رواية لعبة عاشق الفصول 1-10 الجزء الثاني من (لعبة في يده)




رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الأول

رن الهاتف للمرة الثالثة على التوالي وكان عازماً على تجاهله ولكنه بدا وكأنه مصر على المضي قدماً بمحاولة إيقاظه تأفف ونظر للفراش الفارغ جواره وقام واتكأ على مرفقه ثم تناول الهاتف فرأى اسم أخيه "أسامه" يلمع في ظلام الغرفة وأتاه صوته مستجيراً :


- جاسر ألحقني

وانقطع الاتصال
هب من فراشه وحاول الإتصال بأخيه مرة أخرى ولكن ما من جيب
فقام وارتدى ملابسه التي ألقاها منذ ثلاث ساعات فقط على الأريكة المقابلة للفراش على عجالة

الحادث قضاء وقدر

قدر الله وماشاء فعل
كلمات تنصب على أذنيه من وقت لاخر وكلها تدور حول معنى واحد ما فقد قد فقد ولا مجال لاستعادته
ولكنه كان المخطىء هو المسئول
هو من تسبب بفقدان زوجته الشابة لحياتها
وهو من أطفأ برعونته نور الحياة في أعين صغيرته الوحيدة
هو من كان يقود تلك السيارة في الظلام الدامس
وهو الذي غفا على عجلة قيادتها
ولسخرية الأقدار هو من استبقت أنفاسه الحياة

- أنت برضة هتسهر الليلة ؟

في الماضى كان سؤالا ضجراً لم يكن يستسيغة
وأضحى اليوم تبرما لايطيقه نظر لها وقال ضائقاً :
-أيوه يا آشري ورايا ..
لم تدعه يكمل حواره فلقد ضاقت بذرائعه التي لا تنتهي فقالت:
-كفاية يا زياد ،كفاية كدب ..أوكيه رايح تسهر بالسلامة بس ابقى افتكر تسأل على أخوك
زم شفتيه ساخراً وهو ينصرف :
- أنهي فيهم ؟!

- آلو آشري

تنهدت بقنوط فهي لم تكن في مزاج يسمح لسماع سيل الشكاوى الذي لايتوقف من فمها منذ أن أجبرها زوجها على الإنتقال للعيش برفقة "سوسن خانون"
كما كانتا تدعونها سراً فقالت بتعب :
- أزيك سالي. هاو أر يو ؟
بصوت جاهدت أن تدفع الدموع عنه بعيداً قالت :
- أنا كويسة ،أنت عاملة إيه بقالي أسبوع ماسمعتش صوتك ؟
- كنت مسافرة برة ،كان عندي شغل ،
أنت إيه أخبارك ؟

اختنق صوتها بالعبرات واندفعت الكلمات من حلقها ولكنها توقفت عند حافة شفتيها ليخرج اسمه معلناً أنه المسئول الأول والأخير عن عذاب صاحبته :

جاسر
بالطبع جاسر
فالبداية جاسر
والنهاية أيضا جاسر
ومابينهما جاسر
وخيوط تلك الدمية معلقة بكف جاسر
وبين أناملة تقبع وتنتظر إشارة من جاسر
وفعليا لم تعد قادرة على تحمل المزيد من الشكوى والثرثرة
وإسداء النصح لمن لا تتحرك إلا بهوى وأمر من جاسر
فقالت معنفة وآمرة في الوقت ذاته :
- مبدئياً سالي ،قولتلك ألف مرة ماتبتديش كلامك بجاسر أبداً
....قولى ورايا أنا سالي

همهمت ببكاء وأطاعتها :

- أنا سالي
- مالك ؟
سؤال آمر نافذ لكأنما تلقيه على أحد مرؤوسيها وهي حقا لا تهتم بالإجابة قدر إهتمامها بإنصياعه لأمرها تماماً ك "جاسر"
-تعبت
همسة مقهورة لخصت سنوات عمرها الفائتة منذ رحيل والدها وتقدم والدتها بالعمر وعدم إحتمالها لأي أخبار سيئة عن زيجة ابنتيها
ومؤخراً مرض حماتها الذي جعلها قعيدة للفراش متنمرة عليها بكل ساعات النهار والليل
وعصبية زوجها وتحكماته التي كانت لاتنتهي حتى طالت نسمات الهواء التي تتنفسها

- نتقابل بكرة في النادى؟!

اقتراح ألقته على مسامعها بكل رقة
افتقادها للأمومة ولطفل تحتضنه بين ذراعيها طوال سنوات زيجتها كان مؤلما للغاية
ولكن سالي كانت تنجح في استثثار مشاعر الأمومة خاصتها وتستنزفها في كل مرة تطلب عونها باكية
فقالت موافقة فى الحال :
- ماشي بس في معاد تدريب الولاد عشان....
فردت متبرمة :
عارفة جاسر

مر شهران ولم يخرج من منزله بل لم يغادر حجرته

تقريبا بنفس المنامة التى رآها عليه منذ أسبوع
استطالت خصلات شعره حتى وصلت لأطراف كتفه
وشعيرات ذقنه الخشنة قد غزت أطراف ياقته المتسخة
جالسا تقريبا بنفس المكان ،الأريكة التي تتوسط الغرفة وخلفها يقبع الفراش
الوحيد من متاع الغرفة الذي كان يحافظ على رونقه
فصاحبه لايمسه فشركيته تتوسد الثرى
فكيف له أن يهنأ وحده بفراشهما
وقف أمامه وداخله شكاً أن أخاه لايراه فقال منادياً :
- أسامة..أسامة
رفع رأسه وأجفل قائلاً :
- جاسر أنت هنا من أمتى ؟
اقترب منه وقال:
- أنت اللي هنا من امتى ؟

قوم معايا وجذب يده ليقف أمامه ولكنه كان خائر القوى فكاد أن يسقط تمالك جاسر أعصابه وعضلاته ودفعه للوقوف مرة أخرى وقال

- رجعت تاخد الزفت ده تاني
نظر له بتبلد وقال بابتسامة صفراء كأسنانه التي عرفت للتبغ وصبغته طريقا :
آآه. بيريحني أوي
دفعه جاسر للخروج من الغرفة وسار به حتى وصل للدرجات الرخامية وقال:
- هتعرف تنزل ولا أسندك ؟
التفت له وقال :
- هنروع فين؟

نظر له وأدرك أنها قضية خاسرة وأن كل مايلزمه شلال ماء بارد يصبه على رأس أخيه وينتهي من أولى مشاكله وبالفعل قد كان

وبعد ساعة زمنية كان قد جلس متوسطا بمقعده أرضية المطبخ بلونيها الأسود والأبيض وقد أمر جاسر الخادمة بإعداد فطورا
لذاك الذي كان يبدو منقطعا عن الطعام منذ أيام فجلس يلوك قطعة الخبز ببطء فقال جاسر مشمئزاً:

- وبعدين يا أسامة ،هتفضل كده لحد أمتى

رفع رأسه ومنحه نظرة خاوية
جاسر أخيه الأكبر
الواعظ الذي لايمل من تصحيح أوضاع الجميع حوله
وفى كثير من الأحيان ليس صحيحاً بالفعل
ولكنه صحيحاً بالقدر الذي يرضيه
وقد ظهر اليوم ليملي عليه ما يتوجب عليه وعله
عيناه كانت زائغة ولكن كلماته كانت مصممة على إصابة مستمعها بجروح نافذة
- لما تبقى تخسر اللي أنا خسرته هتبقى تعرف
لم تكن تلك عادته ولا تلك كلماته.

كانت نفسه الجريحة المحملة بمرارة الفقد

من تتولى الرد على الجميع بقسوة وله الحق كله ، فالوجع كان لايحتمل والوجع وحده من يتحدث
فقد عائلته الصغيرة السعيدة وأخيه يسأله
متى يعود لسابق عهده!!
عهده انتهى ومضى ولن يعود أبدا
وليتهيأ الجميع لشخص جديد يتشارك معه فقط بالملامح القديمة حتى تلك قد يميحها
فخصلات شعره التي قد استطالت أصبح يفكر جديا باستبقائها
تمنحه مظهرا عابثا وهو الذي كان الرجل الجدي وسط أخواته طوال حياته كان ملتزما
لم يعبث مع الفتيات ولم يبعث بالشرارات لقلوبهن
أختار واحدة ومع ذلك حرمه القدر منها

- أنت جيتِ أخيرا ،كنتِ فين طول النهار؟

يقولون الرجل ظل أبيه ولكنه مرآة أمه
خاصة عندما تكون إمرأة متسلطة ك "سوسن خانون"
أخذت نفساً عميقاً ودفعت بالصغير سليم وابنتها الصغرى سلمى نحو الدرجات
-حبايب ماما اطلعو فوق مع دادة نعمات والتفتت لتلاقي مصيرها اليومي كلمات مهينة جارحة
كانت تبتلعها في الماضى إرضاء لخاطر زوجها وحبيبها ولكنها باتت على وشك الانفجار.

فعندما تقد التضحيات واحدة تلو الأخرى ،ولا تنتظر مقابلاً بالشكر والعرفان ،من الغباء أن تتوقع أن يستمر الآخرون بتقدير

تضحياتك وماتلاقيه نفسك من مرارة وعذاب تحت وطأة التضحية ببساطه اصبح واجبا عليها
بل وأصبحت تتلقى التقريع إن قصرت أو تخاذلت عن القيام به!!
استعانت بالملائكة كي تقدم ردا هادئاً
فالشيطان الآن لاسبيل له.

وبابتسامة هادئة أجابت :

-كنت في النادي ،الولاد كان عندهم تدريب
ولكن الشيطان كان يقف بسبيل سالي وملامحها الملائكية المتغضنة ،فردت الآخرى صارخة بها:
- تانى مرة إياكِ تخرجي قبل ماتستأذني مني
عقدت حاجبيها واستعر الغضب بجوانحها
في الماضي كانت تندفع بكلمات هوجاء ولكن حتى هذا
الاندفاع فقدته في خضم الكثير الذي عانته فالكلمات تخونها والأنفاس تختنق داخل رئتيها
والصمت رفيق إجبارى

و الدموع ترافقها حتى الفراش الذي كانت تهجره من حين لاخر

كنوع من الاعتراض على الصمت المزرى الذي لاتطيق سواه ويرضاه زوجها بل وأصبح يطالب به
ولكن فاض الكيل واندفعت الكلمات الحمقاء من فاها غير مترددة :
- أنا مش شغالة عندك يا سوسن خانون ولا أنت هتتحكمي فيا
وتقوليلي أعمل ايه وما أعملش ايه...

وجاءها الرد حاسما وسريعا ولكن لم تكن شفتي الخانون من افترت عنه بل كان صوته يأمرها بكل جلف وقسوة :

- بس هتعملي اللي بقولك عليه وتطلعي حالاً فوق على أوضتك
التفتت إليه وقد اغروقت عيناها بفيضان من الدموع الحارقة
أهكذا أصبح يعاملها تحت مرأى ومسمع الجميع ؟
يأمرها بالإنصراف لغرفتها كطفلة مشاكسة !!
وكأنها هي المخطئة ؟!!

تسارعت خطواتها وتسابقت العبرات الهاربة من جفونها بإنهيار

مزر جعلها حتى تخطىء الدرجات وتسقط تحت قدميه
لم تكن لمسته الحانية من شدت أزرها لتكمل طريقها صعودا بل لم تكن هناك لمسة بالأساس
دفعت بجسدها الذي فقد قدراً يسيرا من رشاقته وازدان ببضعة
كيلوجرامات إضافية يصل عددها للعشرون أو مايقرب نحو الأعلى
التفت لأمه القعيدة والتي كان يعلو ملامحها الإمتعاض التام وهي تقول:
-كويس إنك جيت عشان تشوف بترد عليا إزاى!

دفع بقدر من تيار الهواء الساخن المحتقن بصدره وهو يتقدم من أمه قائلا:

- بس دي كمان مش طريقة تتعاملى بيها معاها
رفعت ذقنها بشموخ قائلة بسخرية مزدرية :
- وأنت فاكر شجرة الجميز دي بتحس ،أنا القلق كان هيموتني على الولاد .
قال كل ده في النادى اعترض قائلا :
- ماما .من فضلك ، ماتنسيش أن سالي مراتي

أشاحت بيدها بإشمثزاز :

- فخور أوي حضرتك .أنت بقيت تتكسف تخرج معاها ، كل
الحفلات وكل الميتنج اللي بتعملها مع الناس المهمة فى البلد تعملها لوحدك منغيرها
يعلم جيدا أنها تخبره الحقيقة التي ظن أن لا أحد قد يصل إليها تغيرت زوجته الجميلة
وأصبحت امراة منزوية تحيا هامش الحياة وليس الحياة ذاتها
حتى أنها مؤخرا كفت عن التبرم والتذرع بالأسباب لتحصل على ماهو حقها أو ماهو ليس بملك لها
عقد حاجبيه وأخبرها أن ماتقوله ليس له أساس من الصحة.

ومضى للأعلى يرفض التفكيير فى معضلة حياته التي لن تنتهى

أمه وزوجته المصونة والتي أختارت لليوم العاشر على التوالي هجر غرفتهما وفراشهما
ظن أنه سيكف عن العد فى كل مرة تهجر فيها الفراش ، ولكنه كان مخطئا
خلع ملابسه واغتسل واختار أن يفض النزاع فهذا خيار لامفر لها
ليس لأنه يرجو صفحها، ولكن لأن واجبها يحتم عليها الإنصياع له ولأوامره
وإن لزم أوامر أمه المريضة التي على وشك مغادرة الحياة

وقفت تتأمل نفسها في المرآة ودموعها تجري على صفحة وجهها الممتلىء تعلم أنها السبب

هي من تبعده عنها في كل مرة يلمح فيها بإقتراب
تعلم أن كبرياؤه لن تقوده لاعتذار ولا حتى ربتة على الكتف
كانت تكتفي في الماضي بنظرة عتاب مخلوطة بمشاعره الدافئة
ولكنها ماعادت قادرة على رفع أنظارها ورؤية إتهام تلو الآخر
بأنها من أفسدت حياتهم ، وأصبح الآن لايطيق لمسها.
أهي السبب؟

فقدت الكثير من رشاقتها وجمالها الهادىء قد انزوى وراء

ملامح وجهها المكتنزة وصوتها الرقيق أصبح لايعلو إلا بشجار أو بنشيج وفيضان من الدموع
فتح الباب ودخل ليطالعها
عقد حاجبيه ليظهر بمظهر غاضب بالرغم أنه لم يكن غاضبا حقا يعلم أنها تخشى غضبه
كما يعلم تمام العلم أن أمه من تدفع بسالي للخطأ
والأخرى لاتكلف نفسها مجهودا لإمتصاص غضبها وزعيقها.

الذي لايتوقف عند أي شاردة أو ماتتخيله خطئا بحقها

- هوا أنا كل يوم أرجع البيت ياأما ألاقيكى بتتخانقي مع ماما أو في أوضة الولاد بتعيطي
ماسمعته آذانها،أهذا مايصفه بيت ؟ربما يكون بيته
ولكنه أبدا لن يصبح بيتهما
- بيت !!!..هوا ده بيت ، بيتى ...بيتنا ؟
- ماتغيريش الموضوع مش كل مرة ابتدي كلام معاكي في حاجه
تطلعي منها بألف حاجة تانيه أنا بتلكم في شيء محدد يصرخ ويثور ويأمر
كوكتيل جاسر
ومشاعره اليومية تجاهها.

ولقد سأمت صراخه بها فقالت بإندفاع :

-لاء هوا ده الموضوع ،أنت قولتلي سنة واحدة بس ونرجع بيتنا
- وأنا مش المفروض أحدد معاد لموت أمي عشان ترتاحي
-أأ أنا ماقصدتش
تلعثم بشبه كلمات وعبرات ساخنة تجري
ولا يبدو أنها ستنتهي في الوقت القريب.

إذ أنه أكمل حديثه قابضا على ذراعها بقسوة وعيناه أصبحت كسعير جهنم:

- تقصدي ولا ماتقصديش لآخر مرة ياسالي هنبهك أنك تراعي
أمي وتراعي مرضها ومش كل شويه هقولك معلش تعالي على نفس جناب حضرتك
فاهتز جسدها بقوة بكاؤها المتصاعد وهي تقول :

-كفايه بقى حرام عليك أنا تعبت ،تعبت مش كل يوم زعيق وخناق

دفع بها لتجلس على الفراش وأصبح صوت تنفسه ينافس أزيز المكيف
ولم يتحمل رؤيتها ولا صوت بكاؤها أكثر من ذلك
فخرج ليجد طفليه ينظران إليه غاضبين منه هو
ببكاء أمهما الطيبة هو من يتسبب
هو من لايراهما إلا بوقت متأخر من الليل أو في عطلة نهاية  الأسبوع
اقترب منهم وأمر الخادمة بالانصراف وقبل رأسيهما وقال:
ازيكم يا حبايبي ، هاه أحكولي عملتوا إيه النهاردة في النادي؟
سلمى الصغيرة كانت أول من اقترب لأحضانه وهي تسأله :
- هيا ماما بتعيط ليه يابابا؟

رفع أنظاره نحو سليم الذي كان متعلقا بسالي وبشدة والذي اندفع قائلا:

-عشان بابا ضربها ياسلمى
هز رأسه نافيا وهو يدفع بهما لأحضانه مرة أخرى :
-لا ياسليم ياحبيبي أنا عمري ما اضرب ماما أبدا ..روحوا يالا
روحوا اتفرجوا على التليفزيون وسيبوا ماما تهدى
هنيئا لك ياجاسر أصبحت الآن وحشا كاسرا في عيون أطفالك
وكانت تلك إحدى همومه التي يبات بها ليلا

- مبروك يازياد.. ألف مبروك

بماذا يهنئه هذا الأحمق ؟!
التفت له وترك مشروبه ليقول :
- على أيه ياعمر ؟!
- مراتك آشري ،الفوربس اختارتها كأهم سيدة أعمال عربية
أو أصبح يتلقى التهنئة الآن على إنجازات المدام!!
وهو الذي لم يحقق شيئا يذكر بعدما استقل بنصيبه من مجموعة
"آل سليم"

جل إنجازاته أنه زوج المدام

ترك المشروب البارد وترك المكان كله
وخرج بفوران دم يكاد يوقف عقله
نعم إنه يغار منها
هي الناجحة دوما
التي لا تتزحزح قيد أنملة عن هدفها
سيدة الأعمال الأولى على الأقل بالشرق الأوسط.

ترفض حمل جنينه وتخبره أنها بحاجة للوقت كي تمنحه لطفلهما الذى لم يحن بعد موعد وصوله لحياتهما

دخل منزله يبحث عنها بعيناه ولم يطل به البحث طويلا، إذ
وجدها مستلقية وأمامها جهاز الحاسوب المتنقل الذي قلما
يفارقها حتى داخل فراشهما يستبقه ويأخذ حيزا يسيرا من بقعته
إلى جانب أوراق ومستندات أخرى متغيرة بإستمرار
فمجموعة "الطحان" في توسع دائم ولقد وصلت لقلب لأوربا بالفعل
عقد حاجبيه لدى سماعه لضحكتها الرقيقة تنساب في الأجواء
وهي تقول :

- ميرسى أوي ياعاصم بيه ده كومبليموه رقيق أوي من حضرتك

أشارت له بتحية مقتضبة وهي تكمل محادثتها بالشرفة بعيدا عن مسامع أذنيه
فأسرار العمل تختلف تماما عن أسرار الزوجية
وليس لكونه أصبح زوجها أصبح له الحق بالإطلاع عليها أو حتى على كليهما
صب لنفسه مشروبا باردا وتعالى صوته مناديا على الخادمة ولم يتلق ردا
وعندها دخلت مرة أخرى لغرفة المعيشة وهي تقول :
- إيه يازياد البنت راحت لأهلها النهاردة الخميس وأنت المفروض عارف النظام

قال بسخرية لاذعة :

- وياترى أنت عارفة النظام ؟
عقدت حاجبيها وهى تقترب منه قائلة :
- مالك يازياد في أيه ؟
- مافييش إلا صحيح .. مبروولك
قالها مستهزاءا
ونظرت له عاتبة :
- من قلبك

وضع كفه على صدره وهو يقول :

- أكيييد ..بس ياترى ياقلبي هتعشينى النهاردة ولا عشان
الخدامة أجازة معدتي كمان تاخد أجازة
عبست وقالت :
- زياد دونت بي سيلي ..مش معقول لحد حداشر ما أكلتش
واستدركت سريعا قبل أن يندفع بقول آخر :
- وإن ماكنتش كلت أطلب دليفيرى عن إذنك طالعة أنام
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثاني

ليلة صيفية صاخبة والحفلة التنكرية التي أقيمت على شرفها في منزل أحد أصدقاء والدها المقربين بمناسبة عيد ميلادها الحادي والعشرين في أوجها ومع ذلك تشعر بالسأم الشديد.


توارت بقناع مذهب في الشرفة الخاوية

لقد سأمت المظاهر والاحتفالات الفارغة التي تدور بها فمتى يصبح لديها هدف وغاية ؟
متى يظهر فارسها ويخطفها فوق جواده الأبيض ويهربا سويا من تلك الحياة المملة ؟!

قبضة انتزعت خصرها الملتصق بجدار الشرفة وأنفاسه الساخنة المحملة بعطره الثقيل ورائحة الخمر أعلنت عن هويته صارخة فدفعت بنفسها للخلف قائلة :

- عمر أنت اتجننت ، سيبينى
مد يده مرة أخرى وقال :
- داليا ،أنا بحبك التمعت عيناها المتوارية خلف القناع بشعاع ساخر
وهي تقول :
- والله ،طيب ،خير ماعملت
علمت من نظراته المستعرة أنها قد أشعلت غضبه بسخريتها وإزدرائها له ولمشاعره ،وهي وحيدة في تلك الشرفة المظلمة ولن يسمعها أحد بفضل أصوات الحفلة الصاخبة.

فهجم عليها محاولا تقبيلها وأخذت بالصراخ فيه تنهره

ولكن يدا امتدت وانتزعته وصوتا نطق بسخرية بالغة :
- اخص عليك ياعمرو
ولكمة استقرت تماما بمنتصف وجهه وغاب عن الوعي تماما تحت أقدامها
كحورية ظهرت من العدم بردائها الذهبي المثير وخصلات شعرها الماجنة تتطاير مع النسيم ونظراتها الفيروزية المتوارية خلف القناع المتعلقة بملامحه بإفتتان بالغ فألهبت خياله.

فاقترب منها كفهد يرمق غنيمته ونزع قناعها المذهب وتأمل قسمات وجهها الدقيقة أنف مستدق وشفاة بلون الكرز ممتلئة ولازالت عيناها متعلقة به فقال بهمس أجش:

-عمرو برضه معذور
واحتبست أنفاسها فور أن وقع بثغره على كفها برقة بالغة أما هو فكان دون قناع وعيناه الرمادية تلمعان في الظلام
وتعلقت عيناها بمحياه الوسيم فمد ذراعه واجتذبها من فوق جسد هذا الملقى أرضا ليدور بها بأرجاء الشرفة حتى قادها للداخل راقصا تحت أنغام الموسيقى الصادحة وهي تضحك له بدلال.

وكفت الأنغام عن الصدح وتوقفت أنفاسها وقلبها يخفق كطبول حرب إثر إقترابه من أذنها ليهديها إطراءا قد يعتبره البعض خادشا

للحياء ولكنه أشعرها بأنوثتها الوليدة تحت أنظاره الماكرة وهم بإبتعاد لائق كي لايتهور مثل هذا ال"عمرو" وسط هذا الجمع الحاشد ويحدث مالا يحمد عقباه
فجذبت ذراعه سريعا قبل أن ينصرف وسألته :
- طب مش هتقولي اسمك ؟!
ابتسم لها ونطق بعنفوان كبرياء:
- جاسر سليم

خلعت نظارتها الشمسية الأنيقة ودفعت بها لخصلات شعرها الفحمية ومضت عيناها بنهم تلتهم مشهد الأفق والبحر الممتد أمامها من شرفة شقتها الفاخرة والتي تتوسط قلب الإسكندرية

وبالتحديد صرحها الأعظم
رنين هاتفها لم يتوقف عن الصدح
خبر عودتها للبلاد بعد عشر سنوات كاملة أثار موجة عارمة من المشاعر لدى المقربون منها ظاهرها الترحيب المبالغ فيه من قبل أصدقائها من الرجال،
وصديقاتها إمتعاضهن من ذاك الخبركان مغلفا بدبلوماسية أنيقة
كيف لها أن تترك الأراضي الفرنسية في مثل هذا التوقيت من العام !!

سارت بخيلاء نحو الداخل وهي تتأمل كل قطعة من جسدها الملفوف برداء أسود قاتم يحتضن حناياها بنعومة صنع خصيصا

لها بتوقيع أشهر بيوت الأزياء العالمية فقط ليبرز جمالها فهو ماكان ليزيده شيئا بالمرآة العريضة أمامها
وأمسكت الهاتف وأجابت بصوت هادىء :
أتاها صوت صديقتها المقربة وهي تقول :
- بقى أعرف من الشلة في النادي أنك رجعت وماقولتليش ، ده ماكنش عيش وملح يا داليا.

ضحكت وقالت :

- أنجي أنت حبيبتي وحبيت أعملهالك مفاجأة
ردت الأخرى بإنفعال :
- وأحلى مفاجأة، السهرة عندي الليلة
فحاولت الإعتراض متعللة بالتعب والإجهاد فقالت :
- خلينا بكرة أو بعده أكون ارتحت شوية ضاقت عينا أنجي وقالت :
- طيب ولو قولتلك حبيب القلب ..أو أقصد أخو حبيب القلب بيسهر عندي كل ليلة وأكيد الليلة جاي .ايتس بوكر نايت هتقولي إيه ؟

اتكأت على المقعد خلفها وهمست سريعا :

- زياد بيسهر عندك ،أيه لم الشامي على المغربي
تنهدت انجي قائلة :
- مش عارفة ،في ليلة لقيته جاي مع الشلة ومن يومها
أطبقت شفاها بقوة ولكن صوتها خرج خائنا بدفء ينطق اسمه بهمس معذب :
- طب وجاسر ؟!
فردت صديقتها سريعا:
- تعالي الليلة ونحكي .مستنياكي ، بااااي
صوتها الخائن لازال يتلذذ بنطق حروف اسمه
وقلبها لازال يتألم فقط من ذكر حروف اسمه
وعقلها لاينفك عن التفكير بكل مايخص بماض كان لها مع كل حروف اسمه
تزوج للمرة الثانية منذ ست سنوات.

وانجب للمرة الثانية فتاة صغيرة يقولون أنها قطعة مصغرة من أبيها تماما كطفله الأكبر

ورغم ذلك لم تستطع محوه ليلة من خيالها
حمقاء إن ظنت أنها ستتخطاه يوما وتمضي قدما بحياتها
وكيف لها أن تمضي خطوة وهي تتوعده كل ليلة بأحلامها
أنه سيأتيها يوما راكعا تحت قدمها يطلب عفوها وودها ويعتذر من هجرها

الحظ الليلة حليفه

يكاد يشعر به يرفرف بنسمات الهواء حوله لقد فاز بما خسره أمس مضاعفا
والجمع حوله يأن بألم الخسارة متعرقا، متحفزا للنيل منه ولكنه يشعر بأنه الملك
فأكمل الرهان بتهور واضعا كل مكسبه رهن هوى النرد وفاز
فاز بالرهن ولعبة النرد بل وأيضا بأنظار تلك الفاتنة التي تراقبه بهدوء مثالي طيلة أمسيته المثيرة
والتقت عيناه بعيناها الفيروزية ولم تشيح بأبصارها بعبث المراهقات بادلته النظرة بالنظرة
بل وبهمس خافت لم يفقه معناه حصد جائزته وصافح منافسيه وحمل شرابه ومضى نحو الفاتنة
بخطوات بطيئة غير متعجلة.

