى يوما أمامها
قالتها روز فى نفسها ودموعها تنزل بألم من عيناها ..
أخرجها من أفكارها صوت الهاتف.. بسرعة مسحت دموعها .. وردت بخفوت على الهاتف ..
"مرحبا روز .. هل انتهيتم ؟؟"
سألها سليم
" نعم .. تم كل شئ .."
اجابته
تنحنح لكنه بعد ذلك قال
" هل سيف مازال عندك؟؟ "

تفاجأت من السؤال فهما قد انتهيا من كل شئ منذ عدة ايام .. و بعد ذلك هى لم تعرف عنه شيئا. . فاعتقدت انه قد عاد إلى بلده
" لماذا ؟!.. لقد انتهينا من كل شئ منذ عدة ايام .. "
قالتها روز وهى تستمع إلى تنفس وتنهيدات سليم المضطربة والقلقة
"يا الله .. أين من الممكن أن يكون قد ذهب؟؟!! .. زوجته تنجب .. وأنت تعلمين .. ما بيننا .. لهذا اتصلت بك .. لكن عموما شكرا لك "
قالها سليم بهدوء ثم أغلق الهاتف من دون ان يستمع إليها ..
ضيقت روز عيناها .. وهى تتساءل عن سبب اختفاء سيف المفاجئ ...واين من الممكن ان يكون قد ذهب؟؟؟؟؟؟ ..

تحركت رموشها بتثاقل حتى فتحت عيناها اخيرا .. أول وجه رأته كان وجه والدتها التى كانت تنظر إليها بحنو وقلق وهى تمسد بيد على أعلى رأسها وباليد الاخرى تحتضن بها إحدى يديها الباردتان ..
بللت اروى شفتيها وهى تشعر بعطش شديد وجفاف حلقها .. وتعب لم تشعر به من قبل .. لقد رأت الألم بعيناها .. عظامها كانت و كأنها تكسر واحدا تلو الآخر .. وهى تنتظر نزول طفلها .. لم تشعر بشئ بعدما تم إعطائها الحقنة المخدرة بينما كانت تستمع إلى الطبيب وهو يقول انه يجب ان تلد بعملية قيصرية .. سيتم شق بطنها الفكرة ارعبتها.. بل جعلتها تشعر بالخوف والحزن لعدم وجود سيف بجوارها ..ما ان بدأت تفكر فى هذا حتى نامت.. و لا تتذكر شئ بعدها ..
نظرت إلى والدتها وهى تشعر بكم المعاناة التى واجهتها والدتها سابقا فى انجابها.. الآلام الحادة التى كانت تنتشر أسفل ظهرها وتقبض عليه .. وكأنه كان هناك حزام شاءك من الدبابيس يحاوط خصرها .. وهى تستقبل الانقباضات التى كانت تزداد شدة .. لقد تحملت كل ام هذا الألم الحاد فقط لكى تهنا برؤية ابنها .. و والدتها كانت ضمنهم .. أرادت أن تحتضن والدتها إلى صدرها لكنها لم تستطع .. جسدها ثقيل ولا تستطيع تحريكه ..
سيف هل يا ترى قد أتى؟؟؟ .. بحثت بعيناها عنه لكنها لم تجده .. فاثقلت الدموع عيناها وشعرت بغصة وخنقة مؤلمة فى حنجرتها.. لم ياتى .. هو لم ياتى ..
لكنها حاولت تهدئة نفسها .. فهى تنتظر بشوق رؤية طفلها الصغير .. لقد أصبحت ام ..
بلعت ريقها وقالت بصوت ضعيف للغاية ما ان استمعت إلى صوت والدتها التى لم تكف عن الشكر والحمد لله .. وهى ترى ابنتها بخير أمامها وقد فتحت عيناها
" ابنى .. أريد أن اراه "
همست بضعف
" انه فى الحضانة ..
ذاغت عينا اروى خوفا وهى تستمع لكلمات والدتها .. هل ابنها ليس بخير .. لقد انجبته مبكرا .. مبكرا جدا .. فقد كان يجب ان ينتظر شهران آخران لكنه أبى ان يقبع أكثر داخل رحمها .. وأعلن بداية تمرده عليها وانجبته. . لكن هل هو ليس بخير؟؟؟ .. الفكرة نفسها ألمت قلبها .. رغم أنهم اخبروها ان الأمر ليس صعبا ..ولن يكون هناك مشكلة بالنسبة لصحة الطفل
فتابعت فريدة بسرعة تطمئن ابنتها ما ان رأت عيناها المذعورتان
"لا تقلقى انه بخير .. لكنه فقط يحتاج إلى البقاء لعدة ايام فقط فى الحضانة .. ساطلب من إحدى الممرضات احضاره "
لقد كان كلام فريدة كالاكسجين بالنسبة ل أروى..
تنهدت براحة رغم حزنها الشديد الذى كالصخر القابع على صدرها لعدم وجود سيف بجوارها ..
خلال لحظات دلفت ريم وهى تحمل بين يديها لفة صغيرة .. نظرت اروى إليهما بلهفة .. وهى تستقبل اقتراب طفلها منها بشوق غامر ..
وضعت ريم اللفة الصغيرة بين يدى اروى .. التى استقبلت طفلها بأعين فرحة ملئ بالدموع .. وهى تشعر بهذا الشعور لأول مرة .. فقطعة منها ومن سيف يقبع بين يديها ..
حدقت بملامحه.. وجهه ابيض يشوبه حمرة .. أنف صغير وفم أصغر لا تكاد تراه وهو يزمه بشدة و يتمطى بجسده بحركات بطيئة للغاية بين يديها .. شعره كثيف اسود كسواد الليل .. ابتسمت وهى تلاحظ انه لا يشبه والده ولا حتى يشبهها.. لم يحصل من والده إلا على بشرته البيضاء .. ربما عيناه مثل والده .. لكنها لا تستطيع ان ترى لونهما بسبب إغلاقه لهما ..
ضغطت اروى على شفتاها بقوة ..تمنع دموعها من السقوط على وجنتيها .. فهى لا تريد أن يشعر أحد بالحزن عليها فى تلك اللحظة .. هى لا تريد شفقة أحد .. لكنها تريد حبه وحنانه و امانه لها الآن .. تمنت لو كان بجوارها ليضمها هى وصغيرهما إلى احضانه .. كما كانت تحلم دائما..
ازدردت ريقها وهى لم يعد لديها رغبة فى البكاء .. ستجعله يندم على المدة التى تركها بها وحيدة ..
اعتدلت نصف جالسة وهى تستند بظهرها على وسادة وضعتها والدتها خلف ظهرها .. وبدأت والدتها فى وضع الطفل بين يديها بشكل صحيح حتى تستطيع اطعامه...
ألم خفيف انتشر فى صدرها ما ان بدأ الطفل يأخذ أولى طعامه منها .. لكن هذا الألم اختفى ما ان رأت تعابير وجهه المسترخية وهو يستقبل أول وجباته من والدته ..و رفرف قلبها كرفرفة الفراشات وهى تحدق بملامحه بحب اموى بحت ..
انحنت قليلا وطبعت قبلة على جبينه الدافئ .. ثم تبعتها أخرى على يديه الصغيرة التى تمسكت باصبع سبابتها ...
اجتمع أفراد العائلة بأكملها فى غرفتها مهنءين لها .. دنا منها خالها سليم بابتسامة عذبة يحاول أن يخفى بها قلقه على ابنه الوحيد ..
طبع قبلة على جبهة اروى قائلا بدف
" حمدا لله على سلامتك يا صغيرتى "
إجابته بهزة خفيفة من رأسها .. وهى تحاول الهرب من أفكارها عن طريق الاندماج مع الجمع ..
لكن عبثا جميعهم هنا إلا هو لم يكن موجودا ..
" ماذا ستسميه؟؟"
سألتها نور بفرح وسعادة
فقالت ريم بسرعة
" يجب ان يتم اختيار الاسم بعناية ليتلاءم مع الأسماء الجديدة "
ضحك ماهر بخفوت وقال بتفاخر وغرور يحاول تمثيله
" بالتأكيد ستقوم بتسميته على اسم اخاها الوحيد .. فأنا الأولى "
ابتسمت اروى بخفوت وقالت بثبات
" أن كان سننظر إلى من هو الأولى لنقوم بتسميته على اسمه .. إذا فسيكون خالى سليم.. و جد ابنى الوحيد .. فأنا لن أجد اسم أجمل من هذا لأول فرحة لدى "
قالتها بسعادة وهى تحمر خجلا من نظراتهم المندهشة بينما امتلأت عينا والدتها بالفخر بها ..
وخالها سليم ينظر اليها بحنو واعين تمتلئ فخرا .. لكنه عبس بتجهم وقال بحشرجة
" و سيف ... و "
قاطعته بسرعة قائلة
" انه ابنى مثلما هو أيضا والده .. و لا أظن انه موجود ليمتع نفسه بتلك اللحظة ليختار الاسم لأول لطفله "
قالتها بحزن تحاول كتمه ومدارته واسى أكبر منه ..
عم الصمت فى الغرفة لدقائق وكلا منهم يحاول التحدث بحذر ..
ما ان خرج الجميع دون استثناء حتى والدتها خرجت وهى تخبرها انها ستذهب إلى المنزل لتحضر لها ولطفلها بعض الاغراض .. وأخذ الممرضة لسليم الصغير
حتى بدأت تذرف دموعها التى حبستها طوال اليوم بين عيناها ..
شعرت بهم جميعا وكل واحدا منهم يحاول أن يكون حذرا فى كلماته .. وعدم التحدث باى شئ يخص سيف أمامها .. حتى لا تجرح مشاعرها .. انكمشت اروى أكثر فى مكانها .. وهى تتاوه بخفوت بسبب الجرح أسفل بطنها ..
........................ ............
بعد أيام خرجت هى وطفلها من المشفى وهما بأفضل حال ..
دلفت إلى غرفتها فى منزل والديها وجدتها معدة باهتمام وحرص.. ادمعت عيناها وهى تلاحظ ذلك المهد الصغير ذو الحواجز الخشبية الذى يحتل جزء من غرفتها ..
فى المساء
وقفت اروى أمام المرآة ونور خلفها تساعدها فى غلق سحاب فستانها الأخضر .. وضعت يديها على بطنها وقد ظهر انتفاخ بسيط عند بطنها ..
فزمت شفتيها وقالت بتذمر
" يبدو إننى ساحمل أثر هذا الحمل دائما لم تعد بطنى كما كانت مسطحة "
ضحكت نور ونظرت إلى ريم التى ابتسمت وهى تستمع لتذمر صديقتها عن بطنها المنتفخة
وقالت نور بغيظ
"حبيبتى لقد ولت أوقات البطن المسطحة وحان وقت الانتفاخات.. فهذه أولى علامات امومتك "
ضحكت ريم بسعادة وعيناها تلتمعان بفرح غامر وهى تقوم بغلق أزرار البذلة البيضاء الصغيرة للطفل .. فقد أوكلت لها اروى هذه المهمة .. وكم سعدت بذلك ..
رفعت الصغير إلى صدرها وضمته بشدة وهى تستنشق رائحته الرائعة التى تميزه .. بدون اى روائح أخرى .. قبلته بدون توقف فى أنحاء وجهه وهى تتمنى أكله ..
ابتسمت ريم لهذه الفكرة .. لكنها سرعان ما تغيرت ملامح وجهها إلى الألم فكم تتمنى أن تحمل طفلها هكذا يوما ما .. قبلت الطفل قبلة طويلة وهى تدعو فى نفسها
" أن يبارك فى هذا الطفل .. وأن يكون قرة أعين لوالديه .. وإن يحفظه لوالدته "
تشعر ريم بشئ غريب تجاه هذا الطفل وكأنه جزء منها هى .. قلبها يدق ويملاها شعور غريب من السعادة ما ان تضمه إلى صدرها او حتى تراه .. وكأنه ابنها هى .. وهو فعلا ابنها .. لم تحرمها اروى من الاقتراب منه بل كانت ما ان تأتى إليها حتى تقول لها أبقى بجواره .. وتذهب هى للنوم بهناء بعد ليلة طويلة من السهر بجواره ونوم متقطع بسببه .. فتقوم هى بالاهتمام به حتى تستيقظ اروى ..