ففي قاموسه أصبح للمطاردة مفهوم جديد

عندما تقترب من إمراة اقترب ببطء واختفي قبل أن تلحظ
جلس إلى جوارها وطلب مشروبا كالذى تحتسيه من النادل الهائم بجمالها
فقال مبتسما:
-كنت بتقولي أيه وأنا بلعب؟
ابتسمت له وقالت بغموض :
- دى تعويذه عشان تكسب
اتسعت إبتسامته وهو يقول :
- يهمك أوي أني أكسب ؟

حركت رأسها بخيلاء وتمايلت خصلات الليل الدامس حول جيدها وهي تهمس له بثقة بالغة :

- ما أنا ليا النص
ضحك بصخب وهو يهم بإقتراب عابث :
- النص مرة واحدة
شرابه المسكر بدأ ينال من عقله إذ لم ينتبه للتهديد المبطن بحديثها وهي تتابع بتصميم :
- ويمكن كله
وضع كفه على راحتها الممدوة أمامه وهمس لها :
- وأنا كلي تحت أمرك ، زياد سليم ..ياترى هتشرف بإسمك ؟

أسدلت أهدابها وهي تسحب كفها برقة بعيدا عن نطاق يده

قائلة:
- داليا الزهري
وكأنما صبت فوق رأسه دلوا باردا فأفاق من خدر شرابه وهو يقول عابسا:
- بنت أمين الزهري ؟
ابتسمت له بثقة وقالت :
- أخيرا افتكرت ، متقولش أن قلبك أسود زي أخوك

أهداها إبتسامة مكسورة شاردة ،فلقد كانت عائلته على وشك الإفلاس بسبب من يكون أبيها لولا زيجة أخيه الأكبر التي أنقذت وضع العائلة المادي من الإنهيار

فكيف لا يحمل لها سودا بقلبه؟!
مدت له بيدها تعرض عليه صفحا وهي تقول :
- اللي فات مات ، ولا أيه يازياد؟!
هل تعلم كم هي شهية ؟
بشرتها ناعمة مخملية وردية كالجوري
لامعة كشلال إستوائي
وخصلات الليل تنسدل بدلال بعشوائية لذيذة مفرطة، تحيط
بعينان دافثة فيروزية ترقبان قوله
فهي تعرض عليه صلحا وصفحا ،ولكن مم؟
وهل آذته يوما ؟!!
قبض على كفها وهو يبتسم لها :
- ده عشان خاطر عيونك كله يهون

بمنامة حريرية بلون قاتم وخطوات خافتة تصاعدت رويدا رويدا تجاه حجرتهما

دفعت الباب المغلق واستطاعت رغم ظلامها الدامس رؤيته يحتل الفراش فقط عند المنتصف بجسده الذي لم يشوبه شائبه تخطيه الأربعين منذ عامين
فقط بضعة شعيرات بيضاء غزت مؤخرة رأسه الكث على إستحياء وعيناه الرمادية تلمعان ويبدو أنه غارقا فى بحر من الأفكار المتلاطمة حتى أنه لم يشعر بها
أو هكذا ظنت !!

التفت لها فجأة وعيناه تحمل عتابا من مذاق خاص إذ مد يده ليقبض على ذراعها ويجتذبها نحوه دون أن ينبت بشفه

صمت دافىء
قاس مؤلم
كذلك كان عناقه
ومضي يعاقب تمردها بإقتراب مدروس خطواته ، مهلك
يلقنها أبجدية الإشتياق وعقاب المخطىء
وتلعثمت بهمس
وكأنما دمغت حروف اسمه شفاها
وكأنها لا تدرك من الأبجدية سواها
فأنت بهمس معذب
"جاسر
وكأنما يستمع لها أو يهتم فهو بالكاد ينصت!!

ومضي نحو درسه التالي

خطيئة الهجر والتمرد ونهاية العصيان فلا مهرب
وصباح اليوم التالي كان الفراش إلى جوارها خاويا
وعيناها تبحثان عن أثره وداخلها أملا يتصاعد أن مايمران به من مشاكل دائمة وسوء تفاهم لهو فى حقيقة الأمر سحابة صيف إلى زوال
حال الحمقاوات أمثالها !!
فالعلاقة الزوجية بالنسبة لهن ترضية مثالية
من زوج مثالي مغدور
بسبب طباع الزوجة السيئة
اغتسلت وارتدت ملابس بلون مزاجها وآمالها
وردية!!

بل وأنها ماخطت قدامها أرض النادي الصحي الذي ترتاده من حين لاخر تحت ضغط من آشري التي لم تنقطع عن زيارته يوما واحدا طيلة أعوام ماضية

حتى توجهت لمكتب الإستقبال لتقوم بدفع إشتراكا لثلاثة أشهر متعاقبة
رفعت حاجبيها تعجبا وهى ترقب تقدم تلك المخبولة التي لا تنفك تصطدم بآله أو بشخص ما لدى عبورها صالة الألعاب الرياضية
وهي تتقدم نحوها ملتفتة كل حين
ضائعة لاهدف لها
إن أرادت وصف جاسر وقيمته في حياة زوجته فسيكون ببساطة
المنارة وحجر الزاوية الصلد
رفعت ذراعها تلقي لها بالتحية بإقتضاب وهي تقول لدى إقتراب سالي منها:

-جود مورنينج سالي..أيه اللي فكرك بالجيم؟

ولكأنما أنجزت أمرا عويصا قالت بنشوة :
- دفعت اشتراك تلات شهور ، أنا قررت أغير من نفسي وأحاول أرجع جسمي مظبوط زي زمان
كانت تلك المرة الأولى التي تعترف فيها بوجود خطب ما في شكل جسدها وعليها إصلاحه ولذلك قطبت آشرى جبهتها قائلة
- ماتقوليش أن جاسر اللي طلب منك كده وعشان..
فقاطعتها في التو :
-لا لا لا.أنا قررت أني عاوزه بداية جديدة

هزت رأسها وهي تعيد تقييم تلك الصغيرة التي تصغرها فقط بعامان

يبدو أنها رغم تحكمات جاسر إلا أن بوادر إراده تنبعث على
إستحياء منها لتغيير واقع صاحبتها والبداية جسدها
وقررت أن تقف إلى جوارها دافعة بها للمزيد
دفع الناس للأفضل هذا ما تجيده
لا ترضى إلا بالكمال
إن كانت فشلت مع زياد ففرصتها مع سالي
جذبت ذراعها وهي تقودها ملقية عليها ببضعة تعليمات :
- أولا مافيش أكل نهائى بعد التمرين شرب مايه وبس
ثانيا التمرين الواحد تقعدي عليه نص ساعة وتبدلي ..يالا جو أون
وسخني على المشاية

وقف يتطلع للمشهد الذي لم يختلف كثيرا لسنوات فقط بضعة

أبنية حديثة من طابقين مترامية هنا وهناك
لم تكن بفخامة وحداثة مبنى شركته
أو بالأحرى شركته هو وأسامه فبعد إنفصال زياد عنهما منذ ثلاث سنوات إثر مشاجرة عنيفة أصر فيها الأخير على حصوله على نصيبه من إرث أبيه والإنفصال عن أخويه ،رضخ له جاسر ليس مرغما ولكنه كان واثقا أنه سيحين يوم ويعود أخيه الصغير
وهو فقط متحين لتلك اللحظة وعندها لن يكون الإنفصال أمرا إختيارا أبدا.

بل فقط لن يكون

طرقات صغيرة تعالت فوق سطح مكتبه
هكذا كانت تفعل سكرتيرته درية لدى إقتحامها لغرفة مكتبه على عجاله والعثور عليه غارقا بأفكاره
"درية
أم لثلاثة من الصبية ،أرملة في منتصف الثلاثينيات
اقتحمت مكتبه ذات يوم عارضة عليه سيرتها الذاتية
لم تكن بالثرية ولكنه لمح الإصرار جليا في عيناها للحصول على أي وظيفة أيا كانت بشركته
رغم عدم نشره لوظيفة شاغرة فى الصحف فقرر عقابها بأن تكون
الوظيفة التي تحلم بها سكرتيرته الخاصة.

ومن جهة أخرى هو يحترم كثيرا الأرامل من النساء ممن يسعين خلف رزقهن ورزق أطفالهن

عبس وهو يلتفت قائلا :
-خير ..في إيه تانى يادرية ؟!
وضعت أمامه عدة مقالات وتقارير جمعتها وهي تندفع بكلمات
كسيل العرم:
- وأنا بدور على النت عن أخبار تخصنا يعني من بعيد أو من قريب لقيت المقالات دى ..فعملت إتصالاتي ولقيت اللي كنت شاكة منه صحيح وأن سبب إرتفاع أسهم شركة "السي أم أي".

دي مش صدفة لا سمح الله ولا....

أشار لها بيده ليوقفها قليلا حتى على الأقل لتستجمع أنفاسها
التي أوشكت على الإختناق بسبب إسترسالها السريع بما جمعته من معلومات خطيرة كما دائما تصنف معانيها
ل "درية" مساوىء عدة!!
فهي تظهر دوما متأخرة .

تجعله أحيانا يتلقى مكالماته بنفسه تحت إدعاء بأنها مشغولة بأمر هام وتلك الإتصالات تقطع تركيزها،

كما أنها أجبرته عن الإقلاع عن التدخين أثناء ساعات عملها التي قد تصل لثماني ساعات
فهي لا تطيق رائحة السجائر وقد تدفعها للقيء
وهذا كان تحذيرا ضمنيا وتهديدا مبطنا لما لا يحمد عقباه
ولكنها تمتلك ميزة إستثنائية
لم يجدها بأحدهم من قبل
"نظرية المؤامرة"

هذا ما يقتات عليه ذهنها ويتقد

المؤامرة تحيط بها وبصغارها وأيضا بأعمال "آل سليم"
فولائها أصبح لهم ،ففي النهاية راتبها من يضع الطعام على طاولة تمتد أمام عائلتها الصغيرة ، ولذلك هي دوما تنبش وتبحث عن أية أخطار متخفيه تحيط بهم
وتهب للدفاع عن الشركة كقطة شرسة تحمي أولادها الضعاف
وحتى اليوم أنقذت الشركة من عدة خسائر فادحة أثناء تواجد زياد وبعد إنفصاله عنهم
فالكل يترقب إنفراط عقد آل سليم.

والكل يطمع بما يحققه هذا الإنفصال من مكاسب

والكل يسعى لأن يكون الإنفصال داميا وقريبا
راقبها وهي تعدل وضع عواينتها الأنيقة وتشير له بالقلم لتلك الأرقام التي بات عليه من السهل جدا ملاحظة أهميتها
وهنالك أيضا خبر دخول شركات الزهري مرة أخرى لسوق المال والأعمال عن طريق شراء كمية لا بأس بها من أسهم شركة "سي أم أي" التي يطمح هو للإستيلاء عليها
ولكن من يكون وراء تلك الصفقة ؟!

أمين الزهري توفى منذ عامان والذي يقوم بأعمال الشركة الآن رئيس مجلس الإدارة المنتدب ،شاب غر في أواخر الثلاثينيات

لا يهتم كثيرا بأمر الشركة قدر إهتمامه بملاحقة الحسناوات
فأمين الزهري لم يكن له ولد ،فقط إبنته داليا التي تركته ورحلت
عن البلاد منذ زمن بعيد بعد أن هجرها هو طوعا وبإرادته
لايعقل أن تكون عادت اليوم لتنتقم
كان الإنتقام ليكون ذا معنى إن كان منذ سنوات
ولكن اليوم ، هنالك خطب ما!!

ونظرية المؤامرة التي تسطرها درية من حين لاخر ، بسبب أو بدون ،قد تكون صحيحة جدا تلك المرة

عقد حاجبيه وهو يشمر عن ساعديه قائلا :
- اطلبي من وكيل ينزل البورصة دلوقت بنفسه ويشوف الأخبار أيه
وهاتيلي ملف أعمال الزهري خلال السنة اللي فاتت
وأكملت بدورها وكأنها تقرأ أفكاره:
- بالأرقام وكمان معلومات عن شركة "سي أم اي" وأي صفقات داخلين فيها قريب
رفع لها أبصاره وهو يومىء برأسه قائلا بسخرية :
- الحمد لله أنك مالكيش نصيب فى الشركة كنت زمانك بتقولي أخد نصيبي وأمشي وساعتها كنت هكون واثق إنك هتنجحي وإستحاله ترجعي تاني
نظرت إليه وهي تدرك ألمه وانصرفت بهدوء ولم تعقب.

لقد اعتادت جاسر وسخريته وكبريائه وعناده وأصبحت تفرق جيدا بين حالاته المزاجية المتعددة ولم تكن كثيرة في الواقع

إذ أنه إما يكون مشتعلا بغضب أو غارق بأفكار وعمل لا ينقطع
ومع ذلك فهو ساخر طيلة الوقت وقلما يكون مزاجه رائقا لمزاح أو ماشابه ، ولذلك هي تشفق كثيرا على تلك المسكينة التي
تعلقت بحبال عقد زواجه
اتجهت مرة أخرى لمكتبها وهي لازالت تفكر في مغزى كلماته ،
زياد شاب أخرق، أحمق .
ولد بملعقة ذهبية هو حتى لا يدرك قيمتها
ولم تكن أموال أبيه ولا إرثه
فملعقته الذهبية، أخيه جاسر الذي يهتم كثيرا لأمره ويفسرها تحكما خانقا هذا "الغبي"
الذي كانت لطالما تدعوه سرا بتلك الكنية.

فجاسر "المقدام"

وأسامة "الحنون"
وزياد "الغبي"
وتلك قصة "الشجعان الثلاثة" التي كانت تسردها لصغيرها "أيهم
"ذو الخمسة أعوام والذي يتعلق بفراشها كل ليلة وهؤلاء هم
أبطالها
تود أن يصبح الكبير مقدما والأوسط حنونا والصغير ألا يكون
أبدا مثل ذاك "الغبي"،
وأن يدرك جيدا قيمة أخويه في حياته
ألقت نظرة سريعة على إنعكاس هيئتها على الرخام الزيتوني اللامع، خصلات شعرها مشعثة قليلا والأفضل أن ترتبها،
كما أن سترتها الرمادية الأنيقة والتي تعلو تنورة تماثلها وصلت.

بحافتها لمنتصف ساقها يبدو أنها تعاني لطخة من حلوى "أيهم"

الصغير عند أعلى كتفها عندما كانت تحمله صباحا لحضانته
توقفت عند مكتبها الذي يتوسط بهو الطابق وفكت جديلتها الناعمة العسلية الخامل بريقها لتمشطها
ولكن مشهد تلك البقعة اللزجة ضايقها كثيرا فحاولت تنظيفها
بسائل تنظيف شاشات الحاسوب ولكن لافائدة ،عليها الإستعانة بالصابون!!
التفتت حولها بقلق تعلم جيدا أن جاسر لايغادر حجرة نهائيا قبل الخامسة مساءا والطابق
لايحوي إلا غرفة مكتبه وغرفة
لتخزين الأوراق الهامة التي كانت فيما مضى غرفة سكرتارية
ولكن تغيرات طرأت على الطابق مع تغيير تصميمات الشركة.

الداخلية منذ أن غادرها زياد جعل جاسر يأمر بتجهيز غرفة لأسامة فهو الشريك المتبقي،

ولكن الأخير رفضها مصمما على الإحتفاظ بغرفته في الطابق الثاني وسط بقية الموظفين كما كانت دوما
وبقيت الغرفة شاغرة، ومكتبها الذي يتوسط الطابق ويقع أمام
المصعد تماما وعرضه يزيد عن الثلاثة أمتار هو أقرب ليكون بمنصة إستقبال عما يكون مكتبا في الواقع
خلعت سترتها التي كانت ترتديها فوق بلوزة حريرية زرقاء عارية
الذراعين وتقدمت نحو دورة المياة الرخامية وفتحت صنبور المياة النحاسي
وشرعت في تنظيف تلك البقعة العنيدة.

وتناثرت خصلات شعرها الطويلة حولها وعندما انتهت نظرت للسترة غير راضية بالمرة

فالبقعة قد أزيلت تاركة ورائها بقعة أكبر مبللة بالمياة النظيفة
وإن أرتدتها بتلك الحالة فستصاب بداء الرئة ،على أسوء تقدير
عادت مرة أخرى لحيث مكتبها وقررت رفع سترتها أمام تيار
المكيف الساخن الذي يعلو الحائط خلف مكتبها لعلها تجف قليلا
وقفت لدقائق عدة قبل أن تسمع نغمة مميزة لأذنيها للغاية
تلك النغمة التي تصاحب وصول المصعد للطابق وتنبأ عن خروج شخص منه ولابد أنها "مدام هدى
التي أصبحت منذ أشهر قليلة مديرة لقسم الحسابات بالشركة والتي تعمل فيها منذ أكثر من خمسة عشر سنوات قد صعدت لها
كعادتها رافضة الاستعانة بالساعي حاملة لتلك الأرقام التي طلبتها منها آنفا طلبا لصحبة وثرثرة نسائية عابرة

فقالت دون أن تلتفت :

- تسلم إيدك ياهدهود ،حوطيهم عندك على المكتب
واتبعت ضاحكة بإستهزاء :
- زى ما أنت شيفاني متنشره بالجاكته
لم يظن أنه من الممكن أن يقف يتطلع لجسد إمرأة بتلك النظرة
من قبل ،فهو دائما يغض بصره محترما للنساء من حولة لاكنة تغير
كذلك نظراته
كذلك مدام درية بهيئتها المتزمتة دوما!!
سترتها المغلقة والمحكمة أصبحت معلقة للأعلى نحو تيار جهاز المكيف الساخن وذراعها البض عاري والآخر لا يكاد يراه جيدا
وتنورتها التي كانت فيما مضى لايظهر منها سوى إتساع قرب
منتصف ساقيها لايرى منها سوى ألتفاف محكم حول ردفيها المثير جدا للإهتمام

أما خصلات شعرها العسلية المموجة والمربوطة دوما بجديلة أما

أسفل ظهرها أو أعلى رأسها كتسريحة جدته رحمة الله عليها قد انفرط عقدها واسترسلت خلف ظهرها لتصل لمنتصفه
ولولا صوتها المميز ببحته ،لظن أن جاسر قد عين في غيابه
موديلا تصلح لمجلات الاثارة التي كان يبتاعها زياد فى صغره!!
ارتبكت درية عندما لم تعثر على شاردة صوت من هدى التي ما
أن تراها حتى تندفع بثرثرة ،فما بالها بهيئتها المثيرة للتعجب؟!
فالتفتت على استحياء ووجدته واقفا بشحمه ولحمه يتطلع إليها
بنظرة لم تعلو قسمات وجهه قط عندما كان يراها هي أو أي إمرأة على وجه الأرض من قبل
أخفضت ذراعها فورا وهي ترتدي سترتها التي لاتزال مبتله تحت أنظاره وهي تقول بإرتباك بصوت مرتجف :
- حمدالله على السلامة ياباشمهندس
اقترب منها ولازالت نظرة التسلية تعلو ملامحه الجديدة بالنسبة
لها فخصلات شعره قد استطالت وجمعها بعقدة مطاطية خلف
رقبته كما أنه تخلى عن سترته العملية ليرتدى بدلا منها الجينز
الأزرق الباهت وسترة من الجلد الأسود الطبيعي تعلو تيشرت ناسع البياض

بلل طرف شفتيه وهو يقول بإبتسامة ماكرة :

- إزيك يادرية؟!
تلك المرة الأولى التي يتخلى فيها عن الألقاب الرسمية والتي يحرص على استخدامها مع الجميع والسبب واضح ،
فهيئتها منذ قليل كانت لتكون في غرفة خاصة وليس بهو طابق رئيس مجلس الشركة !!
فاحمرت وعبست وقالت باستياء موجهة له نظرة مؤنبة، إذ كان يتحتم عليه أن يعلن عن وجوده أو الأقرب يغض بصره كما كان دوما يفعل:
- الحمد لله..أبلغ جاسر أنك موجود ولا هتدخل على طول ؟!
هي تصرفه بأدب وبرود ،كان ليشعر بالضيق والخجل فى السابق
ولكنه اليوم وفي تلك اللحظة الاستثنائية
اسند ذراعه على سطح مكتبها وهو يقترب منها وعطره المثير يلفح أنفاسها:
- طب مش هتطلبيلي حاجه اشربها واتطمن منك على الشغل وأخباره ؟!
فرفعت سماعة الهاتف بحزم وهي تملي المتلقي بكلمات معدودة:
- قهوة سكر زيادة فوق يامحفوظ

وضعت سماعة الهاتف وناولته نسخة من الملفات المتأخرة التي

لم يطالعها منذ ثلاثة أشهر كاملة كانت احتفظت بها له صامتة
أخذها منها وهو يغمز لها بعينه:
- على فكرة بشربها سادة دلوقت
وانصرف لغرفة أخيه
ولم تكن هي لتعيد على مسامع "محفوظ" تغير ذوقه
على أية حال ،فهي أم لثلاث وأمر تغيير طلبات المأكل والمشرب
غير وارد لصغارها فكيف برجل ناضج يبلغ أربعين عاما!!
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثالث

العمليات الحسابية جزء لا يتجزأ من حياتها اليومية

مضت نحو المصعد وهي تحمل بقالة تكفى عشاءا وفطورا
لأطفالها وهي تحصي الجنيهات بيدها الأخرى ١٦ جنيه ربع جبنه ،٢٠ جنية ربع بسطرمة!!

mpadsense


كيف ومتى قفزت الأسعار تلك القفزة الجنونية؟!!!

عقدت حاجبيها وهي تفتح الباب وكادت أن تصطدم بالخارج منه
وعادت للخلف خطوتين و لولا أنه أسرع ومد ذراعه نحوها لكان نصيبها حتما سقطة مهينة من فوق الدرجات العريضة تحت ناظريه
عبست بشدة فى وجهه وتمتمت بحرج شديد :
- متشكرة يا دكتور نبيل
تنحنح قائلا بحرج هو الآخر :
- أنا اللي آسف زقيتك منغير مقصد كنت مركز فى حالة مريض كده شغلاني.

ولمح بفطنته خطواتها المتقافزة نحو المصعد فقال :

-آسف مش هعطلك أكتر من كده
ودون أن تلتفت له مرة أخرى قالت :
- معلش أنت عارف الولاد بيبقوا قاعدين لوحدهم
ووقف هو يتطلع اللمصعد المغلق إثرها يتابع بعينيه تلاحق
الأرقام المضيئة على شاشته ونسي تماما حالته التي تنتظره في المشفى ،
منذ أن انتقل للعقار منذ خمس سنوات وشغلته تلك المرأة التي تعيل بمفردها أسرة مكونة من ثلاثة أطفال أشقياء..أشقياء جدا.

فى الواقع ، بل الصغير وحده.

متذكرا حوادث الصغير المتتالية آخرها حريق أشعله بمراب
العقار منذ شهران تقريبا عندما كان يجري تجربة على سرعة
إشتعال الحرائق بكميات مختلفة من الجازولين
أما الأوسط فصبي يبلغ إحدى عشر عاما معتدل في الطول معتدل في الهدوء
والكبير البالغ ستة عشرة أعوام أكثرهم هدوءا ورزانة كأمه بالضبط
وهو الأعزب الذي أصاب الأربعون كرمح لا يخطىء فوصل مداه بل وتخطاه بثلاثة كاملة
مكتفيا بمهنته السامية وبنجاحه وبخطبة وحيدة أثمرت عن ستة
أشهر لا أكثر بعدها هجرته لآخر أكثر مالا وسطوة

صوت التلفاز أثار استياء الجارة في الشقة المقابلة

علمت ذلك فور تطلعها لملامحها المنقبضة والغير راضية بالمرة
بل وأنها حاولت مخاطبتها ببعض كلمات الأسف التي أصبحت
تبتلعها كل صباح ومساء فلم يصل لسامعي جارتها والسبب
صوت المذياع الذي انضم للحفلة المسائية التي يقيمها صغيرها
دفعت الباب ووضعت أكياس البقالة بعنف ومضت نحو لوحة
المفاتيح التي تتحكم بكهرباء المنزل وأطفأتها بحسم
فغرقت الشقة في ظلام دامس.

وبعد لحظات اصطدمت عيناها بضوء المصباح اليدوي المنبعث

من كف صغيرها وهو يكتم ضحكاته فتقدمت منه غاضبه ونزعته
من يده ووجهته نحوه وهي تقول بغضب بالغ:
- أنا كل يوم أرجع ألاقي المهرجان ده شغال!!
رد صغيرها :
- وأنا أعملك أيه أنت اللي بتتأخري وبحس البيت فاضي منغيرك
تهدلت كتفاها بتعب ونظرت إليه ولملامحه المشاكسة تماما مثل أبيه
بارع وبشدة في إشعارها بأن الخطأ خطؤها بالأساس.

والذنب كان ذنبها بالأصل

بل وعليها تقديم إعتذار فوري وحاسم
فرفضت بعند تلك المرة وقالت :
- فين أخواتك؟
أجاب متبرما :
-عمرو في الدرس وحسين حاطط السماعات في ودنه ونايم
تركها ومضى فى الظلام يتحسس طريقه :
- حضرتلك الغدا مع عمرو ..اتغدى هوا قبل ماينزل مع حسين

وأنا قلت أستناك ،بس كنت غلطان

تمالكت ضحكاتها المختلطة بدموع الذنب وهي تراقب رحيله
الغاضب نحو غرفته وهي تفكر
"بل هو أبيه "
أغلقت التلفاز والمذياع وتحسست بقية الأجهزة تحسبا وبعدها
أعادت المفاتيح لوضعها وعمت الأنوار أرجاء شقتها الواسعة
الغرف كلها مضاءة حتى حمام الضيوف!!
فصغيرها رغم شجاعته وحماقته اللامتناهية يرهب الوحدة كأي طفل في عمره،
دخلت غرفته التي يتشاركها مع أخيه الأوسط وهى تخاطبه :
- ماتزعلش يا أيهم ..يعني عاجبك كل يوم أرجع الأقي طنط اجلال مقبلاني بالشكل ده؟

جعد أنفه بحركة صبيانية مشاكسة :

- وأنا مالي بأم أويق دي عنفته سريعا :
- ولد!! أتأدب ..مايصحش تقول عليها كده
ظل عابسا بل وصمم على مزيد من التجاهل همست وهي تقترب
- اللي خلف مامتش ،طالع عنيد لأبوك
جذبته بحنان وقبلته بدفء وهي تعبث بخصيلات شعره الغزيرة الناعمة قائلة:
- أنا هروح أتشطف وناكل سوا
واطمأنت قبل أن تخرج على الآخر الغارق بسبات نوم لا ينتهي

إثر كل مباراة قدم يشترك بها فريقه ورفعت في طريقها للخارج

ملابسه المتسخة التي ألقاها بإهمال
وقبل أن تخلع ملابسها قامت باتصال هاتفي مع والدة صديق
إبنها الأكبر والتي يقام فى منزلها درس الرياضيات لتطمئن على ابنها

أن تفقد الأنثى إهتمامها فجأة بالرجل

فهذا يعني أنها قد توقفت عن حبه
بل ربما كراهيته أيضا منذ زمن بعيد
ولكنها لم تفقد إهتمامها به قط ولا توقفت عن الشغف به وبكل تفاصيله
حتى أنها وبعد مضي الساعة لازالت تنتظره بالشرفة
تفتقده وتشعر بالقلق البالغ عليه
ولكن كبريائها أو بالأصح بقايا كبرياء استقرت داخلها تمنعها من
أن تفعل وتريح على الأقل قدميها
ولاداعي لذكر العقل الذي توقف عن العمل منذ أن تخطت
الساعة منتصف الليل بكثير فالقلب قام بالمهمة على أكمل وجه

ومر بخاطرها كل الظنون والمساوىء اللعينة التي قد تصيبه أثناء

غيابه ،وطرقت برأسها للمرة الألف ربما لهاتفها الساكن فوق الطاولة تراجع إشارته وصوته
إذا مالذي يمنعه من الإتصال والنزول من عليائه قليلا ليتصل بها ويطمئنها عليه؟!
" لو إمكانها الإتصال به كما كانت تفعل بالماضي
الماضي الذي يعد بالنسبة لها ماض سحيق يعود ربما لأول سنة من عمر زيجتهم
كان أحيانا كثيرة يقابل نوعية تلك المكالمات القلقة من جانبها.

بشيء من النفور حيث أنه لم يعد طفلا صغيرا

ولكن الأمر أضحى تبرما واضحا لإضاعتها وقته الثمين بتلك
الأسئلة الفارغة التي لا معنى لها سوى أنها تعاني من فراغ وضيق أفق بين وتوقفت عن الإتصال به
"فقط للطوارىء"
كانت تلك كلماته بالتحديد عدا ذلك لن يرد عليها
وماهي الطوارىء بالنسبة له سوى مكروها أصاب والدته المصون
أو أحد الأبناء بعيد الشر
أو هي .."قالها على إستحياء"

وربما كان داخله ذيظن أنه لا مانع هكذا توقن

وهكذا توقفت عن الإتصال به
حتى في الطوارىء
التي حدثت مرة أو اثنتان وتكفلت الجاسوسة نعمات بالإتصال
إذ وقع سليم من أعلى الدرج مرة كلفته شقا أسفل ذقنه ومن ستر
الله لم يكن ظاهرا للأعين ولكنه كان في نظره جرحا بليغا مهولا ،جرحا يجسد تقصير وإهمال منها
هكذا كانت هي دوما المقصرة بحق أبناءه ،أمه وهو ..
الجميع باختصار!!