" الأطفال حقا راءعين.. وكأنهم يشبهون الدمى "
همست بها ريم بسعادة ..
" عندك حق .. من يراهم يشتهى الزواج "
هتفت بها نور بعدم تركيز ردا على كلام ريم .. لكنها سرعان ما ضغطت على لسانها ما ان شعرت بفداحة كلماتها ما ان رأت تحديق اروى وريم لها بنظرات متفحصة لاءمة ومتساءلة فى نفس الوقت ..
فقالت بسرعة مصححة بتلعثم
" أقصد الإنجاب .. أن ينجب طفل .. وهكذا "
قالتها نور وهى تحاول رسم ابتسامة على وجهها
استطاعت نور تفادى ذلة لسانها ما ان دلفت الخادمة تخبرهم ان الجميع بالأسفل ..
.......................................
فى المطبخ وقفت ريم وهى تتنهد بضيق وتعب .. تراقب بعيناها الاطباق التى سترص على السفرة .. بعد ان انهت تزينها و وضع الطعام بطريقة جميلة ..فهى من اقترحت هذا عليهم .. بعد ان ساعدتهم صباحا فى إعداد الطعام .. كما انها أيضا تريد خروج كل شى بطريقة جميلة .. فهى تريد إسعاد اروى التى تحاول أن تخفى حزنها ..
" هل تريدين بعض المساعدة؟ "
استدارت ريم على عقبيها وهى تحمل أحد الاكواب بين يديها .. وابتسامة واسعة أشرقت على وجهها ما ان رأت مالك .. يقف مستندا بتكاسل على إطار الباب ينظر اليها بافتتان
اقترب منها بخطوات وءيدة وماكرة وعيناه شبه مغلقة ..
" هل انتهيتى يا جميلة؟! .. ارجو أن يكون الطعام يستحق .. تركك لى صباحا وحيدا فى السرير و حضورك إلى هنا من أجل المساعدة
وتابع بتذمر
.. و حتى لم تطعمينى قبل ذهابك"
ضحكت على مشاغبته ونبرته الطفولية التى يتحدث بها
وقالت بهدوء مغيظة إياها
" أظن انك كبرت بما فيه الكفاية .. لكى يحضر لك أحدهم الإفطار فى السرير.. ويطعمك "
زم شفتاه بامتعاض وهو يحاول تمثيل الانزعاج رغم ابتسامته الماكرة
" ماذا أفعل ؟!!!.. ل تقولى ذلك لزوجتى التى جعلتنى اعتاد على هذا التدليل .. "
قالها وهو يقربها من جسده حتى اصطدم جسدها بجسده وحاوط خصرها بذراعيها.. وهو يميل براسه يحاول أن يقتنص قبلة منها .. وهى تحاول بجهد مضنى ابعاده عنها ..
وقالت بهمس وصرامة
وهو يحاول ان يقرب شفتاه من خدها ..او من جبهتها او حتى فمها المهم أن يحصل على قبلة الآن
" مالك .. تادب .. نحن لسنا فى المنزل .. بل فى منزل عمتك .. ماذا سيكون منظرنا ان رانا أحدهم هكذا؟؟!!! "
خطف قبلة من على خدها الأيمن .. ثم خدها الأيسر ..قائلا بتمهل
" أحدهم هذا يعرف انك زوجتى .. إذا لا مشكلة .. وأن كنتى خائفة من المكان فقد قلتيها سابقا هو منزل عمتى. . و عمتى لو أردت يمكنها أن ترتب غرفة لى فى منزلها والآن حالا .. أن راتنا بهذا المنظر "
نظرت له بغضب وعيناها تهتزان من جرأته وجرات يديه التى تلمس اى شى تقابله من جسدها ..
أبعدت ذراعيه عنها بقوة لا تعلم كيف اتتها القوة واستطاعت ابعاده ..
وقالت بنبرة شديدة
" مالك انت قليل التهذيب .. وأن كنت غير خائف على شكلك او منظرك أمام أحدهم .. فأنا على عكسك خائفة. . فماذا سيكون شكلى ان رانى احدهم بين ذراعى زوجى .. وهو يحاول ......"
بترت عبارتها.. وجهها قد احمر خجلا من نظراته الجريئة لها ..
رفعت إحدى حاجبيها وهى تراه يقترب منها كالاسد الذى يلتف حول فريسته .. يقترب منها بتمهل شديد للغاية ..
" مالك "
همست بها ريم بتحذير. . وعيناه تنضح بما يفكر به وما سيفعله
وتابعت .وهى تتراجع للخلف كلما اقترب منها خطوة
" مالك ...."
ركضت بسرعة تحاول الوصول إلى الباب .. لكنه كان أسرع منها ومنع وصولها إليه .. حاولت الذهاب إلى الناحية الاخرى وهى تدور حول الطاولة التى تحتل منتصف المطبخ .. وهو يحاول الذهاب خلفها وامساكها ... ضحكت بقوة حتى انها تناست شكلها أمام اى أحد قد يراهما هكذا ..
وبدأت فى الركض وهو خلفها ..
حتى استطاع الامساك بها اخيرا .. وهو يزاءر بانتصار وفرحة قائلا بخلاء وهو يحاوط خصرها
"ما هذا أيتها القطة .. هل كنتى تعتقدين انك تستطعين الهرب والفرار من أمام النمر .. إذا فأنت مخطئة "
زمت فمها وهى تحول إخفاء ابتسامتها ورسم الجدية على وجهها وقالت بسخرية
" نمر .. أين هذا النمر انا لا أراه ؟؟!!"
رفع حاجبه وعيناه نصف مغمضة
"ماذا ؟؟؟.. إلا يعجبك النمر الذى أمامك!! .. انظرى حتى إننى اشبهه.. عينان خضراء .. و شعر أصفر "
ضحكت بقوة من وصفه .. و بجرأة بدأت بتمرير أصابعها بين خصلات شعره .. وهمست بحب قرب أذنه
" أنت اجمل نمر قابلته فى حياتى "
ابعدها قليلا عنه ثم مال برأسه إليها مقتنصا اخيرا قبلة من بين شفتيها .. بينما هى قد ذابت معه وبدأت فى لف ذراعيها حول رقبته ويدها على شعره ..
" ريم .. هل انتهيت....."
بترت نور عبارتها و هى تقف مشدوهة غير قادرة على استيعاب ما رأته أمامها ..
اخفضت رأسها وهى تنظر حيث موضع قدميها .. وهى تلاحظ يدى ريم التى تحاول بها أبعاد مالك عنها ..
ريم تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها .. و وجهها مقتضب بحمرة الخجل ومن جراء مشاعرها ولمساته التى كادت أن ترسلها إلى السماء .. بينما مالك يكاد يقتلع شعره من رأسه وهو يشده بقوة .. بعدما نور قد أفسدت عليه لحظتها
فقالت ريم تحاول إخفاء ما حدث منذ لحظات ..
" نعم لقد انتهيت "
لوى مالك شفتاه وهو يلاحظ نظرات ريم إليها التى تخبره بها ان يخرج حالا ..
ما ان خرج مالك من المطبخ حتى بدأت نور بنقل الطعام بصمت إلى غرفة السفرة .. فهى تشعر بحرج صديقتها ..
تناولوا جميعا الطعام فى جو عاءلى دافئ فى حضور الحاج سليمان والحاجة فيريال معه .. التى لم تترك لحظة من بين يديها سليم الصغير ..
حتى السيدة نورا وزوجها السيد مراد قد اتيا مع نور منذ ما يقرب الثلاث ساعات ..
إلا ينبغى ان تشعر بالسعادة الآن وهى ترى الجميع مجتمعون من أجلها سعداء .. لكن ماذا تفعل ان كانت هذه السعادة غير مكتملة بالنسبة لها ..
عندما رأت اروى صديقا سيف " ماجد وأسامة "
يجلسان بجوار عمها سليم أثناء العشاء .. تمنت لو كانت تستطيع ان تذهب وتسأل اى منهم عنه .. لكنها لم تستطع كبرياءها وعزة نفسها منعتها ...
حدثت اروى نفسها بذلك .. وهى تحاول رسم ابتسامة على وجهها .. رغم ما تشعر به داخلها من الم لعدم وجوده فى هذا الجمع ..
انتهى العشاء وعاد كل منهم إلى منزله ..
تحركت اروى بخطوات سريعة عندما رأت ابتعاد أسامة وماجد وخروجهما من المنزل متوجهان حيث الحديقة الخلفية للمنزل .. لم تستطع منع نفسها أكثر والصمت والوقوف فى مكانها هكذا بيدين مربوطتان .. ستذهب وتسالهم عن صديقهم.. وليذهب كل شى إلى الجحيم ..
وقفت على بعد منهم ما ان رأت اقتراب خالها سليم منهما .. وقررت انها ستذهب إليهما ما ان يبتعد خالها
تمسرت مكانها او بمعنى آخر تصلبت حتى جف الدم فى عروقها وشعرت وكأن الأكسجين قد نفذ حولها .. عيناها اتسعتا ذهولا والما ..
وهى تستمع لكلمات خالها
" هل يعرف اى منكما بمكان سيف ؟؟ لقد اتصلت منذ مدة .. وعلمت انه أنهى أعماله منذ أكثر من خمسة عشر يوما .. أين قد ذهب ؟؟ وهل يعلم ان زوجته قد أنجبت "
سأل السيد سليم كلا الرجلان ..
" نعم .. انه يعلم .. لقد اتصلت به ما ان اخبرنى الحراس .. أخبرته ان زوجته ستنجب .. "
قالها ماجد بهدوء
" تبا "
قالها سليم من بين أسنانه .. وتابع
" هل تعلم سبب تأخره ؟"
" عمل "
قالها ماجد
" هل العمل يستحق تأخره هكذا؟ .. وما هذا العمل لقد علمت انه أنهى ما ذهب من أجله؟! "
سأله سليم مرة أخرى وعيناه تضيقان بشدة ..
" ليس لدى صلاحية لاخبرك سيد سليم .. "
قالها ماجد بعملية شديدة .. ثم تابع مطمئنا.. ما ان رأى قلق السيد سليم ظاهرا وغضبه فى آن
" لن يتأخر سيصل خلال أيام "
قالها ماجد ثم انسحب مع أسامة مبتعدان عنه .. وهو يزفر بقوة ..



ألقت اروى بجسدها على السرير وهى تبكى بحرقة بعد ان استمعت لكلامهم...
سيف يعلم بما يحدث .. لكنه لم يكلف نفسه عناء الاتصال بها والسؤال عنها او عن طفلها .. العمل أولى وأهم بالنسبة له لذلك هو لم يهتم بهما ..
انها امرأة كيف تشعر بحب زوجها لها .. أن لم تجده بجوارها وترى اهتمامه ووده واحترامه لها ..
تركت العنان لافكارها وظنونها السوداء ان تحتل عقلها ..
نعم هى تحبه .. وستتحمل وتكون صبورة فى كل شى معه .. ستتحمل بعده عنها .. حتى انها ستتحمل وتنتظر حتى يخبرها انه يحبها كما تحبه .. لكنها لا تستطيع ان تتحمل إهماله وعدم مبالاته بها ..
صرخة ألم خرجت منها .. وجسدها ينتفض ويرتجف من بكاءها المستمر ..
كان بداخلها أمل كبير من أن يكون لا يعلم بما حدث لها .. لهذا عذرته طويلا رغم انها كانت تتوعده داخلها .. لكن لقد تحطم هذا الأمل .. عندما استمعت باذنيها انه على علم بكل شئ .. إذا لماذا لم يتصل بها ؟؟!.. يطمئن عليها ... لم يفعل ..
دلفت والدتها إلى غرفتها بلهفة وقلق ما ان استمعت لصرخة ابنتها العالية ..
مالت عليها وهى تحاول أن ترفع وجه اروى الذى تدفنه فى الغطاء وتحاول كتم شهقاتها حتى لا تخرج وتفضحها
" اروى .. ماذا بك يا صغيرتى؟! ..هل تتالمين ؟.. هل يوجد شى يؤلمك ؟!.. اخبرينى يا حبيبتى "
ظلت ترددها فريدة بحزن ويدها تمررها على شعر وظهر ابنتها ..
بكت اروى بقوة وقالت من بين شهقاتها ودموعها بصوت مبحوح
" انه يعلم بكل شئ. . لم يتصل بى حتى .. سأموت قهرا من ابتعاده .. كل شئ يعاد وكأنه قدر كتب ان تعيشه كل امرأة تقترب منه او من والده . لقد فعل مثلما فعل والده سابقا .. وساموت انا قهرا كما ماتت فيروز .. وهى تنتظر عودة زوجها الذى لم يعد .. "
" لماذ تظنين هذا؟؟!!.. ربما هو لديه أسباب لتاخره فى العودة هكذا .. "
قالتها والدتها بهدوء ..
قابله ثورة من قبل اروى التى ابتعدت عن السرير .. وهى تهتف بجنون
" تبا .. انتى لا تكفى عن الدفاع عنه .. تختلقين له الأعذار دائما.. وكاننى لست ابنتك .. ياليتك حذرتنى منه سابقا .. لما تزوجته .. و لما حدث لى كل هذا .. الجميع كان يريد اقتراب سيف منهم .. لذلك قبلوا بعرض الزواج .. كل واحد منكم أراد شيئا من وراء هذا .. حتى هو أخذ ثمن لزواجه منى .. و انا لم أرد أكثر من حبه واهتمامه بى ..
هتفت وهى تجلس على الكرسى وقدمها اصبحتا هلاما من ثورتها
" يا ليتنى لم اتزوجه.. حزنى على عدم شعوره بحبى وابتعاده عنى .. أفضل من شعورى الآن وأنا زوجته ولا أشعر باهتمامه .. وبدلا منه هو يهملنى. . و كاننى شى مفروغ منه سيجده ما ان يعود إليه .."
التقى حاجبيا فريدة بانزعاج وهى ترى نبرة ابنتها وتصرفاتها التى لا تعبر عنها ابدا .. ووقاحتها التى لم تعهدها معها .. منذ متى وكانت صغيرتها تلؤمها او تتحدث معها بتلك الطريقة .. قالت مدافعة بشراسة
" انا يا اروى !!.. انا لم أهتم بك! .. لانكى أغلى ما لدى اعطيتك لمن سيحفظك و انا على يقين انه سيعاملك وكأنك ملكة .. لو كنت شككت لحظة أن سيف سيسىء إليك يوما .. لما جعلته حتى يحلم بأن يقترب منك .. انتى أغلى ما لدى يا اروى .. ربما انتى لاتعلمين هذا .. لكن الايام ستثبت لك إننى لا أبحث إلا عن مصلحتك و سعادتك "
مررت اروى يديها على وجهها وهى لا تعلم كيف وصل حديثها للوم والدتها على هذا الزواج .. نظرات والدتها لها .. وحزنها الظاهر بسبب كلماتها التى خرجت منها من دون ان تشعر جعلها تزداد بؤس وتعاسة
ارتمت نحو والدتها وهى تدفن وجهها فى صدرها قائلة بحزن ..
" أرجوك سامحيني .. انا مخطئة لم أكن أقصد ما قلته .. لا تنزعجى منى .. لكننى أتألم من ابتعاده و إهماله لى .. لقد حرمنى من الاستمتاع بأشياء عدة وهو معى .. وأكثر ما يؤلمني هو إننى لا أعلم أن كان يحبنى. .. "
قاطعتها والدتها بسرعة قبل ان تسترسل أكثر فى كلماتها الغير محسوبة تلك وهى فى هذه الحالة وقالت لها بحنو بالغ .. وهى تمسد على شعرها
" حمقاء ان كنتى تعتقدين إننى سانزعج منك يوما .. اروى انا أريدك هادئة.. أريدك أن تعرفى كيف تجعلين زوجك محبا لك .. أشياء كثيرة فعلتيها انت أيضا كانت خاطئة .. الهرب لم يكن يوما حلا .. أريدك أن تواجهى مشاكلك بقوة وثبات .. وإن تدافعى عن زوجك .. تعلمى ان تختلقى لمن حولك الأعذار .. فإن كنت تعتقدين إننى ما أقوله من أجل ابن أخى .. إذا أنت مخطئة ما أقوله هو من أجل ابنتى .. لا أريد باندفاعها ان تضيع من يديها رجلا لن تجد مثله ..
تململت اروى ونظرت لها بعبوس .. فابتسمت فريدة مؤكدة
"نعم لن تجدى رجلا مثل سيف يوما .. لكنك تحتاجين فقط إلى بعض التعليمات لتجعلى زوجك خاتما باصبعك "
قالتها والدتها ثم ابتعدت عنها .. و ساعدتها فى الاستلقاء على السرير وطبعت قبلة على جبهتها وهى تقول بدف اموى
" نامى يا صغيرتى .. وأنا ساهتم بسليم "
ثم ضغطت على زر الإضاءة مغلقة الضوء .. تاركة ابنتها بحزنها وأفكارها التى لم تستطع التخلص منها .. هى لاتبكى عليه بقدر ما هى تبكى على المهانة والطريق الذى اختارت ان تسلكه بإرادتها مع من لا يهتم بها .. ولا يستحق !
نعم فهى من اختارت كل شئ وصمتت من أجل حبه
الذى اعتقدت انها ستحصل عليه ما ان تصبح زوجته ..
رواية عندما يعشق الرجل الجزء الثاني الفصل العاشر