وعاودت النظر للهاتف مرة أخرى

وأبدا هي لن تتصل به
ولكنها ستظل واقفة لساعة أخرى ربما تنتظره وبعد أن يعود
ستتظاهر بالنوم كما كانت تفعل منذ أسبوع تقريبا
فبعد أن تحسنت الأجواء نسبيا بينهما وشعرت سوسن خانون
بتلك الهدنة المؤقتة حتى أشعلت حربا جديدا معها
وكالفراشة الساذجة التي تنجذب للهب مرة بعد الأخرى
وقعت بشرك مؤامرتها التي لا تكف عن اللجوء لها
افتعال مشكلة ما ،تتطاول فيها عليها بالإهانات
فلا تسكت سالي ولا تنتبه أنها دوما تختار توقيتا مثاليا يكون
فيه جاسر على وشك العودة والدخول للمنزل ليرى أمه بهيئة.

أقرب للإغماءة وزوجته وقد اشتد غضبها واحمر وجهها وصوتها يهز أركان المنزل الواسع ،

ولكن تلك المرة كانت سوسن خانون تمادت هي الأخرى
بالسباب والإهانة حتى طالت ذكرى أبيها المرحوم
فاندفعت سالي بسباب مماثل لها تلك الشمطاء
لم يكن سبابا بالمعنى الحرفي ولكنها فقط قالت أنها لن ترقى
أبدا لتكون إنسانة حتى تسب ميتا لم ترى منه شرا قط ولمحت في عيناه رفضا وتخاذلا.

فلا هو أسكت أمه التي تمادت بالسباب في حضوره

ولا هو واساها بعدها
بل تلك النظرة المخزية التي تخبرها أنها خذلته
اللعنة عليه وعلى أمه وعلى خذلانه الوضيع
كادت تلملم أشياءها
فلا بقاء لها في منزل تحت سقفه أهينت ذكرى والدها الحبيب
وكانت على وشك أن تجمع ملابسها وترحل للأبد
ولكنها توقفت وكفت عن جمع الملابس بل ورتبتهم من جديد
في هدوء بالغ وبديناميكية شديدة أعادت كل شىء لمكانه.

وكأنه كان بداية حريق أسقط فوقه دلوا مملوءا بماء بارد وانطفأ

عندما همست لها نفسها الجبانة أنه أبدا لن يأتي ليسترضيها
وسيتركها فى بيت أهلها حتى تتعفن
وكرهت نفسها وكرهت تلك حقيقة
وبقيت
ونفسها تواسيها أن في بقاءها غضبا أشد لتلك الشمطاء
فإن رحلت فهذا معناه أنها قد انتصرت عليها
ولاتدري متى تحولت من إنسانة هادئة خجولة مطمئنة لتلك التى
تترصد المضايقة والإنتقا ؟
حتى لو كانت خاسرة فهي رابحة طالما الطرف الآخر خاسر مثلها
متى فقدت طمأنينتها؟

متى فقدت سلامها النفسى ؟

متى تحولت نفسها الحلوة لتلك المرة
بل والسؤال الأهم متى ستسعيد صفاء روحها ونقائها ؟!
وهل كان يستحق ؟
أكان جاسر يستحق تلك التضحيات؟

في الصباح تكون أكثر نشاطا

أكثر تقبلا لمعطيات الحياة
وكأنها تعاهد نفسها على البدء من جديد رغم كل الصعاب
رغم كل مامر بها
فقدانها لأمها وهي طفلة فى الثانية عشر من عمرها قدر ماكان
قاسيا قدر ما لقنها درسا بقيمة الأشياء والأشخاص في حياتها
ويوما بعد يوم يزداد نضوجها وتقل حاجتها للناس من حولها
منذ إصابه والدها بوعكة صحية شديدة العام الفائت أخذت
تمرن نفسها على تلقيها خبر رحيله عن الحياة لتصبح بعدها وحيدة تماما دونه
نعم هي أحيانا تشعر بالوحدة.

بالرغم من أنها زوجة وبامتياز خمس أعوام مرت

لكن اليوم وتحديدا تلك الساعة المبكرة من هذا الصباح
وهي ممسكة بهاتفها وشاشته تحمل صورة واضحة لملامح
زوجها وهو يغازل أخرى فاتنة لم تكن تجهلها فالكل يعلم من تكون
"داليا الزهري "،
أيقنت بالفعل أنها وحيدة

"عملت أيه يا مجنونة ؟"

لم تلتفت لصراخ صديقتها المقربة منها وقالت بسأم:
- بعت الصور لمراته
قفزت إنجي من على الكرسى الممدد تحت أشعة الشمس
وجلست على طرفه لتقترب من صديقتها التي وبالرغم من جمال
بشرتها إلا أنها تصر على صبغها بلمحة برونزية قائلة :
- ليه ؟كده زياد ممكن يبعد عنك
خلعت نظارتها الشمسية ومالت قليلا ناحيتها وقالت بنفاذ صبر:
- ومين قالك إن زياد يهمني ؟!

شعرت أنها تتوه في مخطط صديقتها بالرغم من أنها كانت سابقا من تحركها بترتيبات لم يكن لعقلها قبل بها

- داليا بجد أنا مابقتش فهماك
ون الهاتف ليقاطعهم فنظرت فيه قبل أن تناوله لها قائلة :
- ده زياد ..أكيد آشري ماسكتتش
تناولت منها الهاتف وألقته في حقيبتها بإهمال فرفعت إنجي
حاجبيها بتعجب :
-كمان مش هترد عليه
وضعت نظارتها من جديد وأجابتها بهدوء :
- توء

وأطلقت بعدها ضحكة عابثة عندما تلقت ملامح الخيبة والتبرم

المرسومة بدقة على وجه صديقتها وقالت لها :
- الصبر يا إنجي ..كل شىء في وقته

استيقظ متأخرا على غير العادة فرغم تجاوز عدد ساعات عمله

مؤخرا للعشرون ساعة أحيانا إلا أنه كان يحافظ على موعد استيقاظه بعد شروق الشمس بقليل يتريض لنصف ساعة في
حديقة القصر وبعدها يتناول فطوره ويستمع
ربما لشكاوى المحيطين به
بدءا من صغاره لأمه ،أما زوجته فتكتفى بسلخه بنظرات غير راضية
وأن أمن نفسه ضد هجمات عيناها سيظل فراشه البارد بها أو دونها دليلا دامغا على توتر العلاقة بينهما
إلا أنها في الآونة الأخيرة أضافت لمجموعتها أداة تعذيب جديدة
يراها من خلال إنعكاس مرآة سيارته كل ليلة وهي تنتظره في
الشرفة لوقت متأخر وعندما يهم بالصعود لغرفتهم يجدها وقد
تمددت فى الفراش متظاهرة بالنوم ، وفي الصباح تهمل حضوره كليا!!

واصبح لا يرى منها إلا ظلا غاضبا يتبعه طوال النهار ويلقي له بنظرات نارية ، فلا يجد سوى بحر العمل ليغرق فيه هربا من ضيق صدره وغضبها المفتعل دوما

لقد وبخ أمه كثيرا لتطاولها على ذكرى حماه رحمه الله ،فهو
برغم كل شيء إلا أنه يحمل ذكريات طيبة لهذا الرجل الرائع ويحترمه
وأحيانا يلقى على مسامع صغيرته سلمى حكايات عن جدها الحنون
ولكن سرعان ما وأن عالجته أمه بعيون دامعة واعتذار صادق عن
آلامها وماتسببه الأدوية التي تتعاطها.

ضيق خلقها مؤخرا بسبب

من تعب بالغ بالاضافه لمرضها الذي لابراء منه
تلك الآلام التي يقف عاجزا أمامها ويرقب أمه وهي تارة تحاربها وتارة تستسلم لها
بإختصار إنها تذوي أمامه وبالبطيء ، بينما هو مكتوف الأيدى أمر قاتل
ومع كل ماتمر به أمه من معاناة مع مرضها العضال يجد زوجته
دوما سريعة الغضب والإشتعال في كل مايخصها ، ويبدو أنها لاتقدر مطلقا حجم تلك المعاناة
مما يشعره بأنها ببساطة خذلته.

صرخة شقت سكون القصر بعد إنصراف الأبناء لمدرسهم

"ألحقنى ياجاسر بيه"
- ماتقلقش شوية تعب بسيط.. هنغير بس فى بروتوكول العلاج وهنتابع
هكذا كانت كلمات الطبيب قبيل إنصرافه ولكنها بالتأكيد لم تنجح في تهدئته
تغيير نظام العلاج ليس له معنى سوى بأن مرض والدته انتقل لمرحلة أكثر تعقيدا وخطورة
رغم العملية الجراحية الناجحة على عكس كل التوقعات التي أجرتها منذ عام
قابلها أخيرا وجه لوجه غير متشبثة بنظرة عبوس ولا متظاهرة بنوم
عميق تقف أمامه ،ترتجف بشبه إهتمام
-"هيا عامله إيه دلوقتي ؟ "

وبسخريته المريرة رد :

"لو تهمك أوي ادخلي اسأليها واتطمنى عليها "
زمت شفتيها وقالت :
- طالما أنت عاوزكده
عندها قاطعها بغضب بالغ ،غضب استعر به ،
كلا ،فهو لن يطلب شفقتها على أمه
- لاء ،أنا مش عاوز كده ...لكن لو يهمك أدي الأوضة وأدي
الباب...اكبرى ياسالي أنت مش لسه عيلة صغيرة
تحرك من أمامها لأنه كان يعلم جيدا أنه لاجدوى للحديث وأنها
أبدا لن تطرق باب الغرفة وتدخل لتطمثن عليها كما تدعي الاهتمام
وهو كان غير راغب بذلك المشهد

نظراته لم تعجبها ولم تعجبه على حد سواء

مااله؟ !
يتطلع إليها كأنها آخر إذمرأة على ظهر الكون
وهو الذي كان ساكنا في محراب زوجته الراحلة حتى بعدما توارت تحت الثرى
عدلت عويناتها مرة أخرى وهي تحدث نفسها "هكذا هم الرجال، يدفنون الوفاء بقبور زوجاتهم "
ثم تابعت بصوتها الرخيم الهادىء :
-"أنا بقترح نعجل بالشرا حتى لوكان التمن مبالغ فيه وإلا هنخسر أكتر بعد كده"
وضعت القلم في إنتظار لرد فعل من جاسر الصامت على مدى
ساعات النهار متجاهلة تماما تعلق أسامة بقسماتها واعتبرته اليوم
كليا ،فقد عقله بعد رحيل زوجته وابنته الوحيدة
بل منذ عودته مجنون

وليس على المجنون حرج

"أنا أول مرة آخد بالي من لون عينيكي "
عبارته شقت الصمت المخيم على الأجواء
وكانت ببساطة تأكيدا على ذهاب عقله
أيغازلها الآن ؟!
هل ارتقت أفعاله الصبيانية منذ عودته لغزل صريح وبحضره أخيه الأكبر ؟!
وضع هو الآخر قلمه بعصبية شديدة فيما كانت هي تجمع أوراقها
المتناثرة على سطح طاولة الاجتماعات العريضة متجاهلة تماما ملاحظة أسامة الوقحة بنظرها،
شكرها جاسر بنبرة عملية مؤكدا عليها الأخذ بنصيحتها قيد
الإعتبار وهو يصب نظراته الغاضبة والمرهقة على أخيه الأوسط
الذي كان يخرج سيجارا رفيعا ويشعله في برود تام

- على فكرة ماما تعبانة أوي تلك العبارة كانت

" كفيلة بإخراجه من عزلته الباردة التي كان يعتنقها من حين لاخر
- مالها؟.سأل بإهتمام
رمقه جاسر بنظرة لائمة وهو يقول :
- الدكتور بيقول أن الموضوع نفسي أكتر ومع ذلك هيغير العلاج
وأردف :
- وأنت بطلت تسأل عليها أو تزورها
همهم بإعتراض :
- ما أنت عارف
- أيه ؟ الشغل ولا لون عيون درية !

ما أقساها سخريته ، كسوط يمر فوق ظهره يجلده

وما أبغضها أنانيته ،
انغمس بنفسه وجروحه ونسي المحيطين من حوله ،
لقد أشفق على زوجته الراحلة من تحمل ويلات مرض أمه
وكالعادة قام جاسر بتولي الأمر الذي انعكس سلبا على حياته
واستقرارها ومزاج زوجته الشابة ،
مكتفيا بزيارات متقاربة من حين لاخر وسؤال متصل ولكن بعد مصابه الأليم
انعزل بحياته وتخلى عن مسؤلياته تجاه أمه
وكم هو مر مذاق ، التقصير بحق من نحب ونهتم
- هعدي عليها النهاردة

-آشري إيه المفاجأة دي

- أتمنى تكون مفاجأة لطيفة
-أكيد ..طبعا يل بيبي .هاه تحب أطلبلك إيه ؟
مافيش داعى يازياد ..أنا بس حبيت أسلم عليك قبل ما أسافر طيارتي كمان ساعتين
عقد حاجبيه بتعجب بالغ وقال بسخرية مريرة:
-لا والله وفجأة كده قررت تسافري وأنا إيه آخر من يعلم؟!
نظرت له بهدوء ،لم يتغير قط هي فقط أصبحت تراه الآن أفضل من أي وقت مضى :
- هوا فعلا حصل فجأة بابا تعبان شوية والتحاليل مش كويسة.

أوي حجزتله متابعه مع الدكتور بتاعه في ألمانيا ..الموضوع تم

بسرعة وماكنتش عاملة ترتيب وقلت أهي فرصة
قام واتجه نحوها وهو لازال عاقدا الحاجبين يود استكشاف ما
هيئتها المثالية الباردة وهي متمسكة بقناع جليدي أعلى
قسماتها قائلا بتمهل :
- فرصة لأيه بالظبط؟
اقتربت منه وهي تعدل من ربطة عنقه قائلة بصوت خافت :
- اتطمن على بابا بنفسى .المهم ..خد بالك أنت من نفسك
ابتسم وقال :
- ماتقلقيش عليا
طبعت قبلة أعلى ثغرة فجأة وتركته بعدها مترنحا من أثرها ورحلت
رحلت ولم يرى سوى ظلها يتخافت رويدا رويدا مع رحيلها
بل ولم يرى دمعتها الحبيسة بعيناها والتي توارت خلف نظارتها الشمسية القاتمة.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الرابع

يكاد حرفيا يقتله

ذاك الجنون الغاضب الذي يعتمل بصدره
وأنفاسه الحارقة بدلا من أن تمده بالأوكسجين
تخنقه!!

حل قليلا ربطة عنقه التي يلتزم بها لآخر النهار وهو يتطلع مجددا

لصورة أخيه الأصغر الضاحك برفقة أحدى بطلات ماضيه المشحون
وتأملها لقليل من الوقت لم تكن نظراته عابرة
عشرة أعوام مضت بل إحدى عشر ليكون أكثر دقة
لازالت كما هي بل ربما ازدادت جمالا وقسوة
خصلاتها الطويلة ربما تقاصرت للنصف.

لكن عيناها الفيروزية لازالت تتمتعان بالغموض الذي لا يخبو مع مر الزمان بل يزداد تألقا

ورغم ذلك استطاع قراءة ماورائها بقليل من الجهد فمنذ ثالث
لقاء لهما أفصحت عن حب جارف له وعلاقة استمرت أربعة أشهر
ومع ذلك ببرود تخطاها نحو صالح العائلة ،لا أكثر
لم يكترث لقلبها ولا دقاته التي خبتت مع هجرانه لها
ولا لكبرايائها التي سحقها هو بعنفوان تام
تحت مسمى كبريائي الأبقى والأعلى شأنا
ففارق العمر بينهما كان يصل لعشرة أعواما كاملة
ولكن لم يكن هذا العائق الوحيد بينهما،

بل كان والدها "أمين الزهري "

الذي كان يسعى لسحق اسم "آل سليم "بكل ما أوتي من قوة لتكون له اليد الأعلى.
والان عيناها تتوهج نحو أخيه الذي يصغره بخمسة أعوام، النسخة الباهته منه
مشاعره كانت أبعد ما تكون عن الغيرة
ولكنها كانت ثائرة
فهو يعلم أخيه تمام المعرفة
غر ، ساذج، أهوج
وسيندفع نحوها مقدما لها كل القرابين التي يمتلكها و لا يمتلكها على حد سواء
وأعظم قربان قد يقدمه،
زواجه الذي أصبح على المحك
فمن أرسل لهاتفه تلك اللقطة التي تجمع بين العاشقين ،لابد.

وأنه قد تكلف العناء وربما أقل قليلا نحو هاتف آشري

يحتاج للذهاب للمنزل وصب الماء البارد فوق راسه ربما تمكن
بعدها التفكيير بعقلانية لحل تلك لأزمة
فالحديث الودي الناصح مع أخيه لم يكن يوما فرضية مطروحة
ولكن قبل أن تتحرك خطواته نحو الباب ليغادر الشركة فاجأته
درية بإقتحام مدوي بدقات كعبها الصارخ وهي تقول بإنفعال حانق :
- للأسف أتأخرنا كتير أوي ..مجموعة الزهري سيطرت على كل الأسهم
لمعت عيناه واشتدت قبضته على زر ياقته وهو يغمم لنفسه
-إذا فهي الحرب !

الحظ يبتسم له مجددا

فجميلته دعته لأول مرة في منزلها الخاص
ولديه الليل بطوله ولربما استطاع إقتناص المزيد من ساعات
النهار الأولى ،وزوجته قد سافرت صباحا ولن تعود حتى مرور أيام أو ربما أسابيع
قبض على ذراعها وهي تتجه نحو الطاولة المستطيلة لتجهز له مشروبا منعشا وهو يحادثها لائما :
- مابترديش على مكالماتي ليه ؟

عبست له وقالت بدلال لم تتصنعه

فهو يمتزج مزجا بدمائها المتحركة :
- زياد أنت عارف أنا مشغولة أد إيه في الشركة والزفت المندوب مبهدل الدنيا
جذبها إليه وهو يقول :
- حبيبتي أنا تحت أمرك قوليلي اللي نفسك تعمليه وأنا أساعدك
ازدادت خطواتها نحوه بإقتراب مهلك وعطرها يلفح أنفاسه قائلة برجاء:
- بجد يا زياد هتقف جمبي وتساعدني؟
هتف بها بشوق :
- طبعا في أي حاجة ،أنت تشاوري بس
طوقته فجأة وهي تهمس له :
- ربنا يخليك ليا
شعرت بإشتداد قبضته فوى خصرها وحركات جسده المتطلبة نحوها
فتملصت منه بنعومة معنفة إياة بدلال بضحكة.

مثيرة :

- زياد وبعدين معاك
نظر لها كطفل خائب منعت عنه حلواه وهو يقول بتأثر :
- اعمل إيه معاك بس ؟
جذبته ليجلس وهي تقدم له شرابه قائلة :
-احنا هنقعد سوا نشرب ونلعب وبعدين ..
صمتت تاركة المجال لتخيلاته فقال بمكر وهو يتأمل هيئتها
المتواضعة التي لم تكن تنبأ عن نوايا مثيرة من ناحيتها
جينز باهت يحيط بساقيها المثيرة جدا للإهتمام فوقه تنسدل
بلوزة قطنية بسيطة بلون أزرق قاتم ووشاح مزركش يحيط برقبتها
وخصلات شعرها مرفوعة بمطاط صغير لا شكل له
وبعدين إيه ؟!

دفعت له بالشراب ليتجرعه ، شرابا مخلوطا بمسحوق "سحرى" كما اعتادت تسميته

قائلة بمكر مماثل :
- بعدين دي هتعرفها من نهاية اللعبة
اقترب منها وهو يصب لنفسه كأسا آخرا وهو يقول :
- لعنة إيه ؟

أمسكت بورق اللعب وهي تقول له بحرفية تامة :

- هنلعب بالورق .واللعبة جولات واللي هيخسر جولة ...
صمتت وحدقت بعيناه وهي تعض على شفتيها فأرسلت
القشعريرة بخلاياه فقال بإندفاع :
- يعمل إيه؟

أسبلت عيناها الفيروزية ولمست بخفه يده القابضة على كأسه وقالت بصوت دافىء :

- يقلع
ولكم كانت لعبة رائعه بنظرة فهو يود وبشده إستتكشاف جسدها
القابع تحت تلك الهيئة الفوضوية المثيرة
وضع كأسه بحماسة وهو يقول :
- وأنا جاهز
لمعت عيناها بنصر وهي تجهز الطاولة كالصياد الماهر ألقت
الطعم ووقعت الطريدة بالفخ الذي نصبته لها
كالعادة استغرقت بعملها على الحاسوب وتناست الوقت الذي
كان يمضى سريعا خلف إنصراف جاسر هو الآخر

تطلعت لعقارب الساعة شاهقة لقد تجاوزت السابعة بقليل

فلملمت أوراقها وأغلقت الشاشة أمامها وارتدت حذائها المطروح أرضا إلى جوارها
وسارت بخطى مسرعة نحو المصعد وعندما فتح الباب تطلعت لوجهه بدهشة بالغة فابتسم وقال :
- سحبت الأسانسير قبل ما أضغط أنا عشان أنزل.

هزت رأسها وقالت :

- خلاص اتفضل حضرتك
وشددت على كلمة "حضرتك" فضاقت عيناه ومد يده ليمنع انغلاق باب المصعد
وقال بتوتر:
-أركبي يا درية أنا مش هاكلك
عقدت حاجبيها بغضب ،أيظن أنها حتى
تخشاه ؟!
مضى يتطلع لقسماتها العابسة فقال بخفة :
جاسر مشى ؟

ردت بإقتضا :

من ساعة
عقد حاجبيه وتوقف المصعد وفتح الباب فهمت بالخروج مسرعة إلا أنه اعترضها قائلا :
- وأنت إيه اللي مقعدك كل ده ؟
رفعت عيناها إليه فبرغم أن طولها يتجاوز المائة وستون سنتيمترا إلا أنه كان يفوقها بكثير
وقالت بحرفية بالغة :
-كان عندي شغل
كان لازال يحملق بها عابسا وهو يقول :
- ومين اللي قاعد مع الولاد دلوقت ؟

ردت بتهكم ضائقة ذراعا بمحاصرته له بالكلمات والنظرات

الغير مفهومة:
- مافيش حد ولذلك بعد إذنك مضطرة امشي بسرعه قبل ما يحصل حاجة لا قدر الله
استبق خطواتها المسرعة وهو يقول :
- هوصلك هكذا ،
انصرف وهو يلق لها بهذا الأمر ببساطة وكأنما عليها الطاعة فقط لاغير !!
حملقت بأثره وقد اشتاطت غضبا وصممت على تجاهله
كان قد انصرف لسيارته الرياضية الفارهة ذات اللون الأحمر.

الصاخب إحدى مظاهر التغيير الغير مفهومة التي طرأت عليها

فهو كان يعتنق سيارة رباعية عائلية لمدة تزيد عن الخمس سنوات
وتوقفت جانبا في إنتظار لظهور مؤجل لأحدى سيارات الأجرة
الشاردة والتي قلما تجود الظروف بها في مثل هذا التوقيت
توقف بالسيارة أمامها محدثا عاصفة ترابية محدودة وهو يقول.

بنفاذ صبر :

- رقم واحد مش هتلاقى تاكس السعادي ،رقم اتنين لو لقتيه ٩٠ هيكون شارب ومتنيل ، فاركبي أحسن يادرية وبلاش عند
عقدت حاجبيها وهي تحدق بهيئته ،إنه يصرخ بها آمرا إياها بتنفيذ ما قد ألقاه على مسامعها آنفا والأدهى أنه محق
فهي حقا تخاطر بإضاعة المزيد من الوقت في إنتظار اللاشيء.

وقد يظهر هذا اللاشيء ولكن قد يحدث مالا يحمد عقباه

كانت تغلي وتزبد ومع ذلك استنشقت نفسا عميقا وهي تفتح
الباب راسمة على وجهها ببراعة تلك الملامح التي تواجه بها
أفعال صغيرها التي تدفعها للجنون في كثير من الأحيان ومفادها "حسابك معايا بعدين"
ولغرابة الأمركاد يقهقه وكتم ضحكته بصعونه
لا يعلم مالذي يكتنفه مؤخرا عندما يكون بمواجهتها ولكن عليه أن يعترف أن الأمر أضحى ممتعا
بل هو في الواقع ممتع لحد كبير.

مكالمة هاتفية واحدة وراء الاخرى تطمئن فيها بصوت رقيق

على أولادها أذاب عظامه وختمت حديثها بضحكة عفوية وهي تقول لصغيرها :
- خلاص يا أيهم ،اما ارجع ،اقعد هادي ومؤدب وماتديقش إخواتك
وضعت هاتفها في حقيبتها وأخير كسر حاجز الصمت المرسوم بينهما ليقول بتعجب ايهم ؟!

قالت يإمتعاض :

- باباه الله يرحمه هوا اللي اختار الأسم
ضاقت عيناه وقال :
- وواضح إنه مش عاجبك أقرت بضيق:
- معناه مجنون قال بمكر:
- مايمكن مجنون بيك
ثم سألها :
- وبقية ولادك أساميهم ايه ؟

ردت بهدوء :

عمرو ١٦ وحسين ١١ سنة
ارتفم حاجبيه بدهشة :
- يااه على كده اتجوزت بدري أوي
توترت شفتاها وقالت بجفاف :
-كان عمري عشرين
حرك شفتيه ساخرا وقال وهو يسترجع لحن الأغنية الشهيرة :
- امبارح كان عمرى عشرين
نظرت له بطرف عيناها وصمتت وداخلها يؤكد لها أنها إحدى.

علامات اللوثة التي أصابت عقله وعادت للتركيز مجددا على

الطريق ثم قالت بنبرة خاوية من أية إنفعالات :
- أنا هنزل آخر الكوبري
ولدهشتها انصاع لأمرها ولم يعترض بعد أن كانت جهزت ردا
صاخبا ونادها قبل أن تترجل برقة قائلا بإبتسامة واسعة :
- هستناك بكرة يادرية

عقدت حاجبيها وأومأت براسها بتعجب وسارت خطوات قليلة وهي تفكر بغرابة عبارته

ولم تكن عبارته غريبه قدر فعلته فما أن ركبت سيارة الأجرة
حتى تبعها إلى حيث منزلها وأعطاها إشارة ضويثة من سيارته
وهو يشير لها مودعا منصرفا وهو يدندن الأغنية الشجية التي كان يهواها

إنها بحاجة ماسة لحمام بارد تصبه فوق جسدها المتعرق جراء جريها لساعة منصرمة

ألقت تحية المساء على طفليها وقبلتهما وصعدت فورا لغرفتها متحاشية لقاء حماتها أو خادمتها
وخلعت ملابسها دفعة واحدة ولفت جسدها الذي تناقص خمس
كيلوجرامات بمنشفة وردية عريضة وتأملت قدها بفخر في المرآة وهي تفكر،
ستستحم وتتناول المشروبات الحارقة التي أوصتها بها المدربة والعشاء "زبادي وثمرة فاكهه"
ولن تفكر أبدا في تناول حلوى التشيزكيك القابعة في البراد

وعندما التفتت لتدخل الحمام كان هو قد دفع الباب ليخرج فصدم حافته جبهتها فصرخت متأوهة

أمسك برسغها سريعا ويده الأخرى تستقر على كتفها العارى
وتأملها بشغف حارق قائلا بصوت أجش :
- أنت كويسة؟!

رفعت أنظارها له بخجل شاعرة بعريها تحت أنظاره المتعلقة بها

وازداد خجلها منها عندما لمحته هو لآخر يلف جسده بمنشفة
حول خصره ولازالت بعض قطرات الماء متعلقة بجسده وخصيلات شعره لم يغيره الزمن قط
فقط هي من ترهل جسدها وازدادت ملامحها عمقا
رمقت عضلات صدره بحسد وابتعدت عنه قائلة بخشونة :
- رجعت بدري يعني.

شعر بنفورها منه فاستقام في وقفته كتمثال إغريقي وقال متهكما

- قلت أرجع قبل ماتقفي تستنيني في البلكونة وتعملي نفسك نايمة أول ما أدخل الأوضة
ازداد إحمرار وجنتها وضمت المنشفة أكثر حولها وهي تتجه ناحية الحمام مرة أخرى قائلة بإتهام :
- ما أنت لو كان يهمك كنت على الأقل اتصلت.

أمسك برسغها مرة أخرى وقال :

- أنت اللى لوكان يهمك كنت اتصلتى
التفتت له بحدة وقالت :
- للطوارىء يا جاسر ،اتصل للطوارىء
اقترب منها ووعيناه تلومانها قبل لسانه:
- وكأنك ماصدقت
تقافزت الدموع لمقلتيها وهي تستنكر :
- ده أنا ولا أنت ؟!!.

هز راسه وهو يردد بإقرار :

- أنا .أنا اللي مهما أعمل مش عاجب
فابتسمت بسخريرة مريرة وهي تغالب دموعها المتساقطة وبصوت خافت متقطع
ردت :
-لا ده هوا ده بالذات ،أنا
مد يده ومسح دموعها بعنف وقال هامسا بقسوة :
- مابحبكيش تعيطي.