بعد تردد طويل استمر لساعات .. ويد عازمة سحبت نور إحدى القمصان التى لم تقترب منها يوما .. ولم تفكر حتى فى النظر إليها منذ ان دخلت إلى هذه الغرفة ..
جلست على طرف السرير ويداها تهتزان ربما بخوف وربما بتردد فهى لا تعلم ان كان ما ستقدم عليه هو الصواب ام لا ..
لقد اصبحت تتمنى وتريد قربه منها أكثر مما كانت تظن .. لقد أصبحت تتمنى قبلاته.. وتتمنى أكثر ان تكون زوجته فعلا .. وليس مجرد زواج على ورق ..

لقد تركها وقت طويل للغاية .. لتتعود على ما هو مقدر بينهما .. صبره لم تعتقد انها ستجدها فى أحد الرجال يوما .. تشعر بابتعاده ومحاولته المضنية حتى يبعد يديه عنها..
تنهدت نور وهى تتذكر مكالمات جدتها لها المستمرة .. التى احتلها بقدر كبير الحديث عن حازم .. فقد أصبحت تتحدث عنه ما ان تبدأ عمتها فى السؤال عنه وعن حاله ..
هو ليسا وسيما .. لكنه جذاب بتصرفاته وببروده .. وحتى بكلماته المقتضبة التى تخرج وكأن هناك شخصا يقوم بسحبها من دون إرادته من فمه ..
ضحكت بقوة من أفكارها .. فهى فى الفترة التى قاضتها معه علمت .. انه شخص قليل الكلام .. لا يتحدث إلا عندما يكون الكلام فى موضعه او ان وجهت له سوالا حينها يجيب بكلمات قلائل لكن غير هذا هو لا يتحدث ..

عضت على شفتاها .. وهى تتذكر قبلاته القليلة للغاية .. التى كان يطبعها على شفتيها .. ثم يتركها بعد ان يمنيها بأكثر من هذا ..
و بخطوات عازمة .. بدأت فى خلع ثوبها الذى كانت ترتديه منذ ان ذهبت إلى اروى صباحا حتى الآن .. وتوجهت نحو الحمام ..
و غاصت بجسدها فى الماء الدافئ الملى بفقاعات الصابون .. ورائحتة العطرة تملى المكان ..
خرجت من الحمام ووقفت أمام المرآة.. تنظر إلى انعكاس صورتها بها بسعادة وهى ترتدى ذلك القميص الذى سحبته منذ دقائق .. قميص أزرق.. فهى تعشق الأزرق .. ذو حمالات رفيعة وطويل .. غطى جسدها باغراء ..

وقفت بجوار النافذة تراقب النجوم وتحدثها بخفوت .. تخبرها ان تتمنى لها ليلة جميلة دافئة ..
اجفلت فى مكانها ما ان فتح الباب.. لكن سرعان ما رفرف قلبها بسعادة .. ما ان رأته واقفا بجوار الباب ..
التمعت عيناها بخجل وهى ترى نظراته المندهشة وعيناه التى تحدق بها وكأنه لم يرى يوما أمامه امرأة ..
كسى وجهها حمرة الخجل .. لكنها بشجاعة لم تعهدها فى نفسها .. وجدت قدميها تقربها منه .. غير ابهة لما يدعى خجلا ..
فهو أخبرها انه سينتظرها حتى تكون مستعدة ..
ظل يحدق بها باندهاش وصدره يعلو وينخفض من مشاعره التى اجتاحته .. وعقله يذهب به لأفكار و خيالات هو نفسه حاول قبعها بشق الأنفس وعدم الغوص أكثر بها منذ أشهر ..
لطالما حلم بأن يقربها منه .. وهو تهمس بحبه .. فهو لا يريد مجرد إعجاب منها .. بل يريد عشقا يوازى عشقه لها ..
ما ان وقفت أمامه .. حتى أمسك بذراعيها .. قربها منه ثم وضع يد خلف رأسها وأخرى أمسك بها رسغها وهو يمرر أصابعه عليها مرسلا موجة من المشاعر إلى جسدها .. نظر إلى عيناها الرمادية التى أصبحت تلمع وكأنه نجم صغير يضئ فى الظلام ..

راقب اهدابها التى تتحرك بخجل و ابتسامتها التى زينت وجهها بافتتان وعشق ..
ما كادت أن تفتح فمها لتتكلم .. حتى اسكتها بقبلته التى كبحها لزمن .. وهو يقرب رأسها منه أكثر .. وجسدها يكاد يدفنه فى جسده ..
ويداه تعبثان بلهفة فى شعرها ..
ابتعد منها طالبا للهواء وهو ينظر اليها بتمعن ويراقب شفتاها التى تهتزان من مشاعرها ..
يريد الاقتراب لكنه خائف. . من أفكاره التى ترسله إلى ما قاله مازن له سابقا .. تجعله يشعر بالالم ما ان يفكر من انه من الممكن إلا يكون أول رجل بالنسبة لها مثلما هى أول امرأة فى حياته وقلبه ..
أول امرأة تخرج قلبه من سباته حتى شعر انه لن يدق لامرأة يوما ..
ابتعد عنها فنظرت له باندهاش وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعرها
بنبرة حاول جعلها جادة قال

" نور .. انا لا اريد لحظة مؤقتة او مشاعر هوجاء بيننا .. انا لا اريد جسد بقدر ما اريد قلب و عقل وروح .. انا لا اريد مجرد افتتان للحظات .. اعلمى انك ما ان تقتربى .. انا لن أسمح لك حتى مجرد التفكير بالابتعاد .. فأنا لن اعطى فقط .. بل سآخذ أكثر مما تعتقدين .. حبى متملك لأبعد ما تظنين .. انا لا اريد لحظات ستدفىء كل منا .. انا اريد الأبد .. اريد امرأة تساندنى "
فتحت نور فمها ببلاهة وهى تستمع لكلماته وهو يعترف بأنه يحبها ..
نظرت إليه وهو يقول بكلمات مختنقة
" لقد صبرت أكثر مما ينبغى ان أصبر .. لكن هذا لا يهمنى .. انا اريد امرأة تكون معى بكل كيانها .. امرأة لن أسمح لها يوما بالابتعاد ..
ضاقت عيناه متابعا بنبرة هادءة منخفضة
" لا اريد اخافتك. . ولكنى اريد أن تفكرى بكل خطوة تقدمين عليها فأنا لن أسمح لك بعدها بالتراجع .. لقد صبرت ومستعد ان أصبر ..
اقترب منها متابعا وهو يبعد باصابعه خصلات شعرها الناعمة التى سقطت على وجهها
" اريد أن تفكرى .. وأنا سأنتظر .. لكن لا تختبرى صبرى طويلا .. "
قال كلماته ثم تركها متوجها نحو الحمام ..

تراجعت بجسدها للخلف حتى جلست بانكسار على السرير .. لا تفهم ما قاله .. هل هو هكذا يريدها ام يرفضها ...
وقف تحت الدش و رذاذ الماء البارد يغطى جسده .. محاولا إطفاء النار التى اشتعلت بجسده من اقترابه منها .. ضرب بقبضته على الجدار .. وهو يسب ويلعن ..
ما كان يجب ان يبعدها عنه هكذا .. ما كان يجب ان يقول تلك التفاهات لقد أتت إليك بنفسها ..
لكنه هذه هى المشكلة انها أتت بنفسها .. وهذا ما يجعله يجن .. ويفكر هل اقترب منها مازن .. كم عدد المرات .. وكيف .. ومتى حدث .. أفكار سوداء عصفت بعقله .. تمنعه العيش بهناء. . والاستمتاع بحبها ..
لكنه القى الكرة إليها الآن .. وغدا سيعلم ان كانت ستعيدها ام لا .. غدا سيعلم بكل شئ .. فقط لينتظر حتى غد أما ان تكون له للأبد .. أما لن تكون له ابدا ..
خرج من الحمام ..نظر إليها وهى ترقد على السرير و تستر جسدها بروب يماثل لون القميص الذى كانت ترتديه له منذ لحظات غطى جسدها بأكمله .. وعيناها مفتوحتان وتنظر إليه بصمت ..
جلس على طرف السرير وقال بهدوء
" أريدك أن تستعدى غدا .. لأننا سنذهب إلى حفلة مهمة ..
قالها وهو يعطيها ظهره .. ثم فرد ظهره قائلا بهدوء
" تصبحين على خير "
قالها وهى لم ترد عليه .. بل صمتت وعيناها مفتوحتان بعد ان تعرضت لصدمة افقدتها النطق ...