رفعت راسها وقالت بعند :

- معاك حق أصلا مافيش حاجة مستاهله عياط
وانصرفت لحمامها وهي تلعن كل شىء
تلعن الصمت المجروح والكلمات الجارحة
تلعن إشتياقها له ونفوره منها
تلعن ضعفها وجبروته
تلعن إحتياجها له وإجتياحه لها
وتلعن بالذات تلك البقعة على كتفها التي باتت تصرخ ألما من أثر فراقها للمسة إصبعه

استيقظ صباحا بصدغ متورم جراء نومه على الأريكة بغرفة

المعيشة بمنزلها وصداع يكاد يفتك برأسه
نادى وهو يدرك أن أنفاسه تحمل رائحة الخمر والزجاجات
الفارغة المتناثرة أمامه خير برهان عليها :
- داليا ..داليا!!

لم يجد ردا قام ومشي بخطى متثاقلة وتعثر في طريقه بسروالها

وبلوزتها الملقاة أرضا فعقد حاجبيه وابتسم بمكر لاعنا تأثير
الخمر الذي حرمه تلك اللذة
فهو لايتذكر تلك التفاصيل المثيرة
اللعنه لقد هجر الخمر منذ زمن طويل عاد فقط ببضع كؤوس من حين لاخر
مضى ينادي بصوت يؤلم رأسه وحلقه :
- داليا ..أنت فين ؟

ولم يجد ردا وبعد مرور الساعة التي أمضها متنقلا بين حجرات

منزلها صب فيها الماء الساخن فوق رأسه وتناول كوب من القهوة
أعاد له صوابه ترك منزلها تاركا لها ملاحظة ماكرة على رأس البراد
"الليلة عندي "

كانت تجلس في السيارة إلى جوار محاميها المخضرم وعيناها

تلمعان بجذل ، وكيف لا وكلماته لازالت ترن في آذانها
"شركة زياد سليم بقت ملكك رسميا وقانونيا "
وهكذا سقط أول بيدق في معركتها نحو الملك
تكاد لا تتخيل رد فعله
إحدى شركات إمبراطورية سليم وقعت في يد الخصم
خصومة امتدت لسنوات طويلة بين والدها ووالده
خصومة ظنت بعقلها الفتي وقتها أنها ستتحول لأسطورة
كأسطورة رميو وجيوليب

غير أن لسذاجة عقلها ظنت أن نهايتها ستكون مختلفة هي بالفعل كانت نهاية مختلفة

إذ لم يختنق جاسر بالسم
ولا هي ابتلعته مضحية بحياتها وراءه
ولكن عوضا عن ذلك اختنقت هي بكبرياء جريحة إثر هجرانه لها ،كأي إمرأة مرت بحياته من قبل
والآن وفي تلك اللحظة بالتحديد تشعر بأنها قد ثأرت لكرامتها
فهي واثقة بأن جاسر إن اضطر فسوف يجوب الأرض إثرها فقط
ليسترجع ماهو له ولكن لكل شيء ثمن

تنحنح المحامى الجالس جوارها وهو يقول :

- على فكرة كده خطر
رفعت حاجبها المنمق ودون أن تلتفت له قالت :
- خطر على مين ؟
أردف بنبرة عملية :
...وعليا ولازم أعرف أنت بتفكري في إيه ؟
التفتت له أخيرا وقالت بجدية: ١
- عليكي
- أنت بتفكر في أيه ؟

رد سريعا :

- جاسر سليم مش هيسكت وهيقلبها عاليها واطيها
له بسعادة بالغة لتقول بحالمية :
ابتسمت
-عارفة ومستنياه
نظر لها بحيرة بالغه وهم ليعترض ولكنها باغتته قائلة بصرامة :
- بكره تروح لزياد ومعاك مذكرة قانونية تأمره فيها بأنه يخلي
مكتبه في الشركة وإني استغنيت عن خدماته

لقد انتصف الليل وأكثر ،وهي لازالت جالسة فى سريرها الواسع لا يسعها النوم

وقد احتلت الأفكار والمخاوف حيزا لا يستهان به من دماغها الذي لا يهدىء لحظة
هي تعلم حق المعرفة بأنها تهرب بأفكارها العملية من التفكيير
فيه وبتصرفاته الغير مألوفة مؤخرا.

تركز بعملها أكثر وأكثر وتغيب بأرقامها عن واقعها

لطالما كانت هكذا دوما تهرب من مشاعرها المحبطة بأي عمل
يشغل يديها ويحتل جزءا يسيرا من عقلها
في الماضي كانت تنشغل بالطهي وترتيب المنزل لتهرب من
التفكيير بمشاكلها التي كانت لا تنتهي مع زوجها الراحل
هذا الوسيم الذى يطل عليها بنظراته الحزينة بصورته التي تحتل الحائط المقابل لسريرها
وقد خلت جدران المنزل وأركانه بالكامل من أي ذكرى له سوى تلك البقعة
لم تكن بطبيعتها إمرأة عاطفية ولا ضعيفة.

كانت عملية لأقصى حد

فهي فتاة وحيدة تربت على يد رجل عسكرى أنف الزواج بعد رحيل والدتها حتى وصلت للثمانية عشرة من عمرها وفاجائها
حينها برغبته بالاقتران بمطلقة تصغره بعشرين عاما قد وقع في غرامها !!
لم تتفهم كيف لرجل وهو على مشارف الستين عاما بأن يقع صريعا للهوى
كيف وهو العسكرى القوي الصارم الذي لم ترى ابتسماته قط إلا
في لحظات نادرة تنطلق قهقهاته كلما تشارك المجلس مع تلك المرأة
كانت غاضبة وحانقة وبشدة.

إذ تمكنت تلك المرأة في وقت قصير للغاية من تغيير حياة أبيها بالكامل

فتحول من رجل عبوس ضيق الخلق عملي لأقصى حد دوما، لضاحك باسم حالم بل ومتفاعل أيضا
حاولت كثيرا تفهم التغييرات التي طرأت على والدها ولكنها لم
تتفهم أبدا رحيلها عن شارعها وأصدقائها والإنتقال لحي آخر بعيد صاخب
وكانت هي الفتاة الجديدة

وبشعرها المعقود وملابسها المحتشمة اجتذبت ناظريه فورا وهو

الشاب العابث الذي أذاب قلوب عذروات الحي
ظل يطاردها لعام كامل ولكنها كانت دوما تصده وهي تحلم بالسفر لخارج البلاد
تجتهد بدراستها لعلها تنال منحة لإحدى الجامعات الأجنبية
وعندما نالتها أخيرا وقف أبيها في طريقها مانعا إياها من السفر وتحقيق حلمها ومررت عقابه
ولم تدري بأنها فى الواقع تعاقب نفسها وتعاقب هذا العابث
فوافقت على الزواج منه بعدما مل ملاحقتها بين أورقة الطرقات لتبدا ماسآة من نوع آخر
زيجة كانت فيها هي الرجل قبل الأنثى

لمهندس حالم طموح ولكنه ضيق الأفق فيضيع من يده فرصة تلو

الأخرى ليرحل عن الحياة مبكرا تاركا إياها وحيدة بين ثلاثة
صغار وديون تكبلها لبقية عمرها
ورفضت بإباء أن ترضخ لمحاولات أبيها المستمرة بالتدخل وحمل تلك الأعباء عنها
فهذا يعني أنها تعود مجددا لعباءته التي طرحتها منذ زمن
وفضلت الإستقلال بأبنائها وبمعيشتها متحملة مسئوليتها بالكامل
فضلت الحرية

وهاهو ينال من حريتها بأفكار عبثية وبدقات قلب خائنة

لا تنكر أنها تمتعت بحب زوجها الراحل ولكنها لم تفهمه قط
فكيف لكلمات معسولة وأبيات شعر مرسلة أن تقبض على أوتار إلا بالحب الفعلى وهي لا تومن
الأفعال هي المترجم الوحيد لمشاعر الحب الغامضة
فالإهتمام والعطف فعل والود والألفة فعل والشغف والجنون أيضا فمل
لا تلك الرسومات البائسة التي تمتلىء بهم الصناديق أسفل سريرها
ولا أبيات الشعر التي كتبها فى خصلاتها وعيناها وقدها وسط
دفاتر التى تحتل الرف الأخير من خزانتها
" طرقات ضعيفة تنمو على باب غرفتها فابتسمت بحنان

وهي تقول :

- تعالى يا أيهم
فتح الباب وأطلت نظرات صغيرها حزينة فعبست بشدة وقالت :
- مالك يا أيهم ؟
دخل خطواتان وهو يقول :
- الدنيا شتيت على سريرى
تهدل كتفها وابتسمت له بحنان وقالت :
-كده ،طب تعالى ننشفك وننشف سريرك

فقال بإبتسامة ضيقة خجولة:

- أنا نشفت نفسى خلاص
للساعة جوارها فوجدتها الثانية صباحا وهي فعليا مجهدة
الجسد والفكر فقالت :
- طب تعالى نام معايا وبكرة الصبح أنشف سريرك
نظرت
قفز الصغير مرحبا بدعوة أمه بين أحضانها وهو ينظر لصورة والدة
الباسم ويقول :
- تصبح على خير يا بابا
لأجل تلك الكلمات هي لم تستطع حمل صورته بعيدا
ولأجل تلك الكلمات أيضا هي ستطرد كلمات ونظرات الآخر بعيدا
ويعود هو لظل لزوجته الراحلة أو لا يعود
ولكنها ستظل متشبثة بالذكرى لأجل صغيرها ولأجل حريتها.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الخامس

قد يقع كأسا من الزجاج على الأرض وينكسر أو قد يصيبه شرخا صعب الإلتئام في أحسن الأحوال، ولكن إن كان من الكريستال الرقيق فالنتيجة المتوقعة هي أن يتحول لفتاتا في الحال، وببضع خطوات ثقيلة راقصة ومتواصلة فوقه فالنتيجة هي مسحوقا ناعما ضعيفة ذراته في مواجهة الرياح.


وهذا كان أقرب ما يشعر به، بل أن واقع الأمر قد يفوقه بكثير. فمنذ لحظات غادر مكتبه بشركته أو بالأحرى ما كانت يوما شركته، جبرا وقسرا وبدفع من أيدي رجال أمن مستأجرون فهي الآن ملك ل "داليا الزهري" بعقد بيع وشراء وبتوقيع صريح وسليم منه.


ضحك بسخريرة مريرة

سليم
زياد سليم
بل جاسر سليم
ضحك حتى تقافزت الدموع من عيناه
وأخذ يصرخ في الهواء وفي المارة من حوله
- غبي ،غبي ،ضيعت كل حاجة ،غبي وعشان إيه ، والله لأوريكى ، يا أنا يا أنت..
كان يسير بخطى تائهة وعقله قد جن تماما
أيذهب لقسم الشرطة ؟

وماذا عساه أن يخبرهم لقد باعها شركته ولم يقبض ثمنها

لا بل أخذ الثمن فهذا ما أخبرته به تلك المتحذلقة بالهاتف
لقد كانت جولة مثيرة فقط هو من أثقل بالشراب فلم يدري متعتها وهذا كان الثمن
أم ينطلق لمحامي العائلة ليحلا سويا تلك المعضلة؟!
محامى العائلة الذي رفض تسليم أي من أعمال تخصه لأي محامي آخر تحت ضغط من جاسر وانصاع له بالنهاية حتى يستطيع الفوز بنصيبه من الأرث
نصيبه الذي أضاعه بالكامل.

اللعنة على كل شئ

سيعلم جاسر حينها بمافعله
وسيعود كموظف صغير تحت إمرته وليس هذا فحسب بل ستعود
زوجته قريبا لتكتشف ضياع ثروته وليس بسبب أعمال أو مغامرة
خاسرة بالبورصة بل لأجل مقامرة قام بها ليتمتع بجسد إمرأة أخرى
وإن كان لخيانتة شاهدا فهذا هو أعظمها

- آلو يا آشري ،انت ما بترديش على تليفونك ليه ؟

قالتها بعتاب خالص،
فمنذ سنوات انقطعت علاقتها ب "منى" صديقتها الوحيدة التي
سافرت لاحدى دول الخليج وباتت الإتصالات بينهم غير منتظمة
حتى تلاشت تماما وكانت آشري المتنفس وشعاع الصداقة
الوحيد الذي يطل بحياتها ومع مرور الوقت اكتشفت أن آشري
تمتلك قلبا طيبا وأخلاقا سمحة وكان هذا أعظم درس لها عن
خداع المظاهر فقد كانت تخيلتها فتاة مدللة مغرورة ولكن اتضح
أنها على العكس تماما فهي تماثلها عمرا وإن كانت تتمتع بشخصية قوية عكسها

ردت آشري وهي تبتسم بإجتهاد :

- معلش والله ياسالي ملخومة خالص بابا الحمد لله بقي أحسن
ردت سالي بإهتمام وقد عادت لها ذكرى مرض أبيها ووفاته :
- ما أنا هموت من القلق عليكو ،المهم طمنيني هوا بجد كويس
هزت آشري رأسها وهي تنظر لأبيها الذي كان يتابع الجريدة وقالت :
- الحمد لله أحسن كتير ،المهم أنت عاملة إيه؟
- زي ما أنا ،بس خسيت ٦كيلو ،قالتها بسأم

عبست آشري وقالت :

- ومالك بتقوليها كده ،المفروض تكونى فخورة بنفسك تنهدت وقالت :
- عارفة يا آشري بس لسه فاضل خمستاشر بحالهم
- أوعي مهما يحصل تقللي من قيمة حاجه تعبتي عشان توصليلها وخلي عندك دايما عزيمة
شعرت بأنها منافقة إذ أنها توجه النصح لسالي وهي الهاربة التي اخترعت حجة مرض أبيها لتبتعد عن زياد،
فالفحوصات التي يقوم بها دورية وكان يقوم بها أحيانا بمفرده
عندما تنشغل هي بعمل أو صفقة ما بل وانه اتخذ مسكنا دائما
للإقامة هنا بألمانيا سواءتطلب أمره متابعة طبيةأ لا
وها هي تمكث معه بحجه تغير جو".

فهي لا تريد لأبيها أن يتدخل أو أن يعلم شىء عن مشاكلها الشخصية

-إمبارح شفت إعلان كده عن مركز أسنان فاتح جديد وطالبين أطباء
قالتها بصوت خفيض فابتسمت آشري وقالت بلؤم :
-آه قولي كده بقى ،بتتصلى بيا عشان أديكي دافعة ولا أطلبلك واسطة
اندفعت لتنفي قائلة :
-لا والله يا آشري أنا بس بفضفض معاكى
عقدت حاجبيها وقالت بجدية :
- طب وماله روحى قدمي السي في بتاعك

تهدلت كتفاها ببؤس وقالت :

-أقدم أيه وازاي ما أنت عارفه جاسر آخر مرة اتكلمت معاه في شغل
طلع فيا وقالى ما انت كان عندك المركز بتاعك وأن أنا اللي مابروحش لحد ما باعه
تنهدت آشري قائلة :
- تاني يا سالي تاني جاسر،انت من جواكي لازم تصممي
وتؤمني أن جاسر لاهوا عقبة في طريقك ولا حتى سلم لمكانة
أفضل ،ده ركنك أنت بتاعك انت وبس ،جاسر عامل مكمل ليس الااااااااا
هذا ما كانت تؤمن به وتنفذه ولكن ترى ماذا أكسبها
نعم ربما كسبت النجاح والقوة ولكنها في المقابل خسرت حب زوجها
حب اقتنعت في تلك الفترة القصيرة التي اعتزلته فيها ولم يكلف

خاطرة بمكالمة تليفونية واحدة أنه لم يكن موجود بالأصل معت عيناها بتحدي وقالت :

- صح أنت معاكى حق أنا سلمته أمري في حاجات كتير أوى
وهوا ولا حاسس بيا ولا حاسس أد أيه ده كلفني
كانت تقف بالشرفة وهي تحادثها ولمحت سيارته تخترق البوابة المعدنية فقالت بسرعة :
- هبقى اطمن عليكي قريب وابقي ردي ،ماشى ؟
ردت آشري بعزم هي الأخرى :
مافيش داعي أنا راجعه مصر آخر الأسبوع بأذن الله هبقى أكلمك وقتها ،سلام

كانا يتعاركان

طفليه الصغيران يتعاركان في غرفتهما بمفردهما ولا أحد يهتم بهما
قال بنفاذ صبر وهو يقف على باب الغرفه صارخا بهم :
-كفاية كده ياسليم رجع لسلمى لعبتها
رفض سليم العنيد الإنصياع لأمر والده واندفع صارخا ببكاء نحو
سالي التي ظهرت أخيرا بنظره قائلا :
- بصي يا ماما مش دى لعبتى أنا
فاندفعت سلمى الأخرى صارخة ببكاء :
-لا يا ماما دي بتاعتي أنا صدقيني

نزلت سالي على ركبتيها لتصبح بمقربة من أبناءها بدلا من الصراخ بهم من الأعلى وقالت بلطف :

- تعالو انتو الأتنين قربوا مني
اقترب الإثنان حتى الصقتهم بأحضانها وقالت بدفء:
- أنا بتاعتك دلوقت أنت لوحدك يا سليم ولا بتاعة سلمى كمان ضحك الإثنان سويا وقالت سلمى :
- ماما بتاعتي لوحدي وبدأت بجذب ذراعها ففعل مثلها الصغير سليم حتى قالت سالي ببكاء طفولي :
- حاسبوا هتقطعوني أنتو مش بتحبوني
راقبها جاسر بإبتسامة صغيرة دافئة وهي تطيب بخاطر صغاره
وتقربهم سويا لها ليدركوا كم هم مشتركون بكل شيء ، لذلك هو اختارها ووقع بحبها لدفئها وعطائها ولكن ماذا حدث لتتوقف عن العطاء ؟

لماذا بات محروما منها رغم قربها ؟

أم أنها باتت بعيدة بالفعل نظرة صامتة
هذا كل ما نالته منه قبل أن ينصرف لغرفتهما متجاهلا وجودها
متجاهلا الجهد الذي تبذله في سبيل إرضاءه هو وكل من ينتمي إليهم وينتمون إليه
ولكم يكلفها هذا الجهد من طاقة !!

طاقة باتت تستنزفها مع كل زفرة حارقة تمر بصدرها وعيناها تتقاتلان ربما للحصول على لفتة إهتمام أو حتى مديح عساه يتجاوز الشفاه

ولكن لا
ليس لجاسر العظيم
مرت بخيالها أمام المرآة التي تتوسط غرفة صغارها وعادت مرة أخرى لتطالعه بإهتمام
ألهذا السبب هو ينفر منها ؟
أكانت زوجة بإمتياز جسد ملفت وعندما توارى هذا الجسد
تحت طبقات الشحوم توارى إهتمامه بها وبمشاعرها ؟!!
عادت لغرفتهما لتراقبه يخلع ملابسه بعيون ملتهبة وهتفت :
- أنا عايزه اروح أبات عند ماما كام يوم
كانت تسعى لشجار
فهذا هو السبيل الوحيد لها

لتثبت لنفسها أنها لازالت تؤثر به وإن لم تستطع إشعال جذوة

إهتمامه فحتما ستشعل غضبة
فتلك الجملة بالتحديد وهذا الطلب بالأخص كان دوما الوقود المثالي
التفت لها وهو يخلع قميصه وقال بنظرة باردة :
- براحتك وانصرف للحمام ليغتسل
هكذا دون أي إهتمام وأقسمت داخلها لو أنها جمعت قدر
اللامبالاة من العالم بأجمعه لم يكن ليرقى لنصف ماقابلها به وكانت فعليا تأن لقد فقدته

ظلت على تلك الحالة المتوترة بعد مكالمة المحامي المختص

بشئون المجموعة الطارئة والغير عادية والتي تحمل في طياته بإختصار
"خبرا أسودا"
لا تدري كيف سيتقبله جاسر ولا ماذا سيفعل بعد سماعه؟
وللمرة الألف بعثرت خصلاتها من جذورها بأنامل مرتعشة وهي
تمسك بالقلم وخرمشاته قد أصابت الورقة المسكينة أسفله فعمت
بفوضى أسهم ودوائر لا حصر لها ولا انتظام
لقد سيطرت ابنة الزهري على شركة الصغير الساذج

كانت تنتفض فعليا

وتخيلت نفسها لوكان زياد بشحمه ولحمه أمامها لأوسعته ركلا وضربا
كيف له أن يقدم على تلك الفعلة الشنعاء؟!!
ولكن الواقف أمامها لم يكن زياد بل كان هو بإبتسامته العابثة
مؤخرا يطالع لوحة سيريالية عنوانها
"جنون إمراة تدعى درية
تقدم منها بطوات متمهلة وهو يقول بصوته الرخيم :
- مالك يادرية ؟

- ابعد عنى السعادي يا أسامة

وهكذا عم طوفان مشاعرها المحترقة أرجاء المكان
وقامت بظل متفجر بإغراء نحو سترتها الرمادية تشدو دفء وربما
فبلوزتها الحريرية البيضاء تكشف عن الكثير والكثير، كما أنها
برعونة إمرأة زادت كيلوجرامين لا أكثر صارعت تنورة قديمة
قابعة في خزانتها منذ عامين فقط لأنها الوحيدة "المكوية" فقد
تأخر الصبي في إحضار ملابسها من المغسلة بالأمس فوصلت
لحافة ركبتيها بصعوبة وتشبثت بقسمات ردفيها بقوة

راقبها بعيون وقحة فالتفتت له زاجرة واقتربت منه وهي لا تبالي

لا نظراته الملتهبة ولا لهيئتها الأنثوية الصارخة قائلة بأمر غير قابل للنقاش :
- روح دور على أخوك ، واطلعو سوا على المحامى قبل ما جاسر يعرف
وهمت بإنصراف لولا أنه قبض علي ذراعها وقربها منه قائلا بغضب وأنفاس متسارعة :
- دي مش طريقة تكلمي بيها عضو مجلس إدارة يا درية
حاولت نفض ذراعها من قبضته ولكن كل مانالته حصار متمكن
ولكنه خفيف الضغط وصوت متبرم هادىء:
- ممكن تقوليلي بالراحة زياد عمل إيه ؟

رفعت عيناها نحوه بصلابة وهي تقول آمره بهمس :

- سيب دراعي يا أسامة
كان يركز بأنظاره على شفتيها بلونها الوردي الهادىء الخالى من الأصباغ وقال كاذبا وهو ينفذ أمرها :
-آسف ، هاه زياد عمل ايه ؟
هندمت خصلات شعرها تحت أنظاره المترقبة وقالت بعدها بإيتسامة مريرة :
- باع شركته لداليا الزهري
هكذا ألقت القنبلة بوجهه

قبل أن تتحرك بخطوات هادئة نحو المصعد

وفقد هو كل تركيزه بتفاصيل درية التي كانت تغيب
خلف أبواب  المصعد المذهبة وأنفاس حارقة تشتعل بصدره ليستمع بعدها
لنغمة هاتفه المميزه تعلن عن إستقبال مكالمة من أخيه الأصغر
الذى ما أن أجابه حتى قال :
- أسامة عاوز أقابلك ضرورى فرد قائلا بحزم :
- مستنيك في البيت

كان يجلس علي الأريكة حاملا كيسا من الماء المثلج فوق أنفه

ليتوقف النزيف الذي أصابها جراء لكمة قبضة أخيه والتي
استقرت تماما فوقها وهو يستمع لنقاشه مع محامي مجموعة الشركات عبر الهاتف
وعيناه تتابع خطوات أخيه التي كانت تدور بغير انتظام في غرفة
المعيشة الواسعة وقلبه يصلي برجاء أن ينبثق الحل من الهاتف وتعود شركته لملكيته
ولكن كلمات أخيه المتسائلة أسقطت تلك الصلوات عندما قال
بغضب مكتوم:

- بعتها بكام يازياد ؟ياترى كان التمن إيه ؟!!حسابك في البنك مازادتش مليم

فرد ببكاء :
-أنا اتضحك عليا
شعر بتعب يصيب ساقه فجلس أمامه وقال بهدوء :
-اتضحك عليك إزاى؟
ولكن زياد ظل صامتا فماذا عساه أن يقول لقد قبض ثمنا مرئيا
نساه بفعل شراب مخدر وقد لا يكون حتى رآه ولكن الأوراق الرسمية تثبت صحة توقيعه
ظل منتظرا لإجابة أخيه الأصغر وعندما لم يحصل علي شيء

صرخ بقوة قائلا :

- إزاي يازياد ، انطق
ارتعد زياد وعاد للخلف وقال :
- يا أخى دا أنت طلعت أنيل من جاسر
قام وشده من تلابيبه صارخا به :
- أيوه أنا أنيل من جاسر ،عشان رقم واحد أنا اللي شجعته يديك
نصيبك ورقم اتنين خنت ثقتى فيك ورقم تلاته طلعت أنت مغفل
اتضحك عليك من واحدة ست كانت عشيقة أخوك في يوم من الايام

ثم تركه لاهثا واتجه نحو الطاولة خلفه وأشعل لفافة تبغ وأردف بصوت يرتعش إنفعالا :

- أنت عارف أنت إيه ؟!، مش بس أتاخدت منك كتك لاء كمان طلعت كوبري
ألقي زياد الكيس الثلجى على الأريكه وقام وتقدم نحوه برجاء :
- أنت لازم تساعدني أرجع شركتي
ضحك أسامه بسخرية قاسية :
- ياترى هتقول لمراتك يا زياد ؟ هتقولها أيه؟ رحت تجري وره واحده من ماضي أخوك
بيعتك اللي وراك واللي قدامك

فصرخ فيه قائلا :

-كفاية بقى يا أخي أنت إيه مابترحمش
أشار له بإصبعه قائلا :
- الدنيا مش بترحم وداليا ولا آشري ولا جاسر مافيش حد منهم هيرحمك
- أنا فعلا مش هرحمه
قطع صوته الصمت المخيم بينهما فالتفت له زياد مرتعبا واتجه نحوه أسامة مرحبا قائلا :
- درية كلمتك ؟
نظراته كانت كالرصاص الذى لايخطىء الهدف ونبرة صوته كانت تهدد بقتل رحيم إن أمكن الأمر
- المحامى كلمني وجاي ورايا ودلوقتى قدامك ربع ساعة
تحكيلي فيهم بالظبط إيه اللي حصل
امتقع وجه زياد وهو يومىء براسه :
- حاضر هاحكي كل حاجة

أيمكن لهذا اليوم أن يكون له نهاية أروع من تلك ؟!!

خاطرة مرت بذهنها وهي تقف مرة أخرى على قدميها بمساعدة من جارها الوسيم
لقد سقطت على الدرجات بفعل اندفاع غير محسوب الخطوات
مع تنورة ضيقة تشد على ساقيها وكانت السقطة تماما تحت
أنظاره عندما كان يدلف هو الآخر من باب العقار المعدنى
فاندفع نحوها عارضا يده بمساعدة جاذبا إياها برفق لتقف مرة
أخرى على ساقيها فالتفتت له بحرج عارم تشكره وهي تهندم

مظهرها الأشعث قائلة بكلمات متناثرة :

- شكرا .....دكتور..عن إذنك
وكادت أن تسقط مرة أخرى وهي تهرب من حصاره فحمل عنها
متاعها المعتاد مع كل ليلة بضحكة دافئة وهو يقول :
- على مهلك يا مدام درية ، بالراحة
التفتت له قاضبة الجبين "بالراحة، وأين لها بالراحة؟!!"
فقالت بجمود وهي تتسلق الدرجات على نحو هادىء تلك المرة

وتمد له بذراعها لتحمل أشيائها:

ضغط على زر إستدعاء المصعد متجاهلا يدها الممدوة وهو يقول بحبور :
- على إيه الجيران لبعضيها
نظرت له تلك النظرة المتشككة وتقدمت نحو المصعد
فكما هي العادة
"النساء أولا حتى يتزوجن
واستقلت المصعد وهو يجاورها وأنظاره تحوم فوقها بتسلية فهي
اليوم على غير العادة ممتعة جدا للأنظار مما أشعره بالغيره ، فكم من أنظار سبقته إليها
وعندما ظنت أنها النهاية لهذا اليوم اتضح أنه بلا نهاية
فقد استقبلتها صرخات صغيرها مرحبا بها بتلك الكلمات التي

كانت ببساطة الضربة القاضية :

- أتأخرتي كده ليه يا ماما ،جدو هنا من بدري
ولكن تلك الكلمات لم تكن ترقى لمسمى القاضية تماما إزاء
النظرات المسددة نحوها على نحو غير راض تماما وزعيق أصم أذنيها وهي تغلق الباب :
-ايه اللى أنت لابساه ده يادرية ،فيه واحده في سنك تلبس كده ،ده اللي أنا ربيتك عليه
وأنا اللي كنت مطمن أنك عايشه لوحدك
وضعت أكياس البقالة على الطاولة وهي تنفث غضبا من جملته

"واحدة في سنك ،إنها تبلغ سبع وثلاثون عاما " ومع ذلك التفتت له بهدوء قائلة :

-أزيك يا بابا ؟!
وتنهدت لتطبع على وجنته قبلة صغيرة وأردفت ببرود :
- وحشتنا
وتنهدت وهي تحصي داخلها ربما للألف فأبيها لن يكف عن
الحديث المهترىء بشأن إستقلالها بحياتها دونه ولكنها ترسي داخل ابنها قاعدة أبدية
"على الصغير دوما أن يحترم الكبير"

نظراته كانت تصب عليها غضبا لايحتمل وهم يتناولون طعام العشاء وقال بغير رضى :

- مش معنى أنك تشتغلي تهملي بيتك وولادك ، ويكون مظهرك كده في الآخر
وضعت الملعقة بهدوء وقالت بأنفاس متهدجة :
- بابا من فضلك ممكن نبقى نتكلم على إنفراد
نفث غير راض وقال مؤكدا بتهديد:
- طبعا إحنا لينا قاعدة مع بعص
وبعد إنتهاء وجبة العشاء،حملت له فنجان القهوة كما يفضلها
للشرفة بعدما أمرت أولادها بالتوجه لأسرتهم دون نقاش

ووضعتها بحذر وهي تقول بأدب :

-اتفضل يابابا
أمرها بكلمات مقتضبة :
- رايحة اتطمن على الولاد عاد ليأمرها مجددا :
- سيبي الولاد دلوقت كبروا ويعرفوا يناموا لوحدهم ،أنا عاوزك في موضوع مهم
له في محاولة واهية لفرض الود المفقود بينهما :
ابتسمت
- تحت أمرك يابابا
ركز أنظاره عليها وهو يقول :
- اسمعي اللى هقولهولك كويس ومش عاوز رد عليه قبل ماتفكرى فيه
تشبثت يدها بالمقعد وهي تقول بإقرار هادىء:
-حضرتك جايبلي عريس رد بفخر :
- عقيد متقاعد ،٤٣ سنة ،على خلق وأدب إنسان ملتزم وأنا اللي
مربيه عنده شركة أمن محترمة

هزت رأسها وقالت وهي تنصرف لغرفتها :

- أوكيه ،عن اذنك .تصبح على خير يابابا
عقد حاجبيه غاضبا وقال :
- هوا إيه اللي أوكيه وتصبح على خير
التفتت له وقالت بهدوء :
- مش حضرتك قولتلي إنك مش هتاخد رد قبل ما أفكر فيه
كويس ،وأنا دلوقت محتاجه أنام واستحاله أفكر في حاجه كويس وأنا في الحالة دي
أشار لها بإصبعه منذرا :
- وأنا مش هقبل برفضك زي كل مرة يادرية وخصوصا بعد اللي شوفته النهاردة
سارت نحو حجرتها ودمائها بالفعل كانت تحترق
فأبيها الغالي يعترض على ملبسها الذي اضطرت له في ظروف
غير عادية وزوجته يكاد يكون مظهرها المعتاد على نحو أكثر فجورا
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل السادس

الإندفاع نحو الإنتقام أمرا باعثا للتحدي والذي بدوره قد يتغلب علي كل شيء حتى أنه قد يقتل الألم في مهده، كان مدركا أنها ليست معركته وأنه ليس كأخيه الأكبر حامل لواء إمبراطورية سليم. فلطالما ظن نفسه كائنا مسالما لاينبغى له مصارعة أي شخص كي يحافظ على مجد اسم سيندثر مع الوقت لامحالة.


هو لا يحمل كل هذا الوفاء لأسم والده ولا تلك الروح القتالية في سبيله ولكنه يحمل الألم بين طيات عقله ووجدانه أينما كان ولم يجد مايقتل هذا الألم ،فالوجع أقوى مما يبدو لذلك هو يقتات على مسكنات واهية في مطاردة درية وبقية الحسناوات التي تمر عرضا بحياته إحداها ولكن بعد زيارة أخيه بالأمس و...


ياللعجب أيضا هدوء جاسر

الغريب أثناء تلقيه إعترافات الأخير بوقوعه بشرك "لعبة بوكر"
غير أخلاقية وانصرافه صامتا لكأنما فقد حيلته!!
وجد في الإنتقام عرضا أكثر من مغرى للتغلب على هذا الألم وربما دحره لسنوات قادمة
هو كان واثقا أنه سيعود

ولكنه فقط يسعى لإلتقاط بعض الأنفاس الخالية من الوجع امرا مشروعا ،أليس كذلك ؟

وقد يبذل في سبيله كل ماهو مشروع وغير ذلك
توقف بسيارته الرياضية أمام منزلها وألقى نظرة خاوية لساعته
الثمينة، بضعة دقائق وتظهر صيده الثمين لهذا اليوم
وقد كان
ظهرت ببذلة عملية كحلية اللون وجدلت شعرها حتى آخره
ووجهها كالعادة خالي من المساحيق تحمل ..
بيد حقيبة

متوسطة الحجم وباليد الأخرى تمسك بصغيرها

لابد أنها في طريقها لتقله لحضانته
ترجل من سيارته وسار بضعة خطوات حتى توقف أمامها وهو
يلقى عليها تحية الصباح التي استقبلتها بأنظار شائنة متجاهلة
ترحيبه الودود بها :
- أنت هنا بتعمل ايه ؟
ألقى نظرة على الصغير الممسك بكف أمه والذى بدوره يراقب
طيفه ،صغيرها لا يشبهها هو فقط نال تلك العيون الناعسة منها لا
أكثر ولكنها الآن متسعة ومترقبة للغاية لرد فعل الغريب على أمه
الذي لازالت تزجره بالنظرات وهي تشد بكفها على كفه فقال

بإبتسامة واسعة وهو يقدم الحلوى له :

- صباح الخير يا أيهم ،دى عشانك .أمسك
لكن الصغير رغم إبتسامته التي اتسعت للضعف ربما ،لم يتقبل
عطيته بسهوله والتفت إلي أمه التي أشارت له بهدوء كي يقبلها قائلا بأدب جم :
- شكرا
كانت عيناه مركزة عليها وعلى رد فعلها المقتضب فقال بهدوء :
- نوصل أيهم ونكمل كلامنا في العربية ،الموضوع مهم بخصوص امبارح
فقالت محاولة الهروب لا سيما أنها لا تضمن أن يكون الموقف
مراقبا بالكامل من والدها المحترم :
- نكمل كلامنا فى الشركة ياباشمهندس

القى كلماته المقتضبه وهو يسير متجها لسيارته دون اكتراث:

- ومين قالك اننا رايحين الشركة !!
رفعت أنظارها للأعلى واطمأنت أن والدها غير متواجد بشرفة
شقتها والتي تطل على الشارع حيث يقفان واتجهت لسيارته بخطوات مسرعة وهي تنبه صغيرها :
- أيهم اقعد حلو في العربية وماتعملش دوشة
الحضانة كانت تبعد دقائق معدودة عن مقر سكنها ،عادت
لسيارته متجهمة واندفعت للداخل بثورة عارمة :
- على فكرة اللي أنت بتعمله ده مايصحش متنساش أنا ست
عايشه لوحدى وماينفعش ولادي يشوفوك والأهم من كده أن الشغل ليه مكانه

التفت إليها هادئا :

- أنت كنت ممكن تقولي الكلمتين دول من على باب العمارة
أساسا لكنك جيت معايا لأن الشغل عندك أكتر من مكتب في الشركة
كاد يمازحها قائلا "ده غير تأثيري الساحر عليك "ولكن نظرة
الشياطين التي تطل من عيناها جعلته يقلع عن الفكرة فاكتفى
بالعقلانية سبيل في حوارهما المشحون
تنفست بعمق وقالت بجدية :
- خير ، فيه إيه وليه مش هنطلع على الشركة ؟
أجاب بغموض :
- أنا وأنت عندنا مأمورية
وانطلق بسيارته
****
"أنت أزاي تسمحلها تاخد الولاد معاها محرم بيه؟"
رفع أنظاره لأمه التي اقتحمت غرفة مكتبه بالقصر فقال بهدوء

محاولا السيطرة على ثورتها العارمة:

- وهيقعدوا هنا منغيرها يعملو أيه أنت تعبانه وأنا برة طول النهار لم تأبه لهدوءه واستطردت بنفس الهجوم:
- وأنت من أمتى بتسمحلها تبات بره أصلا ؟
دعك وجهه بكفيه متعبا وهو يقول بنفاذ صبر :
-أمى، اللي بين وبين سالي مافيش حد ليه الحق أنه يتدخل فيه
زائد إني مشغول ببلاوي مؤخرا مش مخلايني لا فايق لسالي ولا للولاد
اقتربت منه بقلق وهي تقول :
-إيه اللي بيحصل ومخبيه عليا ؟
نظر لها وهو عاجز حتى على التنفس فقال بإقتضاب:
- مشاكل في الشغل
ردت بسرعة غاضبة :
- أنت قلت بلاوي،إيه اللي حصل ، ماتنطق ؟
نظر لها ولنظراتها المشتعلة
قدر خوفه أن يصيبها مكروة إن علمت بما اقترفه صغيرها الغالي
قدر سعادته بهذا البريق الوحشي الذي يطل من عيناها مؤكدا له

أن أنفاسها لازالت متشبثة بهذا الجسد وتلك الحياة فقال بهدوء :

- زياد ورطنا بمصيبة جديدة من مصايبه
جلست بهدوء أمامه وقالت :
-عمل إيه ب ؟
رد غاضبا :
- بنت الزهري ضحكت عليه وأخدت الشركة منه
رفعت أمه رأسها إليه وقالت بجمود :
دي بتنتمم منك
رفع حاجبيه وقال بإندفاع :
- قصدك إني أنا السب ؟!!
همست له بفحيح قبل أن تنصرف مرة أخرى لمهجعها :
- قصدي أنك أنت الهدف
وفي علم الطبيعة تعلم أن الهدف السهل هو الهدف الساكن
لذلك لم يكن أمرا غير متوقعا أن يرتدي أفضل حلة لديه ويتأنق
مغادرا القصر نحو شركة أخيه
فهو لن يعترف بملكية آل الزهري لما ساهم ببنائة ولو بقطرات عرق

كان يلتهم المخبوزات الساخنة إلتهاما وهي ترقبه بهدوء ظاهري

وفنجان قهوتها شارف على آخر قطراته وقال متفكها :
- على فكرة أنت المفروض تفطري كويس
ردت ببرود وهي تهز راسها :
- على فكرة أنا فطرت وفنجان القهوة اللي انت طلبتهولي قرب
يخلص وكل ده ماعرفتش إيه نوع المأمورية اللي طالعين فيها
تمالك نفسه من الضحك متسليا بمظهرها الغاضب وقال :
- انت لما بتيجي تعاقبي ولادك بيكون شكلك كده ؟
جمعت أنفاسا متلاحقة بصدرها وهي تنظر للأعلى وقالت أخيرا
- باشمهندس أسامة أنا بالظبط قدامي

قاطعها برقة مستنكرا :

- باشمهندس !!.أنا لحد امبار كنت أسامة بس
دفع بطبق لمخبوزات جانبا وأشار للنادل ليحضر مزيدا من القهوة وقال بعملية تامة :
- أحنا لازم نعرف إيه اللي بيدور من ورانا في مجموعة الزهري يا درية
وأخيرا !! حديث متزن عن العمل
انصتت له وقالت :
- فعلا ، بس أزاي ؟
رد ببساطة :
- البداية أنت
اتسعت عيناها وقالت :
- أنا !!
ارتشف القليل من قهوته :
- أنت صحفيه في مجلة إقتصادية هتطلعي دلوقت على مقر
الشركة أنا خليت سكرتيرتي تاخدلك معاد مع نائب مجلس
الإدارة هتسألية الأسئلة اللي في الظرف ، وحاولي تكونى لطيفة
"لطيفة" كلمة مكونة من خمسة أحرف معنونة لديها فقط لمطربة شهيرة،

تناولت منه الظرف مستنكرة وقالت بنبرة ثقيلة :

- التمثيلية دي فاشلة جدا!اا
أقر مؤكدا بهزة رأس :
- وارد ،بس في حالة أن النائب بصباص وعنيه زايغة ،العجلة ممكن تمشي
رفعت له أنظارا حارقة ساخرة :
- ده أنت كمان عاوزني أمثل دور الإغراء فيها
ضاقت عيناه ولم يستطع المقاومة وقال بمكر :
- يمكن الدوركان يكون مسبوك كويس لو بلبس أمبارح
احمرت وجنتها بشدة وقالت وهي تستعد للإنصراف :
- أنا غلطانة أني وافقت آجي معاك
مد يده وقبض على كفها برقة وقال بهدوء :
- أنا مش هجبرك على حاجة يادرية ،كل اللى بطلبه منك تكوني
لطيفة وأهي خبطة ياصابت يا خابت
سحبت كفها من قبضته سريعا
اللعنة عليه لقد اعتاد الإمساك بها واعتادت هي دفء لمساته فقالت بحنق:
- اسم المجلة اللي رايحة أمثلها إيه ؟
ابتسم لها وهو يشير للنادل طالبا لدفع الحساب :
- هتلاقي التفاصيل كلها عندك في الظرف فيه كمان كارت آي دا علقيه وأنت داخله

- أنت مش عجباني يا سالي

كلمات مرت بخاطرها قبل أن تفصح بها مجهدة في وجه ابنتها
الصغرى التي كانت تجلس ساكنة أمام شاشة التلفاز تتابع فيلما كارتونيا برفقة صغارها
التفتت لها قائلة بإبتسامة صغيرة :
- ليه كده ياست الكل ؟
سايبة بيتك وجوزك ليه يا -
ابتسمت لها بسخريرة مريرة وهي تقول :
" بيتي !! هوا فين بيتي ،قصدك بيت سوسن هانم

ربتت أمها على كتفها مواسية :

- طب وجوزك؟!!
هزت سالي رأسها وردت :
- قلت أبعد يمكن يحس بقيمتي
أشارت لها أمها نافية وهي تتنهد :
-عمر البعد ما بيقرب يا بنتي
تقافزت دموع القهر من عيناها قائلة:
- مابقاش حاسس بيا يا ماما
أمسكت الأم بذراع ابنتها وهمست لها :
- قربي أنت منه أكتر وأكتر مش تسيبيه غيرك يلهفه منك
رفعت سالي أنظارها نحو أمها على نحو مذعور :
-لا ياماما جاسر لايمكن يخوني

لوت مجيدة شفتيها لحماقة صغيرتها وقالت :

- هوا مش محتاج يخون ياحبيبتى ..الشرع محلله أربعه وجوزك غني وألف مين تتمناه
اتسعت عيناها بصدمة وقالت :
- قصدك يتجوز عليا ،جاسر لايمكن يعملها ،الستات أصلا مش
في دماغه ،كل اللي يشغله الشغل وأمه وعياله وبس وحتى أنا برة دايرة إهتمامه
نظرت لها مجيده ممتعضة وقالت :
- الست اللي ماتعرفش تضلل على جوزها وبيتها وتخليه لايمكن
يستغنى عنها ست خايبة ياسالي ،وأنت مش خايبة أنت بس
نفسك قصير وبتستسلمي بسرعة

أشارت لها ابنتها لتخفض صوتها الذي قد علا جراء الإنفعال وقالت :

- خلاص ياماما يومين بس أريح اعصابى وأرجع طالما زهقت تنهدت مجيدة وقالت :
- أبدا يابنتي ..ده أنتو مالين عليا البيت حتى ،أما أقوم أعملك عصير تروقي بالك أنت والولاد
نظرت لها سالي وهي تنصرف لمطبخها وتساقطت دموعها رغما
عنها وهي تطالع صورة والداها الحبيب التي تحتل الحائط
المقابل وهمست داخلها "ياريتك كنت معايا "

وضعت سماعة الهاتف بأنامل مرتعشة ودقات قلبها تتقافز حتى كادت تصم أذنيها كطبول حرب ضارية

لقد أخبرها موظف الأمن منذ قليل بوصول جاسر سليم وهو في
طريقه الآن للطابق الأخير حيث مكتبها في تلك البناية المتواضعة
بالنسبة لبناية شركة والدها الراحل
طالعت هيئتها في المرآة التي تحتل عرض الحائط وهندمت زيها
المكون من قطعتين غير متناسبتين إطلاقا مع الطقس المتقلب
الذي يمر بالبلاد بلونه الكريمي الدافىء ومررت أناملها المرتعشة
بين خصلات الليل التي تظلل رأسها الجميل وتمتد لتصل إلى

ورشت المزيد من عطرها المغري وأخذت نفسا عميقا وتظاهرت

بهيئة باردة فأيا ما كان يحمله جاسر لها لابد وأنه يحمل صفة نارية
وهي ستنجو منها بالبرودة التي ستزرعها في عروقها
تظاهرت بالإنشغال في أوراق واهية لم تلتقط عيناها أبعد من سطورها الأولى
وهو يقتحم الغرفة دون إنذار

وخطوات البلهاء التي تتقافز خلفه وصوتها يتعالى من ورائه ورغم

ذلك وصل خافتا مرتعشا لآذانها بكلمات لا قيمة لها في عالم جاسر سليم:
- مايصحش كده يافند
صرفتها بإشارة من يديها وهي تتهادي في مشيتها نحوه حاصدة
رغما عنه نظرة إعجاب فجابهته بنظرة واثقة وإبتسامة واسعة
كلمات معدودة :
-جاى تباركلي
ربما يكون تغير بقدر يسير منذ أن هجرها ولكنه لازال متمتعا
بتلك الطلة الساحرة والساخرة في آن واحد وكبرياءه تعتلي رأسه
شامخة ونبرة صوته قادرة على تخدير حواسها أجمع
-لا بالعكس أنا جاي أعزيكي
عبست بدلال وقالت بلوم :
- تعزينى !! أنت مش واخد بالك أنه فات أوانه خلاص
ضحكته أذابت عظامها وخشونة نبرته أعادت تكوينها على نحو أشعث :
-ااه بالنسبة لوالدك !!بس لاء مش عشان كده ، ولو أن الرحمة تجوز على الجمع

استجمعت شتاتها وعقدت حاجبيها وقالت حانقة:

- أومال جاي تعزيني ليه"
مد يده ونزع زهرة جوري حمراء من بين مجموعة زهور منقمة
فوق طاولة اجتماعات وسط الغرفة
قائلا بغموض:
-ده اللي هتعرفيه قدام
تراجعت بضعة خطوات للخلف واتكأت بإغراء على سطح مكتبها الزجاجى وقالت بدلال :
- جاسر ،أنت جاى تهددنى وفي أول يوم أقعد فيه على مكتب مدير الشركة؟!

مالكش حق بعد الغيبة الطويلة دي

لمعت عيناه وهو يلتفت لها :
-كل شيء وليه آخر ومن هنا ورايح أعرفي أنك تحت عينى
اقترب منها بخطورة ، بخطوات فهد فاقتربت منه بدورها وقالت
وهي تتلمس كتفه بنعومه:
- يسعدني جدا اكون تحت عينيك ،بس ماتفكرش أبدا إني
ممكن تاني أرجع تحت إيديك
ابتسم لها وقال مستنكرا وهو يزرع الوردة بين طيات خصلاتها بيد خبيرة:
- ليه ؟ ماكنت كده زمان
سارت رعشة قاتلة بطول عمودها الفقري فقالت بجمود قبل أن
تنهار أمامه وتفقد تماما ماء وجهها :
- أنت قولتها بلسانك.. زمان

وهمت بصرفه ببرود ولكنه لم تلمح سوى ظله يختفي سريعا من

أمامها راقبته ساخرة لطالما كان بارعا بالإختفاء من حياتها بلمح البصر
ولكن ماهي إلا ثوان معدودة حتى وصل لهاتفها الشخصي الذي
لا يعرف رقمه سوى نخبة ضئيلة جدا من المحيطين بها رسالة
فضغطت على الزر بأنامل مرتعشة :
"العشا بكرة الساعة سبعة في نفس المكان ،مستنيكي يا خمرية""
وسقط قلبها من بين أضلعها
فهو لازال يذكر لقبه الذي كان يتودد به إليها

كان يجوب أورقة الشركة دون هدى يطرق أبواب موظفيه ويبتسم .

لهم أو يزمجر بهم على حسب تقلب حالته المزاجيه على مر
ثلاث ساعات متصلة ماضية ،وكاد أن يرتطم بمدام هدى رئيسة قسم الحسابات
فتراجع للخلف مغمغا بأسف تقبلته منه مدام
هدى على حرج قائلة:
-خير ياباشمهندس فيه حاجه ؟حضرتك تؤمر بحاجة ؟!!
برقت عيناه وهو يواجهها وقال :
- أطلبي درية من فضلك وشوفيها فين ؟
أومأت براسها وعادت له بعد ثوان :
- مابتردش ، غريبه

عبس وعقد حاجبيه أنها لاترد على مكالمات الجميع إذا ،لقد

ظن أنها تتجاهل إتصالاته المتكررة وهو يريد الإطمثنان عليها
فمنذ أن تركها أمام شركة آل الزهري منذ ثلاث ساعات كاملة والقلق يتأكله
وأمرا أخرا يرفض الإعتراف به ،فحرفيا هي الآن بوكر زير نساء
مخضرم وهيثتها المتزمتة التي طالعته بها هذا الصباح فوجىء
بأنها قد غيرتها تماما قبل أن تترجل من سيارته ، رغم أن كل مافعلته كان بسيطا للغاية
فقط فكت جديلتها وأرسلت خصلات شعرها حرة على ظهرها

ومنحت شفتيها مباركة من أحمر شفاة بلون الفريز الشهي، وتركته يحترق بأمنية لوكان بإمكانه تذوق طعمه

عاد لغرفة مكتبه بالطابق الثاني تاركا سكرتيرته مترنحة بصوته الصارم بجملة مفاداها
"أول ما درية توصل تجيلي مكتبي "
عادت سكرتيرته الحسناء إلى مكتبها وعلى وجهها إبتسامة حالمة
وهي مفتونة تماما بتغير حالة رئيسها بعد رحيل زوجته الشابة عن الحياة

الساعة تعدت منتصف الظهيرة وقررت المرور على صغيرها بحضانته

وحمله باكرا للمنزل بدلا من أن ينتظر عودة أخيه الأكبر من مدرسته ليقله هو
فسار صغيرها إلى جوارها وهو سعيد تماما بتلك المفاجئة ، يقفز من حين لاخر فنهرته أمه قائلة :
- أيهم بطل تنطيط
نظر لها الصبي بشقاوة وهو يقول :
- ماما أنت حلوة أوي ،ماكنتيش كده الصبح

التفتت له ضاحكة وهي تقول :

- ياسلاام وكنت وحشة على كده الصبح ؟
هز رأسه نافيا وهو يقفز مرة أخرى :
- لاء بس شكلك كان مدايق الصبح
ضحكت وهي تمسك به من جديد :
- ماشى يا أبو نص لسان لو مابطلتش تنطيط أنا هشيلك
جري الصغير منها وقد اقتربا من باب العقار وهو يصرخ ضاحكا بلهو :
- طب امسكيني الأول
اتسعت عيناها وكذلك خطواتها وهي تحاول اللحاق بصغيرها
الذي اصطدم بجارهم الطبيب الطيب فتوقفت لتعتذر له :
- أنا آسفة جدا ، والتفتت لصغيرها الذي توقف أخيرا أمام باب المصعد وقالت مؤنبة :
-كده يا أيهم ،تعالى اعتذر من الدكتور حالا

ابتسم لها نبيل وقال :

- حصل خير ،يالا هات الأسانسير يا أيهم
هز أيهم رأسه الكثيف طائعا واستدعى المصعد وتوقفت أمه إلى
جواره وتنحنح نبيل قائلا :
- راجعين بدري النهاردة ؟!!
رفعت له رأسها بدهشة فهي كانت لا تعلم أن جارها المتيم بها
يراقب تحركاتها ولديه الآن خبرة كافيه بمواعيد انصرافها
ورجوعها للمنزل رغم إنشغاله بعمله الطارىء في معظم الأحيان
فهمهمت بموافقة ولكن صغيرها تطوع بتوضيح الموقف كاملا :
- ماما خلصت شغل بدري وجت أخدتني من الحضانة

جزت على أسنانها بإبتسامة وهي تقبض على كف صغيرها بحزم وتدفعه لداخل المصعد

وعندما وصلا للطابق الرابع ترجلا منه وتركا جارهما يودعهما ملوحا وعلى وجهه نظرة رجاء
وهو يقول :
- طب ما تتفضلوا تتغدوا معانا ، وماتخافيش مش أكل عزابي وأردف موضحا: بضحكة
متوترة :
- الحاجة عندي النهاردة
ابتسمت بحرج وقالت :
- بالهنا والشفا وواجب علينا يادكتور بس احنا كمان بابا عندنا النهاردة

واغلقت بات المصعد وتنفست بعمق وفاجأها صغيرها يإحدى أسئلته الغير عادية :

- هوا ايه أكل عزابي ده يا ماما ؟ طعمه حلو ؟بتعرفي تعمليه؟
ضحكت دريه وسقطت منها مفاتيحها محدثة ضجة مميزة وفتح
الباب وهي تهم بإلتقاطهم ورحب بها والدها بحرارة :
-كويس إنك رجعتي بدري، يالا الغدا جاهز
فدلفت وعلى لسانها إعتراض لم يسمعه والدها ،فهي فقط قامت
بمهمة توصيل صغيرها حتى لا يمضى مزيدا من الوقت وحيدا
بفصله وتخطط للعودة مرة أخرى لعملها
ملاحظة التغيرات الجذرية التي قام بها والدها في غرفة
الإستقبال بالإضافة لعطر رجولي مميز صارخ يجوب الأجواء ولا
يخص والدها إطلاقا قائلة بحيرة عابسة :
با بابا ..بابا أنت عملت أيه ..المكان آآآ..اتغير

- مش هينفع .

وكده الولاد ،،بابا.....
والتفتت لوالدها الذي كان يصدر سلسلة من الأوامر لحفيده
ولاحظت وقوف رجل عريض فارع الطول وعلى كتفه منشفة
مطبخها المزركشة والتي لا تتلاثم إطلاقا مع هيئته بقميصة
الأسود وسروال من الدنيم الأزرق مبتسما لها بحرارة ويتقدم منها
بخطوات خجلة واطلق والدها ضحكة عميقة وهو يربت على كتف الرجل الذي يفوقه طولا :
- هاه أيه رأيك ،أنا والعقيد غيرنالك ديكور الشقة كده أحسن

وأوسع واستغلينا المساحة مش كده ولا أيه

صافحها العقيد بحرارة وهو يسلط بأنظاره عليها قائلا بحرج :
- في الحقيقة سيادة العميد أصر وماكنش قدامى غير أني أقدم المساعدة أتمنى ماتكونيش أتدايقتي
وقفت تطالع الرجل عاقدة الحاجبين كالبلهاء تماما
، اللعنة عليه ، اللعنة تماما عليه
شون كونوري بشحمه ولحمه لن يقاربه روعة
هزت رأسها صامتة ووالدها يسمعها الأروع بفخر واعتزاز وكأنما
كان إنجازه هو :
- طارق هوا اللي طبخ النهاردة
وضحكتها كانت البلهاء

وانصرفت لغرفتها مسرعة وهي تغمغم بغيظ

- ياترى أوضتي في مكانها يابابا ولا اتغيرت هيا كمان ؟!
ولم تنتظر للحصول على إجابة فهي كانت تتوق وبشدة للإختفاء داخلها
جلست على طرف الفراش وهي تعد داخلها حتى تخطت
العشرون محاولة التنفس بأيقاع منتظم
في ليلة واحدة ظهر والدها وغير معالم غرفة إستقبالها بمساعدة
غريب طاف أركان منزلها !!
ولم يكتفي بهذا فقط بل وسمح له بدخول مطبخها المرتب
والعبث بخزانة طعامها ليحضر لها ولصغارها طعام الغداء الذي
قلما تعده بنفسها فساعات عملها الطويلة المتصلة حرمت أطفالها تلك الرفاهية
هي فعليا تغلي وتزبد وعندما قررت التحلي بروح إيجابية تحطمت تماما على صخرة الواقع
أو بالأحرى هاتفها الذي يحمل أحدى عشر مكالمة لم يتم الرد
لقد نسيته تماما على الوضع الصامت منذ أن دخلت شركة الزهري صباحا
وحتما من يغلي ويزبد هو "أسامة" الآن الذي راسلته برسالة نصية
آسفة التليفون نسيته سيلينت ومش هينفع ارجع النهاردة على الشركة تاني
بكرة بإذن الله نتقابل ونحكي"
ثم أخذت القرار الأكثر تهورا وأغلقت الهاتف !!

آشري ، مش معقول المفاجئة السعيدة دى !!