نظرت إليه من بين جفونها وهو جالسا على الكرسى قبالتها ينظر اليها بفخر وسعادة .. منذ اليوم الذى عرف فيه مكانها وهو ياتى إليها .. يقضى معها اليوم بأكمله ثم يتركها ما ان يتتبعها بسيارته حتى تصل إلى منزلها ..
زفرت دينا بملل .. وهى تضرب بفرشاتها بقوة على اللوحة التى أمامها .. التى لم تعد تعرف ما هى معالمها او الفكرة التى جاءت بخاطرها وهى ترسمها ..
"لقد أنجب سيف صبى وسماه سليم .. وقد حضرت الاحتفال بحضور طفله ليلة أمس "
هتف بها أسامة بهدوء وهو يراقب ردة فعلها بترقب شديد ..
بلعت ريقها .. و جسدها قد تصلب بشدة .. وفقدت القدرة على الكلام لثوانى ..
لكنها قالت بقوة حاولت تمثيلها وسعادة لم تصل لعيناها
" فليبارك له الله فى طفله "
وحاولت توجيهه انتباهها مرة أخرى للوحة التى أمامها .. وهى تتساءل فى نفسها .. هل سبب ردة فعلها هذه ودهشتها؟ .. هو عدم معرفتها لأى شئ يخص سيف منذ أن تزوج .. ام لأنها شعرت بأن عمرها ينجلى شيئا فشيئا أمامها .. بعد ان كانت فى فترة ما تفكر بسيف أبا لأطفالها وحاميا لاسرتها .. أصبح الآن يمتلك أسرة .. بل وأصبح أبا ..
تشدق فمها بابتسامة حزينة .. ترثا به نفسها
اجفلت ما ان وقف اسامة خلفها هامسا بتساؤل
" وماذا عنا متى سنكون سعداء ؟؟!!"
هذا السؤال نفسه الذى كادت أن تسأله لنفسها ..
ردت بجدية وهى تضع فرشاتها جانبا وتخلع المءز ..
"ومن قال لك إننى لست سعيدة !!.. بل انا أكثر من سعيدة .. وسأكون أكثر سعادة عندما تتزوج انت أيضا وأرى أبناءك "
استدارت بجسدها وهى تلعن نفسها بخفوت عن التفاهات التى خرجت من بين شفتيها .. وهل هى ستكون حقا سعيدة عندما تراه مع امرأة غيرها ؟.. تبا .. حينها ستكون الضربة القاضية بالنسبة لها .. و حينها لن تستطيع الشفاء منها ابدا ..
اصتك باسنانه بشدة وهو يشعر بكلماتها التى تحاول ان تنحيه بعيدا عنها .. لكنها تحلم .. فهو سيتزوج وينجب.. ولن تكون من غيرها
" بالطبع أعلم انك ستكونى سعيدة .. لكن كيف أتزوج وصديقتي لم تتزوج بعد؟.. فالسيدات أولا "
قالها مبكر من بين أسنانه ..
رفعت إحدى حاحبيها وردت بابتسامة وازدراء
" ومن قال لك إننى ساتزوح!؟.. انا أفضل العيش هكذا "
رفع هو الآخر حاجبه قائلا بنصف ابتسامة
" حقا .. ولكن لماذا هل قررتى ان تصبحى راهبة؟!. . وتعتزلى الحياة ام ماذا ؟؟"
ردت بخفوت
" شيئا من هذا "
راقب بأعين متململة ابتعادها عنه .. ثم عودتها واقترابها منه و قد ابدلت ملابسها بغيرها أنيقة .. وكعادتها لم تخلو ألوان ملابسها من اللون الأصفر ..
أبتسم بخفوت وهى تتناول مفاتيح معرضها الصغير تدعوه بلباقة ان يخرج خلفها حتى تغلق المعرض قبل ذهابها ..
تصلبت دينا فى مكانها مما رأته أمامها وقد احمر وجهها غضبا ما ان التفتت ورائها ورأت ابتسامته المتلاعبة
قائلا بابتسامة تكاد تصل لأذنيه وبنبرة لبقة للغاية
"هل تحتاجين إلى التوصيل؟؟! "
رفعت حاجبها بغضب مكتوم وقالت من بين أسنانها
" يا محاسن الصدف سيد أسامة "
ضحك بقوة حتى كاد أن يتراجع بجسده للخلف من شدة ضحكته ..
" عندك حق .. دائما ما تكون الصدف إلى جانبى ..
صمت ثم قال بهدوء ..
" ألا تحتاجين إلى التوصيل .. فكما يقولون الصديق وقت الضيق .. او وقت نوم عجلات السيارة "
فتح لها باب السيارة قائلا بلهجة رسمية
" تفضلى انستى "
صعدت إلى السيارة .. ثم التفت هو الآخر جالسا على مقعد السائق ..
وعلى وجهه ابتسامة المنتصر
" أليس غريبا .. أن تنام أربع عجلات السيارة فى وقت واحد "
سعل وهو يحاول أن يجلى حنجرته قائلا بتركيز
" انه يحدث كثيرا .. لا تقلقى "
التفتت إليها قائلة بحدة
" أسامة .. هل أنت وراء هذا "
" انا !!!!!.. قالها بدهشة .. ثم تمتم باضطراب
" ولماذا ؟؟!!.. أفعل هذا!! .. ما هى مصلحتى من فعل هذا بالعجلات المسكينة "
قالها باسف ثم تابع بحزن
" حقا انك تظلمنى .. "
" هل تعتقد هذا ؟!"
سألته بتركيز
" انا متأكد .. انستى "
رد بتأكيد ..
فتح لها باب السيارة .. ما ان وصلا أمام البناية القديمة ..
قائلا وهو يلوح لها
"إلى اللقاء انستى .. أتمنى أن تكون رحلة التوصيل قد أعجبتك ..
ثو تابع غامزا
وأن تتصلى بنا دائما "
ابتسمت بخفوت من تصرفاته الطفولية ..
صعدت درجات السلم و على وجهها ابتسامة تعبر عن سعادتها ..
شهقت دينا بقوة و تراجعت بجسدها خطوة للخلف ولولا انها توازن بجسدها .. لكانت سقطت على السلالم .. ما ان رأت جارها الوقح أمامها .. الذى كان يحاول الايام الفائتة ان يضايقها بشتى الطرق ..
" و تمثلين على انا فقط .. انك عفيفة .. بينما يقوم بتوصيلك الرجال .. "
كشفت عن انيابها وهى تقول غاضبة
" تادب أيها الرجل وأنت تتحدث .. واعرف جيدا مع من تتحدث "
شخر الرجل بقوة .. مما جعلها تشمءز منه .. قاءلا
بلهجة ساخرة
" انا من اتادب. . وماذا عنك؟؟ .. يا حلوة .. "
حاول الاقتراب منها وما أن خطى خطوة حتى قامت بضربه على رأسه بالحقيبة التى كانت بين يديها
قائلة باحتقار
" رجل وقح"
.. ثم أسرعت متوجهة نحو شقتها لتحتمى بها
تهاوت بجسدها على أرضية الغرفة الباردة .. تفكر بما يحدث لها .. هل تقبل بعرض أسامة الغير مباشر للزواج به .. وحينها ستكون هى بأمان من أمثاله .. ام تتمسك بكبرياءها أكثر وتظل هكذا .. وحيدة .. وفريسة لرجال أمثال جارها .. يعتدون عليها بالألفاظ والأفعال ..