التفتت له وهي ترسم على وجهها إبتسامة هادئة وتمد يدها لتصافحه:
- أهلا ،عاصم بيه .مفاجئة فعلا
صافحاها بحرارة ونظرة إعجاب تطل من عينيه قائلا :
- حمد الله على السلامة ، مصر نورت ،أنا كنت جاي استقبل
صديق ليا بس طيارته اتأخرت ونزلت ترانزيت في دبى مكتوبلي بقى أوصلك

هزت رأسها رافضة عرضه :

- ميرسي بجد ، بس السواق مستنيني بره
تهدلت كتفاه وقال :
- طب خلاص اسمحيلي بقى أساعدك في الشنط
ابتسمت له وقالت :
- شور ولو إني هتعبك معايا
- بالعكس تعب إيه ده حتى شنطك قليلة أوى اكيد لميتي اللي
قدريتى عليه ورجعتي بعد الخبر اللي سمعناه كلنا ،
قالها وهو ينظر لها بمكر بالغ منتظرا ردة فعلها والتي كانت
واضحة على ملامحها وتوازت مع نبرة صوتها المتوترة:
- خبر إيه ،خير ؟!
رفع حاجبيه وقال بإندهاش كاذب :
- معقول ماتعرفيش ،زياد باع شركته لداليا الزهري
وعندها توقفت خطواتها تماما عن الحركة
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل السابع

لم يتغير المكان كثيرا بل ربما بقي على حالته خاطرة مرت بذهنها وهي تجتاز بسيارتها الرياضية البوابة المعدنية المنخفضة لذلك المنزل الحجري المكون من طابق

واحد والذي يحوي غرفتين لا أكثر كانت في الماضي مخباءا سريا لهما لا يعلم موقعه أي شخص سواهما ترجلت من سيارتها وهي واثقة أنه لا يزال يحتفظ بتلك الميزة فجاسر سليم لن يخاطر بسمعته إذا ما شوهد برفقتها وهو الرجل المتزوج .

الهواء كان باردا خاصة بمكان واسع يحيطه اللاشيء بعض النباتات القصيرة الغير مشذبة وهواء البحر يحمل صوت تضارب أمواجه وحرصت هي على ارتداء ملابس محتشمة مكونة من قمیص سماوي مقلم وسروال أزرق ينساب على ساقيها بنعومة بالغة ورفعت شعرها وثبته بدبوس ذهبي.


فهي مدعوة لعشاء، لم تحتاج لدق الباب فقد كان يقف حاملا فنجانا بمشروب ساخن وعيناه لا تفارقها قائلا وهو ينظر لساعته الثمينة :

- فكرتك توهتي فتقدمت منه بهدوء قائلة بثقة ودقات قلبها تتسارع :
- أبدا ، المكان ماتغيرش أفسح لها الطريق مرحبا بها :
- اتفضلي دخلت وطالعت الغرفة الصغيرة التي لم ينالها أي تغيير درجتان
للأسفل وتصبح بمنتصفها ثم تقودها لمدفئة حجرية قديمة تقتات على الأخشاب لتشع الدفء في الغرفة بمواجهة برودة
رياح الخريف التي يحملها نسيم البحر من الشرفة الواسعة العبة والطاولة المستديرة داخلها تحمل فوقها شمعدانا أثريا من الفضة والشموع مضاءة وبعضها متناثر في الأركان وعلى السور المنخفض ابتسمت والتفت له بنعومة وقالت : - شموع وورد . اتغيرت يا جاسر ! !

ابتسم هازئا وقال : - أنا زي ما أنا ماتغيرتش وأنت زمان ماکنش بيهمك لا ورد ولا

شموع ، واستطرد بمكر : - ماکنش بيهمك غيري أطلقت ضحكة ساخرة :
كنت هبلة ، فعلا لازم اعترف حمل لها فنجان من الشاي الساخن وقدمه لها وقال معترضا :
- کنت بريئة ، براءة الحب والأحلام تناولت منه الفنجان وشربت منه القليل
وقالت بعزم : - في دي أنا فعلا اتغيرت ، خصوصا أني أخدت أعظم درس على
إيديك حرك لها المقعد المبطن بقماش القطيفة لتجلس وجلس أمامها
قائلا بسخرية : - مافيش داعي للشكر ولو أن أنت كان عندك الإستعداد
وضعت الفنجان وقالت بمرح : - واضح أنه مش عشا وهنقضيها على فنجان الشاي ده والأتهامات المتبادلة.

وضع الفنجان وقال بهدوء :

- لا إزاي ده أنا حتى مستنيكي من ساعتها قام وشمر عن ساعديه وشرع بإنهاء طعام العشاء الذي كان يعده بنفسه وقامت هي وراءه لتمد له يد المساعدة قائلة :
- أنا ححضر السلاط
لم يعترض ودفع لها بسلة الخضروات لتقوم بالعمل ثم قال بلطف
- إيه اللي رجعك يا داليا ؟
قالت بحنين : - اشتقت لبلدي
أجاب غیر مصدقا : - ولو أنك زمان کنت مشتاقه تسافري بأي شكل
هزت رأسها نافية وقالت : | كنت مشتاقه إني أسيب البلد ونهرب سوا ، نبعد عن الكل ، بس
أنت طلعت أذكى مني
ضحك هازئا : - لا الصراحة الأذکی کان أمين الزهري وضعت السكين بعدما انتهت من التقطيع وقالت بنبرة حزينة :
- وحملتني ذنبه
أطفأ الموقد وشرع بإعداد الأطباق وقال بعد وهلة : - ماکنش مذنب ، كان حقه ولو كنت مكانه كنت هعمل زيه ضحكت بهسيترية حتى ظن أنها فقدت عقلها وفکت خصلات
شعرها ثم قالت : - سوري بجد ، بس أنت ألعن منه على الأقل هوا كان بيعمل أي حاجه عشان يحميني أنا وبس أنما أنت بتعمل كل حاجة عشان
تحمي كل حد في حياتك وأردفت بحقد :

- حتى لو ممكن يأذيك هز رأسه متفکها وصب الطعام وتذوقه تحت ناظريها ثم مد لها

بالطبق وعيناه لاتحيد عنها
قائلا : - بون آبتی ، وماتقلقيش أنا دوقت المكرونة قدامك بس الشاي
وترك جملته معلقة في الهواء وسار بطبقه للشرفة وسارت خلفه وعيناها تلمعان بجزل ثم جلست أمامه بهدوء قائلة :
- زیاد بدأت ترجعله ذاكرته
شرع في الأكل وقال بإحتقار : - ودي حاجه تتنسي شركة قيمتها ملايين تروح منه في ستريب بوکر
أطلقت ضحكة ساخرة وقالت : - تخیل ، مش معقول ، أنا كمان ولا ملايين الدنيا تخليني أعملها
ثم استطردت بقوة :
- ولا عملتها . ركز أنظاره عليها والتمعت عيناه بمكر وقال : - برافو یا داليا بس باتری ممكن تلعبيها لو كنت أنا الخصم ؟ زمت شفتيها وتركت الشوكة جانبا وقالت بإستهزاء :
- وأنا اللي كنت فاكراها دعوة عشا بريئة.

قال :

- اللعبة لسه ماخلصتش باداليا ، وأردف بتهدید :
- ومش هنخلص إلا لما الشركة ترجعلي . مدت يدها لكوب الماء وارتشفت منه القليل وقالت :
- وأنا هرجعالك يا جاسر بس بشرط التمعت عيناه وقال :
- أيه هوا ؟ دفعت بخصلات شعرها للخلف وقالت بدلال مفرط :
- نتجوز وهكذا ألقت قنبلتها بشفاة قرمزية وبقي هو يحملق بها حتى
ارتعشت شفتاه بابتسامة غامضة

عادت للمنزل منذ يومان وتقبل هو عودتها شاردا حتى أنه رحب بأبنائه بهدوء بالغ

وصدقت أمها فالبعد جفاء بالفعل وقفت تنظم الأزهار التي تحملها كل صباح لركنها المميز في هذا القصر الشاسع ، أزهارا تزرعها بنفسها وتحرص دوما على الإعتناء بها ولكن أزهارها ضعيفة لا تتحمل برودة الخريف

وتقلب أجواءه أزهارها مثلها ، لم تعد قادرة على تحمل الصعوبات التي تمر بها تتمنى لو تنقشع الغيوم وتعود الشمس لتسيطر على سماء الأرض

هي مخلوقة صيفيه بل هي أقرب للربيع من يقول أن الشتاء مطر وفنجان قهوة وصوت فيروز ، لایدری نعمة الشمس ولا جمال دفئها وصفاء شعاعها وحرارة الجو
الصافية بفضلها وأما عن صوت فيروز فهو يشع شتاءا وصيفا فلم عساها تتمتع به فقط تحت وطأة زمهریر.

- صباح الخير

نبرة صوته الدافئة أرسلت لجسدها القشعريرة فالتفتت له وتركت
الأزهار هامسة :
- صباح النور جلس لطاولة الطعام ليتناول فطوره الذي حمله من المطبخ في
هدوء ثم قال : - الولاد فين مش سامعلهم صوت ؟ ! | تابعت عملها بأصابع متوترة وأجابته متوقعة منه الزجر : - طلعوا رحله للمكتبة تبع النادي هعدي عليهم الساعة ۱۲ أخدهم.

ابتسم لها على حين غرة : كبروا ، وبيطلعوا رحلات دلوقتي

ابتسمت له بصفاء وقالت : - وسليم ماشي الصبح عمال ينبه على سلمى تمسك إيده
وماتبصش على حد
أطلق ضحكة عالية وبعدها ساد الصمت بينهما وظل ينظر لها ثم
قال بحنان دافيء : - ماتسيبي الورد اللي في إيدك ده وتعالي اقعدي معايا
هاربة هي بكل تفاصيلها وبالأخص عيناها وكلما عمدت للهروب استهوته مطارداتها لتعود بمكمنه هادئة
فيطمئن هو لسكونها نظرت له متوترة ولا تعلم لم قفزت الدموع لعيونها لقد فقدت القدرة على التقرب منه بحديث سوی بکلمات
متناثرة عن حال الصغار ولم تكن يوما ماهرة بالحكي عن نفسها أو عن مشاعرها وهو غامض ككهف حالك السواد لاتدري مابه ولا بأي أرض
تطأ إلا عندما يرشدها هو بضوء خافت
جلست أمامه صامتة وبادرها بمسكة حانية لكفها البارد وقال هامسا :

- إيديكي ساقعه هزت رأسها وحاولت سحب كفها ولكنه استبقاها بل وحاصر

الآخرى وقال بدفء : - أنا عارف أني ساعات بضغط عليكي وعارف ومقدر کویس أنك بتستحمليني لكني دايما واثق أنك هتفضلي على طول
مستحملاني ، ثم رفع ذقنها بطرف إصبعه وحملق بعيناها البنية الدافئة واستطرد
برجاء : - يا تری أنا غلطان ياسالي ؟ ياترى بطلتي تستحمليني ؟
هزت رأسها نافية وانهمرت دموعها وقالت :
- أبدا ، عمري

مسح دموعها سريعا وقال بصوت أجش :

- ماتعطيش مابستحملش دموعك
وغمرها بأحضانه وهو يربت على كتفها ثم قبل رأسها وقال
بهدوء : - أنا هروح الشغل دلوقت لو عوزتي حاجة كلميني
وهكذا كما يقولون " شمس الشتاء عزيزة " كذلك شمس مشاعرة ودفئه الذي يغمرها به فما كانت سوى دقائق معدودة حظيت بها بقرية لم تثرثر ، لم تبح بما يعتمل بصدرها من مخاوف
فقط طمأنته أنها ستظل دوما إلى جواره واطمأنت أنه لايزال يرغب بذاك القرب

لأول مرة يتعالي صوتها بصراخ في وجهه فهي كانت تعامله دوما

معاملة الأطفال على الرغم من أنها تصغره بخمسة أعوام لا تلجأ للصراخ ولا المطالب بصوت مرتفع وإلا بادراها بالعند ولكن فاض الكيل
- فيه أيه بينك وبينها ؟ !
رد زاعقا :
- قولتلك مافيش حاجه - وبعتلها ليه الشركة وفجأة ومنغير أي مقدمات
هدر بها : - مالكيش دعوة بشغلي ، شغلي وأنا حر فيه اتجهت لحقيبتها وأخرجت هاتفها والصورة التي لازالت تحتفظ
بها : - والصورة دي كانت شغل برضه یا زیاد ؟ ! !

حملق في الصورة وقال مرتبكا : - كمان باعته جواسيسك ورايا

ردت حانقة : - أنا مابعتش حد وراك الصورة دي وصلتني من حد من مصلحته
أنه يوصلهالي
ثم اقتربت منه وقالت هامسة بحرقة : - ولأن ثقتي فيك كانت أكبر أن مادیتهاش أهمية ، لذلك ولآخر مرة بازياد بسألك فيه أيه بينك وبين داليا الزهري ؟
رفع رأسه وقال بتصميم : - مافيش ، عاوزة تصدقي أنت حرة مش عاوزة برضه أنت حرة
وخرج وتركها
خرج هاربا خرج لأنه بات لايقوى على المواجهة مواجهة واقع أنه خسر عمله وشركته وأمواله وعلى وشك خسران
زواجه واستقراره بالكامل

عيناه كانتا تلمتع بغضب وحشي وهو يراقب تقدمها داخل بوابة

الشركة من نافذة مكتبه
متأخرة بساعة كاملة
بعد ما حدث بالأمس وتجاهلها الرد عليه وتلك الرسالة النصية
المختصرة جدا | تظهر في اليوم التالي متأخرة ! ! رفع سماعة الهاتف ثم قال لموظف الأمن :
- مدام درية وصلت يا عرفة

أتاه الرد :

- أيوه يا باشمهندس وطلعت على فوق قام وخلع سترته القائمة السواد وشمر عن ذراعيه وسار بخطوات حازمة حتى الخارج وطالعته السكرتيرة بنظرة مشوبة بالإعجاب
وخاصة أن هيئته كانت أقرب لأحد ممثلي هوليود بقميصه وسرواله الأسوديين وخصلات شعره التي قصرت بعض الشيء ولكنها لازالت تقترب من یافته فهبت واقفة وقالت بغنج :
- تؤمر بأي حاجة ياباشمهندس نظر لها بطرف عيناه وهو يطالع الحسناء التي استقرت على
مكتبها منذ ثلاثة أسابيع لا اكثر ثم اقترب منها بحميمية وقال :
- فكريني بإسمك تاني ؟ قالت بصوت مبحوح :
- میار
هز رأسه بغموض ومضي في طريقه وتركها كانت لازالت تفاصيل صباحها بل مساؤها المشحون تطاردها ، عراك محتدم بينها وبين العميد الذي هدر بها غاضبا " هتتجوزيه.

ورجلك فوق رقبتك " واستيقظت لتجد أن والدها قد غادر تاركا لها مظروفا يحمل

عشرة آلآلآف من الجنيهات أهكذا يظن ؟ ! ! يحمل لها حفنة من الأموال لتنصاع لأوامره
هي ماعادت طفله كانت تدق بأصابع متوترة على لوحة مفاتيح الحاسوب تراجع
قيمة أسهم الشركات المنافسة ومن حين لآخر ترتشف القهوة الساخنة التي حرقت حلقها
ولكنها تابعت الشرب غير عابئة العبة عاشق
والسؤال الحانق يتردد بداخلها عابثا بسلامها النفسي
" أيظن أنها لازالت طفلة ؟ ! ! " توقف المصعد وفتح الباب وظهر بهيئته الشيطانية وسار بعنجهية مفرطة متجاهلا النظر إليها فطالعته متعجبة وهو يتجه لغرفة مكتبه التي لم يطأها من قبل واستمعت لنبرة صوته الآمرة قائلا ببرود :

- ورايا

اتسعت عيناها بغضب ماجن
أهكذا أصبح هو الآخر يتحدث إليها ! ! ! | وكعادتها عندما تغضب تأخذ شهيقا عميقا وتتوالى الأرقام
داخلها حتى العشرون ، فالعشرة لم تكن يوما كافية طرقت الأرض الرخامية بحذائها المدبب وحاولت مسح ملامح الغضب المنحوتة بدقة على وجهها مكتفية بتقطيبة جبين واضحة لم تحتاج لطرق الباب فقد كان مفتوحا على مصراعيه إلى أن
دلفت منه فأغلقه ورائها بهدوء
وبعثر التوتر مشاعر الغضب داخلها
فوجودهما فقط في الطابق سویا خلوة كافية
فلم عساه يوصد الباب عليهما ؟ ! ! وكأنما استمع لمخاوفها فابتسم لها وقال بإستهزاء تام :
- عاملة إيه يادرية ؟ أزيك وأزي الولاد ؟

قطبت جبينها أكثر وقالت معترضة : - إيه الأسلوب اللي بتكلمني بيه ده ؟

أشار لها بيده مستفهما قائلا بحدة : - ليه ؟ ما أحنا أصلنا جايين نتسامر مش نشتغل وكانت الحدة من نصيبها هي الأخرى :
- أفندم ؟ ! !
اقترب منها صارخا : - ماهو أنا لما أبعتك مأمورية وبدال ماتتفضلي وتتكرمي وتتعطفي تردي عليا حضرتك تروحی بیتکو ولا كأن فيه أي
حاجة ، يبقى احنا جايين نتسامر ، ماهو أنا أصبی کنت باعتك
تسلي روحك مع العضو المنتدب في شركة الزهري فاقتربت منه هي الأخرى وبرقت بعيناها بوحشية في مواجهته
قائلة : - أنا ماسمحلكش يا أسامة ولحد هنا وكفاية ، أنا ما وافقتش على
التمثيلية دي عشان في الآخر اضطر اسمع سخافتك وهمت بإنصراف ولكن أنامله كانت الأسبق فقبض على ذراعها بحزم وأدارها لتواجهه مرة أخرى فاتسعت عيناها بذهول غاضب
- أنت اتجننت أنت أزاي تمسكني كده ؟
تجاهل اعتراضها وقال بجنون :
- عمل إيه معاكي إمبارح ؟ جذبت ذراعها تلك المرة بقوة وقالت بحزم : - لما تبقى تهدي وتعرف أنت بتقول إيه يبقى نتكلم
وفتحت الباب ودفعته ورائها بقوة
وعادت مرة أخرى إلى حيث مكتبها ووجهها أحمر كقرص الشمس لحظة الغروب وداخلها مكتظ بكل مشاعر الغضب
والجنون وكانت تلك المرة الأولي له التي يراها في تلك الحالة فبادرها بسؤال مهتم :

خیر پادرية ، مالك ؟ ! | ولم يحتاج لإجابة درية التي عادت لمقعدها وهي تحييه بإقتضاب فقد كان ظل أخيه الذي يندفع من الغرفة تسبقه

شياطين السعير خير إجابة
فقال بهدوء قدر استطاعته :
- صباح الخير يا أسامة ثم تناقلت نظراته بين الأثنين وأردف ساخرا :
- ولو أنه مش باين ثم عاد لتوجيه حديثه لأخيه الذي كان بإنتظار المصعد ببرود :
- أسامة ، عاوزك
ودخل مكتبه فالتفت الأخير له وأطلق نظرة متوعدة بإتجاه تلك
التي تتجاهله متعمدة فاقترب منها هامسا بوعيد :
كلامنا لسه ماخلصش

أغلق جاسر الباب بهدوء وقال بصوت لا يقبل الجدال : - عشان نبقي واضحين ياأسامة . أيا ما كان اللي في دماغك لحد

درية وستوب التفت له وضحك ساخرا محدقا فيه بتحد تام : - وأنت بقى اللي هتعرفني إيه اللي عنده وأقف ؟
أشار له جاسر بإصبعه مهددا : - أبعد عن درية يا أسامة هز رأسه وقال بعند :
- مايخصكش یا جاسر ، أنت اللي لازم تعرف حدودك أنا مش

عیل صغير ولا أنا زیاد كانا على وشك الدخول في عراك محتدم لولا طرقات درية

الهادئة التي قطعت لحظاتهما المشحونة دخلت بهدوء لتضع على سطح مكتب جاسر أوراقها التي تحملها
قائلة برود متجاهله صراع الأسود الذي يدور في الخلفية : - دي نسختين من تقرير عملته عن حركة الأسهم والمعلومات اللي وصلتلها من مأمورية إمبارح ، باشمهندس أسامة . ثم أردفت

بحزم : - زائد طلب أجازة لآخر الأسبوع یا جاسر من فضلك نظر لهما جاسر حانقا وقال بحدة موجها حديثه لأخيه :

- مأمورية أيه ؟ سدد أسامة نظرة غاضبة نحو درية التي كانت تبادله النظرات
متحدية غير عابئة وقال بهدوء غامض :
- هتعرف من التقرير اللي عملته درية لعبة عاشق
ثم انصرف اتجه جاسر لمكتبه وهمت درية بالإنصراف هي الأخرى حتى
استوقفها جاسر قائلا بوضوح : - ياترى الأجازة دي رد فعل على تصرفات أخويا ؟ ! |
التفتت له وقالت وهي ترواغه : - أنا عارفة أنه التوقيت مش مناسب بس أنا مضغوطة من كذا ناحية واتطمن أحنا مع بعض على التليفون وهقطعها لو حصلت
أي تطورات هز رأسه موافقا وقال بصوت لا يقبل الجدال : - ابعتي البديل وخدي بقية اليوم راحة وبكرة ، بعده تكوني على
مكتبك ثم طالعت عيناه التقرير الذي أعدته وتعجب من دقة الأرقام فقال وهو يسدد نحوها نظرة ماكرة : - يظهر أنه من الأفضل ماعرفش نوع المأمورية
فأشاحت بأنظارها بخجل وخرجت صامتة فماذا عساها أن تخبره ؟ ! أنها قد تقمصت دور إمرأة لعوب للحصول على معلومات بالغة السرية فقط لساعتين زمن ولو استمرت لربما حصلت على ماهو أكثر ، فهذا العضو المنتدب رجل أهوج قد يورط الشركة في مصائب مقابل رفقة حسناء ، وبدلا من أن يوجه أخيه الشكر لها
بادرها بإتهامات مخزية .

طلته كانت مختلفة بعيناها

طلتها هي الأخرى كانت مختلفة بعيناه لم تستاء من التغيرات التي طرأت على مظهره لأنها كانت واثقة تماما من معدنه وطيبة قلبه ولكن الإستياء كان من نصيبه فقال
متبرما : - عمل فيكي إيه الوحش الكاسر ؟ ضحكت بتوتر وهي ترحب به يإهتمام بالغ :
- اتفضل يا أسامة ، أزيك عامل إيه ؟ ! ! رفت نظراته وهو يطالعها قائلا :
- خسيتي ابتسمت بحبور وقالت :
- بجد ، أهوه أديني بحاول إبتسامتها لم تصل لعيناها قط وسرعان ماغابت عن شفتيها وهي
تقوده للداخل
قائلة بهدوء : - أظن أنه سوسن هانم نايمة دلوقت بس هيا ممكن تصحی کمان شوية.

رد بهدوء : - ولا يهمك أنا ممكن أقضي بقية اليوم معاكم ده لو ماکنش

بدايق التفتت له وهي تنفي سريعا :
- بالعكس أبدا ده أنت تنورنا
- سالي أنت بطلة باغتها بتلك الكلمات عندما همت بالإنصراف للقيام بواجب
الضيافة فالتفتت له قائلة بتوتر :
- ليه بتقول كده ؟
قال وكأنما يؤكد لها حقيقة : - اللي تعاشر جاسر والنسخة الأنثوية منه لازم تكون بطلة
ثم أردف بلطف : - ماتعمليش حاجة وتعالي احكيلي مالك ، ليه شكلك تعيس کده

توقفت الكلمات عند شفتيها وحشر صوتها في حلقها حتى ظنت أنها ستختنق والدموع هددت بإنهيار مزر أمامه فهزت رأسها

نافية وقالت وهي تشدو هروبا : - تعرف أنت بتفكرني ببابا الله يرحمه ، كنت ممكن أعرف أمثل
على ماما لكن بابا . . .
وصمتت وجاهدت الدموع التي توالت بالطرق على جفونها بقوة أكبر عند ذكرى والدها الحبيب ثم أردفت بصوت متحشرج :
- كان بيقفشني كل مرة ، خليها وقت تاني يا أسامة أنا ورايا مشوار مهم . . الولاد فوق في أوضتهم بيلعبوا لو تحب تقعد معاهم
وتركته ينظر لهروبها بحيره لاعنا أخيه في سره
قضى فترة لا بأس بها باللهو مع أبناء أخيه ، سليم كان يتحاشي اللهو بصخب وعندما يهم بفعل ما يتراجع عنه سريعا وكأنما يخشى التمتع باللعب حقا كأي طفل في الثامنة من عمره ، أما سلمى فكانت فتاة بريئة مرحة لم تكف عن السؤال عن ابنة عمها وإلى أين ذهبت وكيف لها أن تتركهم فكان سليم يقاطعها بعنف عندما تذكرها
حتى هدئه أسامة وقال له : - براحة على أختك يا سلیم ، أنت لازم تكون حنين عليها وتحميها مش تزعقلها وتتخانق معاها فرد سليم متبرما :

- ماهي أسئلتها غبية

ابتسم له عمه بدفء وقال : - عشان بتسأل عن مريم ، طيب أنت ماوحشتکش ؟
هز رأسه وقال بحزن :
- وحشتني
فرد أسامة بحنان : - أنا كمان وحشتني جدا بس اللي مصبرني أنها عند ربنا في
الجنة بتلعب ومبسوطة فقالت سلمى بعقل طفلة في الخامسة من عمرها لاتستوعب
معنى الفراق : - طب مانروحلها نلعب معاها
هز العم رأسه مؤكدا بهدوء : - هنروحلها . في يوم من الأيام كلنا هنروحلها.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الثامن

- عيد كدة تاني اللي قولته حدق فيه ولازال عقله يحاول إستيعاب ما قاله أخيه الأكبر

فقال جاسر بضيق :
- فيه إيه مش مفهوم في كلامي ؟ قبض على لسانه كي لا يتفوه بألفاظ قد تسيء لأخيه محاولا الهدوء ولكن محاولته لم تكن جدية بالقدر الكافي إذ أنه رد
صارخا : - أنا عايز أعرف أنت حدودك فين بالظبط ؟ إيه اللي ممكن يوقف جاسر سليم ؟

رد بعنف :

- أنا مافيش حاجة ممكن توقفني ومافيش حد يلوي دراعي
ضحك أسامة بسخرية وقال :
طب ما أهيه بتلوي دراعك
فرد جاسر بهدوء : - الجواز مش لوي دراع ده قبول أو رفض بين أي طرفين
التمعت عيناه بحدة وقال : - وأنت موافق یاجاسر ؟
ضاقت عيناه وقال : - القرار مش بتاعي لوحدي

حدق فيه غير مصدقا وقال : - أنت ممكن تعمل كده في سالي فعلا ؟

رفع أنظاره نحو أخيه وقال : - إحنا في مركب واحدة ، وهيا بتخاف على مصلحتي
زعق فيه حانقا :
- أومال بتقولي ليه ؟ هه ، لمجرد العلم بالشيء أنت أصلا واخد قرارك ومش محتاج ليا ولا لغيري ، ولا هامك حتى الأرقام ولا
المعلومات اللي جابتها درية لم يستطع المقاومة أكثر من ذلك فاندفع نحو عبوة السجائر التي تخص أخيه وسحب واحدة وهو الذي أقلع عن التدخين تماما
منذ عام تقريبا ونفثها بقوة : - مش كفاية وماتضمنش أن الشركة ترجعلي
عندها بهدوء قال ساخرا : - ترجعلك ! ! مش ترجع لزياد ؟ ! !

حل ربطة عنقه وهدر : - ولما ترجع لزياد حيحصل إيه ، هيضيعها من تاني ونفضل نلف

في الحلقة دية لحد أمتي ؟ هز أسامة رأسه وقال وهو ينظر له بضيق قائلا بتهكم مرير : - أنت أصلا واخد قرارك ومافيش حاجة هترجعك إلا لما تخسر
، عارف وأنا هسيبك تخسر وافتكر كلمتي ياجاسر افتكرها كويس
واقترب منه ولكزه بإصبعه في كتفه قائلا بتصميم : | - أنت محتاج الخسارة عشان بعد كدة تعرف تقدر قيمة اللي معاك

تمر على المرء لحظات يتمنى لو لم يختبرها قط

ولكن للقدر لحظاته الفارقة في زمن قريب بمكان ليس ببعيد خرجت شابة في منتصف العشرينات من بيتها لتتجه لزيارة صديقتها التي انتقلت للحی القريب منذ يومان فقط ، زيارة لو أطالتها لساعة واحدة فقط في ثرثرة نسائية ماعرفت بخيانة خطيبها الذي كان يجلس في مطعم برفقة أخرى وهو الذي أخبرها يوم الأمس أنه سيكون مسافرا.

بعمل ولشدة هول المفاجأة عليها تركت الفتاة سيارة الأجرة التي كانت ستقلها عائدة لبيتها وهي تتجه للمطعم لتصب على الخطيب الغادر غضبها

وكانت المحظوظة التالية بتلك السيارة الخاوية في هذا الوقت
المزدحم " سالي " التي لم تكن محظوظة بقدر كافي إذ عادت لقصر " آل سليم
" مبكرة حاملة هدية عيد ميلاد لزوجها وحبيبها وقررت لشدة حظها أن تدخل من باب الشرفة الواسع بدلا من البوابة الرئيسية للقصر لتضعها في حجرة مكتبه حتى تكون مفاجأة لطيفة له.