تركت جسدها يستقبل رذاذ الماء البارد .. لعله يهدأ قليلا من أفكارها التى تدفع بتعقلها جانبا .. أغلقت صنبور الماء البارد ..
ثم لفت جسدها الغض بمنشفة كبيرة .. ضغطت على زر الضوء البارد .. حتى مقبض الباب أصبح باردا .. كل شئ فى حياتها أصبح باردا كالسقيع ..
و شقتها الصغيرة .. تشعر وكأنها منزل قديم قد غادره ساكنيه منذ زمن .. شقة صغيرة تحتاج إلى أنفاس دافئة تنشر بين ارجاءها الحرارة والدف..
سحبت بيد باردة إحدى قمصانها القطنية التى تساعد على إراحة جسدها .. من يوم لم يكن مليئا بالأعمال ولكنه كان ممتلئ بالأفكار التى عصفت براحتها طوال اليوم .. بداية من التصاق أسامة بها كالغراء.. نهاية بجارها اللزج الذى لا يكف عن ازعاجها او التقرب منها ..
جلست بجسد واهن على الكرسى .. احتضنت قدميها بذراعيها .. واستندت بذقنها على ركبتيها .. للحظات كانت عيناها تنظران إلى أرجاء الشقة المظلمة .. وعيناها ملئ بالدموع .. لطالما كرهت دينا الاختلاء بنفسها .. لكن مع الوقت تبين لها أن نفسها هو الشئ الوحيد الباقى معها ...
كرهت الجلوس هكذا .. والسماح لعقلها وقلبها بأن يكونا منفردان بها .. لانه حينها ستبدأ معركة بينهما ..
لن تتركها إلا مستذفة القوة .. وأيضا باكية ووحيدة ..
هل جربت يوما ان تختلى بنفسك .. وحدك معها .. تتخبط الأفكار والمشاعر براسك ..
ينتهى الأمر بك فى مواجهة حائط يمنعك الخروج ..
يقيدك مكانك بقيود محكمة .. لا أنت قادر على التقدم ولا قادر على الرجوع ..
وحدك تستطيع البكاء.. الصراخ .. وحتى تستطيع ان تكون مجنونا فى أفكارك ..
عقلها سيحثها على الرفض .. والبقاء وحيدة .. وعدم الاستسلام لمصيرها..
سيخبرها .. بأنه قد تركها سابقا .. ما الذى سيجعلها تضمن انه لن يفعلها مرة أخرى ان عادت له .. إن رضيت بالزواج .. وبعدها يتركها ..حينها هى من ستخسر وتتالم ..
وهل حقا هو قد عاد من أجل الحب!! ..
بينما قلبها سيصرخ بها هاتفا ..
استيقظى قبل ان يضيع عمرك هباء !..
وهى بين هذا وذاك .. تنزف ألما .. كعصفور جريح .. سقط على أرض جرداء .. لا وجد من يضمد جراحه .. ولا وجد من يقتله ليريحه من آلامه ..
اعتدلت فى جلستها .. ثم دنت بخطوات وءيدة نحو الشرفة ... فتحتها على مصرعيها
فهى بحاجة للهروب من عقلها وقلبها فى هذا الوقت بالذات .. لن تسمح لنفسها بالاختلاء بها .. حتى تقتلها ببط
لذلك ستفضل الوقوف قرب نافذتها ومراقبة الأطفال وهم يلعبون الكرة كعادتهم فى هذا الوقت رغم أنها لم تعد تشاهد مبارياتهم كالسابق .. ولكنها الآن ستشاهد بشوق .. صراع الطفلين الدائم .. الذى ينتهى بانسحاب محمود وحزن البطل الصغير الآخر .. لعدم اكتمال سعادته بانسحاب صديقه ..
ولكنهم رغم كل هذا يجتمعون مرة أخرى .. وكأن البارحة لم يكن هناك خلافات بينهم ..
خرجت من أفكارها و راقبت مبارتهم بابتسامة عذبة .. تنسيها أفكارها المؤلمة ..
اتسعت عيناها ذهولا و شهقت بضعف واصابعها على فمها .. وهى ترى أسامة بين الأطفال يمرر لهم ويمررون له الكرة .. وعلى وجهه ابتسامة واسعة ..
حتى انه رفع يده علامة الانتصار لإحدى الأطفال .. وكانها إشارة بينهم تدل على شئ ما ..
لوت فمها بتعجب .. لثوانى كانت ستغلق النافذة .. لكنها تغاضت عن ذلك وفضلت الوقوف والاستمتاع برؤية أسامة يهزم من مجموعة اطفال صغار خاصة عندما استطاع أحد الأطفال أخذ الكرة من بين قدميه بسهولة وتعثراته المستمرة بينهم التى تعبر عن بلادته وقدراته الضعيفة فى لعب الكرة .. ربما إبن الأحياء الراقية .. لا يعرف كيف يتعامل مع كرة مهترة فى شارع ضيق .. فامثاله يلعبون فى أرقى الأندية والملاعب ..
راقبت بترقب شديد وانتباه .. عندما رأت الكرة تنتقل بين أقدام الصغار بسرعة ومهارة كبيرة .. وأخيرا قد وصلت إلى أسامة الذى كان ماءلا قليلا بجسده للأمام .. يرتدى بذلته الأنيقة لكنه تخلى عن السترة .. و قميصه الأبيض ملطخ ببقع الطين وعفرات التراب ...
فتحت فمها ذهولا و شهقت بقوة ما ان رأت سقوط أسامة المخجل بين الأطفال .. وبدلا من ان يساعده أيا منهم بداو فى الضحك من سقوطه المفاجئ و وقوعه على وجهه ..
ما ان لمحت خيط الدماء الرفيع النازف من فمه .. حتى ركضت نحو الباب .. خرجت من الشقة من دون ان تغلق حتى بابها .. ونزلت درجات السلم بسرعة .. حتى خرجت من البناية القديمة
وركضت بلهفة نحوه .. وهى تحاول رفع وجهه إليها لترى مكان النزيف ..
قائلة بقلق ولهفة و عيناها ملئ بالدموع ..
" أسامة .. هل أنت بخير ؟!.. هل أصيبت رأسك؟ .. هل تتألم ؟.. هل تاذت قدميك؟ ..هل ؟؟.."
أبتسم للهفتها .. لكنها سرعان ما وضع يده على رأسه .. وهو يتاوه من الألم حتى كاد أن يصرخ ليؤكد على كذبته .. رغم انه لا يشعر باى شئ .. فقط شفتاه من الداخل التى اصطدمت باسنانه عندما ارتطم بالأرض .. وانفه التى يشعر بأن عظامها كادت أن تكسر لو وقع بقوة دفع أكبر على الأرض ..
تابعت بحزن وهى تؤنبه بنبرة رقيقة قلقة
" يا الله .. لماذا تلعب الكرة؟؟ .. انظر لقد تاذيت "
" لا تقلقى عليه .. انه بخير ..انظرى انه كالثور أمامك الآن "
قالها أحد الأطفال .. بينما رد عليه الآخر
" أقسم لو كانت والدته و راته هكذا مصاب .. لما قلقت عليه .. وكأنه طفل صغير "
فرد ثالث ..
" لو ذهبت إلى والدتى و راتنى انزف هكذا .. لكانت قامت بضربى برمية مرتدة من فردة حذاءها.. و ساتلقى عدد من السباب والشتاءم ومعها كرتى ومن يلعب الكرة .. "
ظلا كلا من دينا وأسامة متصلبان ..ينظران إلى الأطفال ببلاهة وهما يستمعان لحوارهم وطريقتهم فى الكلام ..
" بالتأكيد هى حبيبته لذلك هى ركضت بلهفة إليه بقميص نومها "
قالها طفلا آخر وهو ينظر اليها بإعجاب .. ثم تابع
"انها كالصاروخ "
انتبه أسامة إلى كلام الطفل فادار رأسه نحو ما ينظرون إليه جميعا .. فاصتك على أسنانه .. وكتم لعنة كادت تخرج من بين شفتيه .. وهو يراها تقف قبالته .. بقميص نوم ابيض ذو حمالات عريضة وقصير .. قصير للغاية .. يظهر أكثر مما يخفى ..
أمسك اصابع يديها بين يده وهو يضغط عليها بغضب هاتفا بنبرة حادة
" ما هذا الذى ترتدينه ؟.. كيف تخرجين هكذا ؟.. "
اجفلت من نبرته و بنبرة ضعيفة دافعت
" لقد كنت تنزف .. ونسيت .. "
قاطعها بحدة
" حتى وإن .. ما كان يجب عليك أن تخرجى هكذا .. حتى لو رايتنى ميتا أمامك .. ارتدى شيئا وبعد ذلك اخرجى "
التمعت عيناها بالدموع .. والمتها غصة فى حلقها .. وهى تستمع لتانيبه .. وماذا أمام الأطفال بالاضافة الى تجمع بعض سكان الحى حولهم ..
اخفضت اهدابها إلى أسفل .. ولكنها سرعان ما رفعتهما.. ولم تستطع منع فمها من الابتسام .. ما ان استمعت لتانيب أسامة لأحد الأطفال
" وأنت أيها الصغير .. ما هى هذه الصاروخ التى تفوهت بها !!.. تادب واحترم من هم أكبر منك عمرا .. "
تابع كلامه وهو يضربه على مؤخرة رأسه باطراف أصابعه ..
" أيها المفعوص الصغير لو كنا تزوجنا منذ زمن لكنت أنجبت من هو فى مثل عمرك "
لوى الطفل فمه بامتعاض .. وقال بتذمر ودفاع خفى " وهل تعتقد..انها كلمة او صفة سيئة.. "
فتابع ما ان لمح قسمات وجه أسامة التى لانت قليلا رغم عبوسه
" صاروخ .. تعنى غاية فى الجمال .."
ابتسمت دينا بتلقائية على كلمة الصبى .. فوجه إليها أسامة نظرة حازمة و حادة .. جعلتها تعود الى عبوسها.. وركضت نحو باب البناية بصمت ..

iklan banner

Abdulrhman Sayed
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع قصص وروايات .

جديد قسم :