عندما يعود ولكن المفاجأة لم تكن لطيفة

إذ لم تكن أبدا ! ! فسالي استقرت على الأرض الباردة للشرفة المظلمة ودموعها تجري أنهارا على صفحة وجهها البريء في صمت تام بجوار
الحقيبة التي تحمل هديتها التي غلفتها برونق خاص فلقد سمعت للتو قرار زوجها بالزواج من أخرى والسبب لم يعد أبدا مهم ! !
لقد فكر وقرر واختار رغما عنها فكما قال " هما الإثنان في
مركب واحدة وما قيمتها بمقارنة شركة تقدر بملايين الجنيهات ؟ ! !
لو أراد إختيارها لكان فعل
وبكل الأحوال هي خاسرة إن رفضت فستخسره وإن قبلت أيضا ستخسره.

لا تعلم كيف دفعت بساقيها للنهوض ولا بعد كم من الدقائق تماسكت وحملت هديتها بوجه بارد ودموعها تشق داخلها نهرا

الا قرار له ودلفت من باب القصر الشامخ لمحت الأضواء الخافتة تهرب بظلها من خلف باب غرفة مكتبه فتجاهلتها متعمدة وصعدت للأعلى حيث دفء أبنائها هاربة
ولكن شيئا ما جعلها تتوقف أمام حجرتها نعم هي المسئولة الأولى عما آلت له حياتها، هي من رفضتها وكرهتها وجرعتها كؤوس الهوان والذريعة.

" أم مريضة "

سمعت آه خافتة تلتها أخرى توقعت أن تنشب داخلها نیران الحقد وأن يرقص قلبها طربا بذاك العذاب ، ولكن عذابها كان
أكبر وبيقظة ضميرها الذي لا يهدأ اتجهت بخطوات هادئة نحو
غرفتها وطرقتها بحرص وخطت داخل الغرفة المظلمة لمعة عيناها أرشدتها لمكانها لقد كانت تفترش الأرض أمام
الشرفة أضاءت المصباح الخافت وقالت بتساؤل مرتجف :
- أندهلك نعمات ؟ هزت لها رأسها نافية وقالت بقسوة الألم وقوته :
- مش عاوزه حد ، عاوزه أموت ، تعبت
منعت دموعها من الإنهيار بصعوبة واقتربت منها وقالت بصوت
مرتعش : - طب على الأقل قومي معايا على سريرك ماينفعش تموتي على الأرض

نظرت لها بكراهية وقالت :

- ده اللي بتتمنيه
ابتسمت لها ساخرة : - لیا آه بقيت بتمناه ، وليكي . . . إن كان فيه راحة ليكي جذبت ذراعها فجأة بقوة تتنافى مع مرضها وقالت وهي تدفع بجسدها للأعلي بمساعدة ذراع سالي الممدوة لها بخشونة :
- التأخير من عندك
لم تتمالك سالي نفسها وضحكت ودموعها تنهمر وهي تدفع
بجسد سوسن النحيف نحو الفراش وهي تهمس لها :
- مافيش فايدة
أمسكت سوسن بكفها قبل أن تبتعد وقالت بحزن : - مانكرش أنك السبب ، بتمسك بأنفاسي عشان أعيش وأقهرك
زي ما أنا مقهورة منك رفعت لها سالي أعين لائمة وهي تقول بنبرة تعيسة :
- لیه قهرتك ، ليه بتقولي كده ؟ عملتلك إيه ؟ هزت سوسن رأسها وأخفضت عيناها خجلا وهي تجذب الشراشف الوثيرة نحوها تشدو دفئا فعظامها لم تعد تتحمل برودة الطقس وقالت :

- أكتر واحدة حبها ، أكتر مني هزت سالي رأسها نافية وقالت بهدوء وكأنما تقر لها واقعا : - أنت غلطانة ، ابنك بيحب نفسه أكتر ، ولو كان بيحبني ماکنش

أجبرني أعيش معاك ، لخاطرك رفعت سوسن أنظارها وقالت معترفة :
- لاء هوا عشان ضميره مش أكتر
جلست سالى إلى جوارها وقالت وهي تحصي : - طيب ، يبقي مش أنا ، ضميره وهوا ونفسه وبس
همست لها بخوف :
- کرهتيه ؟ هزت رأسها وقالت مزدرية حالتها والدموع تغالبها : - ياريتني كنت أقدر ، حتى بعد اللي عرفته ياريتني كنت أقدر لم تصدق أن يد سوسن من تربت على كفها المنبسط أمامها وهي
تقول لها باسی :
- معلش التفتت لها سالي ومسحت وجهها وأنفها بقوة وأجبرت نفسها على التوقف عن البكاء وتأملت بشرة المرأة الشاحبة ثم قالت
بنبرة هادئة :

- تحبي أجيبلك حاجة دفعت برأسها للخلف وقالت بخجل وهي تغمض عيناها :

- هوا أنا حاولت أخد جرعة زائدة من المسكن وأخلص ، بس مالقتش غير حابيتين ، ناوليني المصحف أقره شويه يمكن ربنا
ا يغفرلي اتسعت عينا سالي وهي تنظر لمن تصارحها بمحاولتها للإنتحار بهدوء وبرود تام فقامت تبحث عن المصحف الكريم لتلبي لها رغبتها حتى عثرت عليه وعادت لها وهي تلوم نفسها لضعفها
وقلة حيلتها إمراة تتحمل من الآلآم ما لا يمكن تحمله حتى أنها تفكر بالإنتحار وتنهي حياتها هربا من شقاء مرض وقوته وهي تنهار لرغبة زوجها بالزواج من أخرى
يالها من مثيرة للشفقة فليذهب ويتزوج من النساء مايشاء ، اللعنة عليه هي لن تبالی
فالخسارة واحدة ولا عزاء إلا للكرامة وهي ستواجهه بكل ما أتيت من برود
حفظا لبقايا ماء وجه
وربما بقايا لما كان في يوم يدعي زواجا تحت مظلة حب

لسعة البرودة في الأجواء كانت غير محتملة ولكن أنفاسة المشتعلة والتي تصب بنيرانها في حلقة مرسلة بأدخنة تخنقه

كانت الأقوى سعل بقوة وبعند تملکه قرر إستكمال لفافة التبغ لآخرها
هل يمكن أن يقوم بالمستحيل ؟ ! ! نعم ، لقد كان من رابع المستحيلات بالنسبة له الجمع بين زوجتين
فهو كائنا إنفراديا بطبيعة حاله يشفق على ذويه ممن يتحملون وزر مثنى وثلاث ورباع
فأين لهم بالعدل ؟ ! ! | رحم الله إمرؤ عرف قدر نفسه وهو لم يكن يوما بالعادل ولكن الحسن حظه أن رفيقة دربه تتحمل مغبات ظلمه بنفس راضية
ولايدري أيصارحها ويخيرها وبهذا يكون عادلا أم أنه في الواقع مستمرا بظلمه لها ؟
قبلت جبين صغارها ورفعت ألعابهم المتناثرة وعادت لغرفتها ووضعت هديتها التي كانت تحملها على طرف الفراش يإهتمام
ولمحته ينفث دخان سجائره لقد عاد للتدخين إذا.

" لابد أن الموضوع عويص " خاطرة ساخرة مرت بذهنها وهي تبتسم له بهدوء مرحبة

رفع حاجبيه تعجبا وقال لها :
- لسه راجعة ؟ هزت له رأسها وهي تخلع وشاحها ذو اللون الزيتوني من أعلى رأسها ونثرت خصلاتها البندقية الناعمة حول وجهها وهي تواجه
صورته في المرآة أمامها قائلة :
- من شوية
لمحت علامات الغضب تزین جوانب وجهه وترسم تقطيبة مثالية أعلى جبهته وهو يتقدم منها فاستدارت تواجهه ليقول بحدة :
- الساعة ۱۱ کنت فين كل ده ؟

تناولت الحقيبة الورقية السوداء اللامعة التي كانت مستقرة على

الفراش وقدمتها له قائلة بهدوء : كنت ناوية استنی کمان ساعة ، كل سنة وأنت طيب عقد حاجبيه شاردا وهو يستدعي الذكري مطالعا هديتها الثمينة . دبوس ذهبي صنع خصيصا له يحمل حرفي اسمه ، كان واثقا أن زواجهم يعود لفصل الصيف ، وعندما طال صمته قالت بنفاذ صبر
۱۱ / ۹ عيد ميلادك ارتسمت ملامح الدهشة على وجهه وقال بصدق : - أنا فعلا كنت ناسي ماحستش أصلا أمتي الشهر دخل ، متشکر تنازعت الكلمات على طرف لسانها ولكن بقي الصمت القاهر الأقوى يتربع فوق عرش شفتيها وهي تنظر له وعيناها تحمل تأنيبا ، إتهاما ، رفضا لما سوف يصارحها به وإذعانا في الوقت نفسه لما سوف يطلبه منها أمسك بكفيها وهو يشعر بالذنب يتاكله حملت له هدية ليحمل لها خيارا أقسى مايكون بل هو أقرب لطعنة قائلا :

- سالي أنا كنت عاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم هربت بعيناها وسحبت كفها الدافيء بعيدا عن مرمي كفه البارد فهي غير قادرة على المواجهة حتى لو ظنت أنها مستعدة لها ، لا ليس بعد فاستبقته بكلمات تتسارع على لسانها بإهتمام بالغ : - جاسر هوا طنط مش كان المفروض تعمل عملية تانيه بعد اللي

عملتها من سنة ؟ توترت ملامحه وعقد حاجبيه بقوة أكبر وهو يحاول سبر أغوارها
وقال بدهشة : - آه . بتسألي ليه ؟ تجاهلت سؤاله وأردفت :
- ليه معملتهاش ؟
رد بنفاذ صبر :
- الدكاترة اختلفوا على أهمية العملية وفيه اللي حذرنا إنها ممكن تفقد ذاكرتها بسببها
اتسعت عيناها وقالت بعصبية : - وفيها إيه لما تفقد الذاكرة مش أحسن من العذاب اللي هيا عايشه فيه ؟ هز رأسه حانقا هو الآخر ، فهي تعبث بأفكاره وبقوة جأشه بأسئلتها المتكررة وتوقيتها الغير مناسب إطلاقا لما سوف يلقيه بوجهها وفي الوقت نفسه ملقية بظلال الذنب لقراراته السابقة.

والحالية فقال ضائقا : - مش فاكر ياسالي . . مش فاكر ليه . . وقتها أنا وأسامة قررنا أنه مالهاش لازمه ، وقتها كانت آراء كتير من الدكاتره وحتى الدكتور اللي قالنا على موضوع فقدان الذاكرة ده ماکنش معروف أوي

عشان نمشي وره کلامه نظرت له وهي تراقب حركاته المتوترة
فهو قد نزع ربطة عنقه بعنف وألقاها أرضا ، فك أزرة ياقته وقميصه ، بل وهم بخلعه
وكل ذلك في ثوان معدودة ! ! ثوان خضع فيها جاسر العظيم لضغط عصبي وهي التي عانته السنوات شتی وبالكاد تتماسك وتحارب بأنفاس لاهثة
حقا ، ما أضعف الرجال لا يملكون سوی حنجرة قوية وعضلات مفتولة
برها وجلدها وقوة تحملها فابتسمت بهدوء وقالت عاتبة :
- براحة ياجاسر ده ماکنش سؤال المعت عيناه وهو يخلع قميصه ويواجهها بقوة وبنبرة شرسة قال : - أيوا أفهم بقي السؤال ده لازمته إيه دلوقت ياسالي ، من إمتی الإهتمام بحالة أمي ومرضها ومن أمتي بتصعب عليكي ؟

هزت رأسها بيأس وقالت بتهكم :

- كل حاجه عندك لازم يكون لها سبب ، كل إهتمام صادق لازم يكون وراه دافع ، ولو ما اهتمتش يبقى بكره . ولو اهتميت يبقى فيها إن . . وبعد ده كله تقول على نفسك أنك مهما تعمل مش عاجب فضحكت وهي تدفع بدموعها بعيدا وأردفت :
- والله أنا احترت أراضيك أزاي ! ! ظلا يتبادلان النظر بصمت لوهلة
فقط لوهلة حتى تمتمت بخفوت وهي تبتعد عنه نحو باب الحمام :
- ولا أقولك . . . والتفت له وقالت متعمدة جرحه بسخرية حارقة :
- أصلا ماعدش يفرق عندها رسمت شياطين السعیر درب المصارحة التي كان ينتويها بكل شراسة بدلا من ملائكية ضميره المعذب بالذنب لنر إن كانت حقا فقدت الإهتمام وما مدى قوة لامبالتها لنر إن كان ما سيقوله سيصنع فارقا أم لا كما تدعي فقال بقوة :

- سالي أنا قررت أتجوز التفتت له وقالت يإزداراء أشعل النار في هشيم روحه :

- ألف مبروك فاقترب منها وهمس بفيحیح وكأنما يرجو طعنة أخرى :
- الخميس الجاي فعادت له بخطوتان وقالت وعيناها تتصلب في مواجهته :
- خليها الجمعة أحسن فاقترب بدوره وهمس فوق شفتيها :
- یعنی أنت موافقة ؟
رفعت له رأسها وقالت بصوت أبح :
- موافقة جدا
زم شفتيه وقال ورأسيهما يكادان يتعانقا ولكأنما يعقد معه رهانا
- حتحضري كتب الكتاب هزت رأسها وطردت دموعها بعيدا وقالت هامسة :
- أكيد زم شفتيه المرتعشتان وهو يواجه صلابتها المنحوتة بدقة فوق
معالم وجهها لن تشجب ، لن تصرخ لن تعترض أو ترفض ولن تبكي بعویل إمرأة قرر رجلها لتوه الزواج والتمتع بأحضان أخرى هي ، لم تحبه يوما ، وعشقها كان بالأصل وهما لربما كان واجهة مثالية بوابة ذهبية للعبور نحو حياة أكثر رفاهية والعقاب كان قبلة دامية فوق شفتيها ، استحقتها ربما ولكنه كان يريد فقط أن ينالها لربما نال معها ولو دمعة واحدة . . .

ولكن كلا هي لم تبالي شفتيها باردة كالجليد لم تنال منها الرعشة ولا من أطراف جسدها المحتبسة بين أحضانه دفعته ببرود عندما انتهى وحررها بإرادته وتركته وتورات خلف الباب تاركة ورائها ظل رجل صرعته فكرة أنها لم يعد مرغوبا وأن كبريائه يضمدها رغبة أخرى قاتلت وراهنت بكل ما تملك لتحصل عليه حتى لو كان يكرها ويحتقرها فهو سيتمم تلك الزيجة اللعينة فقط الإرضاء كبرياء تحطمت تحت أقدام امرأة تدعي زوجته ومن تكون زوجته تبكي سرا من وراء ذاك الباب تکتم بصدرها صرخة وتحبس داخلها آهه فهي لم تكن تملك حقا رفاهية النطق بها.


تنازعت الألوان أمام ناظريه وهو يقود سيارته عائدا لمنزله بعد المناقشة الحامية التي خاضها مع أخيه الذي لايدرك بأي نعيم هو وأي خسارة على وشك إختبارها وهو الذي يرقد في وحدة

جحيمه ورغما عنه اتخذ طريقا غير الطريق
طريقه كان نحو منزلها ، لا يعلم لم
يشدو الحصول على هدوء ربما قد يقف لساعات يتطلع لشرفتها كمراهق أحمق ويعود بعدها
المنزله وقد هدأت حواسه وتخدرت صف سيارته بركن منزو ومضى يتطلع للشرفة المظلمة تطلع الساعته لقد تخطت منتصف الليل لابد أنها غارقة بسبات مع صغارها
سخر من حماقته وأعاد محرك سيارته للحياة وعندما هم برحيل المحها وهي تترجل من سيارة رجل فارع الطول برفقة ولديها
والأصغر يتوسد كتف الغريب يرافقها نحو المدخل واشتعلت

الدماء وبلغت حرارتها ذروتها في عروقه والتهبت عيناه | بمخيلات لاحصر لها بين جميلته وذاك الوسيم ونفث أنفاسه بقوة ثم دفع بسيارته بعنف محدثا صريرا بعجلاتها جعلها تقفز دون قصد وهي تتطلع للطريق ورأت سيارته تمر مسرعة من أمامها

فبهتت ملامحها والسؤال يطرق عقلها
" ماذا كان يفعل هنا ؟ " التفتت لمرافقها وقالت بهدوء : - متشكرة جدا يا سيادة العقيد تعبناك معانا
ابتسم لها وعيناه تحمل أكثر من تقبل شكر : - تعبكم راحة ، اسمحيلي أوصلك لحد فوق أيهم نایم خالص
هزت رأسها رافضة عرضه المهذب وقالت :
- لاء دلوقت أصحیه هوا متعود على كده أيقظت صغيرها وسار لجوار أخويه ثم التفتت له وقالت :
- معلش أنا نسيت معاد الزيارة أمتي ؟

هز رأسه متفهما وقال : - بكرة الساعة ۲ ححود عليكو ونروح سوا أشارت له بيدها رافضة عرضه مرة أخرى

وهي تشعر بالخجل قائلة : - لا أرجوك مافيش داعي وأصلا مش حاخد الولاد جو المستشفيات مش مناسب ليهم أنا هطلع من شغلي على معاد
الزيارة بأذن الله
قال بتصميم : - خلاص يبقى تديني عنوان الشغل وأمر عليك حاولت التملص من دعوته وقالت وهي تتجه بخطوات هارية
نحو الداخل : - مافيش لزوم صدقني أنا هظبط حالي بكره وممكن أكون هناك
عند بابا قبل المعاد كمان . متشكرة أوي

وقف يتطلع لها وهي تغادر مسرعة مدركا أنه لا يملك سوى شکر الظروف التي جمعته بها فلولا الحالة الصحية الطارئة التي يمر

بها والدها لما ألتقاها مرة أخرى في المشفى ولولا إصرار والدها على أن يصطحبها هو لما حصل على تلك الدقائق الثمينة بصحبتها وبات متأكدا أن أمر زواجه منها أصبح وشيكا فبعد أن يتماثل والدها الشفاء فسيقوم بالأمر على نحو صحيح ، فالحصول على زوجة مناسبة لمركزة ، على قدر من الجمال والأخلاق كان يعد بالنسبة له أمرا شاقا والجد أبدی ترحيبه التام والسري لرعاية الأحفاد وليس عليه تحمل ضجيج الصغار لوقت طويل

إنه يمضي في طريقه بسعي غير مقطوع

فصفحات المجلة تحمل لها خبرا من حروف حمراء لامعة عن الزيجة القريبة لرجل الأعمال المعروف من جميلة المجتمع مسحت دمعة ساخنة استقرت أعلى خدها وهي تدقق النظر
" ضرتها " بشرة خمرية رائعة وجسد لاتشوبه شائبة وصدرها مكتوم بصرخة وصرخة أخرى هزت أرجاء القصر لا
تمت لها بصلة والطرق المتصاعد على باب غرفتها ودخول " لعنات " كما كانت تطلق عليها سرا أنبئها بحدوث أمرا جلل وتاهت مع حروف
المرأة المتقطعة : - الست . . . سوسن . . . في أوضتها . . . تعالي . . عاوزاكي بسرعة ركضت خلف المرأة المكتنزة حتى غرفة حماتها حيث كانت تتوسط فراشها ووجهها مكفهر بشدة والتي ما أن طالعت وجه
سالي المتغضن حتى بادرتها صارخة :
- ده اللي كنت عارفاه من ساعتها ، کنتوا مخبيين عليا كلكم
، فکرکم مش هعرف كانت ممسكة بالمجلة الثقيلة بقوة وتهزها بعنف هزت سالي رأسها نافية واقتربت منها مهدئة :
- مخبيين إيه ؟ رفعت لها أنظارا قاسية وأمرت خادمتها بالإنصراف بهزة رأس
غير قابلة للنقاش وأردفت بحقد : كنت عارفه أنه هيتجوز بنت الزهري ، صح ؟ ! نکست رأسها وقالت بتماسك واهن :
- قالي أنه هيتجوز ماقلیش مین همست بإستنكار وهي تضرب بكفيها الفراش إلى جوارها :
- وأنت وافقتی ، عادي كده ؟ بالبساطة دي ؟ نظرت لها مصعوقة وقالت ساخرة من ثورة المرأة التي يبدو أنها

فقدت عقلها :

- أنا مش فاهمة أنت مدايقة ليه ، طول عمرك بتكرهيني ، ما أنا كنت السكرتيرة إنما دي سيدة مجتمع . . إيه إعتراضك عليها ؟ عقدت سوسن حاجبيها وزمت شفتيها بإزدراء وقالت بعجرفة :
- عندك حق ، وهتفضلي طول عمرك السكرتيرة أنت ولا حاجة وأهو رايح يتجوز عليكي عشان أنت زي قلتك فعلا ، شجرة جميز احمر وجهها بشدة وتقافزت الدموع الحارة لعيناها وقالت : - ليه . . ليه بتهنینی ليه . . حرام عليكي . . عملتلك أيه ؟
تماسكت سوسن بمواجهتها وردت بعنف : - ومش كده بس أنا هفضل أهينك وههينك قدامها كمان ووريني
هتعملي إيه ؟ فغرت فاها وهي تواجه قدر الكراهية السوداء التي تلقيه لها تلك المرأة ، كحية تبث سمومها وهي تحاول إستجماع أي كلمات
تجابها بها ، ولكن لاشيء فنظرت لها سوسن هازئة وقالت بإزدراء :
- اطلعي برة ماشوفش وشك هنا تاني
سارت بخطوات متخبطة بطول الرواق حتى وصلت لغرفتها مرة أخرى وما أن دخلت حتى جلست على طرف الفراش وأجهشت
ببكاء وما أن اختفت عن ناظريها حتى دلفت مرة أخرى لغرفة سيدتها دون إستئذان وقدمت لها حبة دواء مهدئ وكوب ماء وقالت لها
بخشوع : - ماکنش ليه لازمة كل ده یاست هانم

تناولت منها الحبة وزجرتها قائلة : - اخرسي أنت ، إيش فهمك ، كلكم أغبيا وهي بالذات أكبر غبية

في البيت ده تناولت منها كوب الماء وقالت بهدوء : - یعني هيا كانت تقدر تعارض البيه
هزت رأسها وقالت بإقرار : - اللي خلت جاسر سليم يقف قدام أمه ويصمم يتجوزها يخليها
تلففه حوالين نفسه.

هزت نعمات رأسها دون فهم : - طب وماله لما يتجوز ، دي حتى بيقولو أنها بنت . . لم تدعها تكمل حديثها وقالت مقاطعة بحقد :

- بنت الزهري ، بنت أمين الزهري الأسم لم يكن وقعه غريبا على أذني نعمات الخادمة ، بل هو في الواقع مألوفا جدا ، فبسبب الضائقة المالية التي تعرضت لها أسرة
مخدومتها وكان الفضل کله يرجع لهذا الرجل كادت هي أن تفقد وظيفتها ولكنها تخلت عن رواتب أشهر متتالية فقط لتبقى إلى جوارهم فحتى لو كانت لهم مجرد خادمة فهم بالنسبة لها.

أهل ، أهلها وهي ماكانت تتخلى عنهم وفهمت جيدا وتفهمت غضب مخدومتها وقالت بأسف :

- کده یا جاسر بيه على آخر الزمن أغمضت سوسن عيناها بضعف وهي تصدر آهه ثم قالت : - بعد ساعة اتصلي بزياد وأسامة وجاسر . خليهم يجوا كلهم . .
أكون ارتحت شوية.
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل التاسع

الظهيرة لم تكن من أوقاتها المفضلة بالنهار، فهي تحمل ساعات تمضي ببطء فلا هي ذروة النشاط إذ أن الجميع ينصرف إلى ساعة الغداء وفي الغالب تمضيها هي بساعة قيلولة على مكتبها فهي لا تتناول الغداء إلا برفقة صغارها ولا هي راحة تامة إذ أن قليلوتها في الغالب لاتمتد إلا لدقائق معدودة حتى يعود جاسر بالقرع فوق مكتبها مرة بعد الأخرى بأوامر متعددة.


ومرة بعد الأخرى تلوم نفسها لعدم الإنصراف والإنخراط ببقية الموظفين هربا من طلباته التي لا تنتهى ولكنها مع ذلك تبقى بمسئولية أم اعتادت تلبية رغبات نظرت في الساعة التي يحملها ساعدها فلقد مرت ثلاثون دقيقة على ساعة الغداء ومع ذلك فجاسر صامت بل هو في الواقع

صامت منذ الصباح إذا لا مزيد من تضيع الوقت بقي لها نصف ساعة أخرى من جنة الله على أرضه.

" قيلولة الظهيرة " ولكنها لم تهنا إذ أن الجنة لم تكن تحتمل عفونة الأرض وغوغاء

ساكنيها وتصاعدت تلك النغمة التي تعلن إستقبال الطابق لزائر أو في
تلك الحالة زائرة عقدت درية حاجبيها وهي تحاول تذكر أين رأتها من قبل ؟ !
فتلك العيون الفيروزية المدققة بها بشراسة تستدعي داخلها ذكرى ولم تمهلها صاحبتهما كثيرا إذ قالت بإستياء لحملقتها
الوقحة بها :
- جاسر موجود ؟

عقدت درية حاجبيها وقالت بعملية :

- مين حضرتك ؟ رفعت المرأة رأسها بشموخ وقالت بصوتها الساحر :
- داليا الزهري ، خطيبته بهت وجه درية في الحال وماهي ثوان حتى استعاد لونه بل وأكثر إذ احمرت وجنتاها بل وأذنيها بشدة وأردفت وهي تكرر
بإستهجان :
- خطيبته ؟ ؟ ! !
وفتح الباب خلفها بقوة معلنا عنه فالتفتت له درية وقالت بنبرة صوت تحمل في طياتها إتهاما وزجرا :
- خطيبتك ! !
فغر فاهه وأطبقه بشدة ومد ذراعه يدعو داليا للدخول صامتا
والتفت لدرية قائلا بهدوء صارم :
- مش عاوز حد يقاطعنا يادرية

فقامت وأعصاب جسدها تختزل ثورة وراقبت تقدم تلك المرأة داخل غرفته وأردفت بتصميم قبل أن يغلق الباب عله يتراجع عن ذلك التصريح بل وتلك الخطوة الحمقاء بحياته :

- خطيبتك يا جاسر ! ! فهز رأسه بنفاذ صبر وقال مقرا :
- خطيبتي يا درية وغلق الباب بوجهها ومضت تنظر يمينا ويسارا
أين هو ؟
ولم يعود للإختفاء بتلك أوقات ، لابد أن تعثر عليه ومضت نحو المصعد واستقلته للطابق الثاني متوجهة لغرفته ولحسن حظها كانت سكرتيرته غائبة ودفعت بالباب على مصراعيه واقتحمت خلوته وقالت صارخة به :
- جاسر خطب ؟ ! !
| التفت لها متعجبا أكان سؤالا أم إقرار بواقع فقال هازئا :
- هه بيقولوا
التمعت عيناها وقالت : - یعنى إيه بيقولوا واللي عنده فوق دي تبقي مين ؟

رد أسامة ببرود : - لو هيا فعلا اللي فوق تبقي داليا الزهري حملقت به درية وهي تحاول إستيعاب ما قاله أسامة للتو وعادت الذكرى تقتحم مخيلتها فلقد لمحت بغرفة ذاك النائب لوحة مائية لوجهها ، وقتها ظنت أنها من متممات الديكور ليس إلا فقالت بهدوء وهي تحاول السيطرة على إنفعالاتها :

- یعني أنت كنت عارف ؟
طرق برأسه وقال :
- قالي من يومين فسألته بسخرية مريرة : - والتمثيلية اللي عاملناها ؟
ضحك بخفة وقال : - ما أنت سبق وقلت أنها فاشلة
ضاقت عيناها وقالت :
- عشان أنتوا بتختاروا الطريق الأسهل زم شفتيه وهو يعيد جملتها مرة أخرى في رأسه ، وشيئا ما حدثه أنها تبعث له برسالة بين طيات سطورها فقال مستفهما :
- قصدك إيه يادرية ؟ نعم هي تقصده هو أيضا ، فمنذ أن رأته بشارعها وهو يتجنبها وكأنها مصابة بالجذام فقالت دون مبالاة :

- ولا حاجة ، عن إذنك وانصرفت بهدوء وكان هو ببساطة غير قادر على مجادلتها أو الغوص بخبياها فهو كان مؤخرا يعيش بحالة غريبة من استرجاع

الذكريات وعقد المقارنات التي لا تنتهي بينه وبين إخوانه
لم تصله لشيء إلا أنها نثرت مزيدا من الوجع فوق رأسه المشوش ونکات جراحه من جديد وسارت الدماء في شرياينه حاملة
مزيجا غريبا من المشاعر الغير متجانسة غيرة ، نقمة ، ذنبا وأنانية وغضبا لا حد له

يبدو أنها لم تترك محفلا إلا وأقامت فيه صوانا وتركته يشتعل

بأقاويل كالنار تسري في الهشيم ولكن تلك النيران لم تكن لتقارن بالتي تتاكلها هنالك حلقة ما مفقودة وظلت ترتب الأحداث واحدة تلو الأخرى وهي تتجه بسيارتها لقصر آل سليم

أولا ظهور داليا تلاه علاقة تشتعل بدايتها بين زوجها وتلك الغاوية. ثم بيع زیاد لشركته لتؤول لها ملكيتها وأخيرا وليس آخرا خبر تلك الزيجة بين جاسر وداليا التي هي بالأحرى فجيعة.


وأين سالي من هذا كله ؟ تلك التي لم تكف عن الإتصالات لأتفه الأمور ولربما فضفضة

فكيف تظل صامتة بعد تلك الواقعة صفت سيارتها أمام المدخل وترجلت منها مسرعة تجاهلت تحية
نعمات لها وقالت دون صبر :
- سالي فين ؟ هزت نعمات برأسها وقالت بأسف :
- في أوضة الولاد بعد قليل كانت تقف تراقب كيف تلاعب الصغار بهدوء تبني معهم بيوتا ومحلات من المكعبات الخشبية وقالت مستنكرة
بدهشة : - سالي أنت بتلعبي مع الولاد ومش حاسه باللي بيجرى حواليك رفعت لها أنظارا بائسة
وكان ذاك الأسوء ، لقد كانت تعلم جلست أمامها وقدمت لها فنجان القهوة بالحليب كما تفضلها في حجرة الصالون نبادراتها آشري بسؤال لتقطع شكوكها : |
- زیاد إيه علاقته بالموضوع ؟ | رفعت سالي حاجبيها وقالت بمرواغة وهي تحول بعيناها بعيدا
عن مرمى أبصار آشري المتعلقة بها : - ماعرفش الصراحة وليه متوقعة يكون ليه علاقة بحاجة ؟

نظرت لها آشري متعجبة : - عارفة أنا كنت ممكن أعذرك لو كان زیاد متورط بحاجة واضطريت توافقي عشان صالح العيلة زي جوزك بس معنی

كلامك أنه لاء ردت سالي بإنزعاج من تلك الأفضيلة التي تدعيها آشري :
- تعذريني ؟ ! ! تکست آشري برأسها وقالت :
- آنا آسفة ، أنا اتماديت بس سالي بلييز قوليلي أنك رفضتي
زعقتي في وشه وبهدلتيه
ابتسمت سالي بمرارة وقالت : - وكان هيفيد بايه . . أنا زي ماهيا قالت ماليش قيمة
عقدت آشري حاجبيها وقالت غاضبة : - رأي جاسر وأمه يخصهم ، المهم رأيك أنت في نفسك صمتت سالي وتقافزت الدموع مرة أخرى بعيناها وقالت بعصبية
- آشري أنت عاوزه مني إيه أنت جاية تتطمني على أن جوزك
مالوش يد ولا تطمني عليا ؟ وقفت آشري وهي تستعد للإنصراف قائلة وخيبة الأمل تکسو
ملامح صوتها : - أنا كنت جاية ومتخيلة أني هشوف واحدة تانيه واحدة رفضت الإهانة ومش كده وبس دي صممت كمان على ريفنج يرد لها
کرامتها واعتبارها . . . . قيمتها الحقيقية

مضت نصف ساعة وهو يجيب على أسئلتها بإقتضاب حتى قالت

بنفاذ صبر : - أنت غلطان لو كنت فاكر أني مقبل معاملتك دي التفت لها مولیا مشهد الأفق خلف ظهره قائلا بإستخفاف :
- ومالها معاملتي ؟ |
رفعت كتفاها بغرور وقالت : - أنا ماجربتش وراك ولا ضربتك على إيدك
رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل العاشر

يوم مالوش ملامح

يوم ماطلعتلوش شمس
جملة عابرة تمر بآذان المصريين عموما عندما يكون يوما مأساوي الأحداث وعادة تترافق تلك الكلمات، عندما تصل الأحداث لذروتها من البؤس حتى يظن البعض أنها مؤامرة كونية بدفع من نظرة حاقدة قوية، من عين حاسد بلاشك ولكن اليوم لم يكن بذاك المعنى الحرفي بعد إذ أنه في بدايته.

mpAdsnese


فالساعة الآن الثامنة والنصف والشمس مشرقة واعدة بصفاء قسري على سماء نوفمبر الرمادية ونسمات الهواء تذر على وجهها حرارة ضعيفة، ضعيفة جدا إذ أنها لم تصل لدرجة الحرارة التي تهديها دموعها، لوجنتيها وأناملها تكاسلت عن مهمة مسح تلك الدموع.


إذ أنه لا فائدة فصاحبتها تبكي منذ ساعات متواصلة، تبكي بصمت وعندما تلمح إقتراب لأي ظل أو خیال بشر ترفع رأسها شامخة وبمهارة تخفي آثار تلك الدموع حتى أنها استحقت بجدارة ذاك اللقب الذي أطلقته عليها حماتها المصون شجرة جميز لا تشعر ولا تحس ولكنها كانت تشعر وتحس وتتألم وتصرخ وتلوی، فقط بعيدا عن أعينهم

فهي لن تدع أحدا يراها وهي تلملم شظايا نفسها التي كسرها زوجها متعمدا حتى أنه سيقيم حفل زفافه الليلة تحت ناظريها بل وسمعته منذ قليل يجتمع بأبناءه ليخبرهم قراره في غرفة مكتبه ويعدهم أنهم سيحبون " طنط داليا " بل وطلب منهم معاملتها معاملة جيدة فهي بمقام والدتهم ولو ظن أنه طعنها في ظهرها عندما قرر الزواج من أخرى فتلك الكلمات بالتحديد أصابت قلبها في مقتل فشطرته نصفين وانصرف الأبناء شاردون يتعلقون بوجه أمهم الخالي من الإنفعالات فقد أصبحت بارعة بحق بإستخدام مزايا تلك الشجرة حتى أنها أهدته ابتسامة باردة ، مستحقرة لكلماته ووصاياه فقالت بصوت لا معالم له :

- ماتخفش على الولاد بكرة تقول سالي عرفت تربي

فتمتم قبل أن ينصرف بظل هارب " عارف " وخرج لحديقة القصر يتابع سير العمل والأفكار تطرق رأسه بلا
هوادة وقدماه تحثه للعودة للداخل مرة أخرى للحديث معها التبرير ما بدا لعقله سخيفا جدا في تلك اللحظة إذ إنها سويعات لا أكثر
ووقفت هي تتابع خطواته المتنقلة من هنا لهناك تسترجع بخاطرها ذكرى زيجة أقيمت في تلك البقعة بالتحديد منذ سبع
سنوات لم تكن حرفيا بليلة العمر إذ أنها اكتشفت أن زوجها ، رجل أحلامها ببساطة . . كاذب ولكنها تغاضت عن تلك الحقيقة ومضت بحياتها معه تمر مرور الكرام فوق كل إهدار لكرامتها وحقوقها وتسعد أيما سعادة
بهفوة تقدير منه أليس لا كرامة في الحب وليس بين المحبين حساب ! !

لا ليس بالضرورة

تلك أقوال النساء الخانعات وإلى متى تظل هي متشبثة بركبهن ؟

الحلم يتحقق

- أخيرااا همسة عبرت شفتيها وهي تفرك رأسها لدى استيقاظها ليلة العمر بانتظارها
رجل أحلامها
فارسها المغوار
حصلت عليه أخيرا
ليعود إلى أحضانها مرة أخرى
ستسقيه الشهد ألونا ستسكب في عروقه غراما
لن يستطيع الفرار أو الفكاك بل وأنه قد يستغني عن خدمات الأخرى ولكنها سترسل له ليبقيها
فمن يرعى الأطفال الصغار المعت عيناها بظفر وهي تقفز من فراشها الوثير اغتسلت وألقت بجوفها ذاك الشراب السحري وقامت ببعض
التمارين السريعة جدا
ومتى يصل اليوم لنهايته خاطرة ملحة مرت تطرق رأسها مرة بعد الأخرى

واليوم مر

وشمس الغروب تلقي بظلال خافتة على سماء نوفمبر الرمادية
والتي تنذر بهطول أمطار خفيفة
متوتر
حائر بل وأطرافه ترتعش ببرودة
عصبي المزاج
نزق الأنفاس
يبحث عنها بضراوة إذ تأكد من الحارس أنها لم تغادر القصر ولولا كبرياء نفسه الغبية لرج أركان القصر بصوته مناديا باسمها
يرجوها فقط الظهور أمام ناظريه لف عقدة عنقه للمرة السادسة على التوالي
ولكن ككل مرة ظهرت بشكل فوضوي أين هي ، أصابعها كانت دوما بارعة
ياله من عديم الأحساس بحق ، أيتمنی ظهورها لتمم أناقة مظهره ، كي يخرج لإحضار عروسه من منزلها ! ! هز رأسه محتقرا لنفسه ، نادما مقرا ومعترفا أنه فقط يرجو رؤياها والتحدث معها بكلمات غابت عن سطور معجم العربية واللغات أجمع فهو لا يكاد يستجمع حرفا
خرج من غرفته وعيناه تدور في كل الأركان حتى أبصر أمه تنظر له بقسوة فقال بصوت أبح قلق :
- مالك تعبانه ؟

فقالت بصرامة : - ماتدورش عليها ، خلاص كل شيء وليه آخر اقترب منها بسرعة البرق وقال بأنفاس متقطعة :

- قصدك إيه ؟ سابت القصر ومشيت ؟
ضحكت أمه بسخرية على حاله : - لحد دلوقتي لاء ، بس اطمن أنت في طريقك توصلها لبراه
عقد حاجبيه غاضبا من إستهزاء أمه به وقال بعنف : - ياريت بس ماتزرعيش أفكارك دي في دماغها ، سالي بتحبني
وإستحاله تسيبني زي ما أنت عاوزه مالت أمه بعكازها واقتربت من أذنه قائلة :
- زيك زي أي راجل یا جاسر وعادت للخلف مرة أخرى لتواجهه بقوة قائلة وقد لمعت عيناها :
- غبي احمر وجهه بشدة وقرر الإنصراف مهدئا نفسه كي لايصرخ بوجه أمه فيكون عاقا بحق ولكن خطواتها على عكازها العاجي كانت الأسبق نحو الأسفل لترحب بالضيوف قائلة بكلمات وصلت
لسامعيه من وراء ظهرها ببرود تام : - روح هات عروستك الناس وصلوا

عاد فجأة دون إنذار إذ أنه اختفى منذ يومان راقبته وهو يدلف

لحجرتهما بكلمات قليلة شملت فقط إلقاء السلام عليها فزفرت بعضب وتركت حاسوبها النقال ومضت لتعقد تلك المواجهة ولتنهي الأمر كما بدأته
- زياد إحنا لازم نتكلم خرج من حجرة الملابس وهو متأنق بقميص حريري ناصع البياض وسروال کلاسکی أسود حاملا سترته على ذراعه
فقعدت حاجبيها قائلة بتعجب :
- أنت رايح فين ؟

قال بصوت مرح : - أنت نسيت ولا إيه أنا توقعت أرجع ألاقیكی جهزت

اقتربت منه وقالت بنفاذ صبر :
- نروح فين ؟
رفع حاجبيه وقال بهدوء : - إيه یا آشري النهاردة الجمعة ، فرح جاسر
قالت حانقة : - أنت بجد هتروح ؟ سيريسلي ؟ هز رأسه وقال هازئا منها :
- آه سیوریسلی جلست على طرف الفراش وهي تراقبه يرش عطره المفضل بوفره
ثم قالت : - وسالي ، مافكرتوش أد إيه ده يجرحها ؟
فقال ببرود : - اللي بيتجرح بيصوت ، بيعيط ، بیعترض لكن أديكي شايفه
لمعت عيناها وقالت : - مش شرط على فكرة ، يمكن يكون كاتم جواه زي ما أنا كاتمة جوايا

التفت لها وقال بهدوء : - مش لوحدك یا آشري ، احنا الاتنين كاتمين جوانا ، وهيجي وقت وهنتكلم ونطلع فيه كل حاجه ، بس دلوقت قومي ألبسي

فقامت وقالت بعنف : - ليه ؟ هه ؟ عشان نبارك لجاسر ؟ ولا عشان تظهر قدام أخوك
ياريح مايهزك جبل ؟ |
ضحك زیاد ساخرا : - اسمها يا جبل ما يهزك ريح
فقالت بحدة :
- ایتس نوت ذا بوينت عقد زیاد حاجبيه وقال وهو يضع كفيه على كتفيها مهدئا : - أنا لازم أروح ، ماينفعش ما أروحش ، کملي جميلك يا آشري
واقفي جمبي
مضت تنظر له عاقدة الحاجبين وهي تزفر أنفاسها الحارة ثم
قالت بصوت لاجدال فيه : - وبعديها إحنا لازم نتكلم

بوجه جامد المعالم

فقير التعبير جلس إلى جوارها يراقب الطريق بأعين سوداوية فقالت متأففة :
- محسسني أنك رايح لأجلك
فابتسم هازا ملتفت لها : - كالعادة بتبالغي في إحساسك بقيمتك
فقالت بعند : - أنا فعلا قيمتي عالية ولا أنت مش حاسس بكدة ؟
رفع كفها وقبله ثم قال :
- أكید یا داليا وإلا مكناش اتجوزنا
فقالت بدلال : - لسه متجوزناش وخد بالك لأحسن أضيع منك
فقال ضاحكا : - وتضيعي إزاي وأنت جمبي في العربة وبينا وبين القصر أمتار
قالت بغموض : - ماتكونش واثق أوي كده ، الحياة زي مابتدي فجأة ، بتاخد
فجأة نظر لها نظرة تقيمية جديدة في عرف جاسر سليم ثم قال :

- دا أنت طلعت فلیسوفة وأنا مش واخد بالي أمسكت بكفه بقوة وقالت بأنفاس واثقة وهي تحدق بعيناه : - جاسر أنا جوايا حاجات أكتر بكتير من اللي في بالك وواثقة أي هشوف منك أكتر من اللي في بالي ، بس أنا مستعدة لده وشغوفة بيه . اللي بيزعلني أن أحس أنك مش مهتم وكأنك

محيت فعلا كل المشاعر الحلوة اللي كانت بينا
وتعاظمت المسئولية فوق کاهله
مسئولية إمرأة تراه بعين العشق تظلل وجدانه بذكريات مشاعر كانت بالفعل رائعة ولكنه نسيها أو
تناسها ولا فارق إذ أنها ما عادت تشکل شیئا بكيانه ، فما تلاها كان بالفعل أقوى
رد بصوت جاف :

- وصلنا على فكرة ترجل من السيارة الفارهة ولف حولها ليفتح الباب لعروسه التي

سارت متبطأة ذراعه رفع رأسه ليواجه ضيوف الحفل ولكن أنظاره لم تكن متعلقة بسواها تقف بشموخ تطالعهم بنظرات خاوية ، كفيها متدليان على كتفي صغارهما لا يعلم أتستمد منهم قوتها أم أنها تلقي بظلال حمايتها عليهما ؟ ! جسدها عاد ليزدان ببوادر رشاقة ملفوفا بثوب کریمي مطعم
بأحجار على شكل ورود قرمزية اللون
ومن يتهم الرجال بضعف الذاكرة وعدم ملاحظة التغيرات التي تصيب نسائهم وأنهم لا يستطيعون تمييز ما ترتديه زوجاتهم فهو
المخطىء

إذ أنه تذكر ذاك الرداء

فهو من ابتاعه لها لحفل خطبتهم عقد حاجبيه وداخله يشتعل بغضب ولوم وغيرة لاتفسير لها تقدم بعروسه نحو الدرجات الرخامية حتى توقفت خطواته عندما توقفت خطوات رفيقته التي خلعت زهرة بيضاء من خصلات
شعرها وثبتتها برأس الصغيرة " سلمی " بأنامل مرتعشة فتقبلت سالي حركتها المستفزة بهدوء تام وهي تثبت الزهرة خلف أذن صغيرتها وأمرت صغارها بمصافحة العروس ثم قالت ببرود وهي تراقب خجلات زوجها المرتعشة على غير عادته :
- مبروك ياعروسة
هزت داليا رأسها ونظرت لغريمتها أو بالأحرى ضرتها المستقبلية وهي تقر بإعتراف داخلها أنها لم تقدرها حقا قدرها وردت

بهمس رقيق :

- ميرسي الموقف المتوتر والذي كان ينذر بإشتعال كما كان يتمنى البعض ، مر بسلام إذ أنها كانت دقائق معدودة وجلس المقربون جدا من العائلتين بصالون القصر الواسع وهم يستمعون لديباجة
الشيخ وهو يتمم عقد القرآن
كانت تدور بعيناها وتتنقل بين وجوه الجميع وجه حماتها متصلب ينذر بلعنة ستطیل تلك ال " داليا " ولا محالة آشري والدموع المترقرقة بعيناها وهي تنظر بغضب لزياد الذي كان يجاورها متغافلا بقصد ربما عنها وهو شارد بأنظاره نحو
أخيه الأكبر أسامة الذي حضر أخيرا وهو متشح بالسواد ببذلة ليست برسمية وكانت نظراته بنفس القتامة وكأنه جاء ليحضر عزاءا وليس زفافا
ورجلان آخرين والسعادة تشع على محياهما كقريبتهما التي
كانت تردد كلمات لا تقدر بثمن وراء الشيخ وأخيرا زوجها المتصلب الهارب بنظراته حتى من عروسه الجميلة
فكره وعقله منصرف بالكامل عن الجميع أنظاره متركزة على الشيخ يخط بقلم حاد الإنحرفات ، قائم الزوايا بحروف اسمه فوق عقد الزواج
وانتهى المشهد

وزفرت الأنفاس

بعضها إرتياحا والآخر كان خيبة إلا أنفاسها التي كانت تتوق لتلك اللحظة منذ بداية اليوم لتقول بصوت قوي قاتم قاطع لتلك الزفرات مشتتا لتلك الراحة
مختزلا لتلك الخيبة الايقبل النقاش أو الجدل أو حتى إعادة التفكيير ولا الرجعة :
- طلقني با جاسر
وأصابت أنظاره المصدومة مرماها أخيرا ومرساها إذ تعلقت
بقسمات وجهها من علياء وصمت لف الحجرة بإحكام حتى خنقها والأنظار متصلبة بين الاثنان والأنفاس محتبسة
وقام ليواجه ، فليس من شيمته التقاعس
والغضب بشياطينه اجتمعا فوق رأسه تطلب الإنفصال عنه أمام ذاك الجمع الغفير
تثبت للجميع أنه فشل فشل بإحتواء زوجته وضمان موقفها ومباركتها كانت زيفا لقد خدعته
على مدار تلك الأيام الماضية كانت تتوارى بظلال هروب
وخنوع وهي تدبر للتخلص منه كانت تخطط لهذا المشهد منذ أن صارحها بقراره
لتضعه بين شقي الرحی
إما أن يتخلى عنها أو يعلن رفضه ويعلن معه ضعف جاسر سليم أمام إمراة
أكان ذلك إنتقامها منه ؟

يستجدي بقائها إلى جواره ، يرجوها عدم الرحيل والتفكير بالأمر

مرة أخرى تنتظر منه ركوعا وخنوعا أمام أعين القريب والغريب ولكنه مع ذلك أجبر نفسه للتغاضي عن تلك المشاعر والأفكار
السوداوية التي أصابت رأسه نعم هو لم يكن من يخنع ويركع لأمرأة قط ، ولكنه كان ليساوم ويجبرها عن التراجع وصوته الجامد أعلن
- والولاد تلك الكفة الرابحة الكفيلة بإعادة الميزان لاعتداله وربما أكثر قليلا نحو صالحه
ولكن سوء الحظ كان رفيقة وتلك المساومة خيبت رجاءه بنتيجتها التي أعلنت على لسانها بأمر غير قابل للنقاش ولا
لاعادة المحاولة - ولادی مش هيسيبوا بيت أبوهم ، هبقي آجي أنا أشوفهم مهما
كان هفضل أنا أمهم لقد وضعته بخانة اليك " كما يقولون مزقته بين رحى كبريائه وإحتياجه
لم تترك له خيارا فهو لم يكن ليستجدي بقاء من أعلنت رفضها له ورغبتها
بالإنفصال عنه لم يكن ليرغب بخائنة

نعم هي خانته بارکت خطواته ومنحته صك غفرانها ووعد بتحمله للأبد والآن نكثت عهدها وأمام الجميع أعلنتها صراحة وطلبها غير قابل للرفض

ومساومته له باتت خائبة لا قيمة لها إذ أنها كانت متحملة لنتائجها بالكامل وراضية بقسمتها ونصيبها
وكيف يعلن رفضه بل وكيف يتمادی بضغطه عليها ؟ ! ! | أيتزوج من أخرى ويحرم زوجته الأولى صغارها ، كيف سينظر له
الناس بعدها ؟ كان ذلك ممكنا بين جدران غرفتهم ، كان ليكون سرهم
كان ليقدم الاعتذارات والوعود لها بل كان من الممكن أن يتخلى عن الأمر برمته إرضاءا لها إن فشل
بالحصول على رضاها
ولكنها لم تمنحه تلك الفرصة لقد منحته مباركتها ليتمم تلك الزيجة لتنسحب بعدها من حياته
ربما كانت تلك رغبتها الحقيقة
طعنته بظهره والطعنة يجب أن ترد
- أنت طالق

شهقة وصلت لأسماعه وربما كانتا شهقتان وكلاهما تخص آشري

وعروسه وتقدم خطوات غاضبة نحوه تخص أخيه الأوسط أما زوجته أو بالأحرى من كانت زوجته تلقت طعنته بصدر رحب
وتقدمت منه بخطوات محسوبة لتنظر له نظرة أخيرة لم يفقه معناها ولكنها كانت تلتمع بعبرات النصر ثم خرجت بخطوات
شامخة وكأنما كانت هي من تربط الجمع ببعضه وكأنه عقد وانفرط عند إنصرافها تفرق الجميع بخطوات مشتة وبقي هو برفقة عروسه التي كانت تحاول إستيعاب الموقف وتسترجع تفاصيله شاردة حتى أفاق على صوت أمه الصارم التي كانت تقول قبل إنصرافها مستندة على عكازها بقسوة بالغة.

- قدم قدم سعد ياعروسة

فرفعت لها داليا وجهها وهمت برد غاضب ولكنها كتمته عندما
طالعت ملامح زوجها المكفهرة | الذي خرج ليراقب وداع من كانت زوجته لصغارهما الباکیان
وهي تقول بصوت هادىء : وبعدين ، إحنا مش كنا اتفقنا خلاص
فقال سليم وهو يبكي : - وتسيبينا لوحدنا ياماما ؟ ربتت فوق رأسه وقالت بحنان :
- أنتوا مش لوحدكوا معاكوا بابا وتيته ثم جذبتهم وهمست بأذنهم بأمرا ما كان كفيلا بإعادة البسمة ولو
كانت صغيرة متوجسة لوجوههم الباكية وقبلتهم وقامت وهي تراقب إنصرافهم للأعلى برفقة نعمات التي كانت تهديه نظراتها
الغاضبة بغير حساب ومضت هي بخطواتها نحو الخارج واستوقفها قبل أن تنصرف
قائلا بصوت يكتم غضبا لا حدود له :
- فكرتى وخططتی کویس حتى أتفقتي مع الولاد نظرت له وهي ترفع أنظارها ، ربما تغير فيها الكثير إلا أن قامتها القصيرة لم تكن لتغير والغريب أيضا تلك اللمعة بعيناها وهي تلمس ردائها القديم قائلة بكبرياء : - لا الخطط والأفكار دي طول عمرها بتاعتك أنت ، أنا كل اللي عملته إني افتكرت اقترب منها وقال بصوت غاضب يخالطه اللوم : - افتكرت النهاردة وقدام الناس إنك مش موافقه ياسالي ؟ هزت رأسها نافية والدموع تتقافز بعيناها وهي تقول بهمس مسترجعة ذكريات قريبة : - إني بنت محسن اللي أخدتني من فوقه سطوحه المليان ورد.

وأماني . . . بالفستان ده

وتجسدت له الذكريات حاضرة وكأنما يسمع الضحكات من جديد وتشق أذنيه الوعود التي ألقاها لذاك الرجل الطيب بعناية صغيرته والإحسان إليها وأغشت أنظاره ظلال تلك الفتاة الحالمة التي كانت أبصارها تتعلق دوما
به بشغف وعشق ورغبة بحياة سعيدة وعندما عاد للواقع كانت قد اختفت من أمام ناظريه وأضحت تماما خلفه بطريق تشقه بخطوات مسرعة نحو الخارج ودون
وداع وما بقي أمامه سوى ظل أخيه القاتم الذي باغته بوعده وصدقت
نبؤته : - ولسه ما تعرف كويس أوي قيمتها وانفجر بركان الغضب داخله فقال يإتهام :
- يبقى أنت اللي حرضتها أرسل له ضحكة هازئة ثم اقترب منه وهو يقول غاضبا : - لاء أنت اللي حرضتها ، كنت فاكر أنك تفضل تدوس وتدوس
وهيا إيه ؟ ! صمت قليلا وهو يراقب رأس أخيه المنكس وأنفاسه المتسارعة
ثم قال بهدوء ساخر :

- مبروك ياجاسر ، فزت بعروسه قصاد إنك ترجع شركة أخوك التي اتسرقت منه بلعبة " ستريب بوكر " وشدد على تلك الكلمات وهو يعلم أن الآخر بالذكاء الكافي ليفهم مقصده ثم أردف

بهدوء مرة أخرى - ومعلش هاردلك أيه يعني ماعرفتش تحتفظ بمراتك الطيبة بنت
الأصول ، ولا حاجة في عالم جاسر سليم
رفع جاسر إصبعه مهددا ثم قال بغضب محتقن : - أسامة ماسمحلكش متنساش أنها بقت مراتي وعلى فكرة أخوك كان شارب ومافيش حاجه حصلت بينهم
فأمال أسامة رأسه وقال :
- ياااه تصدق تفرق فعلا
وانصرف وهو يلعن أخيه وجحوده وعناده فهو إن كان أطفأ شعلة الحياة في زوجته فرحلت عنها بحادث غير مقصود ، فلقد أطفأ جاسر شعلة الحياة في زوجته حية متعمدا

وها هي النتيجة وأطفاله من سيدفعون الثمن

وغاب أسامة عن ناظريه وغاب هو عن الجميع بحجرة مكتبه
المظلمة ولم يدري كلاهما بوجود ضيف خفي ضيف كان حظه دوما يقوده لإعتراف سري بين أطراف عائلة سلیم
ليعلنها مرة أخرى أنها كانت مخطئة تماما بالوثوق بأصغر أفرادها ومضت بدموعها تبحث عنه حتى وجدته بأحد أركان الحديقة
المتزوية والجمع حوله مشتت لايدرى أهناك المزيد من الأحداث المشينة التي قد تثري
مخيلتهم وألسنتهم لأيام قادمة أم أن الليلة أحداثها بدأت بزيجة وانتهت بطلاق فقط ولا مزید قالت وهي تجذبه من ذراعه بهمس حانق :
- ستريب بوكر
بهت وجهه واتسعت عيناه برهبة وفقد توازنه لوهلة ثم قال
بصوت مرتعش نافيا :

- تقصدي إيه يا آشري ؟ اقتربت منه وقالت بنفس الهمس ولكن جنبات جسدها كانت

تهتز بغضب لم تختبره بحياتها من قبل : - الشركة خسرتها في لعبة ستريب بوكر مع الهانم ؟ ! !
أمسك بذراعيها وأمرها خائفا بصوت مكتوم : - شششش وطي صوتك ، إيه الكلام اللي بتقوليه ده ؟
دفعت يداه بكفيها وهي ترد بصوت حاد : - أنت عارف كويس ، ایتس أوفر یازیاد اللي بينا انتهى

ويالها من ليلة

زيجة 1
طلاق ۲
والحصيلة شماتة لا مثيل لها بأفراد عائلة  سليم
والهمهات المرتفعة خير برهان نظرت حولها للجميع مستنكرة ، متقززة ، جميعهم من أصدقاء تلك
الحرباء المتلونة أغوت زوجها واستطاعت تفرقة الآخر عن زوجته فانصرفت بكبرياء غاضب فهي لم تكن لتمنحهم ذاك الرضى
بمشاهدة آخر فصول حياتها الزوجية

iklan banner

Abdulrhman Sayed
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع قصص وروايات .

جديد قسم :